حين شعرت بثقلي عليك، أعفيتك ورحلت. جلست تطالع الباب بضيق من تأخره، ثوانٍ وسمعت طرقًا على الباب، أسرعت تفتح وهي تحاول السيطرة على دموعها، ارتجفت شفتيها ببكاء قائلة: -اتأخرت ليه يا أمير؟ -طمني أنس عامل إيه دلوقتي؟ -عرف إني مشيت صح؟ احتل الحزن ملامحه وكأنه إجابة لكل تساؤلاتها. أغمضت عينيها بألم متسائلة: -طمني، هو بس كويس، أهم حاجة. تلمعت عيناه بألم قائلًا بعتاب:
-أنا مش عارف وفقتك إزاي إننا نخبي عليه، يا ريتني ساعة ما قابلتك في الشارع كنت رجعتك، أنا روحت شوفته مقدرتش أبص في عينه ومشيت. ابتلعت ريقها محاولة أن تستعيد رباطة جأشها، بللت شفتيها هامسة بألم: -كده أحسن ليه، وشوية وهينسى، أبقى طمني يا أمير بس. استأذن أمير منصرفًا، أغلقت الباب خلفه وارتمت على الأريكة تغطي وجهها بكفيها تنحب ببكاء مرير. ***
مر أكثر من شهرين، وهو نهارًا يبحث عنها ويظل حبيس غرفته ليلاً. لا يعلم كيف ومتى عشقها قلبه بهذا القدر. لا إراديًا وقع في عشق تلك الهاربة. أغمض عينيه بألم فشعر بيد تربت على كتفه، التفت فوجدها أمه تهمس بأسى: -وبعدين معاك يا أنس؟ هتفضل كده يا ابني؟ ده أنت عملت اللي عليك ودورت عليها. منكرش إن قلبي واكلني عليها بس خلاص هنعمل إيه؟ دي مكملتش كام شهر معانا، اعتبرها مجتش أصلًا ومتعملش كده في نفسك.
هز رأسه بيأس وهو يضرب صدره موضع قلبه قائلًا: -بس ده حبها، وكأنها عاشت عمرها معايا، حبيت كل حاجة فيها، حتى الحزن اللي في عينيها حبيته، عشان أنا اللي هعوضه، بس هي فين؟ مشيت ليه؟ مسحت نوال دموعها وهي تنهض واقفة: -يا ترى فينك بس يا ونس؟ بس... الدموع غزيرة في أي أنثى منذ قديم الزمن، تعد سلاحها الأقوى، لكنها دائمًا دموعها ضعف. أسدل الليل ستائره وهي مازالت تعمل بالخيوط، تقوم بصنع الفساتين (الكروشيه)
وبيعها عبر صفحات التواصل الاجتماعي. فبعد عناء وجدت هذه المهنة كمصدر لرزقها بعيدًا عن الاختلاط بأحد. تنهدت بثقل وتركت الخيوط جانبًا، فهي تعمل ليلاً ونهارًا لعلها تشغل نفسها عن التفكير به. تلألأت دموعها عند ذكره فمسحتها لتتجه نحو الفراش في محاولة واهية للنوم وهي تهمس بنبرة مرتجفة من أثر البكاء: -سامحني يا أنس على اللي عشته بسببك. ***
وقف في الشرفة بأكتاف متهدلة يلوح على قسماته الألم. يتذكر وقفته معها في نفس المكان، يشعر أنه يريد حرق العالم وإحضارها لإحضانه ليخبرها بأنها هي سبب سعادته وليس نذير شؤم عليه. لكن أين يبحث عنها؟ أخرج هاتفه من جيب بنطاله ليطلع صورها التي التقطها لهم سويًا أثناء الخطبة. كيف أصبح لا يرى سواها؟ ملامحها الناعمة كلما رآها وقع في عشقها مجددًا. لفتت نوال ووقفت بجواره تحاول الابتسامة قائلة بنبرة حزينة:
-محدش بياخد غير نصيبه يا ابني، حاول تعيش. حاول كبح دموعه التي تلألأت في مقلتيه فهمس بصوت متحشرج: -طب مش عارف أعمل إيه، أول مرة أحس إني متكتف كده، مش عارف أروح فين؟ ولا أدور فين؟ حتى بلدها روحت وهي مش هناك، ياترى تكون راحت فين بس يا أمي. انسابت دموع نوال رغمًا عنها قائلة: -ربنا يردها، ويوقف ليها ولاد الحلال. طرق على الباب قطع حديثهم، فتوجهت نوال صوب الباب، فوجدته أمير. أشارت له بالدخول فتبعها للشرفة، فاردفت:
-أهو على الحال ده يا أمير، يمكن يا ابني، حاول معه يمكن تطلعه من اللي هو فيه. دون أن ينبث بكلمة واحدة، مد أنس يده له بالمفاتيح. عقد أمير حاجبيه متسائلًا: -إيه ده يا زعامة؟ -مفتاح الورشة، أنت مالكش دعوة، افتح وشوف أكل عيشك. شعر أمير بحزن على حالته ثم قال: -أنا جاي أطمن عليك أنت يا زعامة. أجابه باقتضاب وهو يوليه ظهره للداخل قائلًا: -معلش يا أمير تعبان ومصدع شوية وعايز أنام. *** "مع إذن... لكنه فجأة
تسمر مكانه على جملة أمير: -أنا عارف مكان ونس. صمت للحظات يحاول السيطرة على انفعالاته ولملم شتات نفسه. قادته خطواته المترددة نحو أمير وعيناه تقدحان شررًا ما بداخله يعربد بجنون. ثورة من مشاعر متناقضة. هو دائمًا يتعامل بالعقل أما الآن هو فاقد السيطرة. فهربها بتلك الطريقة أكثر شيء ألمه كأنه لا يعني لها شيئًا. صاح بهدر وهو يجذب تلابيب أمير: -يعني إيه تعرف مكان ونس؟ انطق هي فين وساكت لييييه كل ده؟
شهقت نوال من هيئة ابنها، بينما ارتعد جسد أمير من نبرة صوته فتحدث قائلًا: -والله يا زعامة أنا لقيتها ماشية في الشارع بتعيط ومعاها شنطتها، وأنا جاي أطمن عليك.. فناديت عليها وسألتها وقالتلي إنها رايحة تشتري حاجة ومصدقتهاش وروحت وراها وبعد كده عرفت إنها فعلًا ماشية، مرضتش أسيبها وأخدتها في البيت عند أمي في شقة فاضية، قولت مؤقتًا. والله أنا كنت هقولك بس هي حلفتني، بصراحة مش قادر أشوفك كده. لكزت نوال أمير قائلة باغتياظ:
-يخيبك يا أمير، يعني تعرف مكانها وسيبنا نعيط ليل نهار؟ تصدق حلال اللي هيعمله أنس فيك. نفض يده عنه وبداخله يتوعد لها، زفر بحدة قائلًا: -عنوان أمك بسرعة. رفع أمير حاجبه مستنكرًا: -نعمممم، إيه الكلام ده يا زعامة؟ -يا غبي عنوان ونس، وبلاش دماغك الشمال دي عشان أنا بتلكك. اطلع بروحك بس أشوف ونس الأول.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!