الفصل 1 | من 53 فصل

رواية اسد الصعيد الفصل الأول 1 - بقلم إيمي عبده

المشاهدات
48
كلمة
1,122
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

ظهرت والدة جميلة من العدم ووقفت أمام صقر باكية، راجية: "الله يرضى عنيك، سيبها لحالها، كفاية اللي جرالها." تدخلت والدته، وعلى ما يبدو أنها تريد قتل أحدهم، فصوتها الذي لا يرتفع إلا قليلاً يكاد يشق المنزل من صداه: "جرالها إيه؟

دلعتي مجصوفة الرقبة بتاعتك لحد ما بهدلتها. كاسر، مرت عوض، قالت لها الواد مريض، وكل من أطل عليها قال كده، وهي عاملة حالها مفنطة وزعجت فينا، وأديه مات، لجل ما تنبط وتجلس. وأديني أهو، أقول لك اللي يهمل نعمة ربنا كده، حتزول من خلجته، ولا هي شايفة ضفر راجل من ضهر صقر تاني." حينها أدرك صقر ما حدث. لقد ترك زوجته حاملاً في شهورها الأخيرة، ويبدو أنها أنجبت الصبي الذي أرادته، لكنها لم ترعاه جيداً، أو كما يبدو، كان ضعيفاً ومات.

تنهد صقر، لا فائدة من الحزن على من لم يعلم بشأنه. نهض واقفاً، فنظر له الجميع مترقبين، ومن بينهم أخاه الذي ظل صامتاً منذ البداية، فقط احتراماً لصقر.

حينها خرجت جميلة، فقد سمعت صوت والدة صقر يعلو، ويبدو أنها ستعاقب، وظنت أن دموعها قد تجعله يرحمها، ولو فقط أمام الناس، لأنها تعلم أن لا دموعها ولا حتى دماؤها لها أي تأثير على صقر. ولكنها فضلت أن تواجهه بوجود الجميع، علّ عقابها يكن أهون من مواجهته بمفردها. لكنها، كغيرها، صُعِقت بهدوئه حين سألهم: "هو مات؟ هدأ غضب والدته وتشكل الحزن في حلقها، وأجابته بصوت واهن: "بجاله يا چي أسبوع."

أومأ بصمت، ثم نظر لهم فوجد الجميع متأهباً لثورته القادمة، لكنه ظل على هدوئه: "الله يرحمه، بس على كده، عندكم عشاء ولا حتجلسوا تولولوا على اللي راح؟ استنكرت جميلة هدوئه، وتركت خوفها، ووقفت تصرخ به: "إنت مش زعلان عليه؟ "أحزن عليه كيف، وأنا مدريش بيه غير دلوقتي. الله جاب، الله خد، الله عليه العوض." ازداد اشتعال غضب جميلة واقتربت منه صارخة: "إنت إيه؟ حجر؟ ما فرقش معاك ضناك؟ يا مُرّ يا جميلة! برقت عينا صقر بغضبه

الدفين من تلك الحقود: "ضنايا اللي قتلتيها من قبل ما ييجي الداية. قالت لكِ: 'ملكيش حبل'. دلوقتِ لسه جثتك ما ريحتش من الولادة الأولى. عملتي بتفهمي لحالك وجطمتي ضهر بتك بدري لما فطمتيها قبل ما تتم السنة. ولما جا لكِ الواد اللي حتنصري عليه، حافظتيش عليه. قالوا لكِ: 'الواد مريض'، عملتي أم العريف ومسمعتيش لحد واصل. وأدي ربنا خد عطيته ورحمة من عقربة لا ترضى ولا تشكر زيكِ. عايزة إيه؟ أزعل عليه؟

أواجه وآخد بتاري من اللي قتلته؟ تحبي أدفنك جاره؟ ولا أقول لكِ: 'متستاهليهاش، دمه الطاهر حتنجسيه ببرجدتك'. جاره إيه؟ رأيك أشج بدنك وأدور لو كان لكِ جلب كيف باقي البشر؟ ولا أفتح نفوخك أطلع لو بيها عجل؟ ولا له؟ ولا تاخديها من أصلها وتغوري على دار أبوكي ومتوريناش خلجتك أبداً." صرخت والدتها راجية ومالت تمسك بيده تقبلها ذليلة: "أحب على يدك، له لو رجعت وياي أبوها حيقتلني، ومين حيرضى بيها بعد ما كبير البلد يهملها."

نفض يدها غاضباً مما تفعله، فأكثر ما يكرهه الذل. "خالص، فضيناها. قولي لبتك تلايمها وتخفى من خلقتي. ولعلمها، حبل قبل أربع سنين، ما يحصلش." صرخت جميلة مجدداً: "حتجول إيه؟ عاوز الخلق يجولوا بجيت أرض بور؟ "ما يلزمونيش الخلق. لو البت حصلت أخوها، رعيها لو عايزة يبجالك عيشة معاي، على ما صحتها الضعيفة تتجوى وصحتك ترد، وتجدري تحبلي في عيل عفي يتحمل أذاكي. ولو حدّثتي، متسمعيش. لو أمك حبت على رجلي كمان، ما أهملكِ دقيقة في داري."

صكت أسنانها غيظاً مما يقول، ومن مذلة والدتها أمام عائلته، وصمتت مجبرة حتى لا ينفذ تهديده. وظنت أنها إذا حملت مجدداً وأنجبت له صبياً سيتراجع عن تهديده لها. لكنه لم يكن أحمقاً، يعلم أنها ستعيد الكرة وتفعل ما برأسها. ولكي يمنعها من إيذاء روح بريئة أخرى، امتنع عن الاقتراب منها مهما أغوته، فهي بالأساس لا تأثير لها عليه، كما أنها فرصته ليبتعد عنها. وظلت تحاول حتى يأست. وما جعلها تتحمل أن زينة، حين حملت بعد أكثر من عام، حدث

لها التواء في قدمها حين كانت تصعد درج المنزل، فسقطت مغشياً عليها وفقدت الطفل. ونصحتها القابلة أن تتأنى بالحمل، فالإجهاض أجهد جسدها بشدة. وزينة، على خلاف جميلة، امرأة عاقلة تستمع لنصح الآخرين ممن هم على دراية بمساوئ الأمور، فلم تحمل مجدداً.

ومرت أربعة سنوات، وكم أراد صقر أن يظل الحال هكذا، ليته جعلها عشرون عاماً لكان عاش هانئ البال، لكن لا مفر من قدره. لم يمر وقت كثير وحملت جميلة، وكم تباهت بالصبى القادم، في حين أصر صقر أنها حامل بفتاة، مما كان يجعلها تشتعل غيظاً، حتى أتمت حملها. وفي منتصف ليلة ما، أيقظت صقر صارخة، فنهض متأففاً، فقد كان يوم عمل شاق ويحتاج الراحة بشدة. لكنها أيقظته ممسكة بكتفه تحركه بعنف، فدفع يدها وجلس يسألها: "إيه ياحرمة شؤم؟

"بولد يا راجل، إلحقني." "أبه ما تولدي ولا تتحرجي بجاز، أني مالي." "نادولي على الداية، مجدرش." تنهد بإنزعاج ونهض من فراشه يرتدي جلبابه، ثم خرج من الغرفة وتوجه إلى غرفة والدته، التي وجدها قد استيقظت بسبب صراخ زوجته. "جميلة بتولد، روح لها يا أمي." أومأت له، ثم أسرعت لتجد أن جميلة تتألم بشدة، فخرجت تناديه: "عجل بالداية يا ولدي." "داية إيه؟ كل اللي بتعمله حتشد الولد شديه إنتي." "يا ولدي، البنت حتتلوى جوه."

"لهي أول مرة تولد؟ أني نعسان ومفيجش للجري وسط الأرض الساعة دي." تحرك حتى جلس على الأريكة الخشبية، فنظرت له غير مصدقة: "إنت حتجلس؟ "له، أني حأنام شبعان طول النهار." تثاءب ثم تسطح بالفعل. تفتكروا هتخلف بنوته ولا صبي، ولا الخيبة متكونش حامل أصلاً، وده انتفاخ.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...