توقفت أنفاس سلمى لثوانٍ معدودة، ثوانٍ كانت كافية ليعمل عقلها بسرعة كبيرة وتدرك ما وقعت به دون شعور منها أو علم حتى. هزت رأسها بكل بساطة وهي تتحرك طبقًا لأوامر الرجل الذي يهددها بسلاحه، وفكرة واحدة تدور في عقلها. أرسلان على بُعد خطوات منها، لذا فرصة نجاتها أكبر مما تتخيل، لكن عليها فقط التصرف بحكمة.
ولم تدري أن كل شيء كان مرتبًا له منذ البداية، ومثل هؤلاء الأشخاص لن يغفلوا عن أي نجدة لها في الجوار، وبالطبع لن يتركوا أرسلان دون إبعاده عنها. لذا، وفي الساحة، وحينما كان أرسلان يتحرك لوضع سيفه على جدار السيوف مجددًا، أبصر من الجانب الآخر لساحة التدريب حركات غريبة وظلال تسير بشكل مريب جعله يضيق عيونه ببطء. ثم، وفي ثوانٍ قليلة فقط، اندلعت حريق بالقرب من الساحة لتعلو صرخة أحد الرجال في الأجواء:
"حريــــــــق فــــي مخزن الأسلحـــة الشرقي." اندفع أرسلان بسرعة كبيرة دون تفكير وهو يسابق الريح صوب المخزن، فنشوب حريق داخل مكان عامر بالأسلحة يزيد من احتمالية حدوث انفجار مدوي قد يودي بحياة الكثيرين. ركض وهو يصرخ بصوت رنّ صداه في المكان: "ابعدوا الجميع عن المخزن، ابتعدوا جميعًا واحضروا ما نطفئ به الحريق، اسرعوا...
كان يصرخ وهو يتلفت حوله يراقب الجميع، وهو معهم يسارع بخطواته. وحينما وصل للمخزن دخله دون تفكير ينتزع وبسرعة الأسلحة بعيدًا عن الجزء المحترق وهو يوجه جنوده بالكلمات. ثوانٍ حتى اقتحم المعتصم المكان وبدأ يساعده في نقل ما لم يتضرر من الأسلحة. وخلال صراخ وتحركات أرسلان المحمومة، توقفت يده فجأة حينما اصطدمت بشيء جعله يضيق عيونه وهو يلتقطه بسرعة، يرفعه أمام عيونه يحاول فهم ما يرى. وفجأة ضربت فكرة عقله وهو يهتف:
"يا المعتصم.." كان المعتصم يدفع الأسلحة للخارج بسرعة مع الجنود ولم ينتبه لصوت أرسلان الذي صاح بصوت شبه مرتفع: "يا المعتصـــــــم اقترب." توقف المعتصم واستدار صوب أرسلان الذي نظر في عيونه يردد بصوت جاد وملامح مظلمة: "اغلق مخارج القلعة بأكملها لا تسمح لأي أحد بالخروج أو الدخول." نظر له المعتصم بعدم فهم ليصيح أرسلان بصوت مرتفع وهو يندفع من المخزن بعدما أبصر الجميع قد أوشكوا على تدارك الحريق: "الآن....
أغلقوا مخارج القلعة بأكملها، لا تسمحوا لأحد بالخروج من هنا." كان يركض بين الطرقات وهو يحمل بين يديه ذلك الشيء الذي أثار جنونه، بينما المعتصم نظر للجميع ثوانٍ قبل أن ينطلق كالقذيفة: "سمعتم ما قال الملك، أغلقوا المداخل والمخارج وتأكدوا من أن الحريق انطفأ بالكامل." ختم حديثه يركض بسرعة وهو يشير لبعض الرجال أن يتحركوا صوب مداخل ومخارج القصر.
بينما أرسلان كان يتحرك في المكان بمظهر مرعب، ثيابه السوداء التي تتألف من بنطال قماشي وسترة ذات أزرار خشبية على شكل مثلث، مع ملامح وجه بها بعض غبار الحريق وخصلات ثائرة وعروق نافرة. كان يتحرك في القصر بشكل أوصل للجميع رسالة تلاشي واضحة من طرفه. وصل لساحة القتال مجددًا ينتزع أول سيف قابله، ثم تحرك بخطوات مرعبة: "في بلادي وقصري أيها الخنازير البرية، ألا الويل لكم ولأسلافكم الذين تذوقوا الجحيم على يديّ....
حرك نظراته في المكان يصيح بصوت جهوري رنّ صداه في المكان: "هنــــــاك مقتحمــــين فــــي القصـــــر، مــــــن يبصر منكم وسخــــــًا منهم، فهو له ....... وتلك الجملة التي نطق بها تردد صداها في المكان، لكن لم يصل صوب النقطة التي كان المتسللين قد وصلوا لها بالفعل، إذ كانوا على بُعد شعرة واحدة من الخروج من تلك القلعة والهرب صوب الجحر الذي سيحتفظون فيه بالمرأة الهادئة بشكل مخيف.
لكن فجأة توقفت أقدامهم حين سمعوا صوت خيل يتحرك بسرعة كبيرة صوبهم. جذبوا جسد سلمى بسرعة يختبئون بها خلف أحد الجدران يراقبون ما يحدث ليبصروا العديد من الرجال الذي هبطوا عن الأحصنة واحاطوا المخرج الخلفي للقصر. اتسعت أعين الرجال وهمس أحدهم بعدم فهم: "ما الذي يحدث هنا ؟؟ "يبدو أن ذلك اللعين اكتشف وجودنا." ابتلع أحدهم ريقه يحاول التحدث بصوت خافت كي لا يصل لأحد الجنود:
"وما الذي سنفعله الآن، الرجال ينتظرون خارج هذه البوابة." "ربما يمكننا البحث عن مخرج آخر، ومن ثم نذهب لهم من خارج الأسوار." كانت سلمى تتابع ما يحدث وهي تراقب ردات فعلهم وارتجاف أجسادهم، وحسنًا هي يعجبها ما ترى. خائفة؟ نعم قليلًا، فهي معتادة على أن تكون رهينة مطيعة إلى حين تتأكد أن تمردها لن يتسبب في قتلها ومن ثم تنتقم. متحمسة؟!
ربما، لأول مرة يكون هناك بطل في حكايتها غيرها، هل حان لها أن تلعب دور الأميرة ويأتي الفارس لينقذها. فجأة انتفض جسدها حين شعرت بالرجل يسحبها بقوة صوب أحد الجهات وهي فقط سارت معه تدعو الله في صدرها أن يصل لها أرسلان قبل فوات الأوان. "في العادة أنا لست ذو صبر عظيم نزار العزيز، ويمكنك سؤال زوجتي الحبيبة فهي أكثر من يعلم الأمر."
أدار أنمار عيونه صوب توبة التي كانت ساقطة أرضًا جاثية على قدميها شبه منهارة، لا تعي ما يحدث ولا تشعر سوى بنيران تشتعل داخل صدرها، عيونها مثبتة على الذكر الذي كان من سوء حظها أنه زوجها. ومن ثم تحركت عيونها صوب نزار الذي كان جسده متحفزًا بشكل مرعب، يحدق في ملامحها المدمرة وجسدها الهامد ويده تنقبض بشكل مريع. صوت تنفسه بدأ يعلو أكثر وأكثر وأنمار يتابع ما يحدث ببسمة واسعة:
"طلبت بعض الوقت للتفكير في عرضي، لكنني لحظك السيء لا امتلك الكثير مما طلبت، لا وقت لي كي اتوسلك، لذا بدأت أفكر في محفز لك يساعدك على إتخاذ قرار في اسرع وقت وخمن ماذا وجدت... ختم حديثه يشير صوب توبة التي كانت تحدق فيه بشر وكره وتقزز، اقترب منها يجلس أمامها القرفصاء يهمس لها بصوت شبه مسموع: "طليقتي الحبيبة.." سقطت دموع توبة دون شعور منها، دموع الراحة وكأن قيد زواجها منه كان يخنقها.
مد يده ليمسح دموعه، فابتعدت وجهها عنه بكره واشمئزاز، فابتسم أنمار ساخرًا يبعد الشريط عن فمها يتمنى أن يُطرب بأصوات شهقاتها: "لا لا تبكي عزيزتي، اعلم أن فراقي أصعب مما تتخيلين لكن لم امتلك خيارًا آخر، فأنا رجل لا أقبل أن تكون امرأتي وزوجتي بين هؤلاء القوم الفاسدين وهي تحمل اسمي؛ لذا ومنذ أرسلتك هنا قمت بتطليقك." وقبل أن ينطق كلمته الأخيرة بصقت توبة في وجهه وهي ترمقه بنظرات سعيدة منتشية وكأنه للتو أخبرها
بنبأ تحررها من سجن أبدي: "كم أنت ديوث صالح أيها الوسخ القذر، لأول مرة سأكون شاكرة لصنيع فعلته لأجلي أنمار." اغمض أنمار عيونه بقوة بغضب، وفي ثوانٍ كانت قبضته تهبط على وجهها بعنف مسقطة إياها أرضًا، ليندفع في نفس اللحظة نزار وهو يرد له اللكمة بأخرى أشد قوة في الثانية ذاتها وصوته رنّ في المكان بأكمله. "يدك عنها أيها القذر." سقط أنمار أرضًا وعكس المتوقع ابتسم لهما يردد بصوت ملتوي: "انظر إليك نزار لقد سحرتك أنت الآخر ها؟!
لطالما كانت تمتلك هذه المرأة تأثيرًا مدويًا على ..... وصفعة هي ما قاطع حديثه عن الاكتمال، وقد كانت توبة تدرك جيدًا إلى أين سيصل هو بحديثه هذا، لتكون صفعتها هي الفيصل بينه وبين باقي كلماته. "طلقتني وانتهينا الحمدلله، إذن حذاري أن تلوث اسمي بذكره على لسانك القذر." وضع أنمار يده على وجنته وهو ينظر في وجهها مطولًا نظرة جعلتها تدرك أن ردته على هذه الصفعة لن تعجبها البتة، لكنه صمت مؤقتًا يردد بهدوء وهو ما يزال ينظر إليها:
"إذن نزار العزيز ما رأيك في اقتراحي السابق عليك، أنت معنا أم تهوى مشاهدتي أعذب المرأة التي احببتها؟ اتسعت عيون توبة بقوة من كلماته، بينما نزار رمقه باستنكار يهتف في وجهه: "هل تظن الجميع بمثل قذارتك؟ "بل أدرك ما يخفي الجميع خلف نفوسهم التي تدعي الطهارة، إذن أنت معنا أم نودع جثمان زوجتي الحبيبة وتلتحق بولدها الصغير في قبره."
عند هذه الكلمة ارتجف جسد توبة بقوة وهي تحاول أن تتمالك نفسها، ولم تكد تحرك إصبعًا لتدافع عن ذكرى ولدها حتى وجدت سيف أنمار يتوسط رقبتها وصوته يهدر في المكان: "ثواني معدودة، انضمامك لنا مقابله رقبة توبة العزيزة....
استطاع الرجال أن يغيروا خطتهم في ثوانٍ معدودة وتحركوا بسرعة كبيرة مع سلمى صوب مخرج آخر بعيدًا عن البوابات بأكملها، نفس المخرج الذي يختبئ بين الأشجار والذي لا يعلم عنه سوى القليل، لكن يبدو أن هؤلاء الأشخاص يعلمون القصر بشكل مكنهم من معرفة ذلك المخرج. وصلوا صوب المخرج وتحرك رجلان منهما يزيحون الصخرة بسرعة كبيرة عن بداية النفق، ثم أشار أحدهم لمن يمسك بسلمى أن يتقدم: "هيا تحرك بسرعة قبل أن يكشفنا أحدهم."
دفع الرجل سلمى وهو ما يزال يحمل سيفه على رقبتها وسلمى تقترب من النفق تفكر أن عيش دور الأميرة المسكينة والتي تنتظر فارسها سيتسبب في ضياعها إن استمر أكثر، لذا كانت تنظر حولها تبحث عن مخرج لها، لكن ضيق النفق وظلامه لم يساعدها، لذا قررت أن تفعل بمجرد الخروج.
خرج أول شخص منهم وهو يتلمس طريقه بصعوبة في المكان حوله، يتمنى لو كان يمسك معه أي شعلة تنير له الأجواء، شعر بالأرض رطبة أسفل أقدامه، حتى أن قدمه انزلقت فجأة وكاد يسقط لولا تلك اليد التي استند عليها وامسكته ومنعته من السقوط. تنفس الصعداء وهو يعتدل في وقفته: "كان هذا وشيكًا، أشكرك... "العفو يا عزيزي."
ضيق الرجل حاجبيه بتعجب من ذلك الصوت وتلك النبرة، رفع عيونه ببطء وهو يبحث عن مصدره، لكن الظلام لم يساعد، فجأة أضاء صاحب الصوت شعلة يقربها من وجهه ملقيًا عليه بظلها يهمس بنبرة مازحة مرعبة: "مرحبًا... اتسعت أعين الرجل بصدمة كبيرة وقد توقف قلبه لثوانٍ يتراجع بسرعة صوب النفق وهو ما يزال ينظر صوب جسد أرسلان الذي يتشح بالسواد كعادته ومعه بعض الرجال خلفه. ظل يتراجع حتى اصطدم في جسد زميله خلفه والذي نطق بضيق:
"ياااه ما بك أنت، توقف كدت تسقطني.." حاول الرجل أن ينطق ويخبرهم بالعودة للقصر، ربما يمكنهم الركض صوب سجون مشكى وسجن أنفسهم بها أكرم لهم من تلك النهاية السوداوية. بينما أرسلان يراقب تخبطهم ببسمة واسعة، وقد أبصر سابقًا أحدهم وهو يتحرك صوب النفق الخاص به، ليكون هو أسرع منهم ويخرج من البوابة القريبة من النفق وينتظرهم في الخارج. جاءوا بلاده ليحرقوا مخازن أسلحته ويتخلصوا من جنوده ويرحلوا بكل بساطة، ليس وهو حي يرزق.
ظل يراقبهم ببسمة جانبية ساخرة ينتظر أن يتمالكوا أنفسهم كي ينقض عليهم، لكن فجأة اتسعت عيونه بصدمة وهو يبصر آخر جسد توقع أن يخرج من النفق. اتسعت عيونه أكثر وأكثر وهو يبصر ما يحدث أمامه يهمس بعدم تصديق: "ماذا؟؟ ماذا؟ أما عن سلمى والتي بمجرد أن تنفست الهواء خارج النفق حتى استدارت ودون تفكير تنتزع السيف عن رقبتها مستغلة انتباه الرجل على خطواته أكثر من اهتمامه بتهديدها.
وفي ثوانٍ كانت قبضتها تصطدم في وجهه، ومن ثم أمسكت رأسه تضربها بالجدار خلفها بقوة وهي تكرر الضربة أكثر من مرة، حتى تركته ليسقط جسده أرضًا وحينما استدارت بتحفز صوب المتبقين، وجدت أجسادهم متيبسة بشكل مرعب وهم يعطونها ظهورهم وكأن صرخات رفيقهم الذي فجر رأسه منذ ثوانٍ لم تحرك بهم شيئًا.
كل هذا تحت أعين أرسلان الذي كان يراقب مع رجاله ما يحدث، والرجال خلفه متسعي الأعين مصدومين مما يرون، والنظرات تتحرك بينهم يتبادلونها ولا أحد يستطيع التصريح بما يدور في عقله. وعلى عكس صدمتهم كان أرسلان يراقبها بفخر شديد وسعادة طاغية وهو يبصرها تتخلص من الرجل بغمضة عين، وهذا أعجبه وبشدة. "هذا ....... مشهد أحب مشاهدته ما تبقي من عمري." رفعت سلمى حاجبها بتعجب مما سمعت وهي ترفع عيونها صوب الصوت وقبل النطق بكلمة واحدة
سمعت الصوت نفسه يهتف: "انقذوا المتبقي منهم من يد الملكة قبل أن تقتلهم يا رجال." تحركت عيون سلمى بسرعة صوب أرسلان والذي كان يحمل الشعلة ينظر لها ببسمة واسعة لم تفهم سببها، لكنها فورًا تنفست الصعداء وهي تتحرك صوبه تهتف بلوعة ولهفة ونبرة في غاية الرقة تناقض ما فعلته منذ ثواني: "جلالة الملك حمدًا لله أنك جئت تنقذني منهم، لقد ... لقد أرادوا خطفي، اشكرك للمجئ ومساعدتي." راقب أرسلان رجاله وهو يمسكون
المختطفين يردد بهدوء شديد: "حسنًا أنا فقط جئت امسك بهم ظنًا أنهم جاءوا لإحراق مخازن الأسلحة، ولم أدرك أنهم أرادوا اختطافك حتى تلك اللحظة التي رأيتك تفجرين بها رأس أحدهم." اتسعت عين سلمى بصدمة وهي تهتف: "أنت لم تأتي لتنقذني؟ تشنجت ملامح أرسلان وهو يسير لجسد الرجل الذي انتهت منه للتو والذي كان أحد جنوده يجره صوب الأحصنة: "أنقذ من؟؟ الرجل لا يستطيع التحرك بعدما خرج من تحت يدك."
تنفست سلمى بصوت مرتفع وقد شعرت وللحق بخيبة، خيبة كبيرة بعدما ظنت أنها ربما تعني له شيئًا ليأتي ويبحث عنها وينقذها. بينما أرسلان فقط كان يراقب بعيونه هؤلاء الرجال وعقله يعمل في نقطة بعيدة عنها، هؤلاء الرجال جاءوا لأجل سلمى؟! جاءوا لأجلها خصيصًا وهذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها أحدهم لها، وهذا يثير ريبته وبشدة. استدار ينظر لها ولعيونها وقد كانت الشعلة التي يحملها تنعكس عليها يهمس بصوت خافت:
"لو علمت أن مكيدتهم كانت تستقصدكِ منذ البداية، ما جاريتهم في لعبتهم وتركتك بين أيديهم ثانية واحدة، لكنت نزعت رؤوسهم فورما لمحتهم داخل القلعة." ختم حديثها، ثم استدار بنصف جسده، ثم أطلق صفير مرتفع يحضر حصانه والذي توقف جواره، نظر لها ثوانٍ ثم أشار للحصان يهتف: "اصعدي ليأخذك إلى غرفتك ترتاحين بعد هذا اليوم الشاق."
نظرت له سلمى طويلًا وهو فقط ينتظر أن تتحرك صوب الحصان وهكذا فعلت بالفعل وهي تتحرك ببطء تحاول الصعود على ظهره وهو فقط أبعد عيونه عنها يتأكد أن لا أحد يحدق صوبها، وحينما سمع صوتها تهتف بصوت منخفض: "لقد ... لقد صعدت." هز رأسه، ثم استدار صوب الحصان يربت على رأسه ومن بعدها همس له همسة لم تصل لسلمى، ثم رفع عيونه لها يراقبها ترتدي معطفه كالعادة:
"سوف يأخذك حتى مبنى غرفتك، اعتني بنفسك ولا تخافي الحراس منتشرين على طول طريقك حتى تصلي بأمان." ولم تتحدث سلمى بكلمة واحدة فقط هزت رأسها تتحرك مع الحصان، حتى ابتعدت عن عيونه، وحينما تأكد من دخولها القلعة، أبعد عيونه ببطء صوب الخاطفين يهمس بصوت مشحون بالغضب وهو يتخيل أنهم كادوا ينجحون في محاولتهم لاختطاف المرأة من أسفل سقف قصره، بل ولمسوها وسحبوها وجروها خلفهم طوال ذلك الوقت دون حتى معرفة منه:
"احضروهم للسجون وانتظروني....... تحركت عيون نزار صوب توبة التي كانت تنظر له بعدم فهم لجملة أنمار تتساءل بعيونها عما يريده منه أنمار، بينما أنمار قاطع كل تلك النظرات يقول ببساطة شديدة وهو يجلس على الأريكة خلفه: "أرى أنك بدأت تقتنع بعرضي، ولزيادة الإغراء سأمنحك المرأة ليس فقط حياتها، بل حريتها، سأمنحها لك هدية إن أردت." ارتسمت بسمة ساخرة على جانب فم توبة تهمس بصوت خافت مختنق:
"وهل تراني جارية من الجواري اللواتي يحلقن حولك؟! أنت الآن تتحدث عن الأميرة التوبة التي ما كان لك الوصول لها سوى في أحلامك، لكن وبسبب سوء اختيار وغباء مني، قللت من شأني وسمحت لك بالاقتراب." نهضت وهي تعدل من وضعية ثيابها تتحرك صوبه: "أنا الآن ورغم كل ما أمر به أبعد لك من النجوم، مصيري بيد رب العباد، وأنت يا قذر ما كان لك أن تتحكم به." ختمت حديثها تستدير صوب نزار ترمقه بنظرات غريبة:
"أيًا كان ما يريده ذلك الخنزير منك فلا أعتقد أنه خيرًا، لذا لا تنفذ له ما يريد والله خير حافظ، أقصى ما يمكنه فعله هو تنفيذ إرادة الله بي." ختمت حديثه تتحرك بحركات عرجاء صوب نزار تقف أمامه تهتف بقوة خشية أن يتبع حديث أنمار لأجلها كما تعهد لها: "حكّم عقلك وضميرك وكل خلية إنسانية بك وستجد أنها تأمرك الابتعاد عن ذلك الوباء المسمى أنمار، لذا لا تستمع له ولا تنفذ له حديثًا واتبع فطرتك، أنت....
وقبل أن تكمل جملتها سمعت صوت أنمار في الخلف يردد بصوت ساخر مرتفع وقد أدرك للتو شيء جعل أعينه تلتمع بالسعادة: "أوه مهلًا مهلًا مهلًا هل قالت للتو ضمير وإنسانية وفطرة؟! أطلق ضحكة صاخبة وهو يهتف بصوت مرتفع: يا ويلي لا تخبرني أنك لم تخبر المرأة كل ذلك الوقت ما فعلته أنت؟ نظر صوب توبة التي كانت تحدق فيه بغضب لا تود حتى النظر لوجهه بينما هو أكمل من بين ضحكاته:
"ألم تخبر توبة الحقيقة نزار العزيز، ألم تخبرها حقيقتك كل ذلك الوقت؟! تنفس نزار بصوت مرتفع وهو ينظر أرضًا يضغط على كفه بقوة يحاول أن يتماسك وألا يقتل أنمار في هذه اللحظة، وكم راودته نفسه تلك الفكرة كثيرًا. رفع عيونه ببطء صوبه يرميه بنظرات مخيفة وكأنه يحذره أن ينبش في ماضيه خاصة أمامها. بينما توبة كانت تشعر بوجود خطب ما، والآن فقط انتبهت للاسم الذي نطقه أنمار منذ ثوانٍ، نزار؟؟ نزار؟؟ سمو الأمير ونزار؟؟
رفعت عيونها في وجه نزار والذي كان شاحبًا بقوة يتنفس بصوت مرتفع بينما أنمار ابتسم يشير صوبه يقول بفخر شديد وهو يعرف عنه بشكل أوضح لزوجته الحبيبة: "إذن دعيني اعرفك به بشكل أفضل عزيزتي، هذا الشخص الذي يقف أمامنا الآن هو نفسه العظيم نزار ولده للملك آزار وأمير آبى المتمرد، والسبب الرئيسي في نكبة مشكى...
بهتت ملامح توبة فجأة وهي تتحرك بعيونها بينهما حتى ثبتتها على وجه نزار الذي اشتد احمرار وجهه وهو يبعد عيونه ووجه عنها، بينما هي ظلت تراقبه ثوانٍ بأعين دامعة، حتى الشخص الوحيد الذي وثقت به بهذا المكان وظنته أنقاهم اتضح أنه يماثلهم قذارة. رمش نزار وهو يحاول التحدث: "سمو الأميرة أنا..... لكنها فقط رفعت يدها في وجهه، ثم استدارت صوب أنمار تتجاهل نزار بالكامل:
"لا تسعد كثيرًا بذلك الخبر الذي انبأتني به للتو، فأنا في الحقيقة لا أهتم لحقيقة الرجل، لا أهتم سوى للتخلص منك والخروج من بئر المعاصي هذا، وهذا سيحدث ولو كان آخر شيء أفعله في حياتي، أما عنه.... استدارت صوب نزار تمنحه أكثر نظرة قاتلة تلقاها منذ القبض عليه بعد الخيانة، ثاني أقسى نظرة تلقاها بعد نظرات والده، أطالت النظر في عيونه ليشعر بتماسكه على وشك التلاشي. ابتلع ريقه يسمع صوتها تهمس بنبرة كأنها خرجت من بئر سحيق:
"كل نفس على أعمالها رقيبة، وكل سيجني حصاد ما زرع، زهورًا كان أو شوكًا." ختمت حديثها تستدير صوب أنمار تتحدث بهدوء شديد وهي تحاول التماسك كي لا تسقط لشدة جروح جسدها: "إذن هل يمكنك إعادتي لغرفتي فرئتي فقدت قدرتها على استنشاق ذرة إضافية من هواء ملوث بوجودك." ابتسم لها أنمار بسمة جعلت جسدها ينتفض غضبًا وحقدها يزداد يهتف بصوت مرتفع بأحد الحراس على منزله: "خذ الأميرة صوب مخدعها قبل أن تختنق...
نظر صوب نزار الذي كان ينظر أرضًا دون كلمة واحدة أو حتى نظرة لأحدهم، وحينما فرغ المكان ضم أنمار ذراعيه يبتسم بسمة واسعة: "إذن هل أرى قبولًا منك لعرضي؟ رفع نزار عيونه صوب أنمار الذي رفع حاجبه ينتظر منه ردًا، ونزار فقط يتنفس بصوت مرتفع يحاول أن يفكر بشكل متعقل، يغمض عيونه ثوانٍ قبل أن يقول: "وما الذي يضمن لي أن تصدق قولك معي وأنت لا ذمة لك؟! اتسعت بسمة أنمار الخبيثة أكثر وأكثر حتى ملئت نصف وجهه:
"سأعتبر هذه موافقة منك سمو الأمير.......... دخل القصر بعد ساعتين قضاهما في السجون مع الحراس، وقد ظن الجميع أن ذلك سيقلل من غضبه بعض الشيء، لكن اتضح أنه لا، بل اشتعل غضبه أكثر وأكثر حتى كاد يخرج ويغرق من حوله. قابله المعتصم في أحد الممرات وهو يساير خطواته بسرعة كبيرة:
"لقد صدق ظنك مولاي، الحريق كان بفعل فعل، وتلك المشاعل التي وجدتها داخل مخزن الأسلحة لا تعود لمملكتنا والختم عليها يعود لسبز، لقد جاءوا لتخريب مخزن الأسلحة و.... اشتدت أعين أرسلان احمرارًا وهو يتنفس بصوت مرتفع: "لم يكن هذا غرضهم من المجيء.." نظر له المعتصم بعدم فهم وهو يدخل خلفه للجناح الخاص به بعدما أشار له أرسلان، أغلق الباب خلفه بسرعة وجسد أرسلان ينتفض بغضب:
"غرضهم الأول لم يكن حرق مخازن الأسلحة، كان هذا مجرد تمويه غبي فقط كي يفلتوا بما جاءوا لأجله في المقام الأول." نظر له المعتصم بعدم فهم، بينما أرسلان فقط جلس على طرف فراشه يضم كفيه أمامه شاردًا بأعين حمراء، وصوت الاعترافات التي استخرجها من الخاطفين يرن في أذنه. "إذن... إذن ماذا كان غرضهم الأساسي؟ رفع أرسلان عيونه صوب المعتصم، يهتف بصوت خافت هامس وكأنه جاء من بئر سحيق بينما عقله يدور بسرعة في دوائر وكأنه يبحث عن حل ما:
"خطف سلـ... توقف عن نطق اسمها بعدما شعر بثقله على لسانه في هذه اللحظة: "خطف ابنة رائف." نظر له المعتصم بصدمة يهتف بعدم فهم: "مــــــاذا؟؟ ما الذي تقصده؟؟ خطف ابنة رائف؟ هز أرسلان رأسه ليتحرك صوبه المعتصم يتساءل بجدية: "وما سبب ذلك؟! ما دخلها في مثل هذه الأمور وما الذي.... قاطعه أرسلان بقوله الذي أصمته وجعله يفهم ما يحدث: "يعتقدون أنها زوجتي وأنها ... تعني لي أكثر من مجرد امرأة في ضيافتي."
رفع المعتصم حاجبه يجلس جوار أرسلان وصمت، وقد شعر أن الصمت في هذا الوقت واجب، يمنح أرسلان كامل الوقت ليفكر فيما يحدث ويقرر إذا ما كان يجب أن يتحدث، أعطاه كامل الوقت بكل كرم، ومن ثم تحدث بكل هدوء: "وما رأيك أنت مولاي؟ نظر له أرسلان ثوانٍ قبل أن يشرد بعيونه بعيدًا عن المعتصم يفكر مجددًا ومجددًا في حياته التي تتعقد كل ثانية أكثر من التي سبقتها:
"المرأة تعني لي، لكن ليس بهذا الشكل البتة، أنا فقط أشعر بالمسؤولية تجاهها، شعور لا أستطيع تفسيره، ليس ....
صمت وكاد ينطق "حبًا" لكنه توقف، شعر أنه لا يستطيع التحدث عنها مع رجل آخر أو التعبير عن مشاعره مع أحد، مشاعره تجاه سلمى، منذ اللحظة الأولى التي أبصرها بها كان انبهار لحظي، ومن ثم شعور قوي وملح بالاهتمام بها والاعتناء بأمرها رغم أنها لا تحتاج لمن يعتني بها في الواقع، ومن ثم رغبة عارمة بكسر عنادها وتأديبها ولذا عرض عليها الزواج، ربما لشعوره أنه يستطيع المساعدة أفضل إن كان أقرب، أو ربما رغبة داخلية في صدره تدعوه ليستكشف ما تخفيه دون أن يغضب ربه، لكن الأمر ليس حبًا حتمًا كما يزعم إيفان في نظراته.
"حسنًا صدقني أنا أكثر شخص لست بحاجة للتفسير له فأنا أعاني الأمر ذاته هنا." استدار له أرسلان بعدم فهم، ليدفن المعتصم وجهه في يده ويدرك أرسلان ما يحدث هامسًا: "فاطمة؟ رفع المعتصم عيونه صوب أرسلان يضم شفتيه بقوة، ثم فجأة انفجر وكأنه فقط كان ينتظر أن يتوجه له أحدهم بسؤال صامت عن فاطمة:
"هذه الفتاة تستفز كل ذرة مسؤولية وقلق اختزنتهم داخل صدري طوال حياتي، كل ثانية وكل لحظة أفكر فيها ترى هل هي بخير أم أسقطت نفسها في كارثة ما؟؟ لا أستطيع، لا أستطيع أن أتخيل أن تصاب بسوء بسبب طريقة تفكيرها البريئة والتي لا تتلائم بأي شكل من الأشكال مع هذه الحياة."
ابتسم أرسلان بصدمة من قدرة المعتصم عن التعبير عما يدور داخل صدره، لكن هذا المعتصم حجته موجودة، الفتاة صغيرة بريئة وتعاني من اضطرابات تجعل أيًا كان يقلق عليها، حتى هو والذي لم يبصرها يومًا بدأ يحمل همها. لكن هو ما حجته للشعور بالمسؤولية الدائمة تجاه سلمى؟! فلا هي بريئة بقدر فاطمة أو تعاني من شيء، لكن رغم ذلك يغضب حين يراها تعاني شيئًا، ربما لأنه بشكل غير مباشر أجبرها على البقاء في عالم لا يليق بها.
ابتلع ريقه ينظر صوب المعتصم والذي استدار ينظر صوبه، قبل أن ينفجر الأخير في الضحك وهو يخفي وجهه بين يديه وارسلان يتحدث بضيق: "فقط توقف عن الضحك، هل ترى هذا وقت مناسب للضحك؟ ازدادت ضحكات المعتصم وهو يمسح وجهه بقوة يهتف من بين ضحكاته: "شر البلية ما يضحك مولاي، يبدو أنها لعنة أصابت رجال القصر." سمع الاثنان صوت طرق على الباب اتبعه دخول زيان بعدما أذن له أرسلان. تحدث زيان بصوت جاد وهو يشير للخارج:
"أوه معتصم هنا أيضًا، بحثت عنك في الخارج كثيرًا كي تأتي وتشاركني شرب العصير في الشرفة الخارجية، لكن لم أجدك، حسنًا أنا فقط أشعر بالخيانة لتجمعكما هنا وتركي وحدي بين طرقات القصر، على كلٍ جئت أخبرك مولاي أن المرور على النصف الشمالي انتهى اليوم وغدًا نكمل مع النصف الجنوبي لكن تنقصنا بعض الأغراض وهذه الورقة ذكرت بها كل شيء." مد يده يعطي الورقة لأرسلان الذي نظر لها باهتمام شديد: "غدًا إن شاء الله آتيك بكل ما ينقصك زيان."
استغل المعتصم الحديث وهو يشير لزيان: "زيان هناك في ضاحية النور الثالثة عند تقاطع السوق الجنوبي منزل شبه محترق تسكنه امرأة كبيرة بالعمر، فقط أردتك أن تمر عليها وتتأكد أنها بخير لأنني سمعت أنها مريضة وبشدة، حسنًا؟ نظر له زيان ثوانٍ قبل أن يهز رأسه: "حسنًا غدًا أمر عليها لا تقلق، سوف أمر على الجميع لكنني قد أبدأ بها تحسبًا لأي شيء.." ابتسم أرسلان وهو يشير لزيان بهدوء ولطف شديد:
"هيا اسحب مقعدًا وشاركنا الجلسة زيان، سوف أرسل وأحضر لنا بعض الفاكهة، من يدري متى تتاح لنا الفرصة لنجتمع سويًا." خجل زيان من اقتحام جلسة الملك والمعتصم وهو يدرك مقدار تقربهما من بعضهما البعض لذا نفى ولم يكد يرفض حتى سمع صوت أرسلان يصر عليه: "هيا زيان اجذب مقعدًا واقترب، هل ستقضي ليلتك وحدك؟ "لا كنت سأذهب لأطمئن على الصغار في السكن الخاص بهم، ومن ثم أخلد للنوم."
ابتسم له أرسلان بلطف يرفع عنه الحرج يجبره على الاندماج معهم ويخرجه من وحدته التي يعلم أنه يدفن ذاته بها بعدما فقد كامل عائلته في هجوم المنبوذين الأول. "تعال زيان اقترب وشاركنا الجلسة." جذب زيان مقعده يجلس عليه أمامهم مبتسمًا بسمة صغيرة ليبادر أرسلان يتساءل باهتمام شديد: "إذن زيان هل هناك ما ينقصك؟ "لا فقط الأعشاب التي.." "لا أقصد عملك زيان، أقصد في حياتك، هل هناك ما ينقصك؟ رفع له زيان عيونه يهتف
بصوت هادئ وبسمة صغيرة: "الحمدلله أنا بخير مولاي."
ابتسم له أرسلان ثم حدثه بغرض تشتيت عقل زيان عن الأفكار الليلة التي يعلم جيدًا أنها لا ترحمه كل ليلة كما تفعل معه هو، فهو لا يكاد يضع رأسه على الوسادة لتعود له ذكرى ذلك اليوم وهو يقاتل، ومشاهد له وهو يُطعن من الخلف ومن الإمام، كلمات التشفي التي أصابته، رعبه على عائلته وشعبه وهو يحتضر، شعوره بجسده وهو يُجر في الغابة بهدف إحراقه في أحد الأركان ظنًا أنه مات بالفعل، ترقبه لميتة شنيعة كالاحتراق، شعوره بجسده يحتك بالأشواك والأرضية أسفله، كل تلك كوابيس تركت ندوبًا داخل روحه.
وزيان كان واحدًا من شعبه الذين عانوا الكثير، فقد زوجته وفقد توأمه بعمر أشهر، وصغيرته ذات العامين، ولم يكتشف الأمر إلا حينما وجدهم بين الضحايا الذين كانوا يعالجهم في إحدى الليالي. "زيـــان." نظر زيان صوب أرسلان ببسمة ليبتسم له أرسلان يربت على قدمه بقوة وهو يدعمه بعيونه:
"أنا ممتن لوجودك في القصر ومساعدتي، ما كان لي أن أتدارك كل ما يحدث مع الجميع من الناحية الطبية، وما كان أحدهم ليستطيع مساعدتي بقدرك، لذا أنا أشكرك زيان." اتسعت بسمة زيان يتحدث براحة شديدة: "هذا عملي مولاي وأنا أحبه، لذا لا أعتقد أنك بحاجة لشكري عليه، بل أنا أشكرك لهذه المكانة التي ما تخيلت يومًا أن أحوزها." "تستحقها يا رجل وأكثر، رغم سنوات عمرك الثلاثين فأنت أفضل الأطباء هنا ومشكى محظوظة بك."
تدخل المعتصم في الحديث يدرك ما يحاول أرسلان فعله، فهو أبصر بعيونه موجة الذكريات التي كادت تسحب زيان بعيدًا عنهم ليتدخل أرسلان سريعًا ويجذبه هو. "لا تبالغ في الثناء عليه مولاي هكذا ستجعله يعتقد نفسه ذو مكانة أعلى مني ويأتيني في الغد يتكبر عليّ." رفع له زيان عيونه بتكبر مصطنع: "من الأساس أنا أعلوك مكانة، فامثالك يا فتى نكتالهم في السوق لكثرتهم، أما أمثالي فهم كالعملات النادرة... ضم المعتصم شفتيه يسخر مما سمع:
"أوه انظروا من يتحدث؟! أجابه زيان ببسمة واسعة يضع قدمًا على قدم متفاخرًا: "زيان بن محمد يا صغير.." انطلقت ضحكات أرسلان على ملامح المعتصم التي تغضنت لينهض الأخير وهو يتحرك صوب زيان وينشأ بينهما شجار كان أرسلان به موضع سالار في شجاراته مع إيفان وقد بدأت أصوات الضحكات والصرخات تعلو من الغرفة الخاصة بأرسلان وبقوة.
حتى وصلت لسلمى التي كانت تقف داخل شرفتها تضم نفسها تحاول تدفئة جسدها، تبتسم بسمة صغيرة وهي تحرك عيونها للسماء تسمع صوت ضحكات أرسلان التي بدأت ترتفع تزامنًا مع ارتفاع صرخات رجولية. لتهتف بصوت خافت: "الطفل المسكين كبر ليصبح ملكًا عظيمًا يا موزي، ملك ما يزال يخفي طفله المسكين داخله.......
تحرك السيف في الهواء بقوة مرعبة وهو يتحرك صوب رقبة أحد الرجال الذي مال بسرعة في آخر لحظة يرفع سيفه يصد ضربة أرسلان، بينما أرسلان سحب سيفه مبتسمًا من ردة الفعل التي وصلته من الجندي.
دار أرسلان حول الرجل يمينًا ويسارًا بهدف تشتيته أكثر وأكثر، ثم ابتسم ليبادله الرجل البسمة، رفع سيفه في الهواء يحركه صوبه بحركة جانبية انتبه لها الرجل بسرعة، لكن وقبل أن يتخذ ردة فعل عليها، غير أرسلان ضربته في آخر ثانية فأصابه بضربة أسقطته أرضًا. أشرف أرسلان على الرجل الساقط، يبتسم له بسمة واسعة وهو يمد يده يجذبه مساعدًا إياه لينهض: "لا تأمن يومًا لأحدٍ في الحرب يا فتى." ابتسم له الشاب يمسك يد أرسلان ينهض
وهو يتنفس بصوت شبه مرتفع: "سأحرص على ذاك في المرة القادمة مولاي، كل مرة أخرج منك بدرسٍ للمرة اللاحقة." ربت أرسلان على كتفه، ثم أشار بعيونه صوب المعتصم يتحرك معه بعيدًا عن المكان: "هل ارسلت خطابًا لسفيد يا المعتصم؟ هز المعتصم رأسه يتذكر تعليمات أرسلان بإرسال رسالة لسفيد كي يحذرهم من خطط المتمردين بخصوص النساء وهذا ما خرج به في الأمس بعد ضغط على الخاطفين. "جيد، أين وصلت في تأمين الحدود؟ كل شيء على ما يرام؟
"نعم، لا تقلق مولاي لقد توليت الأمور، نحن نسير بوتيرة جيدة، أعداد الجيش تزداد، ومهارات القدامى تتطور، وفي القريب العاجل بإذن الله نعلن قيام جيش مشكى مجددًا وبشكل رسمي." تنهد أرسلان يتمنى أن يصل لهذه اللحظة: "إن شاء الله نفعل يا المعتصم، الآن يمكنك العودة للجيش وإكمال التدريبات وأنا سأمر على مخازن الأسلحة لأقدر أضرار الأمس التي طالت المخزن."
ابتسم له المعتصم يحرك رأسه بطاعة، ثم تحرك في طريقه صوب الجيش مجددًا ليقابل أثناء ذلك زيان الذي تحرك مع بعض الأطباء يلوح له، ومن ثم خرج من القصر لبدء جولته الطبية. وارسلان فقط تحرك ليتفقد أمور القصر وعقله شارد في القادم من حياته، لا شيء مستقر حتى الآن في حياته، لا عائلة ولا وطن ولا حتى أفكار، لكنه لا ييأس، ينتظر اليسر بعد العسر. "جلالة الملك....
توقفت أقدام أرسلان فجأة عن التحرك صوب المخزن حين سمع صوتها، توقف يتنفس بصوت مرتفع، ثم استدار ببطء شديد صوبها يبصرها تتهادى صوبه بنفس الطلة التي يعلمها بها، فستان طويل مليء بالورود يعلوه معطفه الذي يناقض سواده وحدته رقة فستانها. تحركت حتى توقفت أمامه تبتسم له بسمة صغيرة مشرقة، ثم هتفت برقة جعلته يحدق فيها بحثًا عن تلك المرأة التي كادت تقتل الرجال في الأمس: "صباح الخير جلالة الملك." ضم أرسلان يديه خلفه يجيب بهدوء
شديد وهو يبعد عيونه عنها: "السلام عليكم آنستي." رفعت له سلمى حاجبها بهدوء، ثم ابتسمت مجددًا تتحدث بكل هدوء: "بخصوص البارحة.." رفع حاجبه لها ينتظر منها ما تريد قوله: "ماذا بخصوص البارحة؟! ابتسمت له تضم يديها أمامه ثم أردفت بكل لطف تمتلكه: "أود التحدث مع الخاطفين إذا سمحت." ثوانٍ من الصمت ملئت الأجواء بينهما دون أن يمتلك أرسلان أو حتى هي جرأة التحدث وقطع حرمة الصمت تلك، وارسلان فقط يحدق فيها بعدم فهم لطلبها.
أما عنها فقد اشتاقت لعملها ورأت أن ممارسته هنا يمكن أن تساعد هذه المملكة في اكتساب المزيد من الأشخاص الذين تابوا عن جرمهم. "هل طلبي بهذه الصعوبة؟ التوى ثغر أرسلان بهدوء يحاول الحفاظ على ما تبقى له من حلم: "عفوًا يبدو أنني كنت شاردًا بعض الشيء، ما هو طلبك؟! "أخبرتك أنني أود مقابلة الخاطفين والتحدث معهم رجاءً، يمكنني مساندتهم لتخطي تلك الفترة العصيبة في حياتهم والعبور صوب الضوء."
مسح أرسلان وجهه بقوة يهتف بصوت خرج متحسرًا مما يعيشه الآن: "والله لا يمر بفترة عصيبة في هذا القصر سواي، تتحدثين وكأنهم نساء في فترة النفاس، أي فترة عصيبة تلك يا امرأة هم مجرمين.." سمعته سلمى، تتجاهل كلماته المعترضة، لتعرض نفس عرضها الدائم عليه: "فقط إن تركتني أساعدك سوف تــ" قاطعها أرسلان سريعًا وهو يهز رأسه بلهفة:
"نعم رجاءً ساعديني، هذه ستكون المرة الأولى في حياتي التي أترجى أحدهم لفعل شيء، لكن لا بأس الأمر يستحق صحيح؟ ابتسمت له بسمة لطيفة واسعة: "لا داعي للرجاء مولاي العفو منك، فقط أخبرني ما تريده مني لأساعِدك؟ مال أرسلان قليلًا صوبها ثم هتف بجدية شديدة: "دعيني وشأني وابتعدي عني في هذه اللحظة تحديدًا...
اتسعت عيون سلمى بقوة من طلبه وشعرت بالضيق يملئ صدرها، وهي ترفع عيونها له تثبتها في خاصته واستمر التحديق به ثوانٍ قبل أن تهتف بكل بساطة وبسمة واسعة لطيفة: "إن أخبرتني أين أجد الرجال سأنفذ ما تريده." اشتد جنون أرسلان ليهتف وهو ينتقض بعيدًا عنها يحرك يده في الهواء صارخًا: "رجــــ..... مـــــا الـــــذي تهزين به يا امرأة؟!
تودين مني إرشادك لمجموعة من الرجال الكافرين الذين قتلوا واغتصبوا ودمروا شعوب وبالمناسبة حاولوا خطفك البارحة؟! رمشت سلمى بصدمة وهي تتراجع بعيدًا عنه تحاول الحديث: "فقط أريد التحدث معهم و... "يا امرأة توقفي عن إثارة جنوني كي لا يطالك مني ما لا يحمد عقباه، أنا ومنذ الصباح لا أطيق التحدث مع أحدهم لخوض مثل تلك الأحاديث معك." "صدقني جلالة الملك أنت تحتاج لخوض حديث طويل معي علّي أساعدك في الصفاء والهدوء والتحلي ببعض الصبر."
تنفس أرسلان بصوت مرتفع، ثم بدأ يتحرك في مكانه بشكل محموم وكأنه يمنع نفسه من استلال سيفه وقطع رأسها، يذكر نفسه أنها امرأة لا تفقه شيئًا في عالمهم، يذكر ويذكر نفسه، وهي تراقبه بصبر تشجعه على أخذ لحظات هدوء مع النفس ليجيبها إجابة عاقلة منطقية تقبل بها ردًا. وبالفعل أخذ أرسلان كامل وقته، قبل أن ينظر لها بهدوء مبتسمًا يمنحها أخيرًا إجابته التي انتظرتها بصبر: "اغربي عن وجهي...
اتسعت أعين سلمى بقوة وهي تراه يبتعد عنها بعد تلك الجملة وكأنه يقطع عليها أي فرصة للاعتراض، لتهتف في أعقابه بضيق لتلك المعاملة التي تتلقاها منه: "أنت وإن كنت لا تقدر وجودي في قصرك فأطلق سراحي ودعني أرحل من هنا." صاح أرسلان بصوت مرتفع وهو يتحرك في الممر دون حتى أن يستدير لها: "يمكنك المحاولة طالما تستطيعين."
وكانت كلماته الأخيرة هي القشة التي قسمت ظهر البعير لتهز رأسها وهي تتحرك صوب غرفتها وكل ما يدور داخل عقلها هو أنها اكتفت من التعامل مع هذا الرجل بأساليب آدمية، إن كان لا يفهم سوى لغة العناد فهي بليغة بها وستريه. كان ينظر لها من بعيد يتردد في الاقتراب والتحدث معها، فكر ثوانٍ، ثم وحينما ارتفع صوت العقل قرر العودة عن قراره وتحرك يكمل طريقه تاركًا إياها تجلس في تلك الحديقة تنتظر وصول سلمى لتبدأ جلستها الثانية معها.
لكن وقبل أن يتحرك خطوة في طريقه التقطه أعين فاطمة التي هتفت كعادتها بانطلاق وسعادة: "أيها المعتصم.... توقفت أقدام المعتصم فجأة وهو يستدير ببطء صوبها يذكر نفسه أنه سيتحدث معها برسمية شديدة ويعلم كيف تسير أمورها مع سلمى ويرحل في طريقه بكل هدوء. "مرحبًا يا المعتصم كيف حالك اليوم؟!
المزيد من التبسط مع الغرباء وهذا ما لا يحبذه بالصغيرة، عليها وضع المزيد من الحدود بينها وبين الجميع، وفي الحقيقة خاف المعتصم أن يصرح لها بهذه الجملة فتردها له بجملة أقوى "لكنك لست كالجميع". مرحى أصبح يخشى قول كلماته الناصحة كي لا تصيبه بجملها الموترة. "الحمدلله بخير كيف تسير أمورك؟ "كل شيء جميل، لقد تعرفت على الكثير من الفتيات هنا وقد أصبحن صديقات لي وكلهن جميلات ولطيفات و.....
توقفت فجأة عن الحديث، ثم قالت بهدوء وكأنها تتذكر في أمر ما، وقد بدا أن عقل فاطمة الصغير يحتفظ جيدًا بكل اللطف والذكريات الجميلة التي تتلقاها من الآخرين: "لقد تعرفت على فتاة جميلة البارحة، كانت جميلة جدًا يا المعتصم و.... هي منحتني وردة جميلة واخبرتني أنني أشبهها للوردة. ختمت حديثها تشير لوردة صغيرة مستقرة داخل حجابها ليبتسم المعتصم على حديثها، لكن فجأة تغضنت ملامحه حين سمع فاطمة تردد: "لكن ...
لقد أخبروني أنها ساحرة و.... هي سيئة، أوليست؟ شعر المعتصم بصدمة كبيرة مما نطقت به فاطمة يقترب منها يهتف بعدم فهم: "ماذا؟؟ ما الذي ترددينه فاطمة هل أنتِ واعية لما تقولين؟ رمشت فاطمة وهي تعود للخلف بخوف من صراخه ليتنهد المعتصم بصوت مرتفع وهو يشير لها بكفه معتذرًا بعدما أبصر ملامحها المرتعبة منه وقد كانت هذه أول مرة يصرخ في وجه الفتاة: "لا أقصد فاطمة أنا لست .... نظرت له فاطمة بضيق وخوف وهي تبتعد عنه أكثر:
"لماذا تصرخ بي بهذا الشكل؟؟ أنا لم أفعل شيء خاطئ هم من قالوا ذلك ولست أنا لقد أخبروني ذلك البارحة حينما وجدوني أجلس معها." صمتت وهو يحاول فهم ما تقول لكن الأمر معها كان صعب للغاية: "حسنًا فاطمة اسمعيني، أنا آسف لم أقصد الصراخ عليكِ أو إخافتك، أنا فقط لا يروقني أن تعطي أذنك للجميع، هل وجدتي شيئًا سيئًا منها لتقولي هذا؟؟ أوليست هي من أعطتك وردة؟ هزت فاطمة رأسها بنعم، ليكمل المعتصم بهدوء:
"إذن لا تستمعي لحديث بعض النسوة، فهن لا يتوقفن عن الحديث على أية حال، فقط تجنبي أي حديث سييء عن أي أحد حسنًا؟ هزت له فاطمة رأسها وهي تنظر أرضًا تشعر بالذنب: "لم أصدقهم على أية حال، هي كانت لطيفة معي." ابتسم لها المعتصم، ثم هتف بهدوء شديد يغير دفة الحديث بعيدًا عن تلك النقطة: "كيف حال والدتك؟ رفعت عيونها له وقد لمعت بقوة بنظرة تعجب لها المعتصم، فلم يدرك سبب لمعان عيونها بهذا الشكل، إلا حينما سمع
صوتها تردد ببسمة وامتنان: "أنت تهتم لأمي؟! نظر لها بعدم فهم لثوانٍ لتضيف هي: "أقدر كل من يهتم لأمي، شكرًا لك." تأوه المعتصم من شدة لطف الفتاة، يمنحها بسمة صغيرة أنارت وجهه، ثم مال برأسه ينظر أرضًا يحاول أن يتحدث بنبرة جادة ليست باللينة كثيرًا: "فقط أردت الاطمئنان أنها بخير، لقد أوصيت الطبيب عليها واليوم يزورها ليعلم كيف أصبحت." هزت له فاطمة رأسها بقوة، ثم قالت بهدوء وبسمة:
"أنت حقًا ذو مروءة يا المعتصم، ذكرني أن أصنع لك طبق حلوى كبير." ابتسم لها المعتصم ولم يكد يتحدث حتى تحدثت هي: "صحيح كيف هو حال برفى؟ "بخير، في الحقيقة هي الآن تسكن غرفة زيان بعدما اعتنى بها لأيام وأضحت تلتصق به لأنه يطعمها." "وأنت لا تطعمها؟ نظر لها ثوانٍ بخجل، ثم مد يده يفرك رقبته يردد بهدوء: "لنقل فقط أنني لا أحسن الاعتناء بكل ما هو صغير.."
رفع عيونه لها ثوانٍ وقد تماسك بصعوبة عن نطق جملة كادت تفلت من لجام لسانه، ابتلع ريقه، ثم تحدث بصوت منخفض يكمل جملته السابقة: "أنا سيئ في هذا." "لكنك تعتني بي بالفعل." وهذه الجملة كانت كسهم أصاب الهدف الذي غطاه هو بضباب الإنكار، كان يدور حول الهدف يدعي عدم رؤيته، لتأتي هي وتحمل عنه القوس تدفعه جانبًا وتلقي به في منتصف الهدف، ومن ثم استدارت له تمنحه بسمة واسعة منتصرة.
نعم نفس البسمة التي تبتسمها الآن في الواقع، تنحنح يحاول إجلاء حلقه، ولسان حاله يردد "وهذه هي المشكلة". كان يعتني بها بلا شعور منه، أو ربما يشعر وينكر. "إذن فاطمة، سوف أتحرك لأكمل عملي وأنتِ يمكنك انتظار صديقتك لحين تأتي." ولم يكد ينتهي من جملته حتى وجد سلمى تقتحم المكان وهي تحمل حقيبة فوق ظهرها وقردها فوق كتفها وهو يضم له العديد من الفاكهة لصدره وكأنه يستعد للانعزال بكهف ما.
أمسكت يد فاطمة وهي تجرها معها بعدما ألقت بتحية سريعة على المعتصم الذي يراقب ما يحدث بعدم فهم: "هيا فاطمة لدينا يوم طويل في الخارج." ومن بعد هذه الكلمات اختفت فاطمة وسلمى وموزي كذلك، تاركين المعتصم يقف داخل الحديقة يحاول ترجمة ما سمع، هل تقصد بالخارج، خارج الحديقة؟؟ في سبز: "الجميع الآن يقف في صفه وقد انقلب الشعب تقريبًا على الجنود المتبقين في الجيش مولاي."
كانت تلك الكلمات تخرج من فم أحد جنود أنمار الذي يتابع كل ما يحدث أمامه بهدوء شديد، أصلان أعلن الحرب عليهم واتخذ الشعب صفه، والآن يود الانفصال بالجيش عن البلاد. ابتسم أنمار بسمة واسعة وهو يردد: "حقًا؟! يعتقد أنه سيستطيع السيطرة على البلاد بهذا العدد الضئيل تحت امرته؟ تنفس وهو يتحرك عن مقعده يفكر في الأمر:
"خسارة أن يضيع رجل قوي كأصلان، يعز عليّ التخلص منه، لكنني لا أحب الضوضاء أثناء العمل وهو سيتسبب بالكثير منها لذا... صمت يستدير صوب جنوده يكمل جملته بهدوء شديد: "تخلصوا منه هو ومن يتبعه، ومن بعدها أظهروا للشعب عاقبة التخلي عن صفي والتمرد على أوامري." طرق الباب ثلاث طرقات كما اعتادت منه، أبعدت وجهها عن الباب تشرد في النافذة وقد غرقت الغرفة في الظلام بعدما أغلقت جميع النوافذ وكأنها تعزل نفسها عن الجميع في الخارج.
سمعت صوت خطواته يقترب منها، ومن ثم توقف على بعد صغير يهتف بصوت شبه مسموع: "سمو الأميرة... ابتسمت بسخرية لاذعة: "نعم سمو الأمير اطربني بما تريد." اغمض عيونه يتنفس بصوت مرتفع، يشعر بالعجز عن التنفس بشكل طبيعي ولا يدري السبب لكنها كانت آخر شخص يود أن تعلم حقيقته خاصة بعدما دفنها هو قبل أن يخطو لهذا المكان. "أنا لست ... لم أكن.... أنا فقط."
تنفس بصوت مرتفع وهو يضع يده على وجهه يهتف بصوت شبه مسموع وصل لها بسهولة، الأمر صعب عليه وهي لا تسهل ذلك بنظراتها تلك، لا شيء سهل في هذه اللحظة أكثر من الهرب، لكنه لا يستطيع اختيار الهرب مرة ثانية وقد جرب نتائجه مرة. "لماذا الأمر بهذه الصعوبة معكِ؟! تشنجت ملامح توبة وهي تبعد وجهها عنه مجددًا: "أنت لست مجبرًا على التحدث معي أو تبرير شيء، فقط حاول تجاهلي وسأقدر لك صنيعك."
"سمو الأميرة لا تصعبي الأمر علينا لقد تعهدت لك بمساعدتك للخلاص من..... قاطعته توبة بسرعة وقد اكتفت من كل ذلك لليوم، حياتها تتعقد كل ثانية أكثر، ها هو نزار الذي وصلت أخباره وأخبار ما فعل لها حتى مخدعها، يقف أمامها بعد كل تلك السنوات. لا تزال تتذكر ذلك اليوم الذي سمعت فيه أنمار يتحدث بشأن ما فعل، نزار؟؟ الشاب الهادئ المسالم؟؟ الطبيب الذي كان العم أزار يتفاخر به في المجالس وبعلمه وحكمته.
نزار الصغير الحنون الذي كان يخشى على الجميع أثناء اللعب ويراقبهم عن كسب ليحميهم من الإصابات وهي من بينهم، كان يركض لها كلما سقطت ينفض ثيابها ويربت عليها ويمنحها بسمة واسعة وهو يهتف لها بحنان: "هل أنتِ بخير توبة؟؟ تريدين مني إحضار مياه لكِ؟! رفعت توبة عيونها صوب نزار الذي كان يقف على بُعد صغير منها يراقبها من بعيد وكأنه يخشى الاقتراب منها، يخشى أن يبصر اشمئزازًا في نظراتها تمامًا كما الجميع.
لكن على عكس ما توقع أبصر في عيونها شفقة عليه، وهذا أوجعه أضعاف مضاعفة. "لماذا نزار؟ تأوه نزار وهو ينهار أرضًا يدفن وجهه بين يديه يحاول أن يتنفس بصوت مرتفع لا يدري كيف يتحدث أو يبرر لها ما حدث: "أنا لست .... لا أستطيع الشرح، لا أدري كيف فعلت هذا و.... الأمر أنني فقط.... صمت وهو يبتلع ريقه بصعوبة وقد شعر بجسده يرتجف من هول الأفكار التي بدأت تغزو عقله في هذه اللحظة، يهتف بحسرة وصوت يقطر وجعًا: "لقد ...
عوقبت بما يكفي، ندمت وعوقبت وتبت عما فعلت و.... خسرت كل شيء، بلادي ومكانتي وأبي و... زوجتي." اتسعت عيونها تهتف بصدمة: "زهور؟! هز رأسه بحسرة يبتسم بوجع: "رفضت أن تقضي المتبقي من عمرها تحمل اسم وغد حقير مثلي و.... ابتلع ريقه بصعوبة وكأنه يبتلع سكاكين تقطع دواخله: "لا لوم عليها ولا عتاب، أي امرأة كانت مكانها كانت لتفعل الشيء مثله."
ولم تنفِ توبة كلماته فهي تدرك صدقها، ما كان لامرأة أن تتحمل وصمة عار كهذه أو أن تحمل اسم رجل خان دينه ووطنه، كما حدث معها، الفرق أنها لم تمتلك رفاهية التحرر بالقوة من أنمار. صمتت تبعد عيونها عنه تشرد بعيدًا وهو ظل جالسًا نفس جلسته يضم رأسه بين يديه يرثي حياته، لا يدري ما عليه فعله، هل كان عليه الاستسلام لمصيره والموت بشرف؟؟ أم أن الله دبر مجيئه هنا لأجلها خصيصًا؟؟
رفع عيونه لها وقد تعهد في اللحظة التي التقت عيونه بخاصتها أنه لن يهدأ له بال إلا حينما يتأكد أنها عادت لقصرها بأمان وسلام، وهذا لن يحدث إلا بموت الآفة التي تسكن قصرها. أنمار.... أما عنها فقط أبعدت عيونها عنه بشفقة وكره، كانت بدأت تصدق أنه شخص جيد جرفته المعاصي صوب هذا المكان القذر بالخطأ، لكن الآن وبعد معرفتها حقيقته أدركت أنه انحرف بكامل إرادته ليزداد كرهها له وللجميع هنا.
"أنتِ تريدينني أن آتي للمبيت معكِ بنفس السجن؟! أجننتي يا سراي؟ اشتعلت أعين سراي بغضب شديد وهي تمسك القضبان والتي لم تبرحها منذ أحضرها الملك هنا وطلب الاحتفاظ بها لحين الحكم عليها في قضية التحدث بالسوء عن الملكة المستقبلية لمشكى. "اسمعي ما أخبرك به ونفذيه وإلا أقسم بالله أن يعلم الجميع أن اللص الذي يسرق الغلال ويبيعها للتجار الجشعين هو أنتِ."
اتسعت عين الفتاة بصدمة وهي تستدير حولها بسرعة وكأنها تتأكد أن لا أحد استمع لكلمات تلك الحية التي تسكن الزنزانة، أشارت لها بالصمت: "فقط اصمتي سراي، ما الذي تريدينه مني خلصيني من كل هذا." ابتسمت لها سراي بسمة واسعة وهي تدس يدها داخل ثيابها تخرج قارورة صغيرة تمدها لها عبر القضبان لتنتشلها منها الفتاة بسرعة وهي تخفيها بخوف: "ما ... ما هذه؟؟ هل ...... شهقت بعنف تضع يدها على فمها مرتجفة: "سم؟
"لا عزيزتي ليس سم، لا تقلقي أنا لست مجرمة بهذا القدر، هذا فقط دواء بسيط يسبب بعض الآلام في المعدة لكنها الآلام لا تزول بسهولة." نظرت لها الفتاة بعدم فهم لتهتف سراي وهي تقرب وجهها من القضبان تهمس بصوت منخفض ونبرة تقطر كرهًا وحقدًا: "جلالة الملكة..... "إلى أين نحن ذاهبتان؟! أمي لن تحب أن أذهب لمكان لا أعلمه."
نظرت سلمى جوارها صوب فاطمة التي كانت تسير معها بكل براءة لا تعترض على شيء وتثق أنها لو اختطفتها الآن لن تعترض، هي فقط سترفض أن تُختطف بعيدًا عن المنزل دون إذن والدتها، عدا ذلك لا بأس. "لا أدري أنا فقط شعرت بالغضب الشديد فحملت حقيبتي وخرجت من القصر لحين أهدأ قليلًا، إذن أخبريني أنتِ فاطمة حين تغضب الفتيات هنا ويثرن ويتركن المنزل أين يذهبن؟! هل هناك فندق مثلًا أو سكن للإيجار؟ رمشت فاطمة بعدم فهم، ثم قالت بعد ثوانٍ
من الصمت: "ماذا تقصدين بالفندق؟! "مكان به غرف عديدة للإيجار، هل هناك شيء كهذا هنا يمكنني الحصول به على غرفة أو ما شابه؟ نظرت لها فاطمة ثوانٍ قبل أن تبتسم بسمة واسعة تهتف بكامل العفوية التي تمتلكها: "هل أنتِ مشردة؟ رمشت سلمى بتفاجئ من صراحة فاطمة: "أوه نعم فاطمة أنا مشردة." "إذن رافقيني لمنزلي، أمي ستحبك كثيرًا لقد أخبرتها عنكِ." نظرت لها سلمى بخجل تهز رأسها بنفي وقبل أن تعترض سحبتها فاطمة وهي تتحرك في الطرقات بهدوء
شديد مرددة بسعادة كبيرة: "هيا سأعرفك على الجميع، أمي وأبي وأحمد." "أحمد؟! "شقيقي الأكبر، هو وسيم للغاية يمتلك خصلات صفراء وعيون خضراء ووجه دائري، ستحبينه." فجأة توقفت فاطمة وهي تستدير صوب سلمى تنظر لها بإعجاب: "ربما يمكنك الزواج من شقيقي إن أحببته والمكث معنا دون مشكلة."
اتسعت أعين سلمى بشدة وقد احمرت وجنتيها من كلمات فاطمة وخجلت من الذهاب معها للمنزل واقتحام أسرتها دون مقدمات، وحينما أصبحت على بداية الشارع الخاص بفاطمة توقفت شاحبة مما ترى الشارع كانت معظم المنازل به شبه محترقة، وهناك مسجد مدمر يقع في المنتصف، ولم يكن هذا ما صدمها، بل صوت فاطمة وهي تتحدث بكل هدوء تعبر بها صوب المنزل:
"لا بد أن أبي وأحمد خرجا الآن لصلاة الظهر ولن يعودا قبل ساعات، وأمي الآن تزور جارتنا الخالة إحسان لأنها مريضة، لذا يمكنك أخذ راحتك، هيا تعالي معي." اقتربت معها سلمى من المنزل وقد كان هدفها الأول هو دراسة البيئة التي تجلس بها الصغيرة فقط كي تستطيع فهمها أكثر ومعالجتها، لكن وبمجرد أن اقتربت من المنزل توقفت مع فاطمة وهي تتحدث بهدوء: "أنا سأنتظرك هنا لحين التأكد من عائلتك واعلامهم بوجودي."
نظرت لها فاطمة برفض وقبل إصرارها على الدخول معها أشارت لها سلمى بالدخول للتأكد من الأمر وهي ظلت باقية في الخارج تراقب المكان بأعين ضبابية، المكان كان شاهدًا على حرب وهذا ما لاحظته. تنهدت بصوت مرتفع تبحث بعيونها في المكان عمن يساعدها في الإجابة عن بعض الأسئلة، لتبصر بعض الصغار يلعبون في المكان. أشارت لأحدهم ليقترب منها، مالت تجلس القرفصاء أمامه وهي تردد ببسمة: "مرحبًا يا صغير، كيف حالك؟
نظر لها الصبي بريبة لتتنحنح تشير صوب موزي تلتقط منه قطعة فاكهة بصعوبة: "أعطني هذه أيها الأجرب الجشع يكفيك ما تناولته في طريقنا لهنا." مدتها للطفل مبتسمة بسمة تناقض نظراتها لموزي: "خذ هذه الموزة لك، أخبرني يا صغيري منزل من هذا؟ التقط منها الصغير الموزة بشهية كبيرة وسعادة جعلت عيونها تلتمع بحزن وحسرة على لهفته، تسمع صوته يردد بلطف: "هذا منزل الخالة أم أحمد."
هزت رأسها وهي تنظر صوب المنزل وقد تأكدت أنه بالفعل منزل فاطمة فقد كانت تشك أنه ربما أخطأت فاطمة أو هُيئ لها بسبب حالتها أنه منزلها. لكن فجأة وهي تحدق في المنزل تجمدت يدها وتجمد جسدها بأكمله وشحب وجهها وهي تسمع جملة الصغير يردد من بين مضغاته وكأنه أراد استعراض المزيد من المعلومات عليها لقاء قطعة الفاكهة الشهية: "تخبرني أمي أن هناك أرواح طيبة تحرس هذا المنزل منذ احترق به العم أبو أحمد وأحمد..........
في هذا العالم ما من إنسان خالي البال مرتاح القلب هانئ، لكل شائبة تؤرق مضجعه، ولكل ذكرى تعكر صفو بحيرته الهادئة. ولكلٍ ليل يبكي عليه. ارتكن للجدار يتنفس بصوت مرتفع ومتعب بعد التحرك داخل أركان المملكة طوال اليوم تقريبًا لأجل معالجة من ينتظر العلاج.
ابتسم يراقب الصغار بسعادة كبيرة يتلاعبون حوله وكأن لا هموم لهم، وكم يأمل أن يظلوا طوال الوقت بهذا الانطلاق، أغمض عيونه يمسح بعض ذرات العرق، يتنهد بتعب شديد وقد قرر الراحة قبل العودة لعمله.
ويبدو أن الذكريات استغلت الظلام الذي حلّ على عقله بمجرد إغماض عيونه لتتدفق كالسيول في رأسه وبسرعة خيالية، ليشعر زيان في هذه اللحظة أن تلك الليلة تُعاد بكل ما فيها، حتى أنه بدأ يشعر بنفس الحرارة التي تصاعدت يومها بسبب الحرائق والانفجارات، ويسمع صوت الصرخات وأصوات البكاء نفسها، يرى نفسه يركض في ممرات المشفى التي تتوسط أحد المناطق في العاصمة. يركض وهو يحمل طفل صغير مصاب على ذراعه يشير لمن حوله بسرعة التحرك:
"عبدالله ساعدني، هناك الكثيرون في الخارج مصابين، لعنة الله عليهم أسقطوا القنابل على منطقة بأكملها." وضع الصغير على فراش وأخذ يعالجه وهو يربت عليه بحنان ويبتسم له والصغير يبكي ويهتف بصوت لاهث: "أمي، احضر لي أمي... "لا تبكي يا صغيري والدتك هنا، سوف أذهب للبحث عنها بنفسي، فقط توقف عن البكاء كي لا تتوجع حسنًا؟
صمت الصغير باذعان وقد شرع زيان يعالجه بسرعة، وحينما انتهى أشار لأحد الرجال بالاعتناء به، ثم تحرك بسرعة كبيرة كي يتدارك الوضع مع زملائه، اقترب من أحد الأسرة وهو ينادي على أحد الرجال ليساعده ولم يكد يقترب حتى سمع صوت الرجل يهتف: "لا تحاول سيدي لقد ماتوا بالفعل." توقف قلب زيان ثوانٍ يبتلع ريقه بصعوبة يتنفس بصوت مضطرب وهو يتلمس الغطاء الذي يغطي وجه المرضى: "إنا لله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله."
ولم يكد يبتعد ليساعد من يحتاج مساعدة حتى أبصرت عيونه يد ذلك الطفل المتدلية من الغطاء والتي كانت تحمل خاتمًا ذهبيًا صغيرًا مألوفًا له وبشدة، توقف قلب زيان في هذه اللحظة لثوانٍ قبل أن يعود للفراش بسرعة مرعبة وقد شحب وجهه وأصبح يتنفس بصعوبة وهو يقترب مجددًا من الفراش، يقترب ويقترب وكأن المسافة كانت أميالًا بينهما، وحينما وصل للفراش مد يده المرتعشة يرفع الغطاء ببطء ليبصر وجه ابنته الصغرى والتي كانت تضم
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!