كان يجلس كعادته في الغرفة المجاورة للمسجد يقرأ بعض الآيات بصوت شجي خاشع، وعيونه تتحرك على الكلمات أمامه بهدوء شديد، يستشعر حالة السلام النفسي التي تحيط به في هذه اللحظة. سمع صوت الباب يُفتح وصوت خطوات تتقدم منه، كل ذلك دون حتى أن يرفع عيونه عن المصحف أمامه، يعطي كامل انتباهه للآيات أمامه، حتى توقف وانتهى من الصفحة التي كان يتلو آياتها.
رفع عيونه ببطء شديد يبصر وجه أحد الرجال يرتدي ثوب الحراس في القصر وهو ينظر له بتردد وكأنه جاء يعترف عن ذنب اقترفه. "تقدم يا بني، مالي أراك مترددًا؟! رفع الشاب عيونه ببطء صوب المتحدث والذي لم يكن سوى أمام المسجد الخاص بالقلعة وشيخ مشكى الأول. ابتسم له بسمة يبصر التردد يزداد على ملامح الشاب وكأنه لا يعلم كيف يتحدث. "أخبرني كيف اساعدك يا بني؟!
تقدم منه الشاب وجلس أمامه على ركبتيه يهتف بصوت منخفض ونبرة خافتة وكأنه يخشى أن ترهف الجدران أذنها للحديث وتسمع ما هو على وشك نطقه. "أنا فقط... امنحني الأمان سيدي كي أتحدث." رمش الشيخ بعدم فهم وهو يعقد حاجبيه بجهل، أي أمان هذا الذي يتحدث عنه الشاب؟ كانت كلماته مريبة على مسامع الشيخ الذي كان أخطر شيء سمعه هو أن أحدهم جاء يطلب منه أن يخبره كفارة السرقة، والآن الرعب الجلي على ملامح الش`شاب يوحي أنه يكتم الكثير.
"لم أعتد أن أنقل الأحاديث يا بني." شحب وجه الشاب يهتف بسرعة: "لا، لم يكن هذا ما قصدته البتة، أنا فقط... فقط أريد أن... أخشى أن يعلم الملك أنني أنا من جاء ليخبرك بما حدث، فأتأذى." "الملك؟! وما علاقة الملك بما تريد اخباري له؟ تحدث دون مواراة أو أرحل." ابتلع الشاب ريقه بتوتر شديد، ثم رفع عيونه له يهتف بصوت خافت: "الملك لا يريد أن يعلم أحدهم بما يحدث أسفل سقف قصره، فهو يخشى عليها من العقاب."
تغضنت ملامح الشيخ بضيق شديد حتى كاد الغضب يحل محل الضيق ويتسيد تعابير وجهه، لكن الشاب تحدث بسرعة كبيرة وكأنه أدرك عاقبة المراوغة أكثر يهتف بصوت هامس أكثر: "المرأة التي أعلنها الملك بأنها الملكة المستقبلية، لقد... الملك يحاول أن يخفي أفعالها ليحميها من العقاب، لكنني لم أستطع الصمت وأنا أرى الفسق والرذيلة تُمارس علنًا أمام عيوننا دون التحرك وإخبارك لتجد حلًا لما يحدث قبل أن ينزل الله غضبه علينا."
حرك الشيخ حبات سبحته بين أصابعه ينظر للشاب بنظرة حادة: "هل تعي أنك الآن تخوض بشرف امرأة، وتدرك عقوبة ما أنت مقبل على فعله إن ثبت أنه كذب وافتراء؟ "سبق وسُجنت امرأة هنا بسبب الأمر ذاته، لكن هذه المرة أنا امتلك أدلة على ما أقول، هذه المرة أبصرت بعيوني أنا وباقي الحراس رجلًا يخرج من غرفتها بعد منتصف الليل، ولم تكن هذه المرة الأولى، كما أبصرها أحد الرجال يومًا تتحرك بالحديقة الخلفية مع الرجل ذاته و...
صمت ينظر أرضًا بخجل لتتسع أعين الشيخ وقد أحمر وجهه بغضب: "هل تدرك ما تتحدث به أنت؟! تأتي وتتحدث عن شرف امرأة بهذه الطريقة القذرة؟! ألا تخجل من نفسك؟! "أنا لا أتحدث دون دليل يا شيخ ويمكنك التأكد بنفسك، الملك يحاول أن يواري سوءها، لكن الجميع بدأ يلاحظ ما يفعل، سبق واتهمتها امرأة بالشيء ذاته، لا يعقل أن الجميع مخطأ و...
"المرأة بنفسها اعترفت أنها أخطأت ولم تبصر منها سوءًا وكان الأمر محض ظنون، وأنت الآن تأتي لتكمل حديثها من حيث توقفت؟! اتقي الله في أعراض النساء." اتسعت عين الشاب بصدمة يهتف وقد شحب وجهه مرتعبًا أن يرتد الأمر عليه ويتسبب في أذيته على يد الملك، ابتلع ريقه بهدوء يحاول الحديث: "أنا لم...
ليس أنا بل الجميع يرى الأمر بنفسه ويمكنك التأكد من ذلك بنفسك، الآن الملك معها في المشفى وقد سقطت صباح اليوم مغشى عليها والله وحده يعلم السبب بعد خروج الرجل من غرفتها بالأمس، الملك نسي كل قيمه لأجل امرأة فلا تعينه على اثمه يا شيخ." شحب وجه الشيخ من الكلمات التي سمعها، وهو ينتفض عن جلسته ينظر للشاب بتحذير شديد، ثم خرج من الغرفة الخاصة به يتحرك صوب المشفى يفكر أن يذهب بنفسه ليتحدث مع الملك ومعرفة ما يحدث حولهم.
بينما الشاب كان يراقب الباب الذي خرج منه بملامح حزينة مرتبكة ومرتعبة، سرعان ما تلاشت وارتسمت بسمة واسعة خبيثة وهو ينهض عن جلسته ينفض ثيابه بهدوء. "هنا تنتهي مهمتي." ومن بعد تلك الكلمات تحرك بسرعة كبيرة خارج الغرفة ومنها لحصانه يتحرك به خارج أسوار القصر يدعي أنه ذاهب في مهمة ما، وفي الحقيقة هو فقط انتهى من دوره في هذه اللعبة يعود من حيث أتى. *** "مبدئيًا؟!
كانت كلمة صغيرة نطق بها أرسلان وهو ينظر لوجه الطبيبة التي توترت بسبب نظرات أرسلان وقد كان الأخير على وشك إحراق الجميع بنظراته في المكان. ابتلعت ريقها تهتف بصوت منخفض: "نعم فأنا لم افحصها بشكل... بشكل صحيح، كانت هذه مجرد علامات فقط ظهرت عليها جعلتني اخمن الأمر و... اتسعت بسمة أرسلان المرعبة وهو يهمس بنبرة جعلت دموع الطبيبة تكاد تتساقط برعب مما تسمع وترى في هذه اللحظة، كان الملك أكثر رعبًا حتى مما سمعت.
تراجعت خطوة للخلف وهي تسمع فحيحًا خرج من فمه: "تخمنين؟! هزت رأسها وهي تبكي بخوف تحاول الحديث، لكن أرسلان قاطع كل فرصة لديها في إنقاذ ما قيل بكلمات أخرى: "هل ترين أن الأمر يستحق تخمين سيدتي؟! هل ترين أنني بمزاج يسمح لي بتقبل تخمينات غبية لا أساس لها؟! سقطت دموع الطبيبة دون أن تستطيع التحدث بكلمة لتسمع صوت في الخلف يردد: "مولاي ما بك، المرأة ترتعش رعبًا."
تجاهل أرسلان كلمات المعتصم ويده التي بدأت تشده للخلف يكره أن تتعامل مع الأمر بهذا التهاون، ورغم غضبه كبته مذكرًا نفسه أنه أمام امرأة. يهتف بجدية كبيرة وقد وصل ما حدث لمسامع الجميع ليجمدهم بأرضهم، وهو فقط هتف بنبرة حاول جعلها هادئة: "الآن سيدتي ستتحركين للداخل وتفحصين المرأة بشكل دقيق، ثم تعودين وتخبرينني ما بها وما سبب تعبها الواضح هذا وتعالجينه، لا تجبريني على أن أظهر حقيرًا أكثر من هذا مع امرأة مثلك سيدتي."
هزت الطبيبة رأسها بسرعة وهي تشعر بجسدها يرتجف بقوة من الرعب، ليتراجع أرسلان للخلف فجأة حين أبصر ما فعلته بها نظراته، يمسح وجهه بضيق من نفسه: "فقط اذهبي رجاءً و... لكن وقبل التحدث بكلمة واحدة سمع صوتًا مستنكرًا في الخلف يهتف بعدم فهم: "ليفهميني أحدكم ما يحدث، هل الفتاة بالداخل هي ابنة أخي بالفعل؟! وهل هي... حامل؟! من هو زوجها؟!
في نفس اللحظة التي نطق بها أنورين تلك الكلمات كان الشيخ يخطو للمشفى ليتجمد في أرضه بعدما رأى الجميع أمامه بملامح شاحبة مصدومة وكلمات ذلك الرجل تتردد أمامه، ليشعر في لحظة أن ما قيل منذ ثواني كان حقيقة وليس مجرد شك أو اتهام. توقفت أقدامه وهو يسمع صوت أرسلان يهتف بجدية ونبرة خشنة: "الجميع للخارج لا أريد أن أبصر أحد هنا."
نظر له الجميع باستنكار لتعلو ابتسامة لا معنى لها فمه وهو يهتف بنبرة جعلها أكثر احترامًا لأجل وجود الشيخ والذي كان ذو مكانة رفيعة لديه: "إذا سمحتم... نظر المعتصم صوب زيان الذي هز له رأسه يتحركان بعيدًا عن الغرفة، تاركين أرسلان ما يزال يقف مواجهًا للشيخ وكأنه ينتظر ابتعاده.
لكن الأخير بوقفته تلك كان يبدو كما لو أنه لا ينتوي الرحيل البتة إلا بعدما يحصل على إجابات، يقف متحفزًا أمام أرسلان والذي وقف بكل هدوء يراقبه بملامح باردة وكأنه ينتظر منه كلمة ليثور، يشير بعيونه للطبيبة أن تتحرك لتركض الأخيرة بهلع وكأنها حازت للتو تصريح براءة من حكم إعدام. "ما الذي يحدث هنا جلالة الملك؟! نظر أرسلان حوله بهدوء شديد، ثم عاد بعيونه للشيخ: "لا شيء، المكان هادئ ولا شيء يحدث، هل ترى شيء يحدث هنا؟!
اقترب منه الشيخ خطوات هادئة يهتف بصوت منخفض: "هل تتلاعب معي أرسلان؟! تسخر مني؟! اتسعت أعين أرسلان بقوة يهتف بصوت حاول أن يخرجه هادئ طبيعي لا يظهر به تهكمًا أو نبرة قد تبدو للشيخ ساخرة: "استغفر الله يا عم، منذ متى فعلت؟! أنا فقط لا أفهم تحفزك هذا و... هتف الشيخ وقد جن جنونه من تصرفاته الغريبة وقد كان أرسلان أول شخص يقف في وجه الباطل هنا، ما له يصفق له في هذه اللحظة؟!
"لا تتحدث وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن لا معصية تُمارس أسفل سقف قصرك، أرسلان هل أعماك الحب لهذه الدرجة لتتغافل عن تصرفات المرأة فقط لأن قلبك يميل لها؟! وفي هذه اللحظة انتفض قلب أرسلان لأجل الكلمة التي خرجت من الشيخ دون أن يجملها أو يزينها أو يخفيها خلف كلمات أقل حدة، اتسعت عيونه لأجل لهجة الحدة وصوته الذي بدأ يظهر به بعض النفور. "أفق مولاي، وأخرج من غيمة المشاعر تلك، لا تسمح لمجرد امرأة أن تتحكم بك وتحيد بك عن الحق...
اشتدت حدة عيون أرسلان الذي نظر في عيون الشيخ بشر وقد تناسى لثواني أمام من يقف في هذه اللحظة: "جلالة الملكة." نظر له الشيخ بعدم فهم ليكرر أرسلان كلماته وهو يضغط على حروفه بقوة: "هذه المرأة هي جلالة الملكة وسبق أن وضحت الأمر، احترمك وأقدرك، لكن كرامة امرأتي وزوجتي المستقبلية من كرامتي، وما تلمح له بكلماتك ويلتمع بعيونك لا تفكر به بينك وبين نفسك حتى يا عم وتذكر أن بعض الظن إثم."
اشتعلت أعين الرجل أكثر بسبب دفاع أرسلان عنها وتحدثه معه بهذه الطريقة لأجلها، ليستغل الشيطان غضبه ويتراقص أمامه مزينًا له أفكارًا خبيثة. "إذن إن كنت واثقًا بها بهذا الشكل وتعتقد أنها امرأة شريفة و... "هــــــي كـــــــذلـــــك، وليتجرأ أحدهم ويقول عكس ذلك، ووالله لن يجيبه غير سيفي، هذا ما ينقصني أن يخوض أحدهم بعرضي وشرفي على مسامعي يا عم." تنفس الشيخ من حدة أرسلان يحاول أن يتحدث بحيادية:
"إذا كنت واثقًا بها لهذه الدرجة فعليك تبرئة ساحتها أمام الجميع." "أمام الجميع؟! ابتسم الشيخ بسخرية وهو يربت على كتفه مشفقًا على نظراته تلك: "من أين تعتقد أنني علمت إذن؟! الجميع يتحدث بالأمر يا بني، وإن كانوا يفعلون ذلك الآن بالسر فغدًا لن تستطيع أن تصمت الألسنة، لذا الحل الوحيد أن ترد لها كرامتها على مرأى ومسمع من الجميع."
نظر له أرسلان بملامح جامدة وقد بدأت الدماء تغلي بين أوردته، يشعر بصعوبة شديدة في التنفس بشكل سليم، وهو يشعر أن الأمور تتفاقم حوله في وقت لا يتحمل به أي حِمل إضافي، نظر صوب الشيخ الذي ردد بهدوء يعلن قراره الأخير وكأنه يجبر عليه أرسلان: "عليها الوقوف أمام المحاكمة وإثبات براءتها وإلا نُفذ بها الحد... ***
تحرك بعيدًا عن الغرفة التي يشعر أنها ستحترق بعد ثواني بسبب النيران المنبعثة من جسد أرسلان في هذه اللحظة وقد قرر التحرك صوب غرفة فاطمة يعسكر أمامها كما اعتاد حتى ينال منها نظرة تطمئن قلبه أنها بخير حال. لكن وبمجرد أن وصل الغرفة تعجب حين أبصر الباب مفتوحًا بعض الشيء والفراش فارغ.
اتسعت عيونه وتوقف قلبه لثواني وهو يندفع بسرعة صوب الغرفة دون التفكير في طرق باب أو حتى الاستئذان، هو فقط اقتحم المكان بسرعة وهو يهتف ملتاعًا مرتعبًا باسمها: "فاطمــــــــة." لكن لم يبصر طرفها في المكان لترتعش يده الممسكة بمقبض الباب وهو يشعر بأنه على وشك الانهيار متذكرًا حالتها، كيف خرجت بهذه الحالة وحدها وإلى أين وهي... لا أحد لها في هذه الحياة.
عند هذه الفكرة اندفع بسرعة خارج المكان وهو يركض صوب الإسطبل يقرر الخروج للبحث عنها، هي لم تبتعد كثيرًا ربما، فالطريق طويل صوب منزلها. كان يهرول دون أن يبصر أحدهم أمامه، لولا صوت البكاء الذي وصل له ينبع من أحد الأركان في الحديقة. توقفت أقدامه يتحرك صوب ذلك الصوت والذي ميزه بسرعة كبيرة يهتف بصوت منخفض متسائلًا يحاول معرفة إن كان ما يراه صحيحًا أم عقله المسكين صنع له صورة لفاطمة رأفة بقلبه الذي يكاد يتوقف رعبًا.
تجلس هناك في ركن مظلم لا تصله شمس، ولولا صوت الشهقات الصادرة منها لكان ظنه محض خيالات. "فاطمة؟! تساءل بصوت منخفض مستنكرًا ما يرى، ما سبب خروجها من الغرفة الخاصة بها وقدومها هنا وجلوسها بهذا الشكل. رمش وهو يتحرك صوبها يراها تضم قدمها لجسدها وهي تبكي بصوت متقطع فعل بقلبه ما فشلت به حروب ضارية. تقدم بهدوء وهو يجلس على ركبتيه أمامها دون الاهتمام بالوحل أسفله يهتف مجددًا اسمها: "فاطمة؟!
ولثواني لم تتحرك وكأنها لم تسمع ما نطق به وهو ما يزال ينظر لها منتظرًا أن تشفق على حالته وتنظر له: "فاطمة صغيرتي ما بكِ؟! اشتد اهتزاز جسد فاطمة وكأن كلماته أن تساهم سوى في زيادة حالتها سوءًا تهتف من بين شهقاتها: "لقد... رحلوا جميعهم رحلوا وتركوني وحدي." ابتلع المعتصم ريقه عليها وهو يحاول أن يتجاوز نبرتها المجروحة: "أنا هنا."
هدأ جسد فاطمة فجأة عن الاهتزاز وهي ترفع رأسها بهدوء شديد عن قدمها تحدق في وجه المعتصم وكأنها تود أن تتأكد أنه لا يكذب عليها، بينما الأخير ابتسم لها بسمة صغيرة يحاول بث بعض الطمأنينة لقلبها: "أنا هنا يا صغيرة، هنا جوارك ومعك." نظرت له فاطمة ثواني قبل أن تبتسم له بسمة كسيرة تهتف بصوت خافت وصل له رغم أصوات الرياح حوله: "هل أنت كذلك بالفعل؟!
نظر لها المعتصم بعدم فهم يحاول إدراك ما تود قوله لتهتف هي بصوت ميت لا تشعر بما يدور حولها، فقط صوت صراخ وشعور بنيران تحرق جسدها ورائحة الجلود المحترقة هي كل ما يمكنها الشعور به: "هل أنت كذلك هنا؟! هم كذلك كانوا هنا معي، هم كذلك كانوا جواري، والآن أين هم؟! نظر لها المعتصم بوجع لتبتسم له بسمة واسعة مذبوحة: "ما أدراني إن كنت ستبقى معي أنت كذلك، أم سترحل كما فعل الجميع؟! صمتت ثواني ثم ألقت بالجملة التي تسبب في تدمير
المتبقى من ثبات المعتصم: "سيأتي يوم وتتركني كما الجميع، لذا ربما يمكنني اعتياد الوحدة منذ الآن." ختمت جملتها تتحرك من مكانها بهدوء شديد تنفض ثيابها مبتعدة عنه تحت نظرات الأخير والذي كان ما يزال ينظر لمكانها بصدمة وكأنه ما يزال يتلمس أثرها به، أما عن فاطمة فتحركت بعيدًا عنه توجه أبصارها ونيتها صوب باب القصر وهي تردد بصوت منخفض: "أنا سأعود للمنزل لأنام بأحضان أمي ككل ليلة، ربما نلتقى في الغد يا المعتصم."
سقطت دمعة من المعتصم وهو يشعر بقلبه يتحول لفتات بسبب كلماتها، ينهض عن مكانه متحركًا صوبها وهو يتحدث بسرعة ولهفة: "فاطمة توقفي إلى أين؟! لا يمكنك... لا يمكنك الرحيل و... لكن فاطمة لم تتوقف حتى لتسمع كلماته، تتحرك دون أن تعطي اهتمام لما يحدث حولها وعقلها يحثها على إكمال طريقها صوب والدتها تنام بين أحضانها طوال الليل وهي تقرأ عليها بعض الآيات.
كانت تتحرك وهي تبتسم بسمة صغيرة لتلك الأفكار، بينما الدموع تهبط من عيونها بقوة وكأن قلبها ما يزال يعيش بوردية وهم رسمه قديمًا ليتجاوز كل ما ناله من أوجاع، بينما العقل ما يزال سجين جحيم الوعي، تبتسم لذكريات يطرحها قلبها، ويدرك حقيقتها عقلها. كل ذلك تحت عيون المعتصم والذي راقبها متسع الأعين مصدومًا مما يحدث، يتحرك صوبها بسرعة كبيرة وهو يتوقف أمامها يقطع طريقها: "توقفي، لا يمكنك الرحيل بهذا الشكل، أنتِ.... ألا...
ألا تريدين رؤية صديقتك؟! سلمى... نعم هي مريضة للغاية وتحتاجك معها." نظرت له فاطمة ثواني دون وعي وكأن الكلمات لم تكن تصل لعقلها بسهولة، أما عن المعتصم فكان التصميم يعلو عيونه وهو مقررًا ألا يدعها ترحل بهذا الشكل. والأخيرة كان الاصرار داخل صدرها ينافس إصرار المعتصم، ترفض البقاء ثانية وحيدة وترك والدتها وحيدة في المنزل، خاصة مع تلك الرغبة الملحة من جسدها بضمها. "ابتعد يا المعتصم دعني أعود للمنزل، لا يمكنك فعل ذلك."
نظر لها المعتصم بإصرار مرعب يهتف بقوة: "بلى يمكنني فعل أكثر من هذا فاطمة، فقط حاولي تجاوزي والخروج من هنا." نظرت له فاطمة بملامح غير مفسرة لا تفهم ما يفعل: "أنت... ألم... ألم تخبرني أن نضع حدودًا بيننا؟! إذن دعني وشأني فلا أعتقد أن بقائي أو رحيلي من ضمن حدودك التي فرضتها يا المعتصم." التمعت أعين المعتصم بقوة يقترب منها خطوة هامسًا بصوت حاد:
"لعنة الله على حدود قد تكون عائقًا بيني وبينك، والله إن مثلت تلك الحدود سدًا بيننا لحطمتها أسفل أقدامي وتجاوزتها صوبك فاطمة، فلا تبعديني وأنا أطالبك بالوصال." نظرت له بعدم فهم ليهتف بلوعة وكل مشاعره من حب وخوف وقلق عليها تجمعوا داخل صدره في هذه اللحظة: "تزوجيني... تزوجيني فاطمة وارفقي بي... *** "أيها الحمقى، حفنة من الأغبياء تبًا لكم أجمعين، أين اختفت المرأة؟! أين اختفت تركتها بينكم لتهرب بهذه السهولة؟!
أين حراس الحدود، أين الرجال الذين تركتهم لمراقبتها؟! وكانت تلك هي الأسئلة التي نطق بها أنمار بعدما حطم تقريبًا نصف الغرفة التي يقف بها، وقد وصله منذ الصباح خبر اختفاء الثلاثي توبة ونزار ونازين الغريب ليتعجب علاقة نازين بهما. فجأة اشتد احمرار وجهه وهو يسمع صوت أحد الرجال يردد بجدية: "سيدي لقد جئنا بالطبيب."
استدار أنمار بسرعة مرعبة صوب الباب ينظر له بلهفة تكاد تتسبب في خروج عيونه عن وجهه يراقب الباب الذي دخل منه نزار مبتل الخصلات مشرق الوجه وقد انتهى لتوه من حمام سريع. كان الرجل يمسك مرفقه وهو يقوده للداخل لينتزع منه نزار يده وهو ينفض مكان كفه بضيق: "يا بني للتو استحممت، الآن سأضطر للاستحمام مجددًا." فجأة وقبل أن يضيف كلمة على كلماته وجد جسده يصطدم بالجدار خلفه وابصر أمامه أنمار وهو يصرخ بجنون: "أين هي؟!
تحدث وإلا تخلصت منك، ولا تفكر في الكذب لأنني سأ... وقبل أن يكمل جملته أبعده نزار عنه بضيق يهتف بسخرية: "الآن سأضطر لحرق ثيابي بالكامل فلا حاجة لي بها بعدما لوثتها أنت، ثم عمن تتحدث؟! هل أضعت شيئًا وجئت تسألني عنه؟! رفع أنمار حاجبه بغضب شديد: "هل تتلاعب بي نزار؟! "لا تقلق أنمار حالتي لم تفسد لدرجة أن ألعب وسخًا مثلك وألوث نفسي بالتعامل معه." "نــــــــــــــــــــــــــزار."
توقف نزار عن التحدث بعدما شعر أنه وصل بأعصاب أنمار صوب الحافة بالفعل ولم يستطع التقدم خطوة إضافية في الوقت الحالي على الأقل. "أين هي تلك الحقيرة توبة؟! أعلم جيدًا أنك أنت من ساعدها لتهرب من هنا، لذا لتوفر الأمر عليّ وعلي نفسك وعليها لأنني سأجدها وحينها صدقني الأمر لن يعجب أحدهم، أين هي؟! "في مشكى." وبهذه الكلمات أوقف نزار سيل كلمات أنمار والذي اتسعت عيونه بقوة، ليكمل الأخير ببسمة هادئة مستفزة:
"هي في مشكى، يمكنك الذهاب لها ومحاولة إخراجها، أعتقد أن مشكى قريبة للغاية من المكان هنا، لذا اذهب وحاول إخراجها من هناك." تنفس أنمار بصوت مرتفع بينما نزار ردد بهدوء مستفز: "في الوقت الذي تقف به أمامى الآن تصرخ وتبكي وتتذمر، أصبحت هي داخل سلطة أرسلان وبين جدران مشكى، لذا إن أردت يمكنك الذهاب هناك وإخراجها بنفسك."
أغمض أنمار عيونه بقوة وهو يتنفس بصوت مسموع للجميع، قبل أن يفتحها بالقوة وهو ينظر لرجاله بأخذه بعيدًا عنه وعالمه بالكامل أصبح أسودًا بينما نزار تحرك بكل هدوء مبتسمًا وقد نال النظرة التي كان ينتظرها منذ أيام طوال، نظر صوب أنمار نظرة أخيرة قبل خروجه من الغرفة: "هذه كانت البداية عزيزي أنمار..... ***
تجلس بهدوء شديد على أحد المقاعد تدور بعيونها في المكان وكأنها تتلمس طيف حلم قديم، تتلمس نفسها التواقة قديمًا، تتلمس المرأة التي كانت عليها حينما كانت تشتاق للحظة تتويجها ملكة لمشكى، ليس لمنصبًا تناله بقدر مكانة تشتاقها داخل قلب ملك مشكى. ابتسمت تشعر بأن ذلك الحلم أصبح باهتًا للغاية، ما عاشت عمرًا تحلم به، أضحت الآن لا يمثل لها سوى رماد ذكريات لا قيمة له مقابل ما تعرضت له. "هل أنتِ بخير؟!
حركت توبة عيونها صوب نازين والتي كانت تجلس جوارها تراقب ردات فعلها عن قرب وكأنها تدرسها بتركيز طالب على وشك خوض امتحانه النهائي. "أنا من يحق له سؤالك هذا السؤال، هل أنتِ بخير!! منذ جئتي وأنتِ هادئة بشكل مريب، ليس وكأنكِ جئتي كارهة محملة على الأكتاف هنا." ابتسمت لها بسمة لا معنى تهمس بصوت منخفض: "لا أحد يكره العودة لوطنه بعد غياب شهور عديدة سمو الأميرة." حدقت بها توبة بعدم فهم ثواني قبل أن تهتف: "أنتِ من سكان مشكى؟!
هزت لها نازين رأسها وقد غامت عيونها بذكريات عديدة لم تبح بها لتوبة التي تقلبت على نيران فضولها في هذه اللحظة تنتظر أن تفيض لها نازين بالمزيد، لكن الأخيرة فقط صمتت ترفض أن تطأ ذلك الجزء من ذكرياتها، ليس الآن وهي في العراء بعيدة عن أربع جدران تواري بهم حزنها.
صمتت واحترمت توبة صمتها ولم تبح بكلمة واحدة، بل فقط انتظرت حتى تأتيها أي إشارة من الملك توحي بقدومه، شاردة في ذلك البعيد الذي أنقذها وعاد بأقدامه لهلاكه، تنفست بصوت منزعج وهي تمسح وجهها وكأنها بذلك تحاول إزالة كل نظرة قلق تنطق بها عيونها تجاه هذا الرجل وما سيلاقيه. "لو أنه فقط بقي هنا معي لكان... صمتت وتوقفت أفكارها الهامسة تستنكر مسار تفكيرها الغريب عليها، رافضة أن تتحرك بأفكارها صوب ذلك الجزء الخاص به.
غافلة عن تلك المرأة التي كانت جوارها تغوص داخل ذكريات بعيدة بعد المشرق والمغرب، زوج حنون هادئ وبسيط، منزل صغير دافئ صغار أشقياء ومن ثم... لا شيء، صوت صفير قوي دمر كل شيء وهي تبصر كامل عائلتها يُقتلون أمام عيونها قبل أن تُختطف هي كسبية لا قيمة لها.
ولم تدري تلك التي تحيا بين ذكرياتها أن دموعها بدأت تهبط دون شعور، حبست حزنها داخل صدرها ولم تبكي يومًا منذ أبصرت دمار عائلتها وجثثهم أمامها، لم تبكي يومًا ولن تفعل قبل أن تنال قصاصًا عادلًا في الدنيا ومن ثم يمكنها اللحاق بهم لتناله في الآخرة كذلك. "نازين أنتِ بخير؟
استدارت لها نازين بهدوء شديد، تهز رأسها هزة صغيرة، ثم نظرت أمامها بهدوء أكبر دون أن تنطق بكلمة وقد أثار تصرفها هذا ريبة توبة والتي كانت تشعر بالقلق مما ترى على ملامح تلك المرأة جوارها، ترى ظلمات وشر يلتمع بشكل مرعب. نهضت عن مكانها تتحرك بهدوء شديد بعيدًا عنها تهتف بصوت منخفض: "سوف أذهب لأعلم سبب تأخر الملك." ولم تكد تتحرك حتى أبصرت بعض الجنود يدخلون المكان مخفضين رؤوسهم باحترام شديد:
"سمو الأميرة نعتذر عن تأخر الملك، لقد أرسلنا أحدهم يعلمه بوجودك إذ أنه حتى الآن لم يعلم بوجودك، وإلا لكان جاء على وجه السرعة، هو فقط يواجه بعض المشاكل الآن، لذا وحتى ينتهي مما يحدث، أقترح أن تذهبوا للراحة في الغرف التي خصصتها لكم، وبمجرد أن يعلم الملك بوجودك هو بنفسه سيأتي ليرحب بسموك الترحيب الذي يليق بكِ داخل مشكى."
نظرت له توبة بتعجب، فقد كان الرجل متحدثًا بارعًا، على عكس الجنود المعروفين والذين كانوا يتحدثون بالأسلحة فقط، لكنها لم تتناقش بكلمة واحدة، بل فقط تحركت بنظراتها صوب نازين والتي كانت في أشد الحاجة لأخذ راحة بالفعل لذا وافقت دون تفكير: "نعم ارجوك...
ابتسم لها الجندي والذي كان نفسه تيّم، كان يعلم جيدًا كيف يتصرف بحكمة ويحرك الأمور بذكاء، فحينما أخبره بعض الجنود بوجود أميرة سبز هنا لم يصدق واصابته صاعقة فهو على دراية بالفعل باختفائها بشكل غامض، وحينما ذهب لإعلام الملك وجد الأمور محتدمة بينه وبين الشيخ في المشفى، فابتعد بكل هدوء وجاء بنفسه يؤجل ذلك اللقاء بقدر استطاعته حتى يتفرغ الملك.
أشار ببسمة ودية صوب بوابة يتابعها تتحرك، قبل أن يبصر امرأة أخرى تسير خلفها بملامح جميلة رغم نظرات الجمود التي تعلو وجهها، نظر لها شاردًا ثواني قبل أن يبعد عيونه بسرعة متحدثًا بهدوء: "إحدى العاملات تنتظركما على باب القاعة لتدلكما على الغرفة، أنرتم مشكى سمو الأميرة." هزت له توبة رأسها باحترام وبسمة صغيرة تتحرك خطوات صغيرة صوب الخارج، في حين أن تتزين تبعتها بخطوات شبه واسعة تحت أعين تيّم. ***
بدأ الخبر ينتشر بين الجميع، حتى أضحى أغلبية سكان القصر يدركون جيدًا ما يحدث مع ضيفتهم الجديدة من عالم المفسدين، لكن الأغلبية منهم لم يهتم وأوقف الخبر عنده ولم يتحدث بما يمس شرف امرأة، إلا بعض المندسين وسطهم والذين كانت هذه هي وظيفتهم. أخذ الخبر يتحرك بين الجميع حتى وصل لها، وصل لنجوم التي انتفضت برعب مما سمعت.
شعرت بالمكان يدور حولها وهي لا تدرك ما يحدث، هل كان الدواء الذي تضعه في المشروب لها السبب بأي شكل من الأشكال فيما تسمعه الآن!! والإجابة كانت واضحة لها. "لقد شاركتي بكل بساطة في تلويث شرف امرأة نجوم فاستعدي لعقاب ربك." انتفض جسد الأخيرة وهي تخرج من المطبخ بسرعة دون كلمة واحدة تتحرك بين الطرقات وقد لمعت عيونها بشر، هي كانت تدرك أن ذلك ليس دواءً يسبب بعض الأوجاع، لكن ماذا كانت تمتلك لتفعل وهي مقيدة بتهديدات سراي؟!
كانت تدرك أن ذلك أكبر من مجرد دواء يسبب أوجاع، لذا توقفت عن وضعه لها منذ البارحة، لتستيقظ وتبصر أن صحوة ضميرها كانت متأخرة فقد سقطت المرأة في فخ أعدته سراي بذكاء تتعجبه منها. خرجت من القصر تشد الوشاح حول وجهها بغضب الكون مجتمع داخلها، تتحرك صوب منزل سراي وقد علا التصميم عيونها لتدرك ما خططت له تلك الحرباء وكشفه، حتى لو عني ذلك قطع يديها، بل ورأسها... ***
بسمته التي ارتسمت في تلك اللحظة كانت نفسها البسمة التي ترتسم على فمه قبل اقتلاع رأس أحدهم وكأنه يرفض أن يقتل عدوه دون أن تكون بسمته آخر ما يبصر من الحياة، والآن هذا الشيخ المسكين والذي أبصر بسمته تراجع خطوات للخلف خوفًا أن تكون رأسه هي التالية. لكن أرسلان محى بسمته بسرعة كبيرة يردد بهدوء: "لن تتلوث يدي بدماء مسلم، فما بالك بشيخ كبير يمثل والدًا لي يا عم، هذه النظرة لا يجب أن تعلو وجهك وأنت تتحدث معي."
صمت ثواني ثم رفع عيونه ودون إرادته غطت نظرة سوداء عيونه وهو يتحدث وقد عاد لحديثهم الأساسي: "تود أن أجعل المرأة بالداخل تقف بين الجميع موضع المذنبة في مثل هكذا تهمة؟! هل تمزح معي يا عم؟! ثم منذ متى كانت قضايا الزنا يُحكم بها على مسامع الجميع في المحاكمة؟! "منذ بدأ الجميع يتكلم عنها وقد انتشر الأمر كالنار في الهشيم، يا بني أنا لست ضدك، أنا فقط أحاول إنقاذ سمعة المرأة التي تلوكها السنة البعض عديمي الشرف."
تبع حديث الشيخ صوت همسات وصلت مرتعبة مصدومة من الخلف: "سمعة من؟! ما الذي تتحدثون عنه؟! هل هذا الحديث عني؟! تحدث الشيخ وكأنه لم يسمع همساتها: "كما أن الطبيبة تشك بحملها لطفل وهذا لا يحسن الوضع البتة." رمشت سلمى تتحسس معدتها بصدمة تهتف بصوت ارتفع بجنون يرن في المكان: "أحمل ماذا؟!
أغمض أرسلان عيونه بغضب وهو يسمع صوتها وقد صدح من الخلف بعدما استيقظت فجأة تبصر مكانًا غريبًا عليها، وحينما قررت الخروج منه شعرت بدوار عنيف يضرب رأسها، لكنها تحاملت على نفسها حتى خرجت لتسمع كلمات الشيخ التي اصطدمت بأذنها واصابتها بالتعجب.
حركت عيونها صوب أرسلان والذي أبعد عيونه عنها دون كلمة واحدة يرفض حتى النظر لها، بينما الشيخ نظر لأرسلان ثواني والاخير يقف محمر الوجه مشتعل الغضب دون أي كلمة من طرفه، لكن ما يحدث في الخارج لا يمكنه احتوائه هذه المرة بصمت وتمريره. رفع عيونه ينظر لها حين نطق الشيخ بكل حذر: "كل ليلة كان هناك رجل غريب يخرج من غرفتك، هل يمكنك إخبارنا سبب تواجده هناك؟! اتسعت عيون سلمى بصدمة كبيرة، تهمس دون وعي: "كل ليلة؟! هل تمزح أنت؟!
هل تحاول أن تتهمني بما لم أفعل؟! أنا يومًا لم أستقبل رجلًا غريبًا في غرفتي و... فجأة توقفت عن الحديث وهي تشعر بذاكرتها تنتعش فجأة وقد عادت لها ذكرى الأمس لذلك الرجل المريب: "البارحة، نعم البارحة كان هناك رجل و... صمتت ولم يكن صمتها الآن يساعد أرسلان على التفكير بعقلانية إذ بدأ جسده ينتفض ويشتعل والجحيم يفتح أبوابه أمام عيونه يهتف من أسفل أسنانه: "كان هناك رجل؟! ماذا تقصدين بهناك هذه آنستي؟!
كانت سلمى تنظر أمامها بأعين شاردة تحاول تذكر تفاصيل تلك المقابلة التي تبدو لها في هذه اللحظة ضبابية، لا تدرك كيف بدأت وكيف انتهت لكنها تدرك ما حدث بها: "في غرفتي... وتلك الكلمة الشاردة التي خرجت منها كانت سببًا في خروج لعنة من فم أرسلان وهو يزيح خصلاته بعنف يشعر برغبة عارمة في تحطيم عظام أحدهم وقد كان ذلك الرجل الذي تتحدث عنه أفضل خيار متاح في الوقت الحالي. "في غرفتك؟! يفعل ماذا في غرفتك؟!
كيف تجرأ ودخل غرفتك، كيف سمح له هؤلاء الـ... صمت يكبت سبة كادت تخرج منه، يحاول أن يجاهد نفسه ويصبر حتى لا يخفيها، بينما هي تراجعت للخلف تهتف بسرعة وقد علمت أنها الآن في موضع اتهام في أعين الجميع أمامها، غافلة عن أن سبب غضب أرسلان من الأساس ليس شكه بأنها قد فعلت شيئًا خاطئ، بل لشدة غيظه من دخول رجل غرفتها والتي حرمها على جميع الرجال بمن فيهم نفسه. "لقد...
لا أعلم ما الذي كان يريده، لقد اقتحمها فجأة دون مقدمات دون أن يقدم على أذيتي، حاولت إخراجه و... لقد.... حاولت أن أضربه لكن فجأة لم أشعر بشيء بعدها و.... لا أتذكر ما حدث." اشتعلت عيون أرسلان أكثر وهو يشعر بالدماء تكاد تفور داخل أوردته وفد على الغضب أكثر وجهه. ليرتفع صوت الشيخ ويزيد من الطين بلة وهو يهتف بهدوء شديد يراعي غضب أرسلان الواضح في هذه اللحظة: "يجب عليكِ المحاولة والتذكر فربما يكون ذلك سبب نجاتك."
رددت بكل بلاهة كلماته دون أن تفهم أبعادها، وجوال سنوات عمرها لم تكن تتخيل أن تتعرض لمثل تلك الأحداث كلها: "سبب نجاتي؟! لا أفهم مقصدك يا شيخ." نظر الشيخ صوب أرسلان ثواني والاخير يقف محمر الوجه مشتعل الغضب دون أي كلمة من طرفه: "أنتِ مطالبة بالوقوف أمام المحاكمة والدفاع عن نفسك أمام الجميع وإثبات براءتك من التهم التي تُكال لكِ." صمت وهو يرى ردة فعلها على كلماته وقد علت نظرة عدم تصديق عيونها وابتسمت بسمة مصدومة:
"تهم تُكال لي؟! هل تمزح معي؟! ثم أي محاكمة هذه؟! قوانين مملكتك لا تسري عليّ، أنا لم آت هنا لأعيش مثل هذه الصراعات ومثل هذه التراهات، بل وأُجبر على الوقوف أمام الجموع أدافع عن نفسي وأمحو عنها تهم لا أعلم ما هي حتى؟! أي حياة تطالبوني بعيشها الآن؟! كانت كلماتها حادة وقد طفح كيلها مما يحدث حولها، ملت ويأست من محاولات عديدة للتأقلم، كلما ظنت أنها وصلت لشاطئ الأمان، شعرت بموجة هادرة تجذبها تعيدها صوب العمق مجددًا.
تحركت بعيونها صوب أرسلان تنظر له وهي تتحدث وقد كان هو أملها الأخير في هذه اللحظة، وداخل أعماقها تدرك أن أرسلان هو سبب رئيسي لبقائها هنا، لتمسكها بحياة لم ترغبها يومًا ولا تعتقد أنها ستتأقلم عليها. الرجل الوحيد الذي استطاع أن يصنع له مكانة لا تجد لها تصنيفًا داخلها: "أرسلان...
وكانت هذه حافة صبره إذ جعل نطقها باسمه جسده يهتز بقوة وهو يرفض حتى النظر لها، ليس في هذه اللحظة وهو في أوج غضبه وفورة مشاعره تجاهها، ليس وهو يدرك أن هناك من استحل لنفسه أن يبصر المرأة التي كان يجلد ذاته للنظر لها نظرات صغيرة. وسلمى لأول مرة تفشل في قراءة تعابيره وهي تنظر له لحزن شديد تهمس بصوت مجروح: "هل تصدق أنني قد ارتكبت شيئًا كهذا قد يضر بسمعتي؟! أستضيف رجلًا في غرفتي ليلًا واختلي به...
كانت مجرد كلمات وافتراضات لكنها تسببت في ازدياد جنون أرسلان وهو يهمس بنبرة سوداوية: "صفي لي شكله." نظرت له بصدمة تحسبه قد صدق ما قيل عنها: "ما الذي.... "فقط أخبريني كيف يبدو ذلك الـ... صمت وقد رفض أن يظهر جانبه القذر السوداوي أمامها، يجاهد نفسه للمرة الثانية، يحاول أن يتحلى ببعض الصبر الذي لا يمتلك حتى ذرة منه. بينما هي ابتسمت بعدم تصديق، تنظر له دون رد، والشيخ جوارهما يراقب ما يحدث:
"هذا لمصلحتك يا ابنتي، نحن هنا لا نتهمك بشيء، نحن هنا فقط نحاول تبرئة ساحتك، الجميع أضحى يتحدث عما يحدث، لذا وجب علينا إنهاء الأمر على مرأى ومسمع منهم ليعلم كلٌ أنكِ ما كان لكِ أن ترتكبي يومًا شيئًا كهذا." كان يتحدث بشفقة وهو يبصر ملامح الفتاة والتي شعر من نظراتها الصدق وأنها ليست من ذلك النوع الذي قد يبيع شرفه يومًا.
أما عن سلمى فقد استحكمت غصة حلقها وهي تكتم بصعوبة كبيرة كلماتها التي كادت تغادر فمها، كلمات ابتلعتها ليتردد صداها داخل عقلها هي "وما نفع أن يعلم الجميع ببرائتي وقد أنكرها الشخص الوحيد الذي اهتم بأن يعلم". أبعدت عيونها عنه وهي تهتف بصوت منخفض: "أفعل ما تراه صحيحًا فما عاد لي مكانًا هنا يا عم...
ختمت حديثها تبتعد عن المكان بأكمله، وكم كان أرسلان شاكرًا لها صنيعها ذلك، فقد بلغ ذروة صبره وهو يتحرك بخطوات هادئة لا توحي بما يضمر يتحدث بنبرة جامدة محايدة لا تعبر عما يخفي: "اجمع الكل يا عم في القاعة، كل إنسان يعلم بما يحدث أو تحدث بكلمة واحدة اجمعهم، أحضر الجميع ريثما أحضر أنا ذلك الرجل."
ومن بعد تلك الكلمات اختفى جسد أرسلان من مرأى الرجل تاركًا الشيخ يقف في مكانه مصدومًا من ردة فعله الهادئة، ورغم ذلك هز رأسه بكل بساطة يتحرك خارج المشفى ليتدبر الأمر بأكمله وهو يدعو بالصلاح للاثنين وقد أبصر داخل أعماقهم مشاعر مكبوتة تنتظر فرصتها للخروج. ومن نظرات أرسلان أدرك، بل أيقن أن تلك المرأة تعني له أكثر مما يعلم أرسلان نفسه. الملك يهيم عشقًا بالغريبة... *** "إذن ما الذي ستفعله لنزار؟!
لم يتحرك أنمار مقدار خطوة حتى أو يحرك إصبعه، يتجاهل سؤال الوليد وهو يقفز لنقطة أخرى: "هل نفذت ما طلبته منك يا الوليد؟! استاء الوليد من تغيير أنمار للحوار كيفما شاء كل ثانية، يشعر أنه لا ينوي الخير أبدًا لنزار، وهذا ما لا يريد أن يصل له، هو وحين أحضر نزار هنا كان لحمايته من هلاك وإعطائه فرصة إيجاد أعوان جدد له، لكن نزار بعناده وقيمه القديمة تسبب في هلاك آخر وشيك له.
"نعم لقد انتهينا من الأمر واليوم ستُعرض الفتاة على المحاكمة بتهمة الزنا مع الرجل الذي زرعناه هناك، لكنني حتى الآن لم ألتقط غرضك من كل ما تفعله الآن." ابتسم له أنمار بسمة صغيرة يجيب بكل هدوء: "وهذا هو الفرق بيننا عزيزي الوليد، أنك لا تبصر مصلحتك المختبأة في بعض الفرص، تلك الفتاة بالإضافة لكونها جميلة ستصلح للجحر خاصة بعد اختفاء الحقيرة نازين، إلا أنها نقطة ضعف واضحة لأرسلان ستشتته بما يحدث معها ريثما ننتهي مما نريد."
اشتعلت عيون الوليد والتمعت بقوة وهو يهمس: "حدود مشكى؟! "نعم يا عزيزي، الجزء الأول من خارطة مملكتنا الجديدة بدأ يُنفذ على أرض الواقع، والكل آتٍ دوره، البارحة سبز والأن مشكى وغدًا آبى، وفي النهاية ستكون سفيد." *** "أعتقد أن حديثي واضح، أحضروا لي ذلك الـصمت بغضب وهو يضرب المقعد بقدمه صارخًا بجنون: "أحضروا لي نزار ولو كان تحت الأرض السابعة." هز قائد الجيوش رأسه وهو يخفضها باحترام:
"كلماتك أوامر جلالة الملك، نحن سنكثف البحث ونحاول إيجاد... "ليس نحاول بل ستفعلون، ستجدون ولدي العزيز أيًا كان مكانه، سمعتني؟! نظر له الرجل بعجز فأين سيبحث عن الأمير الهارب من العقاب؟! وفي أي مكان سيجده بعدما فلت بحياته من ميتة وشيكة؟! لكن رغم كل أفكاره والمنطقية التي تدور بعقله إلا أنه أومأ بإيجاب يقول بهدوء وطاعة كبيرة: "سنقلب الأربعة ممالك رأسًا على عقب ونجده مولاي."
ومن بعد تلك الكلمات تلاشى الرجل من أمام أعين آزار قبل أن يوكل له مهمة أخرى أشد صعوبة أو ما شابه، تاركًا الأخير ينظر أمامه بنظرات شبه محترقة: "والله إن صدق حديث ذلك الوسخ عديم الرجولة أنمار وفعلت ما أخبرني به نزار ليكون مقتلك هو أقصى ما تتمناه في هذه الحياة." *** دخل ممرات مبنى الغرف وهو يبحث بعيونه عمن يمكن أن يساعده حتى أبصر الرجل الذي أخبره ما يحدث نساء البارحة ليتحرك صوبه بسرعة كبيرة وتصميم يلتمع في
عيونه يهتف له بهدوء شديد: "أحضر لي جميع الرجال الذين يحرسون المكان ليلًا." نظر له الرجل بعدم فهم، ليتحرك أرسلان دون كلمة إضافية وهو يخطو صوب غرفته يكرر حديثه السابق: "الجميع ولا استثني منكم أحدًا، الجميع يأتي لغرفتي من شاهد ومن لم يفعل سيأتي." وقبل أن يخطو خطوة إضافية قاطعه طريقه أحد المستشارين الذي ظهر له من العدم يكرر بسرعة: "مولاي جيد أنني وجدتك، بحثت عنك منذ الصباح لأجل ما يحدث و...
"إن كان الأمر يستحق الانتظار فلتفعل رجاءً لحين انتهى مما أفعل الآن و... "الأمر متعلق بالأخبار الخاصة بجلالة الملكة، يجب وضع حد لما يحدث مولاي، الجميع يتحدث و... فجأة توقف عن الحديث حين أبصر نظرات أرسلان الذي فاض به الكيل وهو يصرخ بصوت مرتفع هز جدران المكان حتى كاد قاطني المبنى يخشون سقوطها أعلى رؤوسهم:
"البلاد في حالة حرب والدمار يعم الطرقات، والخراب قاب قوسين أو أدنى منا، والحياة تلقي بمصائبها تباعًا لنا، ورغم ذلك أرى الجميع متفرغين للقيل والقال؟! صمت يتنفس بعنف وقد تعجب تصرفات العاملين بالقصر مما يحدث ويدور حوله: "ما بالكم منذ متى ونحن نتصرف بهذه الطريقة، متى أصبحتم عونًا للشيطان؟!
صمت وقد شعر بصدق تخمينه القديم الآن، من يحدث هذه البلبلة لا يعقل أنهم من أفراد شعبه، الخطة مدروسة بدقة لا متناهية، الإيقاع بسلمى ومن ثم نشر الأخبار بسرعة مريبة وقد كان من المفترض ألا تخرج الأخبار عن رجال الحراسة كما علم من قائدهم بالأمس، إذن ماذا حدث؟! نظر صوب مستشاره وهو يهتف بقوة يتحرك بين الطرقات صوب غرفته: "إذن احضر الجميع الذين يتحدثون بشرف المرأة، ولنرى من يمتلك الجرأة ليردد تلك الكلمات بصوت مرتفع."
تحرك صوب الغرفة وهو يشتعل وبمجرد أن دخل لها أردف يحدث الحارس في الممر على مقربة من غرفته: "أحضر لي قائد الجيوش." ومن بعد تلك الكلمات اختفى جسده داخل الغرفة يزيح عنه معطفه الملكي والذي كان يشعر أنه يخنقه، يتحرك في المكان بلا توقف يحاول إيجاد حل لما يحدث حوله، هذه مكيدة لا ريب في ذلك، شعوره لن يكذب عليه، لكن هذه المرة كان الأمر محبوكًا لدرجة لم يتخيلها، ألا لعنة الله عليهم كيف استطاعوا حبكها بهذه الدقة؟!
أفاق من أفكاره على صوت طرق يتبعه دخول المعتصم بعدما أذن له وخلفه جميع حراس الممر الذي تقطن به سلمى، وهو يراقبهم بنظرات هادئة، قبل أن يتحرك بعيونه صوب المعتصم يهتف بجدية: "كثف الجنود على الحدود فلا أعتقد أن تكبدهم العناء لصنع مثل تلك الخطة فقط لأجل اختبار مقدار صبري النافذ، ومن ثم تحرك وأحضر لي العاملة التي تُسمى سراي ولو عادت لرحم والدتها."
تعجب المعتصم كل تلك الأوامر ورغم ذلك، هز رأسه بنعم وهو يتحرك خارج الغرفة تاركًا أرسلان يجلس بين الجميع بهدوء شديد مبتسمًا بسمة لا معنى لها: "إذن أخبروني ما حدث ببطء شديدة ولا تغفلوا عن نقطة واحدة حتى وإن كانت تافهة لا معنى لها."
ومن بعد كلماته تلك شرع الجميع يصف ويتحدث عن كل ما أبصروه خلال الأيام المنصرمة وما حدث من سلمى وذلك الرجل الذي كان دخل الغرفة ومن ثم تبخر ببساطة وكأنه لم يكن، وأرسلان فقط يتابع ما يحدث ببسمة صغيرة ينتظر أن يفرغوا مما يخبرونه به، يحسن الاستماع دون قول كلمة تقاطعهم. *** "سالار هل تسمعني؟! رفع سالار عيونه بهدوء صوبها يبتسم بسمة صغيرة ثم رفع كفه يشير لها أن تقترب وقد فعلت، تحمل بين يديها كوب عصير صغير له:
"هل أنت بخير، تبدو شاردًا بشكل غريب منذ الصباح." نظر لها بهدوء قبل أن يومأ برأسه: "بخير حال تبارك، فقط بعض الأمور التي تحتاج لتدخلي في المملكة، لا تشغلي بالك، واخبريني كيف حالك في دروس اللغة مع العريف." ابتسمت تبارك وهي تضع الكأس بين أنامله تجيب بهدوء شديد وسخرية: "دروس؟! ألا ترى أنك تبالغ سالار؟!
أنا حتى هذا اليوم لم أتلقى منه سوى نصف درس ومن بعدها غضب بسبب كلمات زمرد عن الكتب والقراءة، لينتهي بنا الأمر مطرودات خارج المكتبة، وكلما ذهبت له أجلسني جواره وأعطاني كتابًا يعلمني الكثير عن اللغة الفارسية باللغة الفارسية." أطلق سالار ضحكات صاخبة وهو يمد يده يجذب رأسها له مقبلًا إياها بحب شديد: "لا بأس عزيزتي غدًا أتفرغ لكِ ونذهب لتلك الإجازة التي وعدتك بها في القصر الخاص بنا وأعلمك كل ما تريدين معرفته."
رفعت عيونها له تمنحه حبًا غير محدود وقد بنى ذلك الرجل لنفسه مدينة بأكملها داخل قلبها لا يسكنها سواه، ولن تقبل في أي حال من الأحوال أن يطأها غيره. "ومتى تنتهي سالار؟! ثم ما الذي يحدث هنا؟! أشعر باستنفار غريب منذ أيام في المكان، هل كل شيء بخير؟! نظر لها سالار يداعب وجنتها بحب يربت عليها بحنان: "شيء لا داعي لشغل عقلك به عزيزتي، فقط اهتمي بصحتك وبي وسيكون هذا كافيًا." ختم حديثه وهي تنظر له بريبة شديدة:
"لا أشعر بالاطمئنان لما يحدث في المكان، البارحة أبصرت الملك يصرخ بجنون وهو يلقي أوامر على الجنود، وهذا مريب فالملك إيفان لا يغضب في العادة ويكون أكثر هدوءًا مهما حدث." تذكر أرسلان الرسالة التي وقعت لا لهم البارحة والتي كانت تحمل شفرة أخرى توحي أن القادم لن يعجب أحدهم، وأن أنمار في طريقه للممالك يخفي في جعبته الكثير، وأن حياة الأميرة توبة بين يديه.
"الله خير حافظًا مهجتي، ليست هذه أول مشكلة تقابلنا وليست أول صعوبة تقف في طريقنا، لذا كما مر السابق بفضل الله سيمر هذا، الأهم أنه عندما يمر كل هذا سأجدك في نهاية الطريق." ختم حديثه يقبل عيونها بحنان شديد:
"في البداية كنت أذهب للحرب مستودعًا الله نفسي إن عدت فقد كُتبت لي أيام إضافية لأحياها بروتينية، وإن لم أعد فقد اصطفاني الله شهيدًا، أم يكن الأمر يعني لي الكثير، لكن ومنذ علمت أنني سأعود لأجدك تستقبليني ببسمتك، كان انتصاري أكثر ما أطمح له لأعود وألقي بكل شيء داخل أحضانك عزيزتي." ابتسمت له تبارك تضمه بقوة وهي تقبل موضع صدره: "لا أراك الله هزيمة يومًا يا قائد."
"فعلتها ورأيتها على يدكِ مهجتي ووالله لن ينال آخر شرف أن يهزمني بعدك، ليذكر التاريخ أن جميع المعارك التي خسرتها كانت أمام شخص واحد... تبارك." *** كانت تنظر لها بأعين غائمة حزينة تربت على رأسها بحنان وهي تهمس لها بصوت منخفض حنون: "لا بأس حبيبتي، لا بأس صغيرتي غدًا أفضل لكِ فاطمة."
نظرت لها فاطمة بأعين ناعسة وقد شعرت أن جسدها لشدة تعبه بدأ يعلن استسلامه، تهزي بكلمات غير مفهومة، كلمات وصلت لسلمى لتشعر بالوجع لأجلها وهي تتذكر كلمات المعتصم لها. "أمي، أريدها." قبلت سلمى رأسها وهي تجذب الغطاء عليها تتحدث بصوت خافت وكأنها تخاطب عقلها الباطن: "فقط استريحي حبيبتي وكل ما تريدينه سيحدث فاطمة، فقط استرخي وكل شيء سيكون بخير."
وكأن كلماتها عهدًا اتخذته على نفسها، وصدقته فاطمة، لتستكين براحة لصوت همسات سلمى، تنفست سلمى بهدوء وأخيرًا وهي تبتعد خطوة للخلف، ثم اطمأنت عليها تطيل النظر لها دون ردة فعل من جهتها، قبل أن تتحرك للخارج والكثير يدور داخل عقلها، هل تترك لهم المكان وتعود من حيث جاءت؟؟ لكن ألا يُعد ذلك هروبًا؟؟ جبنًا؟؟ وإن فعلت واستطاعت الخروج من هنا، هل ستترك فاطمة واحدة لتسوق حالتها؟؟
تحركت في حديقة القصر شاردة وما تزال ترتدي ثوبها الساتر الطويل، تهيم على وجهها دون معرفة حل لما تواجهه، ولم تكد تخطو للمبنى الخاص بغرفتها، حتى أبصرت أحد الجنود يقف أمامها مخفضًا رأسه باحترام مرددًا: "جلالة الملكة، مولاي يخبرك أنه وبعد صلاة العصر سيجتمع الجميع في قاعة العرش، ويطالبك بالحضور." ابتسمت له بسمة ساخرة: "أخبر مولاك أنني سأكون في موعدي المحدد، وكيف أفوت اجتماعيًا أُقيم على شرفي؟!
تحركت بعد كلماتها دون اهتمام به تسير بكل جمود وهدوء وقد غشى عيونها نظرة باردة، نصبوا لها اجتماعًا ليحكموا من مصيدتهم حول رقبتها، ألا لعنة الله عليهم جميعًا إن ظنوا للحظة واحدة أنها ستقع في مصيدتهم أو تنحني لرياحهم.
دخلت غرفتها تتحرك صوب المرحاض كي تغسل وجهها وتتوضأ، ثم خرجت تخرج ثوبها الذي ستحضر به تلك المحاكمة، والذي كان مكونًا من تنورة سوداء وقميص أبيض اللون مع حذاء أسود اللون، نظرت حولها تبحث بعيونها عن شيء تخفي به خصلاتها قبل أن تتذكر المعطف الخاص بأرسلان، لكنها نبذته وابت أن تخرج به فتحركت تخرج معطفًا طويلًا، ذا قبعة واسعة.
نظرت لثوبها ثواني قليلة قبل أن تجلس أمامه على المقعد وهي تحدق به بلا ذرة فعل من طرفها فقط شروق وكأنها لأول مرة تجهل خطوتها القادمة، دار بها الزمان وأصبحت من معالجة مجرمين، إلى متهمة تقف نفس الوقفة التي كانت تراقبها من بعيد. "أشفق أبي على وحدتي وحياتي المملة فعثر لي على شيء أكثر تشويقًا لقضاء المتبقي من عمري به.... السجن."
ختمت حديثها تجلس طويلًا دون ردة فعل ولا تعلم من زلت جالسة، ومن ثم نهضت تصلي متيقنة أن الصلاة سبيلها للراحة، وما كادت تفرغ من الصلاة حتى سمعت صوت الطرق على الباب وكأنهم يتعجلون نهايتها. *** بمجرد أن فتحت باب المنزل حتى وجدت جسدها يتراجع للخلف بقوة أدت لسقوطها بحدة أرضًا، شهقت سراي بقوة وهي ترفع عيونها صوب المقتحم، حتى أن والدتها خرجت على صوت صرختها وهي تهتف: "سراي ما بكِ يا ابنتي."
لكن وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة واحدة أو يتكلم كلمة واحدة وجدوا نجوم تصرخ بصوت مرتفع وهي تهبط بصفعة على وجه سراي تهتف بجنون وعدم تصديق: "ما الذي فعلتيه أيتها الحقيرة، بل ما الذي أجبرتيني على فعله؟! كيف تفعلين ذلك؟! أجبرتيني على الإيقاع بامرأة أخرى تحت مسمى دواء يسبب بعض الآلام ورغم شكي بنيتك القذرة إلا أن خوفي أوقفني عن التحدث أيتها الـ...
كانت تصرخ بجنون وهي تنظر حولها وكأنها تبحث عن شيء تضرب به رأس سراي التي نظرت لها بسخرية كبيرة، وحينما فشلت نجوم في إيجاد ما يساعدها على تحطيم رأس سراي، انقضت بيديها العاريتين وهي تمسكها من حجابها تنتزعه بعنف: "ماذا تظنين أنتِ سأصمت على ما فعلتي؟! حاولت والدة سراي التدخل، لكن نجوم دفعتها وهي تصرخ وتجذب سراي بقوة حتى شعرت بجسدها يُطبع على الأرض أسفلها، ووالدتها تحاول الدفاع عن ابنتها، لكن نجوم لن تتوقف وهي تصرخ بقهر:
"تسببتي في كارثة للمرأة وهي من سامحتك وغفرت لكِ أيتها الفاسقة، قسمًا برب العباد لأفضحنك أمام الجميع وأخبرهم أنكِ أنتِ من وضع لها ذلك الدواء الذي تسبب في ظهور أعراض الحمل عليها، لتثبتي عليها تلك التهمة البشعة." اتسعت عيون سراي والتي كانت قد صرخت حتى بحت حنجرتها، تدافع عن نفسها بصدمة مما سمعت: "ماذا؟!
لا أقسم أنني لم أفعل ذلك، ذلك كان مجرد مخدر، ربما كثرته هو ما تسبب لها في تلك الأعراض، لكني أقسم أنه فقط مخدر كي لا تشعر بشيء." تيبست يد والدتها والتي كانت تدافع عنها في هذه اللحظة وهي تشعر بالصدمة من كلمات ابنتها التي اعترفت لتوها بتورطها في مصيبة أخرى بعدما نجت من الأولى بأعجوبة: "ألن تخمد شياطينك سراي؟! ما الذي فعلتيه بنفسك يا ابنتي؟! لم أصدق أن الله نجاكِ من الكارثة الأولى على خير لتلقي نفسك بحمق في ثانية؟!
بكت سراي وهي تتحدث برعب مما قد يحدث لها إذ يبدو أن نجوم لم تعيد تخفيفها تهديداتها: "أقسم أنهم هم من أخبروني و... ولم تكد تكمل كلماتها حتى سمعت صوت جهوري يهتف من الخارج وصوت الطرقات يعود في الأرجاء متسببًا في اتساع العيون بصدمة كبيرة: "جنـــــــــود الملــــــــك افتحوا الباب وتستروا إن لم تكونوا... ***
تحركت من غرفتها حينما شعرت بالملل، لتقرر الخروج والتنفس قليلًا علها تتغلب على ذلك الثقل الذي تشعر به داخل صدرها، لكن وقبل أن تخطو خطوة داخل الحديقة أبصرت العديد من الأشخاص يتحركون صوب نفس المبنى الذي كانت تنتظر به أرسلان قبل التحرك صوب غرفة النوم الخاصة بالضيوف. تعجبت من الأمر هامسة بعدم فهم: "هل هذا احتفال أو ما شابه؟!
تحركت معهم بفضول شديد، ثم توقفت خطوات حين شعرت بأن الأمر لا يعنيها البتة، لتعود أدراجها صوب الحديقة تفكر بالجلوس هناك وترتيب ما ستكون عليه حياتها القادمة، وقبل أن تفعل أبصرت مجددًا امرأة تتحرك بهدوء وثوب غريب مريب صوب القاعة، خطواتها كانت قوية وكأنها ذاهبة لخوض حرب أو ما شابه وهذا ما جعل توبة تتناسى أمر دحض الفضول وتلحق بهم، سارت خلفهم حتى خطت لقاعة العرش تبصرها ممتلئة حتى كادت تلفظ نصف الأجساد بها.
تحركت بين الأجساد تراقب بفضول ما يحدث، إذ حينما اقتربت تلك المرأة ذات الثوب الغريب أفسح لها الجميع الطريق، لتدرك أن المرأة ذات مكانة عالية هنا، لكن هي ثواني حتى أبصرتها تتوسط الساحة أمام الجميع لتعلم يقينًا أنها كانت محور هذا الاجتماع. وعند سلمى توسطت الجميع ببسمة واسعة دون اهتمام وهي تضم يديها لصدرها تنتظر أن تبدأ جلسة محاكمتها على ذنب لم تدرك حتى متى ارتكبته.
ثواني حتى أعلن أحد الحراس بصوت جهوري وصول الملك، وبمجرد أن تحرك أرسلان للداخل نظر له الجميع باحترام شديد، ليهز لهم رأسه وهو يتحرك ليتوسط مقعده، وبمجرد أن جلس تعلقت عيونه بها لتمنحه هي بسمة تخفي خلفها الكثير والكثير، وهو فقط أطال النظر لوجهها دون كلمة واحدة وكلمات جنوده تتردد في أذنه، لينظر صوب الجميع يتحدث بصوت رخيم هادئ: "أعتقد أن الجميع هنا يعلم سبب وجودنا، لذا لنختصر المقدمات الطويلة وندخل بصلب الموضوع."
وقف أحد المستشارين من مكانه يتحدث بهدوء: "لا يخفى عنك مولاي ما تردد من أحاديث في القصر و... قاطعه أرسلان بهدوء شديد: "عفوًا منك ولكنني ذكرت للتو أننا جميعًا نعلم ما حدث، لذا لنختصر كل تلك الأحاديث وأخبرني ما تريد قوله إن كنت تمتلك، أو اصمت ودع غيرك يتحدث." أحمر وجه الرجل بقوة وقد شعر بدمائه تفور داخل أوردته، ورغم ذلك صمت يردد بهدوء: "هذه المرة الثانية التي يوجه لنفس المرأة الاتهام ذاته، ألا يشير ذلك لشيء؟!
لا دخان بلا نار مولاي." صمت الرجل ينظر صوب سلمى التي كانت تتوقف في منتصف القاعة لا تؤتي بردة فعل واحدة فقط تحدق في أرسلان وهو يطيل النظر بها، بينما المستشار بدأ يدافع عن صوت الحق والفضيلة داخل جدران القصر وهو يردد بنبرة جادة وكلمات مختارة بدقة:
"سابقًا سقط حد الزنا عنها لعدم وجود شهود، والآن هناك شهود وأدلة تدين المرأة التي اقتحمت عالمنا دون أن تراعي حرمة جسدها أو تلتزم بدينها أو حتى تحترم قوانين المملكة، وراودت الرجل عن نفسه حتى وقعا في الخطيئة، والآن نطالب بتنفيذ حد الزنا عليها هي ومن معها."
كلمات انبثقت بسلاسة كبيرة من فم أحد مستشاري أرسلان وكأنه كان يحضر لها لأيام طوال، كلمات رن صداها بين جدران القاعة لترتد صوب ذلك الذي يتوسط عرشه دون ملامح تُفسر، فقط وجه جامد وملامح واجمة، ينظر أمامه صوبها دون أن يحيد بنظراته عنها.. وهي فقط كانت تتلقى مصيرًا "أُلقيت في جوفه ظلمًا وبهتانًا" برأس مرفوعة ووجه يشي بالكثير، فقط تحدق في الجميع بتحدي وكأنها تتحداهم أن يقترب منها أحدهم.
نظرت في عيون أرسلان وكأنها تسأله إن كان يصدق ما قيل عنها، والرد منه كان مجرد جمود لم تخرج منه بإجابة قد تشفي صدرها. ارتسمت بسمة ساخرة على وجهها وهي تنظر بعيونها على الجميع وقد كان البعض منهم مشفق والبعض جامد والبعض الآخر لا ردة فعل له. ابتلعت ريقها ولم تكد تنطق بكلمة حتى صدح صوتًا مجهول المصدر في المكان يهتف بقوة:
"أنا أستر عليها وأزوجها ولدي، هو أحق بها من الجميع هنا مولاي، فهو في النهاية ابن عمها للفتاة وهو أحق بستر عرضه من الجميع." تحركت جميع الأعين ببطء صوب المتحدث والذي لم يكن سوى نفسه أنورين الذي اقتحم المكان وقد وجدها فرصة مناسبة ليعلن عن وجوده، في اللحظة ذاتها التي علت الصدمة ملامح سلمى وهي تنظر بعيونها للرجل نفسه الذي كاد يقتل ابنته سابقًا يقف في المكان ويردد كلمات غير مفهومة لها. هي؟! ابنة أخيه؟!
تشنجت ملامحها بصدمة تحاول أن تستوعب ما يحدث ولم تكد تهضم الصدمة الأولى حتى ارتفع صوت أرسلان في المكان يجيبه بهدوء وبسمة رسمها بصعوبة على ملامح وجهه الغاضبة: "شاكر لكرم أخلاقك سيد أنورين، لكن زوجتي لم تخطأ لتنتظر أن يتستر عليها أحدهم، ولو كان ذلك الأحدهم هو ولدك العزيز... *** هي الحياة إما أن تنجو من ألاعيبها أو تصبح أنت لعبتها...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!