عبر حصانه بوابة القلعة وهو لا يزال يتمسك بخصرها بحرص خوفًا أن تفلت منه وتسقط. سلمى تنظر أمامها بهدوء شديد وابتسامة صغيرة، وكأنها لم تتسبب في إعلان حالة استنفار منذ بداية اليوم في القصر. توقف أرسلان بحصانه في الساحة وهبط منه بغضب واضح على ملامحه. ينظر لها بملامح حانقة شرسة، ولم يكد ينطق بكلمة واحدة، حتى قالت بابتسامة هادئة بشكل عجيب: -ساعدني رجاءً. رمش أرسلان بعدم استيعاب للحظات قبل أن يمد يده دون وعي لها.
لتتمسك هي بها وتهبط بكل حرص ورقي. وحينما استقرت أرضًا بمساعدته، نظرت له بامتنان تهز رأسها له: -شكرًا لك مولاي. وهي كلمات فقط قبل أن ترفع طرف ثوبها وتتحرك تاركة إياه دون كلمة إضافية. تاركة إياه يراقبها بملامح متشنجة، تتهادى أمامه وكأن شيئًا لم يكن. وهو فقط يقف في منتصف الساحة يحدق في ظهرها يحاول إدراك ما حدث منذ ثوانٍ. بينما سلمى ابتسمت ابتسامة خبيثة وهي تتحرك صوب جناحها.
وقد انتهى يومها الأول في الخارج، بينما أرسلان يحدق في ظهرها بشر مستططر بعدما استوعب ما فعلت منذ ثوانٍ. لم يظهر أيًا من دواخله أمام أحد، بل حافظ على ملامحه المحايدة. يشير صوب أحد الرجال ليأخذ حصانه إلى الإسطبل. ومن ثم بكل بساطة سار خلفها بخطوات بدت للبعض هادئة، لكنها كانت في داخلها تخفي غضبًا ونيرانًا. لو أخرجها لن تتمكن سلمى من التحكم بها ولو استخدمت جميع ما تعلمت طوال سنوات دراستها.
تحرك في الممرات لا يهتم بمن يحيطه أو بأحد. ولا يبصر سوى غرفتها التي تلوح أمامه كراية حمراء. وصل وهو يمد يده بقوة ليفتح الباب، لكنها توقفت في الطريق. يتنفس بصوت مرتفع. ومن ثم تماسك يتذكر أنه لا يستطيع اقتحام غرفتها بهذا الشكل. يطرق الباب بهدوء لا يظهر ما يضمره. وحينما سمع صوتها يأذن له بالدخول وكأنها تعلم الطارق. وقد كان. فتح الباب بعنف يغلقه خلفه بشكل مفزع.
ومن ثم تقدم صوبها بخطوات تحطم الأرض أسفله والنيران تخرج من أذنيه. ليتلاشى كل ذلك في ثوانٍ وهو يبصرها تتوقف أمامه وهي تعطيه ظهرها تهمس برقة: -هل تساعدني في فك تلك الربطة في شعري، فهي تزعجني ولا أستطيع فكها. فجأة انمحت ملامح الغضب عن وجه أرسلان. واعتلى وجهه نظرات هدوء غريبة وعدم فهم. ونسي لثوانٍ ما حدث يمد يده بهدوء ليفك ربطة شعرها والتي كانت معقودة بشكل غريب. وهي أمامه تعطيه ظهرها تبتسم بسمة متوارية.
وارسلان محوّر كامل تركيزه في العقدة أمامه وكأنه يضع خطة لحرب ضروس. يضيق ما بين حاجبيه وهو يتساءل بجدية كبيرة: -من عقد الربطة بهذا الشكل الغريب؟ -لم أجد من يساعدني في عقدها فخرجت مني بهذا الشكل. همهم وهو يولي كامل انتباهه للربطة. لتميل سلمى برأسها عليه أكثر تهمس بصوت منخفض: -دعني أساعدك قليلًا. رفع أرسلان عيونه لها بعدم فهم لثوانٍ. ليُصدم فجأة من قربها منه. فابتسم بدون وعي واللمعت عيونه دون شعور: -تبارك الله...
وانقلب السحر على الساحر. فبعدما قررت أن تستخدم سلمى سحرها ورقتها لتخمد نيران أرسلان، أشعل هو نيران شوقها وحبها المتواري له. شعرت بضربات قلبها تزداد وهي تراه يطيل النظر بها. قبل أن يهمس لها بجدية وابتسامة غريبة: -سبحان من أحلّ لي تأملك سليمى. كل هذا ويأبى نطق كلمة بسيطة. يغازلها في سطور ويأبى فمه نطق كلمة. الرجل سيوصلها لمرحلة بعيدة من الجنون. ابتلعت ريقها تشرد به دون شعور بالزمن حولها.
قبل أن تراه يبتعد عنها ببطء يرفع يده في الهواء. ثوانٍ قبل أن تدرك ما يحدث وتنظر إلى يده تراه يمسك طرف عقدة شعرها يبتسم لها ابتسامة جانبية: -انتهينا من عقدة شعرك، والآن حان وقت عقدة حياتي. -أي واحدة بالتحديد، فحياتك ملغمة بالكثير منها أرسلان. -أكبرهن سلمى... أنتِ. مالت سلمى برأسها ترفع حاجبها: -تصفني بعقدة؟ هذا غير منصف لشخص قضى حياته في حل عقد الغير. -وتعجزين عن حل عقدتي. -كما لو أنك تسمح لي؟!
تنفس أرسلان بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه مغمضًا عينيه يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي. ومن ثم فتح عينيه ينظر لها بجدية: -حسنًا سلمى، نحن لن ننتهي من هذا صحيح؟ ما فعلتيه لا يُغتفر أن تقضي نصف يومك، بل يومك بأكمله في الخارج دون أي شعور بالمسؤولية لذلك الرجل الأخرق الذي كاد يحطم قصرًا دام قرونًا من الزمن. تحركت سلمى في أرجاء المكان وهي تخلع معطفها تبعثر خصلاتها من الضفيرة التي كانت تقيدها. سالبة بذلك اهتمام أرسلان
دون حتى أن تشعر بما تفعل: -ننتهي؟ متى بدأنا لننتهي مولاي؟ هل تعي أنك لم تتحرك من بعد نقطة الانطلاق حتى؟ ما حدث اليوم كان... إلى ماذا تنظر الآن؟ توقفت سلمى عن التحدث بعدم فهم وهي تنظر له بتعجب من نظراته الشاردة تلك. تنظر لعيونه تحاول معرفة ما يدور داخل عقله. بينما أرسلان سحب تركيزه بصعوبة من خصلاتها لوجهها ليركز عليها. لكن الأمر لم يكن أفضل حالًا مما سبقه.
يحاول أن يتذكر سبب وجوده هنا من الأساس لتضربه ذكرى آخر ساعات جحيم قضاها قبل العثور عليها. لتشتعل فجأة عيونه مرة أخرى بلا مقدمات: -أين كنتِ سلمى؟ رمشت سلمى تحاول أن تفهم معنى سؤاله المفاجئ وسببه. -ماذا؟ -اليوم... طوال اليوم أين كنتِ يا امرأة؟ هل تحاولين دفعي للجنون لأنكِ نجحتِ بالفعل. رفعت سلمى إصبعها في وجهها وهي تردد بابتسامة غير مصدقة: -أنت يا رجل هل تصدق نفسك؟ من سيدفع من للجنون؟
أنا جئت ووجدتك هكذا فلا ترمي التهم جزافًا و... -أفضل أن تحتفظي بكامل يدك بجوارك أثناء الحديث سلمى. نظرت له بعدم فهم ليرفع يده وهو ينزل إصبعها بضيق شديد وقد قبض عليه بلين ولطف يناقض ملامحه: -لا ترفعي إصبعك في وجهي مجددًا. ابتسمت سلمى وهي تتراجع للخلف بصدمة: -أنت... هل أنت جاد؟ -نعم، وصدقيني هذه أكثر ردة فعل هادئة لطيفة أصدرتها في حياتي تجاه شخص يرفع إصبعه في وجهي.
-والله وسام شرف على صدري، الملك أرسلان لم يقطع إصبعي لأنني رفعته في وجهه أثناء الحديث، هل يجب أن أكون شاكرة لهذا التميز مولاي؟ -لا أريد شكرًا أريد سببًا لمغادرتك القصر. ضمت سلمى يديها لصدرها وهي تردد بهدوء شديد: -لا سبب، أردت ففعلت. -هكذا إذن؟ -نعم، هل أنا في سجن؟ رفع أرسلان يديه في الهواء يستنكر كلماتها: -استغفر الله، سجن ماذا يا ابنتي، هل تسمين ما أفعله معك سجنًا، هذا جحود وظلم، السجن شيء آخر عزيزتي...
بعد دقائق لم تعلم سلمى عددها كانت تقف متسعة العينين مصدومة وبقوة وهي ترى أرسلان يخرج المفتاح من مكانه بعدما أغلق القضبان عليها. ينظر لها بهدوء شديد يراقبها بابتسامة صغيرة مشيرًا للسجن الصغير الذي وضعها به والذي كان يخصصه لعقاب الجنود حينما يخطئون وقد أفرغه خصيصًا لأجلها. -هذا هو السجن، الآن نعم أنتِ في السجن. شعرت سلمى أنها لا تزال تحلم وهي تنظر حولها بعدم فهم تحاول إدراك ما يفعله أرسلان.
بينما الأخير سحب أحد المقاعد ووضعه أمام القضبان يجلس عليه واضعًا قدمًا فوق الأخرى مبتسمًا لها ابتسامة سعيدة لا تناسب الأجواء يضم يديه لصدره: -ولأزيدك شرفًا سأكون حارسك في هذا السجن... ... -ساعدني أرجوك فقط حاول مساعدتها لتفتح عيونها. كان يتحدث بكلمات غير مفهومة وهو يشير صوب جسد فاطمة الفاقد للحياة أمامه وبأعين زائغة يرشد لها الطبيب الذي يقطن بنفس الحي. -من هذه ومن فعل بها هذا إلياس؟
توترت ملامح إلياس وهو يهمس بخوف شديد لفقدانها بعد كل ما حدث: -هذه... قريبتي وزوجتي، تزوجنا في مشكى منذ يوم واحد وجئت بها هنا و... صمت قبل أن ينهار باكيًا برعب: -فقط ساعدها أرجوك ساعدها لا أريد فقدانها. أبصر الحكيم حالته المزرية، ومن ثم حدق بجسد فاطمة وهو يتحرك صوبها يحاول أن يفحصها بشكل حذر. يرفع يده ليفتح عيونها، يمد يده أسفل رأسها كي يموضعها بشكل مناسب للفحص. لكن فجأة شعر بشيء لزج أسفل قبضته.
ضيق عينيه بعدم فهم يسحب يده بهدوء شديد قبل أن تتسع عيونه وقد أبصرها مضرجّة بالدماء، وبالطبع ليست دماءه. -يا الله الفتاة تنزف من رأسها، ما الذي حدث لها يا بني؟ الفتاة شاحبة شحوب الأموات. سقط إلياس جوار فراشها وهو يتمسك بيدها، يناجيها بكلمات منخفضة ورعب جلي: -لا تكوني لئيمة بهذا الشكل فاطمة، أرجوكِ أفيقي، نحن لم...
لم تمنحيني الفرصة لإثبات مقدار حبي لكِ حتى، أرجوكِ لا تفعلي بي هذا، لا تفعـــــــلــــي بــــــــي هــــــــذا. كان يصرخ في نهاية جملته وهو يضغط على يدها بقوة جعلت الحكيم يستشعر خطرًا في المكان. يسحبه بعيدًا عنها بقلق: -ابتعد عنها، هل جننت ابتعد إلياس الفتاة لا تحتمل ما تفعله أنت الآن تماسك وأدعو الله أن ينجيها. اقترب منها الحكيم بسرعة وبدأ يفحصها ويفحص تنفسها. تحت أعين إلياس الذي كان يراقب بأعين زائغة ونصف وعي.
ليبتعد الرجل عنها في النهاية وهو ينظر لإلياس: -الفتاة حالتها الصحية سيئة للغاية لا يمكنني معالجتها هنا، نحتاج لنقلها إلى مستشفى الحي و... انتفض جسد إلياس بقوة يأبى تنفيذ ما يقول هذا الرجل: -لا لن يحدث ويأخذها أحدهم مني، هي... هي زوجتي و... ولن أسمح لأحدهم أن يسلبني إياها بأي شكل، سيتم... معالجتها هنا أمام عيوني، سواء استطعت ذلك أو لا فسأحضر لها أكبر أطباء المملكة، حتى لو اضطررت إلى اللجوء لأكبر أطباء البلاد.
ختم حديثه ينظر بإصرار للعجوز الذي هز رأسه بيأس وشرع يقنعه بضرورة إرسالها للمشفى لتجنب أي مخاطر عليها. بينما هو يرفض بإصرار وضراوة. وهي... في عالم آخر تصارع ماضيها وتتمسك بحاضرها وتفتش عن مستقبلها والذي كان يقبع في عيون باسمة حنون وقبضة يد لطيفة وكلمة واحدة تأسرها منه... ... -فاطمة... تنهد بصوت مرتفع وهو يرفع عينيه للرجال أمامه يتدربون بقوة وجدية دون توانٍ.
وهو يراقبهم بأعين مهتمة مدققة، وعقله معهم، لكن قلبه نفر الحياة دونها وهجره تاركًا جسدها خاويًا من أي نبض. تنهد بصوت مرتفع يستمع لصوت جواره يهمس بجدية: -سيدي أنت بخير؟ رفع له المعتصم عينيه وقد كانت الإجابة على طرف لسانه بلا، لا محبوسة يتمنى الصراخ بها، لكن لا المكان ولا المكانة يسمحان له. -نعم، أنا كذلك تيم، ماذا هناك؟ -لقد وصل وفد جديد للانضمام إلى الجيش، هذا الوفد الثالث هذا الأسبوع.
ابتسم له المعتصم سعيدًا بما يحدث. فبعدما كان الجميع في البداية يأبى الانضمام للجيش، بدأت الحماس والرغبة في الدفاع عن البلاد وإعلائها تملأ الصدور أجمعها. -جيد سأذهب لتفقدهم بنفسي. وقد كان هذا ما نص عليه الاتفاق، فإما أن يكون الملك بنفسه حاضرًا لتفقد الدفعات الجديدة أو المعتصم، وذلك في إطار التنقيب عن الرجال المندسين بين الجيش. تحرك المعتصم بجدية وخطوات هادئة مع تيم وهو يراقب المكان حوله عله يبصرها ولو طيفًا في المكان.
يتعهد بإكمال بحثٍ لم ينتهِ بعد التدريبات، فهذه كانت حياته منذ يوم، يعمل ويبحث، يبحث ومن ثم يعمل. توقف في الساحة الأمامية للقصر يبصر عددًا من الرجال ينتظرون. ليمرر المعتصم نظراته بينهم بهدوء قبل أن يمنحهم ابتسامة صغيرة مرحبة: -مرحبًا بكم يا رجال، أنرتم قصر مشكى وعمّا قريب بإذن الله جيش مشكى. ختم حديثه يمرر عينيه بين الجميع وهو يتحدث بجدية:
-سعيد لمعرفتي أنكم هنا بإرادتكم الحرة دون أي إجبار أو ضغوطات خارجية، فقط لحماية البلاد، ومن يرى عكس ذلك فباب القصر مفتوح له والملك سيتكفل له بعملٍ يقيه وأسرته شر الحاجة. صمت وهو يدور بين الأعين يبحث بها عن متردد. فكم جاءهم رجل مجبر ليحصل على مرتب الجيش ويعين به أسرته، رغم عدم رغبته في الانضمام للجيش. ومنذ ذلك الحين أعلن أرسلان قراره أن من يكمل يكون لأجل البلاد، ومن ينسحب فهو متكفل به وعمله.
ابتسم حينما لم يجد بينهم مؤيدًا لكلماته. ومن ثم شرع يتحدث بما هو متفق عليه من البداية: -جيد إذن الجميع هنا بإرادة حرة وليس مقيدًا أو مجبرًا، الآن دعونا نقسمكم، من منكم يجيد أي نوع قتال فليتحرك إلى اليمين رجاءً. ظل منتظرًا إلى أن تحرك رجلان فقط لليمين ليهز لهم المعتصم رأسه بتقدير. ومن ثم نظر للباقيين: -هذا يعني أن الباقيين لا يدركون في القتال شيئًا؟ هز الباقيين رؤوسهم ليمنحهم المعتصم ابتسامة صغيرة:
-لا بأس فلا نطلب منكم في البداية الكثير، سوف يتولى القائد تيم تعريفكم على المحيط هنا وإخباركم بجدول التدريبات ومن ثم يعود بكم لي لنبدأ أولى تدريبات اليوم، لكن قبل ذلك أطلب منكم رجاءً اللحاق بي. ختم حديثه يتحرك بعيدًا عن ساحة القصر العامة صوب ساحة القتال الرئيسية حيث الجميع. والكل خلفه يسيرون بتؤدة يراقبون الأجواء حولهم يفكرون في القادم وكيفية النجاة بين كل هؤلاء الرجال الأشداء، فقد أبصروا جنودًا كالآلات.
توقف بهم المعتصم في جزء شبه منعزل عن ساحة القتال وهو يشير لهم جميعًا بهدوء شديد: -اخلعوا ثيابكم العلوية رجاءً، سيتم فحص الجميع للتأكد من عدم وجود أي إصابات خطيرة قد تمنع وجوده معنا. ختم حديثه وهو يشير جواره صوب رجل يضم يديه لصدره ذو عضلات قوية بارزة من ثوبه الأبيض العلوي والذي ابتسم للجميع معرفًا عن نفسه: -مرحبًا أنا زيان، طبيب القصر والجيش، تشرفت بكم. ختم زيان كلماته وهو يشمر أكمامه بهدوء شديد يبتسم لهم.
ومن ثم أشار لهم بعيونه صوب الثياب ليبدأ البعض بخلعها دون اهتمام. والمعتصم يراقب بهدوء شديد واهتمام أشد، يبصر تردد البعض وعدم اهتمام البعض بالأمر. ابتسم المعتصم ابتسامة غريبة وهو يبصر عدد خمسة رجال يراقبون الجميع برفض، وتردد في خلع ثوبهم. نظر صوب زيان الذي تنفس بصوت هادئ وهو يتحرك صوبهم بهدوء شديد ليبدأ بفحصهم وهو ينظر صوب المعتصم الذي كان يتابع بهدوء قبل أن يتحرك جهة الخمسة رجال بهدوء شديد. -إذن كل شيء بخير معكم؟
رفع أحدهم نظره للمعتصم بتردد وقد كان يبدو شابًا في بداية عقده الثالث: -نعم... أنا فقط... لا... لقد... هل يمكنني إجراء هذا الفحص في مكان آخر فهذا المكان ظاهر للجميع. -لا بأس بذلك بالطبع، هذه غرفة تبديل الملابس يمكنك إجراء الفحص بها، ومن ثم عليك الاعتياد في المستقبل فالحرارة هنا شديدة بعض الشيء وستجبرك دون طلب منا على التدرب دون ثوب علوي بما لا يظهر عورتك بالطبع. ختم حديثه وهو يشير صوب تيم:
-تيم ساعد إخوتك وأرشدهم صوب الغرفة الخاصة بتبديل الثياب. وبالفعل قام تيم بإرشاد الرجال صوب غرفة تبديل الثياب لينتظروا زيان هناك. وقد بدأ الأخير يفحص الجميع بدقة بحثًا عن أي إصابات أو علامات قد ترشده لأي شيء غريب بهم. وبعد دقائق طويلة انتهى ليتوجه صوب الغرفة مع المعتصم الذي تحدث بهدوء: -ثلاثة هذه المرة. -وكيف عرفت فخمسة رفضوا الأمر.
-يمكنني التفريق بين التردد والخوف زيان، الشاب الذي تحدث كان مترددًا، وآخر كان كذلك، بينما هناك ثلاثة كانت أعينهم زائغة وكأنهم يبحثون لهم عن مخرج من هنا. ختم حديثه وهو يفتح باب الغرفة ليتجمد جسده مما أبصر في هذه اللحظة وتحركت يده بهدوء صوب خنجره وقد احتدت نظراته بقوة: -تبًا لكم... ... كان موكب سيفيد يستعد للرحيل تباعًا لدانيار الذي رحل سابقًا الجميع مع زوجته صوب سيفيد.
خرج سالار من القصر وهو يضم بين كفيه يد زوجته باهتمام شديد وقد كان حريصًا حتى على كل خطوة تخطوها. -سالار أنا بخير أقسم لك. -عساكِ دائمًا عزيزتي، لم أقل عكس ذلك. -لكن تعاملك معي بهذا الحرص يقول ذلك سالار. نظر لها سالار بعدم فهم. لتشير بعيونها صوب يده التي تمسك يدها، ويده الأخرى التي تضم خصرها بقلق أن تزل أثناء مشيتها. -أنا فقط أساعدك في السير بشكل جيد، ماذا ألم أفعل ذلك سابقًا؟ رفعت حاجبها بسخرية وهي تجيبه بهدوء:
-لقد كنت تعلم سابقًا أنني أستطيع المشي وحدي. نظر لها بصدمة قبل أن ترتسم ابتسامة بسيطة على وجهه وهو يعود لمسكها بنفس الطريقة متحركًا صوب الهودج الخاص بها: -إذن يمكننا البدء في ذلك منذ اليوم عزيزتي. قلبت تبارك عيونها وهي تتحدث بهمس خافت: -أنت تفعل هذا لأجل طفلك سالار صحيح؟ لا تفعل هذا لزوجتك. وسالار المسكين والذي لم يكن يدري بعد ما سينتجه عقل تبارك وهرموناتها المستجدة على جسدها، أجابها بكل براءة ولطف: -لكِ ولطفلي...
-أنت لم تفعل هذا من قبل حينما كنت وحدي دون طفلك يا قائد، وتفعله الآن وأنا أحمله، إذن فالمبرر الوحيد أنك تفعله لأجل طفلك. توقف بها سالار جوار الموكب يبتسم بعدم فهم لها: -ماذا؟ لا أفهم ما تقولينه لكنني... -أنت فقط تهتم لطفلك سالار أكثر من اهتمامك بي، أنا حتى لا أتذكر أنك اهتمت بي يومًا مثل هذا الاهتمام. كانت تتحدث وهي تبعد عيونها بحزن عن سالار الذي اتسعت عيونه بصدمة وقد أخذ يراجع عقله في كل اتهاماتها: -لم أفعل حقًا؟
-يا ليتني كنت ابنتك أو حربًا لتهتم بي سالار، خسارة والله. ختمت حديثها تتحرك صوب الموكب كي تصعد له وقد أنهت النقاش بينهما عند هذه النقطة، وهو يراقبها بصدمة. وتبارك تحاول الصعود للموكب بصعوبة، لكنها لم تستطع ولم تكد تستدير صوبه لتطلب المساعدة حتى شعرت بيده تضم خصرها بلطف يعاونها لذلك. ومن ثم مد يده يخلع حقيبته التي يحملها فوق ظهره يضعها لها وهو يتحدث بجدية: -طعام ومياه لأجلك عزيزتي، لأجلك تبارك حسنًا.
قال جملته الأخيرة وهو يضغط على كلماته لتبتسم له تبارك ابتسامة صغيرة تمسك كفه تقبلها بحب: -أكثر ما يعجبني بك أن لا "نكد" تمكن يومًا من هز شعرك بك. -وما علاقة مزاجك السيء بشعري تبارك؟ -معجب كما الجميع يا قائد. اتسعت لها ابتسامة سالار وهو يمد يده لها يربت على وجنتها بحب غامزًا: -جيد الآن تعادلنا مولاتي، فكل عضو بي صريعٌ لكِ.
هامت عيونها به، ليبعد يده عنها بهدوء ومن ثم أغلق الستار في انتظار وصول الملكة لتجاورها الهودج، يتحرك لبداية الموكب يتحدث بصوت مرتفع جهوري يناقض صوته الحنون الهامس منذ ثوانٍ وكأنه تحول: -تجهزوا يا رجال.
ومن بعد هذه الكلمات ابتسم سالار دون شعور وهو ينظر حوله بسعادة كبيرة ووالله لو أقسم لهم أحدهم يومًا أن فرحته بطفله الأول ستنافس سعادته بفوز حرب كبيرة لظن أنه يبالغ، لكن أي مبالغة وهو ما يزال حتى الآن يشعر بنفس شعوره لحظة نطقت تبارك كلماتها معلنة بداية حياة جديدة نفخها الله برحمها. ابتعد ببطء عنها وهو يحدق فيها بعدم فهم فتبارك لطالما كانت تهذي بالأمر طوال الوقت متمنية الحصول على خصلاته في أولادهم، لكن هذه
المرة لفت انتباهه كلماتها: -شهور؟ -نعم، لكنني لا أستطيع أن أجزم كم شهر تحديدًا، على أية حال هي شهور ونعلم كيف يبدو الصغير. -صغير؟ ابتسم دون وعي يردد بصوت خافت: -صغيري؟ هزت له تبارك رأسها وهو ما يزال في حالة من اللاوعي يهمس بسعادة يتخيل نفسه يحمل صغيرًا بين كفيه: -سيكون الأمر رائعًا. نظر لكفوف يده: -أن تحمل يدي والتي اعتادت حمل السيوف نطفة صغيرة منكِ، لهو شعور جميل أتمنى تجربته، عسى الله أن يقر عيني به.
-إن شاء الله سيحدث بعد شهور سالار. رفع لها سالار عينيه بعدم فهم لتدرك تبارك في هذه اللحظة أن سالار لم يستوعب بعد الحقيقة التي تحاول إخباره بها: -سالار هل سمعت ما قلت؟ ابتسم لها سالار يربت على رأسها بحنان: -نعم عزيزتي سأدعو الله في كل صلاة أن يرزقنا بطفل يمتلك مثل شعري فقط لأجلك والله، عساه يكون قريبًا. قلبت تبارك عيونها وهي تهمس بضيق وصوت خافت شبه مسموع: -امممم بدائي وهيتعبنا، شكلك ملكش في أم التلميحات.
تنفست بعمق وهي تنظر في وجهه مبتسمة بضيق تضرب كفًا بالآخر في حركة شعبية بعض الشيء: -أنا حامل يا سالار أتمنى تكون الرسالة وصلت. رمش سالار بعدم استيعاب وهو ينظر لها محاولًا ترجمة كلماتها في عقله، وهي تراقبه بصدمة لتأخر احتفالاته بالخبر المترقب: -لا حول ولا قوة إلا بالله، ده كله وأنا بقولك بالكلام أمال لو طاوعت عقلي ولمحت ليك بالأفعال هيحصل إيه؟ وسالار فقط يراقبها دون كلمة، فقط أعين متسعة وفم فاغر:
-يا جدع اديني ردة فعل لاغيني، أقولك حامل تقولي مش مصدق وداني، أرني الانبهار يارجل لقد قطــ... فجأة توقفت عن الحديث وهي تبصر لمعان عيون سالار بقوة وقد شعرت فجأة أن وجهه أشرق بشكل لم تبصره منذ يوم زفافهم حينما أبصرها بفستانها. ردد كلمات غير مرتبة: -أنتِ... تبارك أنتِ... تحملين... طفلي؟ ابتلع ريقه قبل أن ينفرج فمه عن ابتسامة واسعة يصيح بعدم تصديق يختطف تبارك بين ذراعيه بقوة: -يا ويلي تبارك سأصبح أبًا، أنا سأصبح أبًا...
وكما حملها فجأة تركها فجأة وهو يتحرك في المكان دون استقرار وبشكل غريب جعلها تنظر له بعدم فهم ليتحرك صوب المرحاض بلهفة شديدة. وهي تتابعه بعدم فهم: -إلى أين سالار؟ -سأقيم الليل تبارك حمدًا لله على زحام نعمه، آآه أصدق سأصبح أبًا، سأصبح أبًا. انتفض جسده انتفاضة غير محسوسة حينما سمع صوتًا جواره يردد بهدوء: -سيدي لقد تجهزنا للرحيل، فقط ننتظر الملك والملكة... ... -انتهيتِ كهرمان؟
رفعت كهرمان عيونها صوب إيفان الذي ابتسم لها بحب يتابعها بشغف كبير. لتتحرك صوبه وهي تقول بجدية وهدوء: -نعم إيفان، دعنا نتحرك فكم اشتقت لسيفيد، رغم حزني لترك مشكى. -كم أنا سعيد أن سيفيد تركت مكانًا بقلبك. -وطني كما مشكى إيفان. ابتسم لها بحب وهو يمد لها يده لتضع كفها به، وهو مد كفه الآخر ينزل غطاء رأسها يتحرك بها للخارج. يسير بها في ممرات القصر وهي تناظر القصر حولها بأعين مشتاقة حتى قبل الفراق.
-تعتقد أن مشكى ستعود لما كانت عليه إيفان؟ أجابها إيفان بهدوء شديد وهو ينظر معها لربوع القصر الذي بدا وكأنه يستعيد رونقه السابق: -لا أعتقد، بل أنا متأكد عزيزتي، أخوكِ عنيد ذو رأس يابسة لن يرتاح له بال حتى يفعل كما فعل سابقًا بعدما تسلم البلاد من بعد والدك. ابتسمت له كهرمان قبل أن تتسع ابتسامتها أكثر بشكل غريب تهمس له بصوت وصل واضحًا:
-غريبة هي الحياة إيفان، منذ أشهر طويلة كنت أسير بين هذه الممرات أتأمل المكان أتخيل أن أسير بها يومًا مع زوجي الذي سيتمكن من انتزاعي من بين مخالب أخي، وتخيلت وقتها أنني سأتزوج شخصًا يشبه أرسلان فلا يفل الحديد إلا الحديد، لكن أنظر إلى ما حدث؟ تزوجت نسخة معادية لنسخة أخي. ضحك إيفان بصوت مرتفع وهو يضم كفها بحنان يداعبه بإصبعه، وهو يميل عليها هامسًا:
-أحيانًا لا يحتاج الحديد لحديد مثله ليُفل عزيزتي، ثم كنت على استعداد لقتال أخيكِ عقودًا، كي أعلن انتصارًا في النهاية، وأفوز بمكافأة ثمينة، وما أثمن من أميرة مشكى. رفعت له كهرمان رأسها بتكبر ذكره بكبرياء أرسلان، ورددت بمزاح معه: -وملكة سيفيد... ضحك إيفان وهو يقبل كفها بحنان: -يليق بكِ وأكثر عزيزتي. ابتسمت له بحب وهي تهمس بجدية وصدق:
-صدقني إيفان، لو كنت بشخصك قد تمثلت لي في جندي بسيط حتى، لحاربت كذلك لأجلك، لا يعنيني المكانة التي سأنالها لزواجي بك، بقدر ما يعنيني بقائي معك. -أتخيل لو كنت جنديًا، ربما كان سينتهي بي الأمر مختطفًا إياك من بين براثن أخيكِ. -لا أعتقد أن أخي كان سيمانع حتى لو كنت جنديًا. سخر منها إيفان يدرك جيدًا أن أرسلان لم يكن ليُمانع زواج شقيقته بجندي لأجل مكانته، بل كان سيُمانع لأجل الممانعة فقط. -نعم كان سيقتله فقط.
-أنت تظلم أخي كثيرًا. -بل أخوكِ يظلم بلادًا بشعبها عزيزتي... ... يجلس أمام السجن بهدوء شديد وهو يمسح سيفه يعطي له كامل انتباهه. رغم عينيه اللتين كانتا تخونانه وتتحركان صوب تلك المرأة التي تتحرك في السجن أمامه بشكل غريب. قبل أن تتوقف وهي تنظر له ثوانٍ تقترب من القضبان تهمس بصوت غريب: -تعتقد أن قضبان السجن هذه ستكون رادعًا لي؟ هل تمزح معي أرسلان؟ أنا قضيت خلف القضبان أكثر مما قضيت في منزلي.
رفع لها أرسلان عينيه مبتسمًا: -لا بأس إذن بقضاء ساعات إضافية من حياتك خلفها. استشاطت سلمى من طريقته في معاقبتها، ضربت القضبان بغضب شديد وهي تصرخ بغيظ منه: -أنت يا رجل مستفز و... أخرجني من هنا أرسلان وإلا لا تلومن إلا نفسك. نظر لها بسخرية: -وإلا ماذا؟ هل هددتني للتو سلمى؟
نظرت له دون رد، ثم تحركت بهدوء في المكان تراقبه بنظرات لم تخفَ على أرسلان الذي انتفض جسده فجأة حينما أبصرها تخلع حجابها تحرر خصلاتها، ومن ثم فرشته أرضًا، وجلست عليه بهدوء شديد. بينما هو نهض عن المقعد يقترب منها محذرًا: -ما الذي تفعلينه؟ ارتدي حجابك سلمى. -الجو خانق هنا. نظر أرسلان حوله بضيق شديد: -ليس كذلك، ارتدي حجابك فلا يمكنك خلعه خارج غرفتك. نظرت له سلمى بابتسامة صغيرة: -بلى يمكنني، للتو فعلت ألم ترَ؟
ثم ألم تفرغ لي السجن للحصول على خدمة عالية المستوى، إذن لا بأس. مسح أرسلان وجهه ولم يكد يفتح فمه للتحدث حتى تكلمت سلمى بجدية كبيرة وهي تنظر له ببراءة: -آه منك يا أرسلان أعدت لي ذكريات عديدة جميلة بين جدران سجنك هذا. نظر لها أرسلان بعدم فهم ولم يكد يعلق على كلماتها، حتى فجأة انتفض عن مكانه حينما خلعت معطفها تضعه جانبها وقد ظلت مرتدية ثوبًا بلا أكمام لكن الحمدلله كانت تغطي سرتها هذه المرة.
ألقت المعطف جوارها تحت أعين أرسلان الذي انتفض عن مقعده يتحرك صوبها بخطوات مهرولة صارخًا بصدمة وهو ينظر حوله: -ما الذي تفعلينه أنتِ، هل جننتِ؟ ارتدي هذا الـ... ارتديِه سلمى. استند على القضبان وهو يراقبها تستند بدورها على الجدار خلفها، تتنهد بحنين وتتحدث دون اهتمام باشتعال أرسلان في الخارج:
-آه يا آرس من هذه الأيام، كنت أدخل السجن لتهتز الأرض من أسفلي، أدخل على المريض من هنا فتبدأ أقدامه بالارتعاش من هنا، أتدري في إحدى المرات حينما كنت أعالج أحد المسجونين فجأة نطق بغضب... -أنتِ يا امرأة ارتدي معطفك هذا. -لا لم يقل هذا، بل قال أنه لولا أنني جميلة لكان تخلص مني و... قاطعها أرسلان وهو يندفع صوب القضبان يمد يده وهو يصرخ بجنون وقد اشتعل جنونه وهو يتخيل أحدهم يجلس أمام زوجته ويغازلها بهذا الشكل:
-أنـــــــتِ... أنـــــــتِ يا امرأة... سأقتلك، سأقتلــــــك... نظرت له بهدوء وهي تبتسم بقلة حيلة: -تقتلني كيف من خلف القضبان؟ أخرج أرسلان المفتاح من جيبه وهو يفتح السجن ويندفع داخله بشكل جعل سلمى تتحرك بسرعة وهي تركض بعيدًا عن عينيه تهرول في أنحاء السجن وهي تصرخ وهو خلفها يصرخ بغضب بدوره، حتى أمسكها ولم يكد يفعل لها شيئًا حتى صُدم لها تعضه بقوة.
ومن ثم استغلت صدمته تركض صوب باب السجن تخرج منه جاذبة الباب خلفها واغلقته بسرعة مبتسمة ابتسامة واسعة وهي تنزع المفاتيح من الباب. -آه منه الزمان مولاي، آه منه، والآن... سحبت المقعد تجذبه أكثر للقضبان تجلس أمامه وهي تضع قدمًا فوق الأخرى، تنظر له بهدوء ومن ثم أبعدت خصلاتها للخلف: -والآن سيد أرسلان أخبرني ألا تغرنك حياة الهدوء بعيدًا عن الصراخ.
وعكس ما توقعت أسود وجه أرسلان بشكل مريب وهو يقترب من القضبان بخطوات رشيقة يقف خلفه وهو يميل برأسه لها مبتسمًا ابتسامة خطيرة كأنه يجاريها: -وهل سألقاكِ في تلك الحياة الهادئة سيدتي؟ ارتفع حاجب سلمى وهي تبتسم له ابتسامة مماثلة: -في جميع حياتك مولاي ستكون مضطرًا للتعامل مع امرأة تسمى سلمى. -ما تصفينه الآن سيدتي ليس اضطرارًا، وجودك حاجة سليمى.
اتسعت بسمتها وهي تضع قدمًا فوق الأخرى، تراقبه بابتسامة وهو يتابعها برأس مرفوعة يقف بكل قوته داخل السجن دون أن تهتز له عضلة. وربما سيكون غريبًا، لكن في هذه اللحظة كان أرسلان مثيرًا خلف القضبان بهذه الوقفة القوية والملامح الحادة. تقسم أنه لو كان في عالمها كان سيكون رجل عصابات يُهاب، أو ربما رجل أعمال في غاية الذكاء. ونعم كانت امرأة محظوظة لتحظى برجل مثل أرسلان. اقتربت من القضبان وكل خطوة تقربها
أكثر منه حتى أصبحت أمامه: -لم تجب سؤالي بعد جلالة الملك، متى تكتفي من حياة الصخب هذه وتقرر الانضمام لي في حياة هادئة؟ نظر لها أرسلان طويلًا ولم يجبها لتشعر أنها تنتظر مستحيلًا منه. تنفست بضيق وهي تبتعد عنه، لكن ما كادت تفعل حتى شعرت بيد أرسلان تقيدها جواره يجذب جسدها صوب القضبان يهمس لها بصوت خافت: -يمكنني التخلي عنه لأجلك سلمى، إن كان الصراخ يزعجك لهذه الدرجة سأكمل حياتي همسًا، لكن أبعد من رغبتك هذه لن أحقق.
-ليس فقط الصراخ أرسلان، بل كذلك الظلام الذي يبتلعك. ابتسم لها ابتسامة غريبة وهو يميل على أذنها هامسًا: -ليس الظلام هو من يبتلعني عزيزتي، بل أنا من أجبر الظلام على أن يحيطني. رفعت عيونها له وقد شعرت بالاختناق من جملته: -وهذه ليست حياة أتمناها أرسلان. -لكنها حياتك في النهاية، سواء قبلتي أو أبيتي سلمى. -لا شيء يُفرض عليّ جلالة الملك.
فجأة تركها أرسلان بشكل مفاجئ يحرك المفاتيح أمامها بهدوء يتحرك صوب الأرضية يلتقط معطفها وحجابها، ومن بعدها توجه صوب الباب يفتح القضبان بكل بساطة، ومن ثم خرج منها، يقترب منها، ودون كلمة جعلها ترتدي المعطف ومن ثم رفع الحجاب يضعه فوق رأسها بشكل مرتب. -لا بأس أحيانًا تفرض علينا الحياة ما لا نرتضيه. ختم جملته يقبض على يدها بحنان مناقض لكلماته ومن ثم تحرك بها خارج المكان وهي تسير خلفه تنظر لظهره بإصرار أكبر
تهمس بكلمات غير مسموعة: -لكنني من الحياة لم أرتضِ بسواك أرسلان... ... تحركت خلف والدها وهي تخفي وجهها خلف الغطاء الخاص به، لتتوقف مع والدها أمامه، شبيه الغائب الحاضر في ذهنها. نزار كبير رغم اختلاف الطباع، لكن تجمعهما الملامح. -سأشتاق لك أيها العجوز، عسى أن ننتهي من هذه لتعود سهراتنا الجميلة. ابتسم له بارق وهو يتحرك ليضمه له بحب: -لنا لقاء قريب آزار. ضمه آزار بحب شديد قبل أن يربت على ظهره بارق بجدية:
-اسحب رجالك من بلادي آزار فقد عدت وانتهينا. -حدث قبل أن تطلب أخي. ابتسم له بارق ابتسامة صغيرة وهو يبتعد عنه، لينظر آزار صوب توبته بأعين أخرى، يراقب الفتاة التي يدرك يقينًا أنها سلبت لبّ ابنه وجعلته مجنونًا هائمًا يبحث عنها في جميع الأوجه. -في النهاية أحسن الاختيار. نظرت له توبة بعدم فهم ليبتسم لها آزار بهدوء: -سعيد لرؤيتك بخير يا ابنتي، كوني دائمًا ولنا لقاء قريب جدًا عساه يكون كما نتمنى جميعًا.
زفر بارق بضيق وهو يرفض عرض الأمر في الوقت الحالي على ابنته، لكن يبدو أن ابنته لم تهتم سوى للحديث الودي مع الملك آزار والذي قررت استغلاله أسوأ استغلال وهي تهمس بجدية: -ملك آزار، بخصوص... بخصوص الأمير نزار. نظر لها آزار باهتمام، لتحيد هي بنظرها سريعًا صوب والدها خجلة، ومن ثم نظرت أرضًا تفرك يديها: -لطالما كنت مثله الأعلى، ولطالما أحبك، كان على استعداد للتضحية بنفسه فداءً لنظرة فخر منك.
أبعد آزار عينيه عنها، بينما هي ابتسمت ابتسامة صغيرة تكمل همسها بنبرة خجلة: -هو يحبك فلا تقسو عليه رجاءً. أخفى آزار بسمته وهو يسمع نبرتها التي فشلت في إخفاء نبرتها العاشقة بها، يهمس لنفسه: -وأخيرًا سينال ولدي حبًا يستحقه، عساها تكون فرحة العمر صغيري. تنهد بصوت مرتفع وهو ينظر لها بحب أبوي: -ليقدم الله الخير يا ابنتي. نظر حوله يبصر موكب سيفيد وقد تجهز وقد بدا أن الجميع يهجر مشكى، كلٌ لبلاده قبل التجمع مجددًا.
-أين هو أرسلان ليس ظاهرًا في المكان، هل يترفع عن توديعنا، ذلك المتكبر. -والله إن شدة تواضعي معكم أيها العجوز هو ما جعلك تطمع في المزيد، ولولا أنني لم أتفرغ لنفذت لك وعدي بقتال، لكن ساعتك لم تحن بعد. رفع الجميع رؤوسهم صوب أرسلان الذي تحرك للساحة مع زوجته والتي كانت قد ارتدت فستانًا طويلًا تخفي وجهها خلف الغطاء. اقترب أرسلان من الجميع مبتسمًا وهو يودعهم بأحضان لطيفة: -تصحبكم السلامة مولاي، عساني ألقاكم بالخير دائمًا.
ضمه آزار بحب شديد وهو يربت على كتفه بحنان يهمس داخل أذنه بصوت خافت: -كن بخير واعتني بزوجتك، وانتبه لها يا بني فقد أصبحت روحك معلقة بها، نصيحة من شخص عاش حياته متمردًا على الحياة قبل أن تأتي من تخضعه دون رغبته. ختم حديثه يغمز له، ليتحرك أرسلان بعينيه صوب سلمى التي بدأت تودع تبارك التي نزلت من الهودج لتودعها بعدما رحلت دون الجلوس معها مرة واحدة حتى، وكهرمان التي أخذت توصيها صبرًا بأخيها.
ليشرد بها دون شعور يبتسم، قبل أن يسمع صوتًا خلفه: -آه منه الحب يا أخي انظر ماذا فعل برجال أشداء، أنه لأمر عسر ها؟ استدار أرسلان صوب سالار الذي اقترب منه يضمه لأحضانه، يربت عليه بقوة وحنان: -احفظ لسانك وأحسن التصرف أخي، فلن نجد في هذا العالم امرأة أخرى تتحملك. رفع أرسلان حاجبه وكبت جملة في عقله "ومن أخبرك أنني سأقبل بأي امرأة أخرى؟
" لكنه ترفع عن التحدث بهذه الكلمات أمام أحدهم، يبتسم له ابتسامة صغيرة قبل أن ينتقل لتوديع بارق، ومن ثم أخيرًا إيفان الذي أخذ يوصيه كما الجميع بأن يحسن التصرف. زفر أرسلان بضيق: -ما بالكم جميعًا تتحدثون كما لو أنكم تتركون طفلًا صغيرًا لا يحسن التصرف، ما بالكم أنتم؟ -هذا لأننا نعلمك جيدًا أرسلان، ونعلم ما تفعله في الجميع حولك، لذا نوصيك أن تهدأ وتتعامل بتريث. ابتسم أرسلان بسخرية وهو يتذكر ما فعلت به سلمى منذ ثوانٍ، يسخر
منهم وهو يردد بصوت خافت: -والله المفترض أن توصونها هي وليس أنا، لا ينقصني سوى أن أعامل كالصغار. ابتسم سالار يتحدث بهدوء: -والله أكسبني التعامل معك خبرة ستعينني على تربية صغيري القادم. التوى ثغر أرسلان بضيق ولم يكد يتحدث بكلمة حتى سمع الجميع جملة إيفان والذي التقط المعنى المبطن بها: -صغيرك القادم؟؟ عند الفتيات: -آسفة عزيزتي المرة القادمة تكون زفافك إن شاء الله وحينها لكِ مني وعدًا بقضاء أسبوع كامل معكن.
-ربتت عليها سلمى بحنان: -لا بأس تبارك، مبارك لكِ عزيزتي عسى أن ينشأ الصغير بعافية وسعادة حبيبتي. تحدثت كهرمان وهي تمسك يد سلمى برجاء: -سلمى حبيبتي لن أوصيكِ أخي، تحمليه وصدقيني ستجدين خلف الصخور جوهرة لا تقدر بثمن. ابتسمت لها سلمى تربت على كتفها: -لا تقلقي عزيزتي اعتدت نحت الصخور، وأخوكِ صوان وليس صخرة، لكن لا بأس نحن أهل لها. فجأة وقبل أن يتحدث أحدهم انتفضت الأجساد على صرخات الرجال المهللة لينظر الجميع لهم بعدم فهم.
لكن تبارك لمحت احتفالهم بسالار لتبتسم بفهم ثوانٍ وارتفعت أصوات الاستعداد للتحرك وتوجهت النساء للموكب وبقيت سلمى واقفة عند البوابة تودعهن بنظرات لطيفة تشعر بالفراغ يبدأ في احتلال صدرها بعد رحيلهن وقد اعتادت وجودهن. والآن هي وحدها بلا رفقة، وفاطمة مختفية ولا أحد يساعد... وعلى ذكر فاطمة استدارت صوب أرسلان تنظر له باهتمام تتحدث بلا مقدمات: -أرسلان لقد اختفت فاطمة... ...
يقف على باب الغرفة يراقب الرجال الثلاثة يرفعون خناجرهم على الإثنين الآخرين وامامهم تيم يظهر لهم خضوعًا مصطنعًا، كي لا يتسبب في أذية أحدهم. كشفوا أنفسهم حينما اشتد بهم الخوف، ومنذ متى كان الأمن رفيقهم، فهؤلاء من المرتدة والمنبوذين كُتب عليهم التشتت والخوف أبد الدهر. أشار أحدهم بعيونه صوب يد المعتصم التي كانت على وشك استلال خنجره، ليرفع الأخير يده في الهواء مبتسمًا.
بينما تحدث أحد الرجال وهو يشير بحنجره محذرًا ونبرته خرجت مهتزة بشكل واضح وقد أعلنوا هزيمة مبكرة قبل حتى بدء المعركة، ألقوا الأسلحة قبل أن يحملوها: -ابتعدوا عن الباب الآن، دعوا لنا مساحة للذهاب من هنا، هيا ابتعدوا. أبتعد المعتصم عن الباب بسرعة مشيرًا لزيان بالمثل، ومن ثم أشار لهم بهدوء ليخرجوا مبتسمًا بسخرية: -ومن أجبركم على المجيء منذ البداية؟ أنتم من جئتمونا دون دعوة من طرفنا، لكن لا بأس، هيا يمكنك المغادرة.
سحب الرجل رهينته بين يديه أكثر وهو يتحرك صوب الباب وعيونه تطلق مئات التحذيرات للمعتصم: -لا يتحركَن أحدكم مقدار خطوة واحدة حتى نخرج نحن من هنا. وصل للباب أخيرًا وقد كاد يتنفس الصعداء متحدثًا بجدية: -أنا أحذركـــ... وقبل إكمال جملته كان زيان يمد قدمه بهدوء وما زالت يده مرفوعة في الهواء، يراقبهم يتساقطون فوق بعضهم البعض بشكل مضحك وقد ارتسمت بسمة مستهزئة على شفتيه.
بينما المعتصم مال يسحب منهم السلاح، ومن ثم رفعه عليهم يتحدث بنبرة مخيفة وبأعين سوداوية: -والآن تحركوا أمامي بلا كلمة واحدة. نظر الرجال لبعضهم البعض بتردد وقد بلغ الخوف منهم مبلغه، ولم يكد أحدهم يتحدث بكلمة واحدة حتى انتفضت الأجساد على هدير المعتصم وهو يضرب أحدهم في خصره: -قُلت تحركــــــــــوا. ...
يقف بعيدًا عن الأعين يراقب القاصي والداني لا يدع أي شخص يتخطى مجال الرؤية أمامه، يتابع الجميع بأعين دقيقة وبالأخص أصلان الذي كان سيد اهتمامه في هذه اللحظة. يراقبه وهو يتمرن بقوة تمارين قاسية وبالمثل يفعل بجنوده حوله، وعقل نزار يكاد يتوقف محاولًا الوصول لخطته اللعينة التي تقبع في عقله. لكن لا شيء، طوال الساعات السابقة لم يصل لشيء سوى أنه وبفضله فسيتعين على الممالك مواجهة مريض كأصلان بخطة لا يعلمون عنها شيئًا.
فجأة رفع أصلان عينيه وكأنه شعر أنه مراقب، لكن وعلى عكس المتوقع لم تهتز شعرة واحدة لنزار وكأنه لا يهتم إن أمسك به أصلان يراقبه أو لا. اتسعت ابتسامة أصلان وهو يعتدل وقد كان جسده ممتلئًا بالعرق يجففه بهدوء ومن ثم تحدث بصوت وصل لنزار واضحًا: -لطالما عرفنا أن القتال لأصحابه والتخاذل لأصحابه، فالبعض لا يستطيعون شيء سوى خلط بعض الأعشاب وطحن بعض النباتات.
ارتفع حاجب نزار بسخرية وهو يتحدث بصوت ساخر يماثل سخرية أصلان يتحرك صوب الساحة يشمر أمامه بهدوء، ومن ثم حمل أحد السيوف يحرك بين أنامله بمهارة عالية: -قوى الجسد فانية يا عزيزي بمجيكروب صغير قد يطيح بها، لكن قوى العقل باقية حتى تفنى روحك، فما بالك بمن امتلك كليهما؟ جذب أصلان سيفًا بقوة من مكانه يطيل النظر بنزار الذي حرك إصبعه بخفة على السيف وكأنه يختبر مقدار حديته، ومن ثم رفع عينيه صوب أصلان فجأة:
-ما رأيك إذن أن تجرب مبارزة يد طاحن النباتات؟ رفع أصلان السيف في الهواء يتخذ وضعية القتال متحفزًا لكل حركة، وفي ثوانٍ لم يدرك أحدهم ما يحدث حتى، اشتعل القتال بينهما وقد بدأت الأجساد تبتعد بريبة عن ساحة التدريب التي تحولت في ثوانٍ لمعركة حامية بين نزار قائد جيوش آبى وربيب يد الملك آزار، وأصلان القائد السابق لجيوش سبز وربيب يد أحد المزارعين.
أخذ الضربات تتقاذف من هذا لذاك والعيون تراقب باتساع وحماس شديد، حتى كادت تخرج من المحاجر. حرك نزار السيف بين يديه بمهارة شديدة، قبل أن يهوي بضربة لولا انتباه أصلان لكانت جزت عنقه، لذا فقط أصابته ضربة في كتفه. تراجع أصلان للخلف وهو ينظر للدماء التي تفجرت من ذراعه وقد اشتعلت عيونه، يبلل شفتيه بأعين تلتمع بالشر. أما عن نزار فلم يضيع فرصته ليسخر منه يراقب جرحه باهتمام مصطنع:
-أووه لست آسفًا، ذكرني أن أطحن لك بعض الأعشاب النافعة، فتلك اليد ماهرة في ذلك كما تعلم. ختم كلماته وهو يحرك أصابعه في الهواء أمام وجه أصلان الذي ضغط على جرحه بقوة، ثم رفع عينيه صوب نزار الذي حرك السيف بين أنامله بهدوء: -نكتفي بهذا القدر لليوم؟ فجأة أصابته ضربة جانبية تسببت في جرح سطحي في خصره، ليطلق ضحكة مرتفعة لا تتلائم مع ما يحدث يكمل بكل جدية: -حسنًا إن كنت تصر...
ومن بعد تلك الكلمات هجم على أصلان بضربات قوية متتابعة، كان يردها الأخير بالمثل، لتشتعل المعركة بين الاثنين أكثر وأشد والجميع يتابع بأعين متسعة مرعبة مما ينتهي عليه المعركة. في الثانية التي وصل بها وليد ليراقب ما يحدث بصدمة كبيرة: -والله لن يهنأ لك بال حتى تتخلص من حياتك نزار... ...
يتحرك بين ممرات القصر بملامح واجمة جامدة مخيفة وبخطوات واسعة تحرك صوب قاعة القصر، وخلفه تحاول سلمى أن تتدارك خطواته وتلحق به، لكنه لم يكن يمنحها الفرصة حتى. دخل القاعة بقوة وهو يتحدث لجنوده بقوة وصرامة: -أرسلوا للمعتصم... حــــالًا. تحرك صوب عرشه يجلس عليه بهدوء، وسلمى وصلت أخيرًا صوب القاعة تتنفس بصوت مرتفع وهي تحاول التقاط أنفاسها. -ما بك؟ ما الذي اتفقنا عليه نحن ها؟ -لم نتفق على شيء. رفعت سلمى حاجبها بغيظ شديد
وهي تهتف من أسفل أسنانها: -أرسلان بالله عليك، لا تصعبها علينا. -أنا لا أفعل، بل أنتِ من تفعلين في الحقيقة، ما الصعب في تقبلي هكذا دون إرهاق نفسك بتغييري، أنا أوفر عليّ وعليكِ مجهودًا. تنفست سلمى بصوت مرتفع وهي تغمض عينيها، ومن ثم فتحتها بهدوء شديد وهي تقف في منتصف القاعة تهتف بصوت هادئ وابتسامة مسالمة: -لا مولاي، لن أفعل ولن أتقبلك هكذا، لن أحشر نفسي في ظلامك، فلما لا تخرج أنت لنوري؟ أشار لها أرسلان بضيق:
-على أي أساس تصنفين حياتي مظلمة وخاصتك مضيئة، لمَ ليس العكس؟ نظرت له بصدمة من كلماته تبتسم بعدم تصديق وهي تقترب من العرش: -بالله عليك ما تقول؟ هل تصدق نفسك حتى؟ ماضي وحروب وسيوف ودماء وقتال من أين يأتيك النور حتى؟ وقف أرسلان مقابلها وكأنه يناطحها: -مجرمين وقتال ومعارك، من أين يأتيكِ النور حتى؟ نظرت له سلمى ثوانٍ وهي تضيق عينيها بتحدي، قبل أن تهمس بصوت قوي:
-سأثقب سقف منزلي لتدخل منه الشمس أرسلان، سأفتح به فتحة كبيرة ليخترق النور عتمتك. -لا بأس سيدتي يمكنني نزع السقف بأكمله لأجلك إن كان يمثل لكِ أزمة لهذه الدرجة. صرخت سلمى بصوت مرتفع: -ها أنظر، أنظر إليك، دون تفكير لجأت للعنف. -أي عنف هذا أنا أساعدك في حل مشكلتك مع السقف. نظرت له ببلاهة شديدة: -هذا... هذا ما فهمته؟ أنني أعاني مشاكل مع السقف؟ حقًا أرسلان؟
هز لها أرسلان كتفه بابتسامة صغيرة ولم يكد يتحدث كلمة حتى اقتحم الحارس المكان يتحدث بهدوء واحترام: -مولاي القائد المعتصم ليس بالقصر. أبعد أرسلان عينيه عن سلمى يحدق في الجندي وهو يهمس ضاغطًا على أسنانه بغضب: -أين ذهب هذا المعتصم؟؟؟؟ ... كان يقف معهم بملامح جامدة غريبة لا تمت للمعتصم بأي صلة، يراقب ملامح حرس القصر جهة الجنوب بعدما تفرغ لتوه من التحقيق بالفعل مع كل حراس البوابات الأخرى.
-إذن لا بد أن زوجتي العزيزة تمتلك مهارة الاختفاء، فلا واحد منكم جميعًا أبصرها تخرج من هنا، إذن لابد أنها تبخرت أو ماشابه. نظر الحراس لبعضهم البعض وقد كان الجميع يراقب ملامح المعتصم الذي يتحدث ببساطة وبساطة كبيرة تجعلك تعتقد أنه ربما يمزح، لكنه لم يكن البتة.
فجأة انتفضت الأجساد حينما صرخ وقد فقد صوابه، يصرخ ويردد أنه لن يهتم ولتذهب للجحيم، لكنه يلحقها لذلك الجحيم إن كان سيجمعهما، يبحث عنها في جميع الطرقات الفارغة عله يصطدم بها صدفة. -هل أعمى الله أبصاركم؟! هذه امـــــرأة... انـــسان وليست حشرة لتخرج من أسفل أقدامكم دون شعور، بالله عليكم. ختم حديثه وهو يطلق صرخة عاجزة، يعز عليه الجلوس هنا وهي الله وحده يعلم ما حدث معها.
تنفس بصوت مرتفع وهو يميل مستندًا على ركبتيه يركز في الأرض أسفله وقد بدأ اليأس يتمكن منه ولولا وجوده على مرأى ومسمع من الجميع لسقط أرضًا يرثي نفسه وزوجته التي لم تحيا يومًا واحدًا سعيدًا منذ ولدتها أمها إلا يوم ولادتها نفسه. -آه يا فاطمة آه... نظر له الحراس بشفقة وهم يعلمون شعور أن يقف المرء عاجزًا عن تأدية دوره في حماية من يخصه.
أولم يحيوا هذا الشعور من قبل حينما سلبت البلاد من بين أيديهم دون أن يتمكنوا حتى من رفع إصبع؟ ابتلع المعتصم ريقه يحاول تمالك نفسه، ومن ثم استقام وهو ينظر لهم بجدية يحاول تنظيم أنفاسه بشكل يسمح له بإخراج كلمات متوازنة، ومن ثم مسح خصلاته وهو ينظر لهم متسائلًا وكأنه يدرس الأمور حوله: -العربات، هل خرجت أي عربات في ذلك الوقت؟ نظر الجميع لبعضهم البعض، قبل أن يتحرك أحدهم وهو يردد بجدية وهدوء رغبة في المساعدة قد استطاعته:
-سوف أحضر الدفتر الخاص بالعربات. نظر له المعتصم بأمل بدأ ينتعش داخل صدره ولم يكد الرجل ينتهي من جمع ما يريد المعتصم حتى وجد المعتصم أحد الرجال يهرول صوبه بسرعة: -سيدي أنت هنا؟ الملك يبحث عنك في كل مكان. نظر له المعتصم بأعين مخيفة بعض الشيء، ومن نظر للرجال يهتف بجدية: -حينما يعود رفيقكم دعوه يحضر لي كافة التفاصيل عن العربات لجميع البوابات وليس الجنوبية فقط رجاءً.
ختم حديثه وهو يتحرك بعيدًا عنهم، لكنه فجأة توقف ينظر لهم ثوانٍ بتردد ومن ثم تحدث بجدية: -وأنا... أعتذر إن تماديت في الحديث معكم. تحرك بعد كلماته تلك صوب الملك وهو يفكر فيما سيفعل، عليه التصرف بذكاء وليس تهور، وأول تلك الخطوات ليصل لها هو معرفة كيف يمكن أن تخرج من القصر دون أن يشعر بها أحد؟ ...
يجلس مبتسمًا باتساع لا يهتم بكثرة الضربات التي تلقاها أثناء المعركة الحامية التي خاضها ضد أصلان، طالما أنه أعطى أصلان ضعف ما نال هو من ضربات. شعور عارم بالسعادة وهو يبصره يبصق دماءه أمامه وقد بدأت عيونه تشتد وتزداد قتامة، لكن نزار فقط نظر له بابتسامة متسعة ومن ثم ألقى سيفه يتحدث بهدوء: -مر عليّ علني أجد لك بعض الأعشاب لتخفف من جروحك، ولا تتعرض للشمس كثيرًا فهذا سيضر بجروحك.
ختم حديثه وهو يفرد ذراعيه بهدوء شديد في الهواء مبتسمًا بابتسامة واسعة، ومن ثم استقام يتحرك بعيدًا عنه تاركًا أصلان يصارع أرضًا بحثًا عن سيفه كي ينهض وينقض عليه. وها هو الآن يجلس في المنزل بجروح كثيرة أمام الوليد الذي كان يتابعه بملامح مصدومة مما فعل وقد بدأ الحنق يسيطر عليه: -ألا يمكنك على الأقل أن تدعي الطاعة والمسالمة. -لا، لا يمكنني. نفخ الوليد وهو يتحرك صوبه متحدثًا بجدية:
-اسمعني نزار المرة السابقة كدنا نموت بسبب ما فعلنا وهذه المرة أصلان لن يهمه شيئًا، وإن كان الأمر بيده لقتلنا بالفعل، لكنني أحرص على جعله يحتفظ بنا لأطول وقت ممكن. رفع له نزار رأسه وهو يفكر في كلماته بجدية: -وما المقابل يا ترى؟ نظر له أصلان بعدم فهم ليهمسه له نزار بسخرية وغضب من تصرفات الوليد: -ما مقابل احتفاظه بنا أحياء حتى الآن يا ترى؟
زاغت عيون الوليد وهو يحاول الابتعاد بنظره عن نزار، وقد بدأ الأخير يشعر أنه لا يخفي خيرًا له، نهض يقترب منه هامسًا بتحذير. -وليد لا تحترف الحقارة يا أخي فتضل وتهوى أقدامك. نفى الوليد ما يدور في رأس نزار يهتف بجدية: -صدقني لا أعلم ما يخطط له، لا أعلم سوى أنه... سينفذ ما يخطط له منتصف هذا الشهر واليوم... لقد دعا رجاله لأجتماع ضروري اليوم وخمنت أنه قد يكشف لهم الخطوة القادمة له.
التمعت عيون نزار بقوة بينما الوليد يتابعه يدرك أن نزار يتشبث في أي حبال قد توصله للبر، يتحين الفرص ليحصل على رضى الممالك ومن بها، يعتقد أنه بتسليمه للجميع سيصل لغفرانهم أو يكفر عن ذنبه السابق. وأد الوليد لمعان عيون نزار وهو يهتف بجدية: -وبالطبع نحن لسنا من المدعوين على هذا الاجتماع. نظر له نزار ثوانٍ قبل أن يردد بجدية وابتسامة واسعة: -من ذكر شيء عن الدعوة يا الوليد؟؟؟؟؟؟؟ ...
يجلس في نافذة الغرفة التي يحتلها داخل منزل أنورين وهو يرتشف بعض المشروب الدافئ الذي حصل عليه بعدما رمته ابنة أنورين بشر لو خرج وتمثل على أرض الواقع لكان نيرانًا تحرق. ابتسم دون اهتمام يتابع الطرقات الشبه فارغة أمامه بأعين شاردة بشكل واضح، ولم يستفق سوى على صوت أنورين خلفه لتنقلب ملامحه بضيق شديد: -ليتلطف بي الله من هذا العجوز الممل.
رسم ابتسامة واسعة وهو يستدير صوب أنورين ولم يكد يتحدث بكلمة حتى انتفض الإثنان بشكل مرعب على أصوات صراخ قوية في الخارج وصيحات مرعبة. انتفض أنورين يخرج من منزله ركضًا صوب الصوت، بينما هو جذب وشاحًا يخفي ما استطاع من وجهه وهو يتحرك خلفه بسرعة. في اللحظة التي بدأ الجميع يخرج من دياره والأصوات تعلو والصرخات تزداد قوة.
ركضت ديلارا برعب وعثمان يتسند على كل جدار يقابله وقد انفض الجميع للخارج وبدأت أصوات الصرخات تعلو من جميع المنازل تقريبًا وأحدهم يردد في منتصف الساحة كلمات غير مفهومة، يحمل بين يديه امرأة فاقدة لكل معاني الحياة يصرخ بجنون وهيستيرية مرعبة: -ابنتي، قتل ابنتي، من تبقى لي في الحياة استكثروا عليّ، سمموها. بدأت الأصوات تعلو من حوله والكثير يسقط أرضًا وكأن وباء انتشر فجأة بين الشعب، حتى أن البعض بدأ يبتعد عن المصابين برعب.
الذعر انتشر بين الشعب والكل يصرخ ويستغيث للمساعدة، ولا أحد يجيب خوف الاقتراب والإصابة بذات الوباء. أنمار فقط يراقب ما يحدث بعدم فهم، يشعر بالريبة والتي تأكدت حينما سمع صوتًا ينطلق من بين الجموع الغفيرة:
-كل هذا بسبب الغلال التي وزعها الملك على الجميع، أراد التخلص منا ليخفف من مسؤولياته، والله قلت أنه لا يفعل شيئًا لوجه الله، والده وتخلص منه لأجل الملك فما يضيره ببعض الفقراء مثلكم لن يمثلوا سوى المزيد من الأعباء على مملكته. صمت لينطلق صوتًا جهورًا منه وهو يضيف على جملته السابقة بكل غضب: -لا عجب أن يستغل ضعفكم وصمتكم ويقتل المزيد منكم حتى يحصل على شهيد من كل بيت.
كان الرجل يتحدث بكل قهر وقد احمر وجهه، بينما الجميع نظر له باستنكار رافضين تصديق ما يهذي به هذا الرجل، لكن البعض من أتباعه بدأ يساندونه في كلماته ويشعلون الفتنة، والبعض ممن غلبهم الشيطان انقادوا خلفه وقد اشتعلت أعينهم بالقهر والحسرة يصرخون بالقصاص ممن كان سبب فقدانهم أحبتهم. وأنمار يراقب الرجل الذي أشعل الفتنة منذ البداية يحاول تذكر أين أبصره قبل أن تتضح له ملامحه ليهمس بصدمة: -حربي؟
فجأة بدأت ابتسامة واسعة ترتسم على فمه وهو يراقب ما حوله وقد اندفع عدد لا بأس به من الشعب ورجال أصلان صوب القصر غاضبين مستنفرين. بينما ظل الكثير ممن احتفظ بعقله يراقبون ما يحدث بعدم تصديق يحاولون قمع رؤوس الفتنة، لكن الفتنة كانت أشد وطأة، وكانت لها اليد العليا هذه المرة... ... -طلبتني مولاي؟ -سيد المعتصم حمدًا لله أنك أنرت القاعة بطلتك، أرسلت القاصي والداني للبحث عنك، على حد علمي كانت زوجتك هي الضائعة ولست أنت.
رفع له المعتصم عينيه وقد اشتدت ملامحه شرًا يحاول الحديث بكلمة، لكن أرسلان رمقه بنظرات حادة يتحدث بنبرة ساخرة سوداوية وهو ينظر بطرف عينيه صوب سلمى التي كانت تراقب ما يحدث دون تدخل: -جلالة الملكة هلّا تركتينا بمفردنا رجاءً، فهناك كلمات لا أحبذ إطلاقها على مسامعك. فتح المعتصم عينيه بصدمة كبيرة، ليس من جملة أرسلان التي أطلقها منذ ثوانٍ، بل من سلمى التي تحركت صوبه تهمس له بكلمات جعلت وجه الأخير يشتد غضبًا بشكل مريب.
ومن ثم ابتعدت عنه تبتسم برقة لا تناسب ملامح أرسلان التي تبعت جملتها، أما عن أرسلان نظر لها بأعين أشد شراسة مما كان ينظر للمعتصم منذ ثوانٍ يهمس لها بصوت وصلها هي دون غيرها: -أنتِ يا امرأة تحتاجين لجلسة تأديب مكثفة. ابتسمت له سلمى وهي تضرب كتفه بخفة ممازحة، تنبث بجدية كبيرة: -موعدنا في السجن مولاي، اسمح لي بالرحيل.
رمقها أرسلان بسخرية لاذعة وهي تميل لتحمل طرف فستانها برقي، ومن ثم استقامت تتحرك للخارج قبل أن تتوقف بهدوء تستدير نصف استدارة وبنبرة جادة أردفت: -وتذكر ما قلته مولاي، اسمحا لي بالانصراف. تحركت خارج القاعة تاركة المعتصم يراقب ما يحدث بعدم فهم وصدمة من صمت أرسلان أمام زوجته ووداعته الظاهرة هذه. لكن بمجرد أن خرجت سلمى من مجال رؤية أرسلان حتى اشتدت ملامحه وعلت الجدية وجهه: -والآن سيد المعتصم شرفني بما لديك.
حاول المعتصم أن يستوعب ما يدور حوله ينظر صوب أرسلان الذي هبط عن مقعده يتحرك نحوه، والأخير يتابعه بترقب وكأنه ينتظر قدره. وحينما توقف أمامه تحدث بجدية: -أتراني أحمقًا يا المعتصم؟ اتسعت عيون المعتصم بقوة وهو يسارع لنفي حديثه بكلمات متلهفة: -العفو مولاي، من يقول هذا؟ -أفعالك يا المعت
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!