الفصل 9 | من 47 فصل

رواية اسد مشكي الفصل التاسع 9 - بقلم رحمه نبيل

المشاهدات
35
كلمة
13,043
وقت القراءة
66 د
التقدم في الرواية 19%
حجم الخط: 18

تحرك بين ظلمات الليل يلتفت يمينًا ويسارًا، حتى وصل للبوابة الخلفية للقلعة. ابتسم بخبث وهو يفتح البوابة للزائر الذي تقدم بهدوء شديد وبخطوات مهيبة يتشح بالسواد لولا التماع شعاره الذهبي أسفل ضوء المشاعل. "فقط أحرص على ألا ينتبه لك أحدهم، لقد أمنت لك طريقك حتى غرفته."

اتسعت بسمة أرسلان وهو يبرز سيفه. قد تكبد عناء السفر ليلًا من بلاده لسبز فقط كي يشفي صدره من ذلك الحقير. تعهد للجميع أن يتعامل بكل رقي كملك لمشكى، لكنه لم يذكر شيئًا عن تعامله كأرسلان. نظر أرسلان خلفه صوب المعتصم الذي كان يضم معطفه البني بجسده يقف جوار الأحصنة. يهتف بصوت خافت: "ربما يكون أفضل لو جئت معك." رفع أرسلان حاجبه بشكل لم يظهر واضحًا أمام عيون المعتصم بسبب الظلام. "وتشاركني متعتي؟؟ أبدًا...

ختم حديثه، ثم استدار صوب قائد جيوش سبز. يرفع لثامه أعلى وجهه: "هيا أصلان، قدني صوب مكب النفايات الذي يبيت فيه ذلك الخنزير." تحرك اصلان وخلفه أرسلان بخفة شديدة يتخذان من الليل ستارًا لهما. وقد ساعد أرسلان معرفة الرجل لكل طرقات المكان وتأمينه لدخوله. "لا أعلم سبب تكبدك كل ذلك العناء، كان يمكنك ضربه في مملكتك وما جئت هنا خصيصًا لتفعلها." تنهد أرسلان بصوت مرتفع:

"أنا اهتم بصورتي أمام الجميع، لا أحبذ أن أظهر أمامهم بشكل عنيف." والجميع هنا كان يقصد به "سلمى" بالطبع. أضاف وهو يسير بلا اهتمام في الممرات: "ثم إن فعلتها هناك لكنت وجدت الجميع يحيل بينه وبينه، وأنا لا أود أن يشاركني أحدهم جلستي الودودة مع عزيزي أنمار." ختم حديثه وهو يقف أمام غرفة ليشير له الرجل بهدوء مرددًا: "هذه هي، ولا تتأخر كي لا يشعر بنا أحدهم."

ابتسم له أرسلان بسمة صغيرة، ثم تحرك يدخل غرفة أنمار. يتحرك بين الظلام بعدما أغلق الباب خلفه، حتى وصل لفراش أنمار. يميل جوار رأسه وعيونه تبرق بغضب. الآن فقط يستطيع أن يخرج ما اعتمر صدره حين أبصره يمسك سلمى من خصرها، وحين سمع كلماته عن معاهدة السلام الحمقاء. مال يهمس في أذن أنمار: "مرحبًا أنمار، هل اشتقت للعم أرسلان؟ فتح أنمار عيونه بتعجب شديد حين سمع ذلك الصوت جواره. وقبل أن يستوعب ما يحدث وجد يد توضع على فمه.

والصوت يهمس به: "لا تقلق يدي بخفة عقلك... *** كانت تتحرك مع كهرمان بين طرقات المكان وهي تبتسم بلطف. تردد بصوت خافت بعض الشيء: "لا بأس، يمكنني صنع أجمل باقة زهور لأجلك إن أردتِ." "تستطيعين ذلك؟ اتسعت بسمة سلمى بفخر كبير وهي تحرك يديها في الهواء بمزاح: "عزيزتي، أنتِ تتحدثين الآن مع أفضل بائعة زهور في أمريكا الجنوبية بأكملها." نظرت لها كهرمان ترمش بعدم فهم. لتحرك سلمى يديها بعدم اهتمام:

"لا تهتمي، أستطيع بالطبع تنسيق واحدة لكِ، فقط أرشديني للمناسبة وسوف انتقي لكِ زهورًا تعبر عنها." ختمت حديثها تنظر صوب تبارك التي كانت هادئة بشكل كبير. لتتحدث بجدية وبسمة مقترحة بلطف عليها: "وأنتِ تبارك، ألا تريدين أن أصنع لكِ واحدة؟ نظرت لها تبارك بصدمة من عرضها. وقد خجلت أن تطلب منها الأمر ذاته. ابتسمت بسمة مترددة: "يمكنك؟ غمزت لها سلمى تهمس بخبث: "أصنع لكِ واحدة تهدينها لزوجك إن أردتِ."

ابتسمت تبارك بسمة واسعة تهز رأسها بسعادة كبيرة. وقد توقفت جميعًا أمام القاعة الخاصة بالاجتماعات حيث جئن لمقابلة أرسلان لأجل الحديث معه بأمر يهم سلمى -حسب قولها. نظرت كهرمان للباب والذي كان مفتوحًا أمامهن تقول بهدوء: "هيا سلمى، انتهي مما جئتي لأجله لنرحل من هنا ونترك الرجال للعمل." هزت سلمى رأسها تدفع الباب ببطء، ثم خطت للداخل وهي تردد بهدوء شديد: "لا تقلقي، فقط أخبر الـ...

وفجأة توقفت عن الحديث وهي تبصر حربًا مشتعلة أمامها جعلتها تفتح فمها وعيونها ببلاهة كبيرة لا تصدق ما تراه. بينما كهرمان قلبت عيونها بغيظ مكبوت وهي تهمس بصوت مغتاظ: "يا الله، ليس مجددًا... حدقت تبارك فيما يحدث بقلق وهي تحرك عيونها مع سالار الذي يقف الآن بين أرسلان وإيفان يحيل بينهما كعادته في قتال يكاد الاثنان يقتلان فيه بعضهما البعض. دفع سالار أرسلان للخلف يصرخ بغضب:

"والله إن لم تتوقفا ليكون قتالكما معي أنا، لقد سئمت من هذا." دفعه أرسلان جانبًا بغيظ: "فقط توقف أنت عن الزج بنفسك في نقاشاتنا وسنكون بخير، هل تراني قتلت الرجل؟ حين أفعل تحدث واصرخ." ختم حديثه يشير صوب إيفان الذي ابتسم بكل برود يستفز كل ذرة من ذرات دماء أرسلان الحارة: "نعم سالار، اخرج من بيننا ولا تخف، فأقصى ما يستطيع أرسلان فعله هو التهديد فقط." ابتسم له أرسلان وهو يميل عليه بجسده يهمس باستفزاز

وهو يرفع إصبعه في وجهه: "خسئت مليون مرة أيها الـ... من حسن حظك أنني الآن أحاول تهذيب لساني." رفع إيفان حاجبه بسخرية: "أوه، حقًا فعلت؟ دفع أرسلان سالار جانبًا وهو يردد ببسمة واسعة: "نعم حقًا فعلت، لكنني لم أهذب قبضتي بعد." ومن بعد تلك الكلمة كانت يد أرسلان تهبط على وجه إيفان الذي تلقى منه الضربة ليردها في الثانية ذاتها ويشتغل القتال مرة أخرى بينهما. وسالار يحاول حشر جسده بينهما وهو يصرخ بهما:

"يا الله، يا مغيث، هل جننتما؟ توقفا، توقف إيفان، ما بك أنت الآخر؟ تحدثا كالبالغين دون قتال." تنفست كهرمان بصوت مرتفع وهي تمسح وجهها تحاول أن تهدأ. وجوارها سلمى تراقب ما يحدث بأعين متسعة لا تصدق ما تراه. ملكين يتشاجران مع بعضهما البعض كالصغار. تشنجت ملامحها تهمس بعدم فهم: "هل هما جادان؟ نبست كهرمان بسخرية شديدة:

"أوه عزيزتي، عليكِ اعتياد هذا المشهد، فأخي الحبيب يعشق استفزاز زوجي العزيز، وزوجي العزيز لا يتحسن مزاجه إلا بإخراج شياطين أخي الحبيب، وهكذا ندور في دائرة قتال كلما تقابلا، ويضيع بينهما القائد سالار." تمتمت تبارك بشفقة وخوف على زوجها أن تناله قبضة بالخطأ بين الاثنين: "زوجي المسكين... تساءلت سلمى وهي تراقب ما يحدث: "هل يجب علينا التدخل؟ أجابتها كهرمان بجدية:

"حسنًا، في هذه اللحظات لا أفضل ذلك في الواقع، لكن حسنًا، نحتاج لذلك بالفعل." ختمت حديثها تتحرك صوبهم بهدوء تاركة مسافة مناسبة على بعد كبير منهما. تردد بصوت هادئ رقيق تلعب به على أوتار الاثنين، فإن كان هناك نقطة ضعف مشتركة بينهما فهي كهرمان: "أخي... إيفان." توقف الاثنان عن الشجار بسرعة كبيرة ليستدير أرسلان صوب كهرمان يرمقها بتساؤل وعدم فهم وكأنها قاطعت شيئًا هامًا. أما عن كهرمان فقط ابتسمت بسمة صغيرة تردد:

"السلام عليكم أخي، عسى أن يكون يومك جميلًا." وفي ثوانٍ تلاشت الحدة عن ملامح أرسلان ليتحول فجأة لشخص آخر لم تتعرف عليه سلمى لثوانٍ، شخص حنون بشوش يتحرك صوب كهرمان يردد بنبرة صوت لأول مرة تسمعها منه سلمى: "جوهرتي الحبيبة، أصبح يومي كذلك حين أبصرتك، هل كل شيء على ما يرام معك؟

كانت سلمى تتابع ذلك الجانب من أرسلان، تراه ينظر لشقيقته بحنان ولطف شديد ونظرات غريبة على تلك الأعين التي اعتادت النظر بتجبر وسخرية. ابتلعت ريقها وقد أدركت في هذه اللحظة أن نظرتها الأولى به لم تخيب: "واتضح أن تحليلي لك لم يكن محض تراهات جلالة الملك." ابتسمت كهرمان لأرسلان تجيبه بهدوء شديد: "نعتذر عن قطع حديثكم الآن، لكنني جئت لأخذ إذنك لأجل شيء هام."

عقد أرسلان حاجبيه يولي شقيقته كامل الاهتمام في حين أن سالار تنهد بصوت مرتفع يتحرك صوب تبارك يهمس لها بصوت منخفض: "مرحبًا مهجتي، دعينا نتحرك من هنا قبل أن تشتعل الحرب بينهما من جديد." نظرت له تبارك وقبل نطق كلمة واحدة امسك سالار يدها مبتسمًا بحنان: "دعينا نهتم بك وبأدويتك عزيزتي، إذ يبدو أن هراء هذين الاثنين أنساني ذلك، معذرة منكِ تبارك...

ابتسمت له تبارك ولم تتحدث بكلمة، بل فقط تخلت عن الجميع ولحقت به، فبحضرته تتلاشى جميع الأصوات ويختفي الجميع من حولهم. كل ذلك وارسلان ينظر للجميع بعدم فهم: "إذني لماذا كهرمان؟ نظرت كهرمان صوب سلمى ثوانٍ قبل أن تبتسم بسمة صغيرة وتردد باختصار ما تريد: "لقد أخبرت سلمى بالأطفال الذين نحتفظ بهم تحت سقف المنزل وهي اقترحت أن تساعدنا في علاجهم لتجاوز صدمتهم، إذ يبدو أن هذا مجال عملها." صمتت ثوانٍ ثم أكملت بجدية:

"هي تريدك أن ترشدها لما ستفعل وهي ستساعدهم ليتخطوا كل ما حدث، كما أنها أخبرتني أنها تتطوع لمساعدة أيًا كان من يريد مساعدتها، فهل تمد لها يد العون أخي؟ ارتفعت عيون أرسلان بتفاجئ صوب سلمى التي ابتسمت له بسمة صغيرة هادئة. بسمة لا تدرك تلك المرأة ما فعلت به، فقد شعر فجأة بالامتنان لها لما تبرعت به لأجل شعبه.

وسلمى تلك المسكينة شعرت بالصدمة وهي تبصر نظرة غريبة في أعين أرسلان. هل خبرتها في قراءة الأعين تضاءلت مع مرور الوقت أم أن أرسلان ينظر لها الآن نظرة امتنان وشكر. ابتسم أرسلان بسمة شاكرة يثبت لها الاحتمال الثاني: "نعم بالطبع، يمكنني ذلك، شكرًا لما ستفعلينه لأجل شعبي... آنستي." *** اتسعت أعين نزار بصدمة كبيرة يحاول أن يستوعب ما حدث منذ ثوانٍ. بلل شفتيه وهو يحدق بوجه توبة وقد توقف قلبه عن الدق للحظات بعد كلماتها.

"لقد أخبرني ذلك الرجل أنك أمير؟ أي أمير كان يقصد؟ نظر نزار أرضًا بأعين متسعة يخشى أن ينظر لها فتكشف لها صدمته ما يخفي. ليس الآن وليس أبدًا، هي دون شيء تحتقره، والآن إن علمت هويته سيزداد احتقارها فوق الاحتقار احتقارًا. "أنا لا أدري... "أنت لم يسبق وأخبرتني اسمك؟ ماذا تسمى؟ وهذا سؤال أسوأ فإن علمت اسمه ستدرك وبكل سهولة هويته وتربطها بحديث ذلك الغبي زهير. فكم أمير في الممالك يُسمى نزار؟

مسح وجهه وهو يهز رأسه وكأنه يحاول نفي فكرتها عنه، ينفي كل ما تفكر به، ينفي حقيقته التي بدأت تلتمع في عيونها الآن. "أنا لست أميرًا ولا أدرك ما أخبرك به ذلك الرجل أو سببه، ربما... ربما فقط كان يسخر أو ما شابه." نظرت له توبة بشك ولا يبدو له أنها اقتنعت بحجته السخيفة، لكن لا يمتلك غيرها ردًا، على الأقل في هذه اللحظة.

فرك أصابعه بهدوء ينهض عن مكانه بتردد وكأنه يرفض الخروج من هنا، مسكنه الدافئ والأمن بعيدًا عن الفتن في الخارج. وكأنه يلزم جانبها خوفًا أن تدركه الفتنة، وكأن الفتنة تخشاها فلا تقترب منه في وجودها. أم هي الفتنة في حد ذاتها؟ تحدث بصوت خافت لا يعلم أوصل لها أم لا: "سوف أخرج وأتركك ترتاحين." ابتسمت له توبة بسمة ساخرة تهمس بصوت وصل له وأثبت له أنها بالفعل سمعت كلماته، تنهض عن مكانها تتحرك صوبه تردد بصوت خافت: "تتهرب؟

أنت جبان لتهرب من مواجهاتك يا سيد... استدار لها نزار نصف استدارة يهمس بنبرة تسمعها لأول مرة منه: "لا أخاف المواجهة، بل أخشى توابعها، لنقل فقط أنني هكذا بخير وهذا أفضل لنا، يمكنك أن تسميني كما تريدين، ناديني بالاسم الذي تريدنه." وكاد يخرج لولا صوتها الذي خرج شبه متوسل دون شعور وكأنها بدأت تفقد الأمل في التحرر من قيدها: "ستنفذ وعدك لي؟ ستخرجني من هنا صحيح؟ أنت لم تنس كلماتك لي؟

استدار لها نزار ببطء وحدق في وجهها طويلًا، ثم ابتسم بسمة صغيرة يتحرك خارج المكان بعد إلقاء كلمات مقتضبة: "بروحي سمو الأميرة، سأخرجك من هنا ولو فوق جثتي." هز رأسه لها ينحني نصف انحناءة، يتحرك صوب الخارج تحت عيونها وهي تتابعه بأعين دامعة، قبل أن تحشر جسدها في زاوية المكان تنظر للفراغ أمامها، وقد شعرت بانقباض صدرها وشعور قاتل بالوحدة بعد تركه لها، واتضح في النهاية أنها ودون شعور كانت تأنس بوجوده.

أما عنه فقد خرج يتحرك في المكان دون هداية يشعر بالاختناق، ودون إرادته يعود بعقله صوب نقطة أبى أن يقترب منها منذ ما حدث، نقطة أبى أن يفكر بها كي لا يحترق صدره بمرارة الخسارة. جلس على أحد الصخور يدفن وجهه بين يديه: "زهور...

الحبيبة التي اختارها من بين كل النساء لتكون زوجته، الحنونة والرقيقة التي أحبها وقدرها، ورغم أن زواجهما لم يكن ناتجًا عن قصة حب ملحمية كوالده أو عمته على سبيل المثال، وقد كان زواجًا شبه تقليديًا، إذ كانت زهور ابنة أحد مستشاري والده الأوفياء الذين راحوا في أحد الحروب واوصاه عليها ليتزوجها هو ويتقرب منها ويسقط في حبها دون شعور منها. كانت برقة الزهور وجمال الحوريات، وهذه أيضًا فقدها."

ما يزال صدى صوتها يهتز داخل أذنه حين جاءت لزيارته ذلك اليوم. "فقط اخجل من نفسك وحررني فلا طاقة لي لعيش حياة مع رجل مثلك نزار، تحلى ببعض المروءة وحل وثاقي." كانت تهتف بكلمات كالسيف تحتمي بالقضبان التي تفصل بينهما، بينما هو يجلس في زاوية السجن المظلمة يضم قدميه لصدره شاردًا بعيونه دون أن ينظر لها نصف نظرة حتى. بكت زهور وقد شعرت بالاختناق وهي تراه على نفس وضعيته: "أنا...

أنا لم أعد أطيق البقاء يومًا واحدًا حاملة اسمك نزار، لذا دعني أذهب بعيدًا عنك، ولا تحملني خزي انتمائي لرجل مثلك." لم يتحدث نزار بكلمة واحدة، بينما هي مسحت دموعها تردد بقهر: "إن لم تقبل أن تطلقني بالحسنى، فسوف أطالبك بذلك أمام الجميع، سأطلب من الملك تطليقي منك." ولم تكد تتحرك حتى سمعت صوته الذي خرج مقهورًا مذبوحًا: "ألا يمكنك تحمل الاحتفاظ باسمي للمتبقي من حياتي زهور؟ لهذه الدرجة لا تطيقين اسمي؟

بعد كل ما فعلته لكِ طوال هذه الفترة؟ لقد منحتك روحي زهور." اختنق في نهاية جملته وكأن غصته اكتفت من كتمانها، ابتلع ريقه يقاوم البكاء بصعوبة. نظرت له زهور دقائق طويلة دون رد واخيرًا رمت بكلماتها الأخيرة: "سأنتظر أن تطلقني أو أسمعها منك في المحاكمة وأمام الجميع، وداعًا يا زوجي العزيز... انتفض جسد نزار من ذكرياته على يد وضعت على كتفه. نظر جواره بسرعة يبحث بعيون ضبابية عن صاحب اليد ليتفاجئ بالوليد الذي هتف دون فهم:

"ما بك يا أخي؟ تبدو شاحبًا." مسح نزار وجهه بهدوء يحاول التحدث بصوت طبيعي: "أنا... أنا بخير... هز الوليد رأسه، ثم أشار له يقول: "هيا لقد دعانا أنمار لاجتماع عاجل، وأنت معنا." نظر له نزار بشك ليجذبه الوليد معه. وداخل عقل نزار تدور الطواحين. هل قرر أنمار الثقة به بهذه السرعة؟ أم أنه أراد أن يقذف به بين لعبتهم القذرة؟ ***

كان من المفترض أن يحضرها للمكان ويتحرك بعيدًا عن أيادي فتنتها، لكن الأوان فاته واحكمت فتنتها القبض عليه دون منحه حتى رفاهية الهرب. يقف بعيدًا يراقبها وهي تجمع حولها الأطفال تلاطفهم ببعض الكلمات وتستغل قردها أسوأ استغلال لتكسب ود الصغار. ابتسم وهو يراقبها ترفع قردها أمامهم تردد ببهجة وحماس شديد: "يمكنه الرقص أيضًا، هيا انظروا."

وضعت موزي أرضًا وهي تراقبه بحماس مع الصغار الذين حركوا عيونهم عليه. لتلتوي ملامح موزي بحنق وكأنه لا يحبذ الجمهور العريض، يرفض أن يتحرك أمامهم حركة واحدة حتى. حتى أنه جلس أرضًا يضم قدميه لصدره معترضًا أن يلعب دور المهرج في هذه اللعبة. ارتفعت أعين الصغار لسلمى التي ابتسمت بحرج مما يحدث. وقد أخجلها هذا القرد أمام الجميع. جذبته من ثيابه بغضب ترفعه صوبها وهي تنظر له بضيق:

"ألم نتفق على مساعدتي في كسب ود الصغار موزي مقابل فاكهة تكفيك لضرب جميع من بالقصر وخاصة صاحب الشعر الأسود والنظرات المخيفة؟ نعم كانت تلك علامات مميزة يميزها موزي على أرسلان سريعًا، لكن إن كانت تنتظر أن يفهم حديثها ويخبرها سمعًا وطاعة فقد نست سلمى أنها تحدث قردًا لا يفقه مما تفعل شيئًا.

تنهدت سلمى وهي تجلس أرضًا تضم قدميها لجسدها، تشير للأطفال أن يلتفوا حولها في دائرة. وقد فعلوا سريعًا لتبتسم لهم تشير أن يضموا عليها أكثر وأكثر، حتى أضحت الدائرة أصغر. تبتسم بسعادة وقد اقتربت منها فتاة صغيرة تضع رأسها على قدم سلمى. لتردد الأخيرة بعد تنهيدة صغيرة: "ما رأيكم بلعب لعبة جميلة؟ نظر لها الجميع بحماس لتقترب سلمى بوجهها من الجميع تهمس بصوت شبه مسموع:

"كل واحد منا يذكر لنا أجمل ذكرى عاشها في حياته وأكثر شيء أحبه. وفي النهاية نكتب كل تلك الذكريات في ورق صغيرة ونسحب كل يوم ورقة بذكرى مختلفة ننفذها جميعًا لنعيد إحياء ذكرياتنا." ويبدو أن تلك الكلمات كانت أكبر من إدراك الصغار. لتحرك هي رأسها تتحرك من مكانها تحضر الأوراق والحبر الملون الذي أحضرتهم معها تعود صوب الدائرة تهتف بحماس: "حسنًا، امنحوني اهتمامًا يا سادة...

كانت مندمجة فيما تفعل بينما أرسلان يراقبها عن بعد يضم ذراعيه لصدره. وهناك بسمة واسعة ترتسم على فمه دون شعور، وضربات قلبه تتسارع وهو يراقبها تبتسم لهذا وتتحدث لذاك. نظراتها الملتمعة وصوتها المغرد، وخصلات شعرها التي تناثرت بعدما سقطت القلنسوة دون شعور... و...

عند هذه النقطة استوعب أرسلان فجأة سقوط غطاء رأسها. لينتفض جسده بعيدًا عن الشجرة يستدير بسرعة كبيرة وبوجه شاحب. يضع يده على صدره يغمض عيونه يركض من المكان مدركًا فداحة ما فعل. يا الله عليه الانتهاء من كل هذا. بمجرد أن خرج من المكان نادى بصوت صاخب للجنود حوله وقد بدأ يشمر أكمامه يبعد خصلاته عن عيونه مرددًا بوجه غير مفسر: "أحضروا لي المعتصم... سريعًا... *** "أنا لا أفهم فاطمة، ما الذي تريدين مني فعله؟ تحدثي ببطء رجاءً."

رفعت فاطمة عيونها له وهي تنظر حولها بتوتر. فقد وبختها والدتها بما فيه الكفاية مساء الأمس بعدما أخبرتها ما تفعل هنا. حذرتها ألا تتعامل مع الغرباء وخاصة الرجال منهم. لكن هذا... المعتصم صحيح؟ المعتصم لن يتسبب لها بمصائب. ابتلعت ريقها تفرك يديها وهي تردد بصوت منخفض خجل مما تطلبه منه: "أنا فقط أريد العودة للمنزل رجاءً، أمي... هي مريضة وتريدني أن أعود لها مبكرًا ورئيسة العمل ترفض ذهابي مبكرًا...

أنت أخبرتني أنك القائد هنا صحيح؟ نظر لها المعتصم يهز رأسه دون وعي لتبتسم له بلطف شديد: "إذن هل يمكنني الرحيل رجاءً، سأعوض هذا اليوم لاحقًا أقسم لك." أجابها المعتصم بعدم فهم لما يحدث حوله: "ماذا؟ لا... أقصد فاطمة، أنا لست... هذا ليس تخصصي هنا ولا أعلم إن كان يمكنني ذلك أو... "هل تكذب أيها المعتصم؟ اتسعت أعين المعتصم بقوة من كلمتها التي نطقت بها دون اهتمام بمكانته حتى في المكان. نظر حوله يتأكد أن لا أحد سمعها. "ماذا؟!

يا فتاة هذا ليس جيدًا البتة، ما تقولينه هذا غير مقبول." التوى ثغر فاطمة بغضب وقد اعتقدت للحظة أنه استغل جهلها وخدعها كما تحذرها والدتها طوال الوقت من الغرباء أنهم يستغلون سذاجتها. "هل تحاول استغلال سذاجتي أيها المعتصم؟ فتح المعتصم فمه بصدمة كبيرة يحاول أن يدرك ما تقول. الفتاة تحدثه بكل بساطة و... صمتت أفكاره حين أبصر دموعها تهبط على وجنتيها ليفزع مما يحدث. ما الذي فعله الآن؟ "فاطمة ما الذي... ما الذي حدث لتبكي؟

توقفي رجاءً، سوف اتحدث مع رئيسة العاملات هنا، أقسم أنني سأخبرها بحاجتك للرحيل مبكرًا، اذهبي الآن إن أردتي ولا تهتمي." همست فاطمة بصوت منخفض وهي تخبره بنبرة مذبوحة: "أمي مريضة للغاية أخشى أن تتركني وترحل، لقد... لقد كنت أسمع صوت سعالها طوال الليل وصوت تأوهات متوجعة."

انقبض صدر المعتصم وهو يبصر البؤس يسطر خطوطه على ملامحها. تنهد بصوت مرتفع يفكر في شأن هذه الفتاة. أفكارها وكلماتها وردود أفعالها، ليست طبيعية. يشعر أنها تعاني صعوبة في التعامل بشكل طبيعي مع المحيطين بها، فعداه والسيدة ألطاف وبعض القطط، لم يبصرها تقترب من شخص في محيطها أو تحاول حتى التحدث مع أحدهم. وهذا يزعجه ويخيفه ولا يدري السبب، أو حتى يهتم له. كل ما يهتم به هو أن هذه الفتاة تحتاجه وهو يحتاج للشعور بها آمنة كي يستطيع النوم ليلًا دون شعور خانق.

"لا تخافي فاطمة سوف... سوف تكون بخير إن شاء الله، إن أردتي أستطيع إحضار طبيب لها إلى المنزل ويعالجها." رفعت فاطمة عيونها الملتمعة بالدموع له، تنظر له أكثر نظرات العالم صفاءً ورقة: "حقًا ما تتحدث به؟ ستفعل لأجلي؟ وكان سؤالًا وجملة عادية من فاطمة، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة له إذ ردد بصوت منخفض خافت أبى أن يخرج منه وهو يبعد عيونه عنها يشغل عقله بشيء آخر حوله عداها: "نعم سأفعل...

واختنقت كلمة "لأجلك" داخل حلقه، لم يستطع أن يخرجها لشعور قاتل بأنه الآن يخطئ وبشدة. لا يستطيع أن يقف هكذا بكل بساطة مع فتاة لا رابط بينهما بأي شكل ويتحدث بكل أريحية. هذه الفتاة ودون قصد منها أو حتى شعور بالأمر تجبره على تخطي حدود وضعها منذ سنوات لنفسه. سخر منه عقله في هذه اللحظة وكأنه يخبره: الآن تتذكر حدودك؟ وأين كانت تلك الحدود وأنت تعدها راكعًا أمامها البارحة أن تكون حارسها؟ منافق.

ابتلع ريقه، وقد ارتجف بدنه لما يدور داخل عقله وتجهله فاطمة. رفع عيونه لها يردد بصوت منخفض: "سوف أفعل لا تقلقي سأتحدث مع طبيب القصر ليذهب بنفسه ويتفقد والدتك و... صمت وتردد فيما يريد قوله: "هل يمكنني قول شيء دون أن تحزني فاطمة؟ ها نحن ذا بدأنا. تخشى حتى أن تحزنها. الأمر يتطور بشكل مرعب. ربما السبب أنني يومًا لم أقترب بهذا القدر من امرأة. ربما لشعوري الكبير بالمسؤولية تجاهها؟ هزت فاطمة رأسها تنتظر حديثه:

"نعم بالطبع، تفضل." "حينما تحتاجين مساعدتي في شيء ما، لا تأتيني إلى ساحة الرجال فهذا ممنوع، و... لا... لا يمكنك... نسي ما كان سيقوله وهو يرى نظراتها البريئة أمامه. يا الله الفتاة تكاد تصيبه بالجنون. لا يستطيع أن يخبرها ما يفكر به، لا يستطيع أن يأمرها ألا تتباسط معه أو سواه في الحديث. تنهد بصوت مرتفع يهمس بصوت شبه مسموع لها:

"أنسي الأمر رجاءً، فقط عامليني بشكل رسمي حين رغبتك في طلب أي مساعدة، لا تتباسطي معي في الحديث بهذا الشكل ولا تتحدثي بهذه الـرقيقة... لكن لن يفعل وينطقها. "بهذه الطريقة مع شخص غريب، وأخيرًا لا تبتسمي هذه اللطيفة لكل من تريه، ضعي حدود بينك وبين الجميع." وجاءه الرد قاتلًا منها وهي تهمس بكل تلقائية منها: "لكنك لست كالجميع... أعطاها المعتصم ظهره وهو يمسح وجهه بقوة شديدة وقد بدأت تمتمات الاستغفار تعلو بشكل ملحوظ.

"استغفرك ربي وأتوب إليك، استغفرك ربي وأتوب إليك... أشار لها دون الاستدارة صوبها: "ارحلي رجاءً فاطمة، ارحلي وأنا سأخبر رئيسة العمل بما تريدينه، فقط رجاءً ارحلي عن هنا." ابتسمت له فاطمة تردد بكل امتنان: "شكرًا لك يا المعتصم، أنت ذو مروءة ورجل صالح."

ختمت حديثها ترحل تاركة المعتصم يحاول تجميع شتاته الذي تبعثر وتفرق بعدما أصابته ضربة من كلماتها. أخذ يتحرك في المكان بملامح واجمة وكأن أحدهم وجه له سهمًا منذ قليل وليس مجرد كلمات شكر وامتنان من فتاة. كان يتمتم بالاستغفار وكلمات عصبية وبصوت مرتفع: "رحمتك يا الله، ما الذي يحدث في هذا المكان؟ "معتصم ما الذي تفعله هنا؟ الملك كان يبحث عنك منذ دقائق بشكل محموم و...

وقبل إكمال كلماته وجد زيان أن المعتصم تحرك صوبه يجذبه من ثيابه بشكل خطر وكأنه للتو سبه أو طعنه. "ماذا أخبرتك أنا زيان؟ أدعى المعتصم وليس معتصم، هذا معتصم شخص آخر وليس أنا، حسنًا؟ هز زيان رأسه بعدم فهم: "أنت يا رجل مريض نفسي... تركه المعتصم وهو يحرك يده في الهواء بضيق: "وهل من يعيش معكم في هذا القصر يبقى بعقله ها!! "ما بكم يا رجال منذ الصباح تصيحون وتصرخ كالمجانين، هل هذه عدوى واصابت جميع الرجال هنا؟ فجأة نفض المعتصم

عنه يصرخ بنبرة متشككة: "ابتعد عني لا ينقصني أن أصاب بجنونكم... "جنوننا؟ من تقصد؟ رتب زيان ثيابه، ثم عدل خصلاته يردد بنبرة عادية: "الملك منذ الصباح يتحرك في القصر ويصرخ في الجميع مع ملامح وجه غير مفسرة... صمت ينظر صوب المعتصم ثم أكمل: "تمامًا مثلك." اتسعت عيون المعتصم وهو يترك زيان ويهرول سريعًا صوب أرسلان يبحث عنه مرتعبًا أن يكون انشغاله تسبب في حدوث كارثة أو هناك ما فاته.

شعور قوي بالذنب أن يكون هناك ما أصاب أرسلان وهو لم يكن جواره، كان يهرول في الممرات وهو لا يرى حوله حتى وصل واخيرًا صوب القاعة ليفتح الباب بسرعة كبيرة مرددًا: "مولاي... رفع أرسلان عيونه صوب المعتصم بتعجب من حالته، يشير له بهدوء عكس ما وصف زيان: "اقترب يا المعتصم، أين كنت منذ الصباح؟ تحرك المعتصم صوبه وهو يبتلع ريقه: "كنت في الساحة الخلفية أطمئن عن سير الأمور، و... هناك دفعة جديدة من الرجال انضموا لنا مولاي، و...

مولاي هل كل شيء على ما يرام؟ نظر له أرسلان ثوانٍ قبل أن يهمس بصوت خافت: "لا أدري، فقط أشعر بكل شيء يتحرك من حولي دون قدرة مني على إيقافه أو التحكم به، أنا فقط... صمت ثم أشار على خطاب يقبع أمامه يردد بصوت غامض: "وصلني خطاب من سبز للتو." اتسعت أعين المعتصم يقترب وبسرعة من مقعد أرسلان يجلس جواره بهدوء شديد ينتظر أن يصرح أرسلان بما يدور في عقله.

"يبدو أن سبز في طريقها للانهيار، ستلحق بمشكى، لكن هذه المرة على يد أهلها، أنمار بدأ يقود البلاد للحضيض وأشك في نشوب حرب داخلية وشيكة بينه هو وأتباعه وبين جيش سبز والملك بارق، لقد أرسل لي قائد الجيش يطلب مساندة مني في حربه ضد أنمار ورجاله ذاكرًا أن هناك العديد من الرجال الذين لا يعلم عنهم شيئًا بدأوا يظهرون على الساحة، أنمار يخطط لشيء لن يسر أحد." اتسعت أعين المعتصم ينتظر أن يكمل أرسلان الحديث وقد كان،

إذ لمعت عيونه بشراسة: "بلاد الملك بارق لن تسقط بهذه الطريقة، ليس وأنا حي على الأقل." "ما الذي يمكننا فعله مولاي؟ هل نرسل جيوشًا لهم؟ ابتسم أرسلان بسمة غير مفسرة وهو يعود بظهره للخلف: "لا يمكننا وحسب القوانين أن نتدخل في سياسات الممالك الداخلية يا المعتصم، لكن... هذا في العلن فقط، لم يذكر أحدهم شيئًا عن فعلها في الخفاء يا بني، فهمتني؟ بدأ المعتصم يدرك ما يفكر به أرسلان، لكنه أراد أن يتأكد من كل

شيء ليطلب بهدوء واحترام: "هل تفسر لي أكثر مولاي؟ هز له أرسلان رأسه ثم أمره بهدوء: "فقط أرسل للجميع كي أخبركم مرة واحدة ما أفكر به، احضرهم فرأيهم سيفيدني أكثر وأكثر... *** انتهت مما تفعل وتحركت لتقف أمام المرآة تراقب خصلات شعرها والتي مشطتها للتو، تتنهد بصوت مرتفع وهي تبحث يمينًا ويسارًا عن موزي، فمنذ تركت الصغار وعادت لتأخذ قسطًا من الراحة وهي لا تجده في المكان.

"فقط أتمنى ألا يكون الآن يدمر في غرفة الملك كي لا تكون نهايتي ونهايته." أمسكت معطف أرسلان كي ترتديه بكل تلقائية، لكن فجأة توقف يدها تتأمل في المعطف ثوانٍ، رفعت عيونها تتحرك صوب الخزانة التي تمتلكها تفتح لتجد عدد من معاكفه الشخصية التي أعطاها لها أو... حسنًا ألقاها في وجهها مكرهًا، ابتسمت بسمة واسعة وهي تردد بنبرة خافتة ساخرة مما يحدث معها: "أوليس هذا أكثر شيء رومانسي؟

صمتت ثم ضحكت بسخرية أكبر وهي ترتدي المعطف تردد بلغتها الأم وبلهجة برتغالية ممتازة: "رومانسي وأرسلان لا يلتقيان، سأموت قبل أن أرى هذا الرجل يتصرف برومانسية."

وضعت القلنسوة أعلى رأسها تتحرك في ممرات القصر ترحب بهذا وذاك، وكالعادة لا هذا يرفع عيونه بها، ولا ذاك يهتم بمرورها من الأساس. وإن سألتموها عن رأيها، ستخبركم أنها تحب هذا، أن تشعر بالراحة في الحركة دون نظرات جانبية أو صريحة من بعض الوقحين، هي حياة مثالية تتمناها جميع النساء. وصلت أخيرًا للمكان حيث ستقضي المتبقي من يومها كما نصحتها كهرمان إن أرادت المعرفة أكثر عن عالمهم وكل ما يخصه. "هذه إذن مكتبة مشكى، تبدو لي...

مبهرة." دخلت المكتبة وهي تدور بعيونها في المكان بحماس شديد وعيون ملتمعة، ولم تنتبه أنها في هذه اللحظة لم تكن وحيدة في المكتبة. إذ سمعت صوتًا فجأة يصدح بالمكان بشكل جعلها تنتفض: "مرحبًا، أنتِ المرأة التي أحضرها الملك من العالم الآخر؟ نظرت سلمى صوب الصوت الصادر من أحد أركان المكتبة لتبصر امرأة جميلة الملامح مبتسمة الوجه تراقبها بفضول شديد. هزت سلمى رأسها بنعم وهي ترحب بها بلطف شديد: "نعم، مرحبًا بكِ أيضًا...

اقتربت منها الفتاة ببسمة واسعة وفضول يلتمع في حدقتيها: "تبدين جميلة للغاية، لا عجب أن الملك أرادك لنفسه، فهو لطالما كان محاطًا بالفاتنات ولم أظن يومًا أن يختار زوجة أقل فتنة منهن." رفعت سلمى حاجبه تردد بسخرية: "محاط بالفاتنات؟ بل العجب عزيزتي أن هؤلاء الفاتنات لم يهربن منه."

ختمت حديثها وهي تبتعد عن تلك الفتاة المريبة التي تتحدث بكلمات غريبة كونه أول حديث لها معها، بينما الأخيرة فقط تراقب ظهر سلمى بصمت ونظرات مريبة، ثم تحركت بعيدًا صوب باب المكتبة وهي تقول: "اعذريني، سوف أرحل لأكمل عملي، جولة ممتعة في المكتبة."

ختمت حديثها تخرج من المكان وهي تغلق الباب خلفها بهدوء شديد لم تشعر به سلمى التي اتسعت عيونها بانبهار مما ترى، ولم تدرك حتى أنها في هذه اللحظة أصبحت مسجونة داخل مكتبة مشكى التي تقع في أقاصي القصر حيث لا يطأ أحد هذا الجزء سوى القليل. *** "ما الذي تقصدونه؟ تريدون صنع سم للأسلحة؟

ابتسم أنمار بملامح محطمة منذ ليلة الأمس وقد توعد للفاعل، يراقب ملامح نزار بدقة وكأنه يود النفاذ داخله ليكتشف ما يفكر به هذا الرجل وإن كان عليه الثقة به أم لا. بينما نزار ما يزال يردد بصدمة مما سمع: "سهام مسممة وسيوف مسممة؟ أي عقل شيطاني خرج بهذا؟ ابتسم أنمار يهتف بسخرية: "رجاءً، لا تخجلني." نهض نزار ينظر حوله للجميع، ثم قال بهدوء: "هذه جريمة بكل المقاييس، وأنا لا أستخدم علمي في أذية الغير أبدًا."

أطلق أنمار صوتًا ساخرًا وهو يراقب حركات جسد نزار، ثم نظر صوب الوليد والذي يبدو أنه لم يكن راضيًا عما يحدث في المكان. "هل أخطأت وأحضرت لنا شيخًا يا الوليد أم أن رفيقك تناسى ما فعل؟ هل نسيت ما فعلت يا نزار؟ أنت ساهمت في قتل مئات بل آلاف البشر فقط لأجل أطماعك الشخصية عزيزي...

وكأن نزار بالفعل نسي ما فعل أو حاول تناسيه، ابتلع ريقه وقد بدأ عقله يدور في دوائر مفرغة، لا يقبل أن يعود لتلك النقطة مجددًا هو سبق وخرج بصعوبة من بئر المعاصي هذا، ولن يعود له. "إذن ما ردك؟ نظر له نزار لحظات طويلة دون رد من طرفه حتى كاد أنمار يفقد الأمل في أن يتحدث، ففتح فمه هو ليضيف: "وجودك بيننا ل... لكن كلمات نزار قاطعته سريعًا وهو يتحدث بجدية: "ما الذي سأناله في المقابل؟

ابتسم له أنمار بسمة جعلت ملامح نزار تنكمش بضيق شديد، ينفر من نظراته السوداء وتعابير الشر التي تسكن وجهه: "وما الذي تريده وترغبه أنت؟ رمقه نزار لوقت طويل يفكر في أشياء كثيرة ومطالب أكثر مما قد يتوقع أنمار على رأسهم حريته وحرية زوجته ونسيانها بالكامل. لكنه تمهل في إعلان مطالبه يردد بجدية: "دعني أفكر ومن ثم آتيك بما أريد، وحتى ذلك الحين لا أريد أن أبصر أحدكم."

ختم حديثه يرحل من المكان تحت نظرات الجميع من حديثه مع أنمار ومعهم بهذه الطريقة ليس وكأنه يملكهم. أما عن أنمار فابتسم بسمة واسعة بسخرية شديدة: "يبدو أن سمو الأمير غفل عن أن تاج الملك سقط عن رأسه منذ أشهر وأن عباءة الملك قد ضاقت عليه، ما يزال يأمر وينهي وكأنه في قصره، لكن لا بأس سنكمل الطريق معه ونرى نهاية ذلك الطريق... سمو الأمير نزار." ***

"أنا لا أريد المغامرة بهذا الشكل أرسلان، فقط دعنا نتريث ونفكر في الأمر بشكل صحيح." حرك أرسلان عيونه صوب صوت العقل الوحيد في هذه الجلسة، يقلب عيونه بملل شديد، ثم أخرج زفرة مرتفعة من صدره ومن بعدها تحدث بكل هدوء وبملامح تخبرك أنه على وشك التحدث بشيء هام: "إيفان، أنت أكثر إنسان متعقل ومتريث وممل بهذه الحياة، أنصحك بخوض حرب لربما تعيد الشغف والحماس بحياتك، إن أردت أنا متفرغ هذه الأيام." رفع إيفان حاجبه يردد بسخرية:

"أشكرك، فأنا عندما أريد إدخال الحماس على حياتي بالطبع لن أستعين بك." ابتسم له أرسلان وفتح فمه ليتحدث لولا صوت سالار الذي تدارك ما كان على وشك الحدوث: "دعونا نتنفس ونفكر بهدوء قبل صدور أي قرار أو نشوب أي شجار... نظر صوب إيفان يهتف بجدية: "أنا أوافق أرسلان القرار." ابتسم أرسلان يعود بظهره للخلف وهناك لمحة تشفي ارتسمت على وجهه، ليكمل سالار وبكل هدوء:

"لكن بالطبع ليس الخطة، خطته تحتاج بعض اللمسات والتعديلات لتتلائم مع البشر العاديين وليس الوحوش أمثاله." أطلق أرسلان صرخة حانقة، ثم ضرب الطاولة: "خسئت أنت وأشباهك الأربعين سالار، أتعيب بي وبخططي؟ خسئت مليون مرة." نظر له سالار يهز كتفه بهدوء: "لنتحدث بجدية عزيزي، مثل هذه الخطط لا تلائم إلا المتحولين أمثالك، نحتاج لخطة تتلائم مع البشر العاديين." ابتسم أرسلان وقد بدأ يهدأ يردد بجدية ومزاح:

"لا أعتقد أن ما يلائمني يلائم غيري من عامة الشعب والبشر العاديين أمثالك، فمنذ متى وكان لي شبيه سالار؟ تمام سالار بضيق: "هذا من حسن حظنا، وليرحمنا الله من سلالتك ومن يخلفك." "لقد سمعتك... "وهل تظنني خائفًا لذلك؟ اسمع ما تشاء لا يهمني." تنفس أزار بصوت مرتفع وقد صمت بما فيه الكفاية: "ألن ننتهي من هذا؟ دعونا ننتهي رجاءً مما يحدث هنا لنتناول الغداء فأنا قد فاتني الفطور." تحدث أرسلان بجدية وقد سئم كل ذلك:

"حسنًا يا سيد سالار جوبان، أنبئني بما تفكر به وأبهرني." ابتسم له سالار وهو يشمر أكمامه ثم نهض يسحب الخارطة يفتحها أمام الجميع وهو يميل عليها مرددًا بصوت شبه مسموع: "هذا أسهل ما يمكنني فعله عزيزي، أن أبهر الجميع هو شيء اعتدت فعله طوال عمري... ابتسم له أرسلان بسخرية وهو يخلع معطفه يكتفي بثيابه العادية يميل على الطاولة يسحب طرف الخارطة له: "وتقولون عني متكبر؟ نظر له سالار بخبث قبل أن يهمس وهو يضع يده

على نقطة انتبه لها الجميع: "إذن ما رأيك بــــ... نظر أرسلان حيث يشير سالار، ومن ثم ابتسم بسمة صغيرة يهمس بنبرة غامضة بعض الشيء: "يمكنني الاعتراف وبشكل مبدئي مؤقت، أنك يا رجل رائع... *** "هل وجدتيها؟ "لا، لا أعلم أين هي." صمتت كهرمان وهي تفكر في شيء قبل أن تتحدث بما يدور في ذهنها: "هل تعتقدين أنها ذهبت لأخي؟

هزت تبارك كتفها بعدم فهم، ثم تحركت تجلس على الفراش الخاص بها تتنهد بتعب وقد نسيت أخذ الدواء الخاص بها منذ جاءت تقريبًا وقد انشغلت بالتعرف على محيطها. ولولا سالار ما كانت أخذته البتة. "لا تقلقي، لا أعتقد أنها تفعل شيئًا يستدعي كل هذا القلق، لربما ذهبت تسير مع قردها بعض الوقت أو ما شابه." فركت كهرمان وجهها ثم تحدثت بتوتر: "لا أعلم، ما يقلقني هو عدم وجودها بأي مكان قد تكون به و...

أخشى أن تكون قد سقطت في مشكلة ولا أحد معها يساعدها خاصة أنها أخبرتني أنها ستأتي للجلوس معنا قبل موعد الغداء." بدأ القلق يتسرب لصدر تبارك: "إذن ماذا نفعل؟ "لا أدري، نذهب للبحث عنها، لربما عادت لغرفتها أو غيره، فقط تحركي معي لنرى أين هي... وعلى بعد كبير منهما كانت الأخيرة تقف خلف الباب تطرقه بعنف صارخة تحاول الخروج، لكن لا شيء. لا أحد يسمعها، ولا أحد يجيب. "أخرجوني من هنا، هل هناك من يسمعني؟

بدأ صبرها ينفذ، منذ عشر دقائق وهي تستغيث ولا من مجيب. زفرت بصوت مرتفع: "جيد، نهاية مأساوية لحياة مملة كحياتي." انهار جسدها أرضًا تستند على الباب وهي تتنفس بصوت مرتفع تحاول تهدئة نفسها ببعض الكلمات التي ربما تخفف من وطأة ما حدث عليها حتى يفتقدها أحدهم ويبحث عنها، أو ربما يأتي أحدهم للمكتبة صدفة رغم شكها في هذا فالمكان هنا يبدو أن لا أحد يطأ له في العادة. "يبدو أن سكان هذا القصر لا يحبون القراءة."

دفنت وجهها بين قدميها وهي تفكر في طريقة للخروج والنجاة لتسقط دون شعور في نيمة عميقة، مع أحلام غريبة. *** "يبدو هذا جيدًا لي، أنا أوافق على ما قيل." كانت هذه كلمات آزار فابتسم إيفان يوافقه الرأي ويؤيده: "نفس الرأي هنا، أنا أوافق هذه الخطة." ابتسم سالار لأرسلان الذي لم يمرر ما يفعلونه دون وضع لمساته الشخصية. وحينما انتهى الجميع نظر لهم أرسلان يردد أخيرًا براحة مؤقتة حتى ينتهي من كل ذلك:

"إذن هل نتحرك لتناول الطعام قبل أن ينفجر الملك آزار في الجميع؟ ابتسم سالار: "كل شيء لأجل الملك آزار، كلنا طوع أوامره هنا... ابتسم له آزار وقد غمر الدفء صدره من كلمات سالار. والذي كلما شعر أنه سيغوص في أفكار سوداء بخصوص ولده أو ذكريات سيئة وجد سالار يلقي له بطوق نجاة كي يتمسك به ويخرج من بحار الذكريات هذه. "لا حرمني الله من يا بني."

راقبهم أرسلان ببسمة يدعو لهما بالسعادة رغم وجود جزء صغير داخل صدره به غصة. هو يومًا لم يجرب كل تلك المشاعر. والده لم يكن من ذلك النوع الذي يحب الاحتضان أو التربيت بحنان. هو كان من النوع الذي يبتسم فقط حينما يراك تحمل سيفًا بشكل صحيح، أو تقتل قذرًا بطريقة صحيحة. وهو لا يقنط ولا يبتأس. هو يحمد الله على ما وصل له بسبب تنشئة والده له، ويحمد الله على أن نشأ في كنف والدته ومعه صغيرته. رغم أن المسؤوليات التي تركها له والده لم تعطيه الفرصة كي يتمتع بكل ذلك، لكنه رغم ذلك لا يسعه سوى أن ينبث بالحمد ويرضى بكل ما كتبه الله له.

أفاق من أفكاره على صوت إيفان الذي قال بهدوء: "إذن بما أننا انتهينا من كل هذا فسوف نرحل." انكمشت ملامح أرسلان بقوة وقد شعر بالضيق من هذه الفكرة: "ماذا؟ مبكرًا هكذا؟ "أي مبكرًا هذه أرسلان، نحن هنا منذ أيام تاركين المملكة في يد دانيار والذي أكاد أجزم أنه يقضي نصف يومه ملتصقًا بشقيقتي أينما سارت." ختم حديثه بنبرة حانقة غاضبة وكأن ذلك الأمر يثير سخطه. ابتسم له أرسلان يردد بنبرة ساخرة: "مزعج ها؟ نظر له إيفان بتساؤل

ليحرك له أرسلان حاجبه: "ذلك الشعور مزعج للغاية، أن يأتي شخص مثلك ويتبجح ويختطف منك أميرتك ويحتفظ بها جواره طوال الوقت حارمًا إياك من رؤيتها فقط بحجة أنه زوجها، فما بالك لو كان هذا الزوج بعيدًا عن عيونك كما أنت أيها السارق." ختم حديثه يلقي كلمته في وجه إيفان بضيق وغضب. ومازالت نفسه لم تتقبل بعد أن إيفان سلبه شقيقته. لا يزال يتذكر انقباضة صدره واختناقه يوم زفها له. يا الله عسى ألا يحيا ذلك الشعور مجددًا.

"أنت محظوظ بما يكفي لأن الله كفاك شر شقيق مهووس بشقيقته، هذا حقًا مقيت." ابتسم أرسلان وهو يرفع عيونه في وجه إيفان يردد بجدية وهو يميل عليه: "وهل ظننت أنني سأكون بحكمتك في التعامل مع شقيق زوجتي إن كان لها شقيق مثلي أو مثلك؟ حين تصبح امرأتي على اسمي حينها لا حق لأي إنسان على هذه الأرض فيها سواي، ستكون ملكية حصرية لي." رمقه إيفان يردد بصوت خافت متحديًا: "يبدو هذا خيارًا جيدًا لي أيضًا، يمكنني فعل هذا مع زوجتي الحبيبة."

"حسنًا، من سوء حظك أنني شقيقها، لذا ما ستفعله لن ينطبق عليّ." كاد إيفان ينجرف معه في نقاش حاد، لولا ارتفاع صوت سالار الذي نطق بجملة محذرة وكأنه يتعامل مع أطفال: "هل أنتما على وشك التشاجر الآن؟ ابتسم إيفان يبتعد عن أرسلان يردد بود وهو يربت على كتف أرسلان: "نتشاجر؟ نحن؟ أبدًا، صحيح آرس؟

هز أرسلان رأسه بموافقة فهو لا قبل له في هذه اللحظة بسماع خطبة طويلة من سالار ومناقشته وعناده. ربما بوقت لاحق يفعل، لكن الآن رأسه يؤلمه لذا اختصر كل ذلك يربت على كتف إيفان بالمثل: "صحيح يا إيڤان." رفع ستلتر حاجبه بسخرية ثم همس: "ما نطقتما به منذ ثوانٍ أكبر دليل أنكما كنتما على وشك التشاجر، ممثلان فاشلان." في تلك اللحظة وقبل أن ينطق أحدهما بكلمة يبرر بها ما يحدث سمع الجميع صوت أحد الحراس يدخل المكان

بهدوء شديد وهو يردد: "اعتذر عن المقاطعة، ولكن الملكة كهرمان تطلب الدخول رفقة زوجة القائد." اعتدل سالار في جلسته حين سمع عن مجيء زوجته يراقب الباب بهدوء ولهفة شديدة، بينما أرسلان أعطاه الإذن لدخولهم. وبمجرد أن ولجت كهرمان هزت رأسها بتحية صامتة تحدث الجميع من وراء غطاء الوجه الخاص بها: "اعتذر للمقاطعة، لكن الأمر هام، نحن نبحث عن سلمى منذ ساعات وحتى الآن لم نبصر لها أثر."

انتفض جسد أرسلان بقوة لدرجة أن مقعده سقط بقوة خلفه يردد بعدم فهم وهو يتحرك صوب شقيقته: "منذ ساعات؟ هل بحثتي في الحديقة الـ... قاطعته كهرمان بلهفة وخوف شديد: "بحثنا في كل مكان أخي ولا أثر لها." همس أرسلان بصدمة وصوت خرج منه مبهوتًا وكأن يتحدث من بئر سحيق. وكم ألمهت تلك الفكرة: "هل... هل رحلت؟ سقطت دموع كهرمان على ملامح أخيها الشاحبة وشعرت بالضيق لأجله: "لا...

لا أدري، لكن لا أعتقد ذلك فهي لم تأخذ قردها لقد وجدته في منطقة الصغار يلعب معهم، ربما... ربما خرجت وضلت طريقها أو... ربما خرجت و... صمتت لا تعلم ما يمكن قوله في هذه اللحظة. بينما تبارك نطقت بأول شيء خطر في عقلها وقد شعرت بالخوف في هذه اللحظة: "ذلك الرجل في السوق، ربما آذاها بسبب ما قالته في المرة الأخيرة، ذلك الرجل كان يحدق في وجهها بشكل مريب."

استدار أرسلان بقوة صوب تبارك وبوجه مرعب يهتف بنبرة جعلت تبارك تبحث عن سالار وتتحرك له. أرسلان بملامحه الجامدة كان يخيفها منذ أول مرة أبصرته مصابًا في كوخ سالار، فما بالكم الآن وهو بكامل صحته وفي فورة غضبه. وسالار حين أبصر نظرات أرسلان المخيفة تلك تحرك يشكل حاجزًا بينه وبين زوجته يرجعه للخلف محذرًا إياه بعيونه: "أرسلان ما بك، لا تنظر لها بهذه الطريقة."

رفع أرسلان عيونه صوب سالار يهتف بملامح منقبضة وفكرة أن أحدهم آذاها في الخارج وهو هنا لا يعلم شيئًا تصيبه بالجنون. الفتاة أمانته وهو الآن لا يدري عنها شيئًا. صاح بصوت شبه مرتفع يراعي وجود نساء معهم يحاول التماسك: "سالار أنا لست أحمقًا لأمس زوجتك بسوء، فقط دعها تخبرني ما تقصد، من هذا الرجل الذي تتحدث عنه قبل أن ينفجر غضبي في الجميع وأولهم أنت."

رمقه إيفان بشك وقد شعر في هذه اللحظة أن ما يحدث قد تخطى حدود الوصية التي أخبرهم عنها. الرجل يكاد يفقد صوابه لأجل اختفاء المرأة عن عيونه لساعات، ويخبرهم أنها وصية يحفظها.

نظر صوب كهرمان يردد بصوت هادئ كي ينهي كل ذلك إذ يبدو أن سالار في حالة لا تسمح له للتصرف بعقله عندما يتعلق الأمر بسلامة زوجته، فهو الآن يقف أمام أرسلان بعناد يخفي خلفه زوجته رافضًا أن تتحرك أو تتحدث كلمة خوفًا أن يزداد رعبها وتسوء حالتها بسبب مرضها الذي لا يعلم الكثيرين عنه. "كهرمان أخبرينا أنتِ إن كنتِ تعلمين عما تتحدث به سمو الأميرة."

أمسكت تبارك بثوب سالار من الخلف ليشتد غضب سالار وهو يمسك كفها يضمه بقوة أكبر وكأنه يعدها بصمت أنه هنا لأجلها. ابتلعت كهرمان رأسها تقول بصوت هادئ حاولت صبغه بالجدية وهي ترى نظرات أخيها التي تحركت صوبها: "هي... المرة الأخيرة التي خرجنا بها للسوق سمعنا أحد الرجال يتحدث بشكل سيء عن أخي و...

صمتت حين رأت نظرات أرسلان المصدومة من حديثها واكملت دون توقف ما حدث تخبرهم بالضبط ما صدر من بعض الأشخاص وما فعلته وقالت له سلمى، وحديث سلمى في طريق العودة أن هناك بعض الرجال نظراتهم لم تكن طبيعية بينهم. "لكن أخي لا أعتقد أن هناك أحد قد يمسها بسوء و... لكن أرسلان لم يتوقف لسماع أي تبرير منها وهو يهتف بصوت مرتفع: "يا المعتـــــــــــــــــــــصم."

انتفض المعتصم من مقعده بعدما كان يلتزم الصمت طوال الاجتماع حتى يستلزم الأمر تدخله، تحرك خلف أرسلان بسرعة مهرولًا: "مولاي." "خذ بعض الرجال وتحرك في المدينة، الجزء الشمالي، وأنا سأبحث في الأسواق." نظر له سالار ثوانٍ قبل أن يتنهد بصوت مرتفع يتحرك خلفه: "انتظرني سآتي لمساعدتك في البحث عنها." نظر صوب تبارك يربت على رأسها بهدوء هامسًا لها بصوت حنون:

"لا تخافي مهجتي ما كان لأرسلان مهما بلغت ثورته أن يمسك بسوء، هو لم يقصد إخافتك." وتبارك كانت تعلم ذلك، لكن خوفها منه كان دون إرادتها، هي فقط تراجعت حين أبصرت غضبه. تحرك سالار بعدما أوصاها بنفسها وكذلك فعل إيفان الذي خرج خلف الجميع. يتحدث لسالار بصوت جاد وهو يراقب خطوات أرسلان الواسعة صوب خيله يبتسم بسخرية مما يحدث: "أين أبصرت هذا المشهد من قبل يا ترى؟ علم سالار إلاما يلمح فردها له بسرعة قبل حتى

أن يستوعب أنه تلقى الضربة: "يوم سمعنا خبر اختطاف الأميرة كهرمان... ابتسم إيفان بسمة واسعة مغتاظة يتحرك بخطوات شبه متحركة: "أنت حقًا... مستفز سالار." "من بعض ما لديكم مولاي." ختم سالار يصعد على ظهر حصانه بقوة، ومن ثم نغزه لينطلق بسرعة خلف حصان أرسلان الذي اندفع كالقذيفة من مدفع. ومعهم إيفان... ومن ورائهم المعتصم مع بعض الرجال ليسلك طريقًا مختلفًا عنهم يبحث عنها في جزء آخر لربما جرفتها أقدامها للسير في الطرقات. ***

تجلس في غرفتها الآمنة وهي تحشر جسدها في الزاوية تحاول أن تهدأ من أفكارها التي تدور. وكلما مرت بها ذكرى مع ذلك الرجل اشتد غضبها حتى وصلت لنقطة ولدها الصغير، القشة التي قسمت ظهر البعير. عند هذه النقطة انهارت كل قوى توبة التي سقطت رأسها أرضًا تنوح وتبكي وتصرخ، تتأوه وتنادي ولدها، ولدها الصغير المسكين والذي كان كل ذنبه أنها لم تحسن اختيار والده.

بكت وبكت حتى شعرت أن عيونها تكاد تنفجر من شدة البكاء، جرحها ما يزال حيًا ولن يميته سوى موت من تسبب به. "آه يا صغيري، عسى أن يرحمك الله ويلحقني بك يا عزيزي، عسى أن يلحقني الله بك على خير ويخرجني من هذه القرية الظالم أهلها." كانت تهمس تلك الكلمات من بين شهقاتها التي توقفت فجأة حين سمعت صوتًا جوارها يردد بجدية ونبرة تدركها جيدًا أكثر من أي شيء في الحياة. كيف لا وهي كانت تنام عليها وتستيقظ بها.

"مرحبًا بأم محمد، ما أسعد قلبي برؤيتك بخير حال وما تزالين حية." اضطربت نبضات قلب توبة التي اهتز جسدها بقوة لسماع صوته بهذا القرب. القرب الذي منّ الله عليها أن حرمها منه. ارتجف جسدها بقوة وهي ما تزال ساقطة أرضًا دافنة وجهها أسفلها. تقاوم وتقاوم نفسها، لكن وكأن شيطانًا تلبسها إذ انتفض جسدها فجأة وبقوة دون أن تشعر حتى بما تفعله. وقبل أن يتوقع أنمار ردة فعله، كانت تنقض هي عليه تمزق وجهه بأظافرها وهي تصرخ في وجهه وتوجه له

الضربات في كل مكان تطاله: "أيها الوسخ، أيها الحقير، عسى أن تحترق بنيران جهنم يا وسخ، لا أراك الله خيرًا في حياتك ولا سعادة، لا شهدت يومًا سعيدًا ولا رغدًا، عسى أن تخلد في النار مع أمثالك من الكفار يا حقير."

كانت تضربه وأنمار أسفلها يحاول دفعها، لكن قوى الغضب التي تلبست جسد توبة في هذه اللحظة كانت تعادل قوى خمسة رجال أشداء. تضرب وتصيب كل ما تقع يدها أو قدمها عليه، حتى كادت في إحدى الضربات تفقأ عيونه، لولا شعورها بيد تجذبها بقوة بعيدًا عنه وصوت يصرخ خلفها أن تتوقف. تنفست بصوت مرتفع وهي تتململ بين يديّ الفتاة التي كانت تحاول تهدئتها: "توقفي أيتها الغبية إن قتلتيه ستموتين خلفه، توقفي عن غبائك هذا."

استدارت توبة بقوة ترفع يدها وتصفع الفتاة دون حتى أن تعلم من هي. كان المارد الذي تلبسها في قمة جنونه وغضبه. وهي تتراجع للخلف تصرخ بهم جميعًا: "ارحلوا، اخرجوا من هنا، لا تلوثوا عيوني برؤيتكم." رفعت الفتاة والتي لم تكن سوى نفسها الراقصة التي كان زوجها يغازلها تلك الليلة: "حسنًا، اهدئي سنخرج، فقط توقفي عن الصراخ بهذه الطريقة كي لا يشعر بكِ أحدهم وحينها لن يعجبك ما سيحدث لكِ."

كانت توبة تراقبها بأعين حمراء وصدرها يعلو وينخفض في اضطراب محسوس قبل أن تشير للخارج صارخة بكل ما تبقى لها من طاقة: "للخارج... للخارج... اخرجوا من هنا." نهض أنمار ببطء وهو يتحرك صوبها وقد لمعت عيونه بشر مرعب. لو أبصرته توبة لأرتجفت. يتحرك صوبها وهو يخرج سكينًا يبتسم بسمة مريبة: "أيتها الـ***** اقسم أنني سأشوه ملامحك هذه حتى لا تتعرفي عليها إن أبصرتيها صدفة." وقبل أن يصل لها أمسكت الراقصة يده بسرعة تجذبه بعيدًا

عنها وهي تصرخ: "لا لا... لا تفعل أنمار، لا تنس سبب إحضارك لها هنا، إن تسببت لها بشيء فسوف تخسر بطاقتك الرابحة، توقف والجم شياطينك... نظر لها أنمار برفض وقبل أن يتحدث بكلمة جذبته الفتاة بسرعة للخارج وهي تمنعه حتى النظر لها تتحدث معه بكلمات لم تصل لتوبة التي كانت ما تزال تقف مكانها لا تسمع ولا تبصر شيء حولها. ظلت واقفة دقائق طويلة لا تسمع ولا ترى شيء. وآخر ما أبصرته قبل انهيارها الثاني كان وجه نزار الذي صُدم

من هيئتها يهتف بقلق وخوف: "سمو الأميرة؟ هل أنتِ... بخير؟ وقبل أن يتبع سؤاله بسؤال ثانٍ كانت توبة تنفجر في بكاء حار وهي تسقط أرضًا بقوة كادت تصيبها بكدمات لا تُشفى بسهولة لولا يد نزار الذي تلقفها بسرعة بين ذراعيه ودون شعور يهتف بلوعة ورعب عليها وعلى حالتها التي لم يبصرها قبلًا: "يا ويلي توبـــة...

انهارت توبة بين ذراعيه انهيارًا لم يشهده نزار سابقًا وقد تيبس جسده لا يستطيع التحرك، ولا يعلم ما يجب فعله، فقط يراقبها بأعين شاخصة يرفض لمسها واستغلال لحظات ضعفها. أغمض عيونه وهي تتمسك بسترته تبكي وتصرخ بكلمات اخترقت وأحرقت صدره. وهو فقط يتنفس بصوت مسموع مغمض الأعين يهمس لها بكلمات لم تصل لها بسبب أصوات بكائها. "لا بأس سمو الأميرة، كل شيء سيكون بخير، سأقتص لكِ أقسم، كل شيء سيكون بخير... توبة." ***

البرد بدأ ينخر عظامها وقد كان حجم المكتبة الواسعة لا يساعد البتة على إيجاد مكان لتدفئ نفسها. ابتلعت ريقها وهي تتحرك في المكان وقد يأست أن يسمع أحدهم ندائها. تحرك عيونها هنا وهناك تبحث لها عن مخرج، ولم تجد سوى النافذة العملاقة التي تتوسط الجدار الجانبي لتكون مخرجًا لها من المكان.

ابتلعت ريقها تتنفس بصوت مرتفع تذكر نفسها بكل أساليب الحماية التي اكتسبتها من عملها. حسنًا، هذه ليست المرة الأولى التي تُسجن بها، بل هذه وإن صدق تعبيرها أهونها. على الأقل ليست مسجونة مع مختل في مكانٍ قذرٍ نائي كرهينة، أو حتى سُجنت في زنزانة باردة رطبة مع مجنون يساومهم على حياتها. بالتفكير في حياتها السابقة تدرك الآن أنها تحيا في هذا القصر أكثر فترات حياتها رغدًا.

توقفت أمام النافذة تفكر في طريقة تخرج بها من المكان. حسنًا، المسافة لم تكن كبيرة لهذه الدرجة، ربما يمكنها فعلها حقًا والخروج من هنا. جلست على النافذة من الداخل تنظر حولها في البداية للمرة الألف ربما وجدت من يساعدها دون الحاجة لتقديم عروض سيرك، لكن مجددًا لا أحد.

تنفست بصوت مرتفع تخرج بجسدها كله من النافذة تجلس عليها وهي تدرس الوضع حولها في البداية. وبمجرد أن رفعت يدها عن زجاج النافذة لتتحرك على النتوء الموجود في جدار القصر سمعت صوت النافذة تنغلق بقوة وكأنها تغلق أمامها جميع الأبواب إن فكرت في العودة. لكن الأدهى أنها انغلقت على قدمها لتطلق صرخة وهي تسحبها بصعوبة تتأوه بصوت شبه مرتفع. كبتت دموعها بصعوبة تضم يدها لصدرها.

"حسنًا، كانت هذه فكرة سيئة، أسوأ حتى من استفزاز وغد يعاني من اختلال في عقله. بدأت حياتك تخرج عن نطاق سيطرتك سول، الأمور من سيء لأسوأ عزيزتي." نظرت للاسفل تبحث عن طريقة للخروج لتجد جزء نتوء من الجدار يمكنها الاستناد عليه للنزول، لكن مع فستانها كان الأمر صعبًا بعض الشيء. تنفست بصوت مرتفع وهي تغمض عيونها بقوة تحاول أن تتمالك نفسها:

"يا الله، فقط لينتهي كل هذا على خير، فقط لينتهي كل هذا على خير وأقسم ألا أقترب من المكاتب والكتب مجددًا، لطالما كنت أرى المكاتب أماكن مخيفة ما كان عليّ المجيء لها." تنفست بصوت مرتفع وهي تنظر للأسفل مرات ومرات قبل أن يشتد إمساك أصابعها للجدار خلفها وتجلس على النتوء وهي تحاول أن تهدأ وقد قررت العودة مجددًا لكن وجع قدمها حال دون ذلك: "فقط لنهدأ ونأخذ نفسًا عميقًا و... "يا ويلي هنـــــــــاك امرأة تحاول الانتحار هنا."

فتحت سلمى عيونها بسرعة وهي تنظر حولها تبحث عن تلك المجنونة التي تحاول الانتحار. فبينما هي هنا تكافح لأجل الحياة هناك من يحاول إنهاء خاصته. بدأت صرخة الفتاة في الأسفل تعلو والجميع يتجمع في المكان. وهي تبحث بعيونها عمن يحاول الانتحار ل

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...