لم تدرك كهرمان ما تبصره في هذه اللحظة. فاطمة هي المرأة الأخيرة التي قد تتخيل أن تجدها في هذا الوضع بعدما قصت لهم تبارك ما حدث. راقبت وجه فاطمة الشاحب كالأموات بين يديّ زمرد التي شددت على ضم الصغيرة برعب. تناظرها بأعين متسعة مصدومة مما ترى. وقد لاحظت كهرمان سابقًا تأثر زمرد بفاطمة وكأنها تبصر داخل فاطمة نفسها الهشة التي لم تسمح لها بالخروج بسبب حياتها.
لم تدرك كهرمان ما يحدث. فجأة وجدت جسد فاطمة بين أحضانها بعدما ألقتها لها زمرد. اندفعت بشكل مرعب صوب إلياس تجذب جسده وتضربه في الجدار خلفه بجنون. أسقطته أرضًا، ومن ثم أنكبت عليه بالضربات المتلاحقة وهي تصرخ بكلمات وسبات لا تتذكر أنها أخرجتها منذ تركت قومها. "أيها الوسخ الحقير! ما الذي فعلته بها أيها الوسخ؟ ما الذي فعلته بها؟!
ختمت كلماتها وهي تضرب معدته بقدمها بقوة. استقامت تنظر للحكيم الذي كان يحدق فيما يحدث بأعين متسعة مرتعبة مما يحدث. صرخت في وجه الرجل وقد ظنت أنه شريكٌ له في هذه الجريمة في حق الصغيرة فاطمة: "وأنت... تراجع الحكيم للخلف بسرعة مرتعبًا يرفع يديه في الهواء ينفي عنه تلك
التهمة التي تحط من قيمته: "أقسم بالله أنني لا أعلم ما يحدث. لا أدرك ما فعل. لقد اختفى لأيام في مشكى لزيارة عائلته قائلًا أنه ذاهب ليحضر ابنة عمه ويتزوجها وعاد بها بهذا المظهر الشاحب وطلبني لمساعدتها." تأوه اليأس بصوت مرتفع وهو يحاول التحدث: "هي زوجـ" لكن ضربة زمرد في منتصف معدته حالت دون إكمال باقي جملته. كتم الأخير صرخة كادت تخرج منه وقد تناثرت دماؤه في المكان. "اصمت ولا تسمعني صوتك أيها الحثالة. لم أنتهِ منك بعد."
نظرت صوب الحكيم مجددًا وهي تتساءل بأعين مشتعلة بالشر: "إذن هو زوجها؟! "هذا ما قاله هو. نعم." تأوه اليأس بصوت منخفض وقد سقطت دمعة منه وهو يناظر فاطمة ساكنة بشكل فطر قلبه. يهمس باسمها بلوعة وهو يمد يده لها: "فاطمة صغيرتي... نظرت له كهرمان بشر تسحب فاطمة بعيدًا بمساعدة تبارك التي لم تكن تفهم ما يحدث في المكان. لكن يبدو أن الجميع هنا يعرف فاطمة عداها هي. ساعدت كهرمان لأخذ فاطمة صوب فراشها داخل الغرفة والاطمئنان عليها.
ربتت كهرمان على رأسها بحنان تقبله بلطف: "لا تخافي عزيزتي. كل شيء سيكون بخير." نظرت لها تبارك تحاول فهم ما يحدث: "تعرفونها؟! هزت لها كهرمان رأسها: "نعم. هذه فاطمة. تعرفنا عليها في مشكى. هي صديقة سلمى وزوجة قائد جيوش مشكى حسب ما أعلم." اتسعت عيون تبارك بصدمة وقد شعرت بعدم الفهم يطفو في الأجواء. أشارت للخارج باستنكار وقد بدا أن عقلها قد توقف عن العمل بشكل طبيعي في خضم ما يحدث حولها: "قائد جيوش مشكى؟
هو ليس ذلك الرجل الذي ضربته زمرد في الخارج، صحيح؟! "تبارك حبيبتي. هذا ليس زوجها. هذا الرجل اختطفها من زوجها. ما بكِ؟! أومأت تبارك بنعم وكأنها تذكرت الآن كيف بدأ كل ذلك من الأساس. تنظر صوب كهرمان، ومن ثم لفاطمة وهي تحاول معرفة الخطوة القادمة: "الآن ماذا؟! ارتفعت فجأة صرخات مريعة للرجل في الخارج وكأنه يتعذب. وبالفعل كان كذلك. شهقت
كهرمان وهي تركض للخارج: "الآن سنحاول إخراج الرجل من تحت يد زمرد، ومن ثم نرى ما نفعل لاحقًا معه حينما يعود إيفان والجميع." "هو بخير؟ "لا أعلم في الحقيقة سمو الأميرة، لكن إصاباته بليغة. لقد يبدو أنه تعرض لتعذيب أو ما شابه. لنأمل أن تندمل الجروح الخاصة به وألا يزداد وضعه سوءًا." ختم الطبيب حديثه وهو يتحرك خارج الغرفة ليتابع عمله مع مصابي الحريق. تاركًا توبة تقف على باب الغرفة تحدق بجسد نزار الساكن بشكل خانق على الفراش.
سقطت دموعها بوجع وقد شعرت في هذه اللحظة بالندم الشديد. الندم بدأ يأكل داخلها مخلفًا وجعًا لا يحتمل بها. "كل هذا بسببي. كل هذا بسببي نزار. أنا آسفة. أنا آسفة لو لم أساعدك لتهرب صوب ذلك الجحيم مجددًا. لو أنني أجبرتك على الهرب لمكان آخر." انهارت أرضًا جوار باب غرفتها وهي تطلق شهقات مرتفعة. بدأت غصات بكائها تعلو حتى شعرت بأن روحها على وشك الخروج مع شهقاتها.
تراقب وقد آمنت في هذه اللحظة بأن ما تحمله لنزار تخطى مجرد مشاعر امتنان وانبهار برجل رأت منه الخير أكثر مما أبصرت فيه شر. هي أحبته. أحبت نزار كما لم تحب أحدًا قبله. "لا تفعل بي هذا نزار. يكفيني فقدانًا لتنضم لهم. يكفيني وجعًا. انهض وكن بخير لأجلي أتوسل إليك."
أغمضت عيونها بوجع تدفن رأسها بين قدميها. أخذ عقلها يعيد عليها لحظاتها معه وبسماته وكلماته، مطالبته لها بالانتظار لتنفذ له وعدها بطلب لا يرد، وداعه الأخير وكأنه يعلم أنه لن يعود. وعند هذه الفكرة انفطر قلب توبة وهي تشهق بصوت مرتفع. بدأت أصوات بكائها تعلو أكثر وأكثر في المكان: "أرجوك... أرجوك نزار... أنا أرجوك ألا تفعل بي هذا." أما عن نزار فقد كان في عالم آخر يحيا مرارة أخرى.
"أنا مستعد للتضحية أكثر لأجلك نزار. فأنت أخي." نظر نزار بضيق صوب الوليد. رفع كفه يضرب جانب رأس الوليد بغضب: "هل جننت يا الوليد؟ تفعل كل ما هو سيء لأجلي. يا رجل اقطع علاقتك بي إن كانت تدفعك لمثل هذه الطرق القذرة، أو لماذا لا تساعدني بشرف على الأقل؟ لماذا تلجأ دائمًا لمثل هذه الأساليب القذرة؟
التوى فم الوليد وهو يبعد عيونه عن نزار، ينظر للنافذة يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي. يدرك أنه محق. هو لا يفعل شيئًا صحيحًا في حياته هذه سوى مساعدته، وحتى هذا يفعله بالطريقة الخطأ. لكن ماذا يفعل وهو اعتاد أن يتخذ السوء منهجًا في حياته؟ أو بشكل أدق، غزرت أقدامه في السوء حتى أصبح من الصعب العودة للصواب.
اقترب منه نزار يربت على ظهره بهدوء وحنان. فرغم كل ما صدر سابقًا ويصدر الآن، إلا أنه لا ينكر بأي شكل من الأشكال أن الوليد، ومن بعد فضل الله عليه، كان أحد أسباب نجاته حتى هذه اللحظة. كان يسير خلفه طوال الوقت وكأنه حارس شخصي له. يرفض أن يدعه يقابل بافل وحده. يرفض رفضًا قاطعًا زجه في أي هجمة من هجمات المنبوذين قديمًا. وهذا ما علمه لاحقًا.
الوليد لم يخبره بخطة بافل في احتلال مشكى سابقًا، خوفًا من أن يزج نزار نفسه في الأمر ويطاله أذى. رفض أن يقحمه في الأمر هذا فيتأذى أو يكره ذاته لاحقًا. "يا الوليد، أنت بمقام أخي ويعز عليّ أن أتركك للضلال والكفر. عد يا أخي لصوابك وتذكر والدتك التي تعبت لتنشأك نشأة سليمة فحدت عن الطريق الصحيح." استدار الوليد ينظر له بحزن وخزي: "وهل تعتقد أن يتقبل الله توبتي بعد كل هذا؟
"استغفر ربك يا الوليد. الله يعفو عن السيئات ويتقبل التوبة عن عباده. فقط تب قبل فوات الأوان." صمت ثم نظر للرسالة التي تقبع على فراشه وقد حان وقت التحرك ليوصلها إلى ملك سبز. تنهد بصوت مرتفع: "سوف أخرج لاستنشق بعض الهواء و... "أنت ذاهب لتحذرهم فلا تكذب نزار. أنا أعلم أنك تساعدهم في الخفاء." توقف قلب نزار مما سمع وقد شعر أن المكان يدور من حوله. هل يعقل أن الوليد اكتشف خدعته؟ لكن فجأة تنفس الصعداء حينما
سمع صوت الوليد يهتف بجدية: "أعلم أنك تسعى لنيل غفران جراء ما فعلت سابقًا. وأنا لا ألومك في البحث عن حياتك القديمة. على الأقل هذا يشعرني بشعور أفضل حينما أراك تحيا كما كنت قبل أن أدمر حياتك ظنًا أنني أصلحها بغبائي." ابتله نزار ريقه وهو ينظر للوليد. ليبتسم الأخير له بحزن: "فقط...
لا تنساني يا أخي. فأنا لا أمتلك غيرك في هذه الحياة. ربما إن عشت أهرب لأعيش شريدًا في أحد الصحاري أو غيرها حينما ينتهي هذا. ربما أزهد عن الحياة وأعتكف بعيدًا عن الجميع و... لكن لا تتركني وحيدًا. فقط اسأل عني كل فترة ولو كانت عقودًا." تحرك نزار بسرعة صوب الوليد يجذبه لعناقه بقوة وهو يربت عليه بحزن لنبرته التي زادته قهرًا عليه. وقد كان شيطان الوليد أقوى منه: "سوف تعود معي... سوف آخذك معي...
سأطلب غفرانًا لك وتعود معي. لن أتخلى عنك يا أخي. لا تقلق." سقطت دموع الوليد. كانت تلك مرة من المرات النادرة التي أبصر بها نزار دموع الوليد. لينفجر الأخير في بكاء حار: "صدقني لن أرفض ولو قبلتني أبًا سجينًا لها، لكن لا تدعني وحدي. فأنا أخشى الوحدة يا أخي. خذني معك نزار."
ضمه نزار بقوة وهو يربت عليه ليس وكأنه هو الكبير، بينما الوليد يضمه بخوف شديد، وكأنه يمنحه عناق الوداع الأخير. ولم يدرك أحدهما أنه كان كذلك بالفعل. كان وداعًا لا يدري أحدهما عنه شيء. رحل الوليد وهو يدافع عن نزار للمرة الأخيرة. عاش حياته يدافع عنه ومات لأجله. كان أخاه أمام عيونه طوال الوقت. كان معه طوال الوقت يحيطه بحمايته ويحارب شعوبًا وقبائل لأجله، وهو فقط لا يدري عنه شيئًا.
انتفض جسد نزار وهو يشهق بصوت مرتفع. ازدادت دموعه بقوة، وصوته يهتف بكلمات غير مفهومة جعلت جسد توبة ينتفض من مكانه وهي تتحرك له تهتف بلوعة: "نزار... نزار أنت بخير؟! لكن كل ما صدر من نزار هو شهقات متتالية واسم لم ينفك يردده بلا هوادة. كررت توبة الاسم بعدم فهم لما يحدث: "الوليد؟؟؟ كان الجميع يقف مراقبًا لما يحدث أمامهم. كان ذلك المشهد أشد وطئًا عليهم من الحرائق التي خمدت منذ ثوانٍ وكادت تلتهم المنازل.
الملك منهار أرضًا يضم بين أحضانه زوجته. باكيًا متوسلًا لها أن تنهض. أما عن أرسلان، في هذه اللحظة لم يهتم بشيء أو بأحد. لأول مرة يكون أنانيًا ويهتم بحياته فقط. حياته هو فقط. حياته التي تقبع بين يديه تنازع الحياة لتحتفظ بأنفاس إضافية. سقطت دموعه وهو يضمها هامسًا
ببكاء ورعب: "بالله عليكِ لا تفعلي. أقسم بالله الذي لم أقسم به يومًا كذبًا، أنني لأجلك على استعداد لمحاربة نفسي. سأكون مثلما تريدين. سأتخلى عن كل ما يغضبك بي فقط... كوني معي. لا تتركي يدي وقد وجدت أخيرًا من يمسكها سلمى... سقطت دموعه وهو يضمها لاحضانه أكثر. والمعتصم يراقبه بتأثر قبل أن يقترب بسرعة منه يحاول إخراجه من صدمته تلك ويدفعه للتحرك من المكان لعلاجها: "مولاي... "لا تفعلي سلمى. أرجوكِ لا تفعلي...
مال المعتصم يجلس خلف أرسلان بعيدًا عن جسد زوجته الذي كان يضمه لصدره بقوة وكأنه يبتغي دسها بين أضلعه: "مولاي أرجوك لنرحل صوب القصر." وارسلان ما يزال يضمها ينتظر منها بادرة تطمئن قلبه أنها لم تتخلى عنه لأجل كونه شخصًا سيئًا. "لست سيئًا سلمى، فلا تتركيني كما الجميع. والله لن أكون سيئًا. سأتخلى عن كل ما يغضبك بي." "مولاي أرجوك نحتاج لمعالجة الملكة. دعنا نعود للقصر لنعالجها. ساعدها أرجوك."
توقف أرسلان عن الحديث وهو يرفع عيونه صوب المعتصم ينظر لوجهه نظرة ضبابية وكأنه لا يبصره بشكل جيد. ومن ثم عاد للنظر إلى سلمى، يجذبها لصدره أكثر وكأن ذلك ممكنًا. ثم همس بصوت منخفض: "معطفي... أحضر لي معطفي يا المعتصم. لقد... لا أعلم أين ألقيت به. ابحث لي عنه رجاءً." أدرك المعتصم ما يبتغيه أرسلان وهو ينأى بعيونه عن سلمى. ينتزع معطفه الخاص ولم يكد يمده لأرسلان الذي نظر لعيونه نظرة رافضة: "معطفي يا المعتصم...
ابتلع المعتصم ريقه وهو يتحرك بعيدًا عن أرسلان يبحث عن معطفه. بينما الأخير يضم له جسد زوجته يخفيه عن الأعين. يشعر بالحقارة لرفضه معطف المعتصم في هذا الوقت، لكنه يقبل أن يكون حقيرًا على أن ترتدي زوجته ثيابًا تحمل رائحة رجل آخر. دقائق مرت حتى عاد له المعتصم ينفض معطفه ومن ثم قدمه له. ليلف به أرسلان سلمى. ومن ثم نهض يتحرك بها بين الجميع برأس مرفوع ليس وكأنه هو من كان يبكي منذ ثوانٍ أمام الجميع على زوجته.
وصل بها صوب حصانه. يستدير ببطء صوب المعتصم. ومن ثم نظر للعاصمة أمامه بهدوء ورثاء يهتف بنبرة ميتة: "لا بأس. لا بأس. نعيد إعمارها مجددًا ومجددًا. لكِ يوم تنهضين به مشكى، نهضة لا يتعبها سقوط بأمر الله. اجمع جميع من تضرر يا المعتصم واحضرهم للقصر سنتكفل بهم ريثما نعيد البلاد لوضعها." صمت ومن ثم تحدث بصوت منخفض وصل للمعتصم وكأنه الجحيم. صوته كان كأجراس إنذار تنبئ بقرب النهاية،
أو ربما النهاية نفسها: "حذرتهم سابقًا أنني أتهاون بأي شيء عدا زوجتي وبلادي. انتهِ من لملمة كل ذلك يا المعتصم وأعلن حالة استنفار في البلاد. آن أوان أخذ ثأر كل قطرة دماء أُريقت في بلادي، وكل حجر سقط في مشكى... "الرحمة أرجوك الرحمة." كلمات لو كانت نطقت من فم آخر وعلى مسامع آخر ربما... ربما كانت أتت بثمارها المرجوة، وربما كان المتحدث نال الرحمة التي يرجوها.
لكن ليس عندما يكون المتحدث أحد المتسببين في خراب بلاده، وليس المستمع هو آزار الذي ارتسمت بسمة مرعبة على فمه وهو يخرج خنجرًا من ثوبه يطلقه في ثوانٍ ليصيب ذراع الرجل لتعلو صراخته في المكان. ابتسم بسمة صغيرة يتحدث بهدوء: "رحمة؟ هذه كلمة قطعت كل صفحة ذُكرت بها في قاموسي. رحمتك هذه تنالها عندما تنتقل للرفيق الأعلى فهو أرحم على عباده مني. أما أنا فمجرد قذر متجبر لا يغفر لمن يتخطى حدود وضعها لنفسه." مال أمام الرجل
بهدوء يهمس له بنبرة مخيفة: "والآن ما رأيك لو تتحدث بما يخطط له سيدك؟ لربما يتسبب هذا في تفكيري بتخفيف طريقة موتك." رفع الرجل عيونه لآزار يحاول أن يفتح فمه مجددًا لتوسله لكن آزار منعه بهدوء: "ولا تضع وقتي بالتوسل لشيء لن تناله فأقصى ما أقدمه لك ميتة رحيمة." سقطت دموع الرجل وهو ينظر له برعب: "لقد... هو فعل الشيء ذاته مع نفس الممالك ليضلل على دخول جيوشه للبلاد. لقد...
هو يخطط لاستغلال ما يحدث ويتحرك للممالك في اليومين القادمين وسيبدأ بسفيد. وأقسم أنني لا أعرف أكثر مما أبلغتك به الآن. هذا أقصى ما وصلت له." "وأنا لا أحنث وعدي يا بني."
ختم آزار كلماته في اللحظة التي اخترق بها الخنجر معدة الرجل ليسقط أرضًا تحت أقدام آزار. يراقبه الأخير بملامح جامدة، قبل أن يتحرك وينظر للدمار الذي أصاب البلاد. وعلى حسب قول الجثة التي تقبع خلفه فهو لا يمتلك فرصة النهوض بالبلاد، ولا فرصة للتفكير في إعمارها. ربما يفكر في ذلك حينما ينتهي منهم جميعًا. حينها وحينها فقط يمكنه أن يعمرها على رفاتهم. "أرسل رسالة لجميع الممالك واطلب اجتماعًا عاجلًا يا بني. دقت طبول الحرب...
"لا أظن أنه من الحكمة ترك البلاد في هذا الوقت إيفان." كانت تلك كلمات سالار وهو يتحرك في ممرات القصر خلف إيفان الذي كان يتعامل بشكل شرس مرعب منذ أن أبصر ما حدث في البلاد منذ ساعات قليلة. وإيفان فقط ابتسم بسمة غريبة عليه: "انتهى وقت الحكمة عزيزي سالار. حان وقت اليد. سنترك كل من تميم ودانيار في البلاد ونتحرك لسبز. حان وقت وضع نهايتهم."
ختم حديثه ينظر صوب تميم ودانيار ليهز كلٌ رأسه بالطاعة. بينما سالار احترم كلمات إيفان ولم يتناقش أكثر معه في قراراته. فهو يثق في عقليته الإدارية، كما يترك له إيفان كل ما يتعلق بالتخطيط للحروب وغيرها من الغزوات. كان الجميع في طريقهم لقاعة الاجتماعات قبل أن يقطع طريقهم أحد الجنود الذي تحرك صوبهم بسرعة بمجرد أن أبصرهم يتحدث بجدية: "مولاي حمدًا لله على سلامتكم. كنت أنتظر عودتكم لأخبرك بما يحدث."
نظر له إيفان بريبة: "ما يحدث؟ وما الذي يحدث هنا؟! هل أصاب أحد النساء سوء أو تضرر أحدهم؟! نفى الجندي برأسه ومن ثم رفع عيونه صوب دانيار الذي ارتاب من نظراته يهمس بقلق لنفسه: "نظر لي. إذن الأمر متعلق بمصيبتي التي اخترتها لنفسي. سترك ورضاك يا الله." "إنها سمو الأميرة مولاي... ضرب دانيار قدمه بقوة يهتف دون شعور: "والله كنت أعلم. بالطبع سمو الأميرة. من غيرها يا ترى؟ أمي رحمة الله عليها؟! رماه إيفان بشر وهو يعيد
نظراته للجندي يتحدث بجنون: "تحدث يا رجل. ما بها أختي؟ هل سأسحب الحديث منك؟! توتر الجندي مبتلعًا ريقه بصعوبة يشير جهة المشفى: "يفضل أن ترى بنفسك... في المشفى: كانت كهرمان تحاول جذب زمرد عن الرجل بصعوبة. استطاعت ذلك لمرة قبل أن يفتح ذلك الأحمق فمه مجددًا ويستفزها بكلماته أكثر فيجن جنونها وتنقض عليه مرة ثانية بالضرب.
هنا ونفذ صبر إلياس. وفي لحظة غفلة عنه زمرد التي كانت تحاول الفكاك من كهرمان لتوسعه ضربًا، نهض بسرعة يتحرك لها يرفع يده صافعًا إياها بقوة جعلت شهقات الجميع ترتفع وعيون زمرد تتسع بصدمة كبيرة. نفسها اللحظة التي خطى بها الجميع لممرات المشفى ليبصر دانيار ما حدث مع زوجته، وإيفان ما نال أخته.
وهي لحظات فقط حتى اندفع الاثنان بجنون صوب إلياس. إيفان يجذب زمرد بسرعة لاحضانه يطمئن عليها. ودانيار لم يكن لديه الوقت ليفعل وهو يمسك بجسد الرجل يوسعه ضربًا كالمجنون وهو يصرخ به وقد برزت عروقه بشكل مخيف: "تمتد يدك لزوجتي أيها الوسخ. عليك اللعنة. أقسم أنني سأحطم عظامك بالكامل أيها الحقير... كان الجميع قد أبصر ما فعل إلياس ولم يبصروا ما فعلت زمرد أو ما أصاب وجه إلياس حتى. لم يبصروا سوى أن هناك رجلًا صفع زمرد.
أما عن زمرد فقد استكانت لأحضان إيفان بوداعة وهي تنظر بحزن صوب تبكي دون شعور: "لقد صفعني أخي." "اقطع يده زمرد. تُقطع يده حبيبتي... هنا وانفجرت زمرد في البكاء داخل أحضان إيفان. ليضمها وقد اسودت عيونه يراقب إلياس الذي كاد دانيار يخرج روحه بين كفيه خاصة مع ارتفاع شهقات زوجته. وتبارك تراقب ما يحدث بتشنج وقد انقلب المشهد في ثوانٍ. تنظر لكهرمان التي كانت تبتسم بصدمة مما يحدث.
تحرك سالار صوب تبارك يتأكد أنها بخير حينما أبصر وجودها في المكان لتعلو عيونه نظرات مترقبة وهو يسألها بشك: "هل لمسك هذا الرجل؟ نفت تبارك برأسها وهي تتحدث بصوت منخفض: "لم يفعل سالار. في الحقيقة زمرد لم تمنحه الفرصة ليفعل." نظر لها بعدم فهم، ومن ثم حرك نظراته صوب دانيار الذي كان كمن تلبسه عفريت. يشير بعيونه لتميم: "تميم امسك هذا المجنون قبل أن يقتل الرجل بين يديه."
وبالفعل تحرك تميم صوب دانيار بسرعة يبعده عن إلياس. وأخيرًا تساءل إيفان عما يحدث: "ما الذي يحدث هنا، ومن هذا الرجل؟ ليفهمني أحدكم كيف بدأ كل هذا رجاءً؟! رفعت زمرد عيونها عن صدر إيفان تصرخ وهي تشير صوب الرجل وقد محت كل ملامح المسكنة التي كانت مرتسمة على وجهها منذ ثوانٍ: "هذا الحقير اختطف فاطمة من زوجها." ارتفعت ملامح عدم الفهم على وجوه الجميع وقد تحدث دانيار وهو يقترب منها بتحفز وكأنه ينتظر إشارة منها لينقض مجددًا
عليه: "فاطمة من؟ وزوجها من؟ ماذا فعل هذا الوسخ تحدثي." نظرت له زمرد بحزن وهي تقترب منه تهمس بصوت به غصة بكاء مشيرة صوب إلياس ليجن جنون دانيار مجددًا من ملامحها الحزينة: "فاطمة صديقة سلمى... نظر لها الجميع بعدم فهم مجددًا وقد كانت كما لو أنها تتحدث بكلمات متقطعة غير مفهومة، بينما كهرمان تدخلت توضح لهم الأمر أكثر، إذ يبدو أن غضب
زمرد وصل لعقلها فأذابه: "فاطمة زوجة قائد جيوش مشكى، المعتصم. هذا الرجل اختطف زوجة المعتصم وادعى أنها زوجته... اتسعت عيون الجميع وقد حلقت حول إلياس بصدمة كبيرة، وسالار رماه بنظرات سوداء مخيفة قبل أن ينتفض جسد البعض على صرخة إيفان المرعبة: "حراس، احضروا هذا الوسخ لقاعة العرش وارسلوا رسالة لقائد جيوش مشكى بالحضور......
تحرك يهبط عن حصانه وهو يضمها له برقة وقد عز عليه أنها في حالة لا وعي. يبتسم متذكرًا المرة السابقة التي كانت معه على صهوة حصانه وارادت أن تهبط عنه. "ساعدني رجاءً." نظر لها بأعين عاشقة وملامح مبتسمة دون وعي. يكفيه أن ينظر لها فقط ليبتسم. يكفيه أن يشرد بها ليذوب في ملامحها. تحرك بها بسرعة صوب غرفته وهو يتحدث بجدية كبيرة لأحد رجاله: "أحضر الطبيبة بسرعة رجاءً...
دخل بها الغرفة يضعها على الفراش. ومن ثم بدأ يتحرك يساعدها لخلع حجابها، وكذلك الحذاء الخاص بها. فك لها خصلات شعرها ينثرها خلفها كي لا تزعجها. يلاحظ أطرافها التي تدمرت بالكامل من الحريق. يتحرك صوب المرحاض غاب به لثوانٍ. ومن ثم خرج نظر لها ثوانٍ يحمل بين يديه قماشة قطنية أخذ يبللها وبعدها يمسح ملامحها بحرص وحنان. ومن ثم حينما انتهى مال عليها يقبل عيونها برقة شديدة. وقد بدا في هذه اللحظة أنه ما يزال مصدومًا مما حدث، وعقله لا يحسن التفكير في ردات فعله.
"ليت العالم كله، ولا شعرة منكِ سليمة." اعتدل في جلسته حينما صوت طرقات على باب غرفته. سمح للطارق بالدخول حينما سمع صوت الطبيبة، يشير لها بالتقدم وهو يهتف بنبرة حاول جعلها متماسكة: "فقط أخبريني متى ستفيق رجاءً." كان تقريرًا منه أنها ستفيق. لم يكن يسألها إن كانت بخير أو لا، يسألها فقط أن تخبره متى ستفتح عيونها، وكأن أي خيار عدا ذلك كان غير مقبولًا. "حسنًا. هل يمكنك التحرك جانبًا رجاءً كي أفحصها؟!
لكن أرسلان كان فقط يراقب سلمى ينتظر أن تفتح عيونها. وكأن حياته مرهونة للحظة يبصر عيونها. تنهدت الطبيبة بصوت مرتفع وهي تتحرك كي تنتهي مما جاءت لأجله، بينما أرسلان ما يزال جالسًا ينتظر أن تنتهي. لا يشعر بها ولا بخروجها وعودتها بعد دقائق تحمل بعض الأعشاب تطحنها وتضعها في فم زوجته. وبعد نصف ساعة تقريبًا
سمعها تتحدث بهدوء: "حسنًا. يبدو أنها استنشقت الكثير من الأدخنة وهذا ما أدى لحالتها تلك. منحتها بعض الأعشاب التي تساعد على توسيع مجرى تنفسها وتساهم في تحسين حالة الرئة على أمل أن تستجيب لهم في أسرع وقت لنكمل باقي الفحوصات و... صمتت ثم قالت وهي تشير لجزء ظاهر من قدم سلمى: "لقد أُصيبت ببعض الحروق البليغة في قدمها. لقد أحضرت الأعشاب لأضعها لها و... "أنا سأفعل." "ماذا؟!
"أشكرك حضرة الطبيبة. أنا سأساعدها في وضع تلك الأعشاب." مدت له الطبيبة يدها بتردد: "آه حسنًا. لا بأس في ذلك. تفضل. يفضل وضعها مرتين يوميًا و... قد تترك جروحها أثرًا على جسدها و... "لن يسبب لها هذا ألمًا؟ "ماذا؟! "هذه الجروح التي قد تترك أثرًا هل ستظل يؤلمها؟ رمشت الطبيبة تحاول أن تستوعب ما يحدث: "لا. بمجرد استقرار حالتها ستأخذ وقتها للشفاء ومن ثم لن تشعر بألم، لكنه سيترك أثرًا مزعجًا على جسدها قد يتسبب لها في...
"لا بأس إذن، طالما أنه لن يؤلمها فلا بأس." صمت ثوانٍ وهو يتساءل دون شعور: "هل سيحزنها الأمر؟ "ماذا؟! كانت الطبيبة تشعر بالبلاهة الشديدة وهي تحاول أن تدرك ما يدور داخل عقل الملك. أما عن أرسلان فقد أفاق على نفسه يحاول أن يظهر أمامها بمظهر جاد: "لا بأس. أشكرك للمساعدة. يمكنك الذهاب لمساعدة الباقيين وآسف لازعاجك."
تحركت الطبيبة بريبة صوب الخارج وهي تنظر لتصرفات الملك والتي كانت غريبة عنها. بينما هو راقبها حتى خرجت ليتنفس بصوت مرتفع يدفن وجهه بين كفيه: "يا ويلي سلمى. أفيقي قبل أن أفقد عقلي أرجوكِ. لم أتوسل لأحدهم في حياتي عداكِ. أرجوك سلمى أنا أرجوكِ لا تقتلي آخر ذرة تربط بيني وبين إنسانيتي. سأكون حقيرًا لا يطاق إن حدث لكِ شيئًا."
انتفض جسده على طرق الباب في الخارج. لكنه رفض الانسلاخ عنها. ليس وقلبه لم يستكين بعد بمحياها. كان غير قادر على التحرك بعيدًا عنها وكأنه تجمد جوارها يرتقب منها نظرة أو بسمة تطمئنه ليتحرك ويباشر حياته من حيث توقفت قبل رؤيتها فاقدة للحياة. لكن الطرق في الخارج لم يسمح له بكل ذلك إذ استمر يعلو وصوت الجندي يتردد في المكان: "مولاي صقر سفيد جاءك برسالة."
رفع أرسلان رأسه ببطء. ينظر صوب سلمى ثوانٍ بقلق وخوف. لكنه في النهاية مال يطمئن أنها بخير مقبلًا خدها بحنان: "لن أتأخر... خرج من المكان وقد ارتسم على وجهه أكثر الأقنعة صلابة وجمودًا. يغلق الباب خلفه بهدوء يلتقط من الجندي الرسالة ومن ثم تحدث بصوت منخفض: "شكرًا لك."
تحرك الجندي تاركًا أرسلان يراقب رحيله بأعين ضبابية. ومن ثم فتحها بهدوء يفض رموزها التي لا يفهمها سواه وعدد قليل من الرجال حتى إذا ما وقعت بالخطأ في يد آخر غيرهم. مرر عيونه على الكلمات أمامه قبل أن تشتد قبضته على الرسالة بغضب أكبر ودماؤه بدأت تغلي كالمراجل في عروقه. "كانت شعرة بينكم وبين صبري، وقطعتموها." تحرك بين ممرات القصر بأعين سوداء بشكل غريب وكأنه ليس في عالمهم. حتى وصل لقاعة الاجتماعات
ينظر لأحد الجنود: "بمجرد وصول القائد المعتصم أرسله لي." ومن بعد كلماته تلك دخل للقاعة يغلق على نفسه وهو ينتزع خارطة الجحر من مكانها يفردها أمامه. ومن ثم أحضر قلمًا وأخذ يخط بعض الخطوط عليها ويده مشتدة بغضب قبل أن تلين قبضته فجأة حينما توقفت عند جزء صغير بالخارطة. زهور سلمى التي خطتها أناملها سابقًا. وفي ثوانٍ تلاشى جنونه وكأنه كان في حالة لا وعي يتحسس الخريطة أمامه بشرود. قبل أن يجلس على المقعد
خلفه يتنفس بصوت مرتفع: "صبرًا سليمى، صبرًا غاليتي. فقط انتهي منهم وأعدك بنسخة كالنسمة مني. لكِ كل ما تتمنينه فيّ. فقط انتهي من كل هذا." "مولاي القائد وصل... ثوانٍ وسمع صوت فتح أبواب القاعة وصوت خطوات المعتصم يقترب منه. لم يستدر أرسلان، بل انتظر حتى وصل له المعتصم وتوقف خلفه يردد بهدوء: "طلبت رؤيتي مولاي؟! "كل شيء بخير يا المعتصم؟!
"نعم تداركنا الوضع، والاصابات ليست بالجللة فقد تصرفنا بسرعة ولله الحمد، فقط هنا ثلاث رجال وطفل صغير هم من تأذوا بشكل مريع." تمتم أرسلان بصوت خافت بـ "اللهم أجرنا في مصيبتنا" ومن ثم هتف بصوت مسموع: "تدرك ما ستفعل مع ذويهم صحيح؟ "تكفلت بالأمر مولاي لا تقلق." نهض أرسلان وهو يهز رأسه: "تجهز للتحرك صوب سفيد لتوصل رسالتي لإيفان." نظر له المعتصم بعدم فهم: "أوصل رسالة؟!
لكن مولاي هذا ليس دوري. هناك من يمكنه ذلك غيري. أنت والبلاد تحتاجون لوجودي الآن. يمكن لتيم حتى الـ... "هناك أمانة سيسلمها لك إيفان يا المعتصم. أمانتك لن يتسلمها غيرك يا أخي." ردد المعتصم بعدم فهم: "أمانتي؟! "زوجتك، هي في سفيد... "المعتصم يا بني اسمعني وتوقف عن تهورك هذا. لا أعلم من أين اكتسبت كل هذه الخصال السيئة؟! كنت إنسانًا مسالمًا حينما جئت هنا. الله وحده يعلم مع من كنت تقضي وقتك لتكتسب منه كل هذه الأمور السيئة؟!
كانت تلك جملة أرسلان التي نطق بها وهو يمسك مرفق المعتصم الذي كان يلقي بالسرج فوق صهوة الحصان. ليستدير متشنجًا وهو ينظر لأرسلان وكلماته الأخيرة تثير به تهكمًا وسخرية. "لا أدري حقًا ممن اكتسبتهم؟ ربما من جلستي مع زيان؟! "إذن قلل جلساتك معه، وأنا سأنصح خالد بالمثل. لا ينقصنا مختلين في القصر." قلب المعتصم عيونه من كلمات أرسلان والذي كان يتحدث بجدية كبيرة.
ومن ثم تنهد بصوت مرتفع: "ما الذي تريدني أن أفعل وأنت تخبرني أن زوجتي الآن في سفيد وقد عثروا عليها مخطوفة وأنا هنا أبحث عنها كالمجنون كل يوم وكل ليلة. مولاي أنا لم أنم ساعات متتالية أكثر من أربع ساعات منذ رحلت. أنا كنت أهرب في المساء للبحث عنها، وبحثت عن ذلك الوسخ في كل مكان هنا. ولولا ما حدث لكانت الآن في سفيد. ما الذي تتوقعه مني حينما أعلم ما فعل في زوجتي في النهاية؟! "تقتله...
رمش المعتصم بعدم فهم ليقترب منه أرسلان يهتف بكلمات سوداوية بسيطة للغاية: "تقتله. اختطف امرأة لا تحل له وتصرف في أمرها دون رضاها، إذن اقتله... صمت ثوانٍ ثم قال بجدية كبيرة وهو يقترب من المعتصم يتحدث بنبرة مرعبة وعيونه تطلق شرارًا وكأنه أعلن الحرب على الجميع: "اسمع يا بني ما سيحدث... " ومن ثم بدأ يطلق على أذنه ما سيحدث وكأنه يعلم بالتحديد ما سيواجهه: "ستجد إيفان يطالبك بعقد جلسة حكم عليه كي يعطي كل ذي حقٍ حقه وووووو...
فقط تجاهله لذلك الحكيم، وأخبره أنك أخذت أوامر مباشرة مني بأن يكون الحكم عليه في مشكى، وذلك حقك لأن المتضرر من مشكى فلا يحق له الحكم عليه في سفيد." ابتسم يربت على كتف المعتصم مؤازرًا إياه شاعرًا بالنيران التي كانت مشتعلة داخل صدره. وقد أبصر بعيونه جنونه في البحث عن زوجته، لذا قال ببساطة وجدية خالصة: "أحضره لي وأنا سأعطيك حق الحكم عليه بما تريد. وإن رفض إيفان أخبره أنني سأمر بجيشي عليه قبل التوجه لأصلان. حسنًا يا أخي؟!
تلمعت عيون المعتصم بامتنان شديد قبل أن يلقي نفسه بأحضان أرسلان يضمه بقوة وحب أخوي كبير، بينما أرسلان ضمه بحب وهو يربت على ظهره يهتف بجدية وقوة: "لا عاش من تسبب لك بخدشٍ يا أخي. أحضره ولك مني وعدًا بترك الحكم في يدك. وهذا حقك لأجل زوجتك وعرضك الذي استحله لنفسه." ضم المعتصم نفسه أكثر لأرسلان
الذي ابتسم له وهو يهمس: "فقط أوصل رسالتي واحضر أمانتك وذلك الخسيس. وعد سريعًا، فلا أستغني عن وجودك كثيرًا يا المعتصم فأنت يدي يا أخي." تأثر المعتصم بكلمات أرسلان، يبتعد عنه مبتسمًا بامتنان: "لك ذلك مولاي. من الأساس لم أعد أستطيع البقاء بعيدًا عن مشكى لوقت طويل. لمشكى ولملك مشكى. هنا حياتي وعائلتي مولاي... "إذن اذهب لتحضر عائلتك وعد سريعًا يا أخي، فأنت لا تود تفويت العروض التي سيقيمها الملك أرسلان هنا ها؟!
ختم حديثه بغمزة ليضحك المعتصم هامسًا بنبرة سوداوية: "بالطبع لا أريد مولاي. سأكون أول المشاركين في العرض." ختم حديثه يودع أرسلان بكلمات صغيرة ومن ثم تحرك لحصانه يتحرك بسرعة مرعبة وخلفه بعض الجنود. يغادرون بوابة مشكى تحت أعين أرسلان الذي تنفس بصوت مرتفع ينظر للسماء بأعين ضبابية لا تظهر ما يخفيه خلف نظراته. "اقتربت يا حمقى."
تحرك من بعدها للداخل يتوجه صوب غرفتها وقد غاب عنها أكثر مما خطط. تنفس بصوت مرتفع يضغط على مقبض باب غرفته ولم يكد يفتحه حتى سمع أصوات غريبة في الداخل. ضيق ما بين حاجبيه وهو يفتح الباب ببطء يبصر جسد خالد يدور في المكان وفوق كتفه يوجد موزي يطلق أصواتًا مبتهجة. رمش بعدم فهم يتابع حركات خالد: "ينام في هذا المكان الجميل ويترك لي غرفة متواضعة؟ هذا إجحاف في حقي ومكانتي كمهندس مرموق في ربوع البرازيل."
مال أرسلان برأسه قليلًا يتابع ما يحدث دون فهم. ما الذي يحدث في المكان، وكيف يتجرأ هذا الخالد على اقتحام غرفته وازعاج زوجته و... زوجته؟! أين هي؟! انتفض جسده برعب وهو يبحث عنها بعيونه في المكان وقد أبصر مكانها فارغًا على الفراش. توقف قلبه وهو يهتف باسمها بصوت مرتفع: "سلمى... يا ويلي سلمى أين هي؟!
كان يصرخ باسمها صراخًا هستيريًا، لينتفض خالد برعب وهو يضم له موزي يحاول التحدث بكلمة. بينما أرسلان جن جنونه وهو يتحرك في المكان يبحث عنها مشيرًا للفراش: "كانت هنا. هي مريضة. كيف... أين رحلت... أين هي؟ كيف تركتها ترحل أنت؟! أشار خالد بيد مرتعشة صوب المرحاض وهو يهمس بصوت متوتر: "لقد أفاقت منذ ثوانٍ وطلبت دخول المرحاض و... لم يهتم أرسلان بسماع باقي كلماته يتحرك بسرعة صوب المرحاض يطرق
عليه برفق كي لا يفزعها: "سلمى حبيبتي أنتِ في الداخل؟! اتسعت عيون خالد وقد التقطت أذنه الكلمة، يميل ببطء على كتفه الأيمن حيث يرقد موزي: "حبيبتي؟ هل فاتنا شيء موزي؟! لكن أرسلان لم يكن يعي ما يحدث حوله فقط كل ما يراه هو زوجته المريضة التي نهضت لتوها بعد ساعات من بقائها في الفراش دون حراك. وبقدر لهفته كان خوفه. حاول استراق السمع على ما يحدث في الداخل، لكن لا شيء وصل له وكأن لا حياة داخل المرحاض. "سلمى أنتِ بالداخل صحيح؟
"أخبرتك أنها بالداخل. لقد دخلت أمام عيوني واسأل موزي و... " توقف عن الحديث حينما زجره أرسلان بنظراته صارخًا وقد بدأ يفقد عقله: "اصمت! لا تثر جنوني. هي لا تجيب ولا يوجد أي صوت في الداخل. ألم تفكر في مساعدتها أو الاطمئنان عليها حتى؟! شحب وجه خالد وكأنه لم يفكر في تلك النقطة يتحرك صوب المرحاض في اللحظة التي بدأ بها أرسلان يدفع الباب بقوة حتى تحطمت أقفاله تحت وطأة ضرباته العنيفة.
وبمجرد أن فُتح الباب شهق أرسلان متراجعًا للخلف بصدمة مما أبصر يهتف دون وعي: "يا رحيم... فزع خالد من ردة فعل أرسلان ليقترب بسرعة بخوف. لكن فجأة تجمد حينما رنت صرخة أرسلان في المكان وهو يوقفه في مكانه: "لا تقترب! لا تفعل! اخرج من المكان، اخرج الآن." نظر له خالد بفزع رافضًا: "ماذا؟! بالطبع لا. هذه أختي سأ... "للخارج أخبرتك للخارج خالد. لا يمكنك رؤيتها الآن. هيا أخرج من المكان."
شعر خالد بقلبه يهوى من هول الغضب المرتسم على وجه أرسلان. يدرك أن ما حدث لشقيقته داخل المرحاض مروع ليتسبب في كل هذا الغضب لأرسلان. "لكن هي... " تحدث أرسلان بنبرة موجوعة أجبرت خالد على الرضوخ: "أرحل الآن، وسأخبرك متى تعود للاطمئنان عليها. أدرك أنها أختك وتخاف عليها، لكن أرجوك أرحل الآن." "فقط أخبرني أنها بخير." نظر أرسلان لسلمى مجددًا يهمس بصوت غريب: "هي كذلك...
ابتلع خالد ريقه وهو يدرك أنه يجب الرحيل وترك خصوصية لهما. لذا امسك موزي يجذبه معه للخارج تاركًا أرسلان يراقب سلمى في المرحاض. ومن ثم تحرك بسرعة يحضر أحد قمصانه ومنشفة جافة. يقترب من المرحاض أكثر. توقف أمامه ثوانٍ يراقبها بأعين مكسورة. كُسر مرات عديدة. كُسر في كل ما يحب. والآن جاء الوقت ليكسروه في زوجته. طرق الباب بهدوء يهتف بصوت شبه مرتجف: "سلمى هل أدخل؟!
وسلمى كانت ما تزال على حالها تنظر أمامها دون شعور بالمكان حولها وقد بدا أنها ما تزال تعاني من توابع ما حدث. تنحنح أرسلان يتحرك للداخل يعلق الثياب. ومن ثم شمر أكمامه يتقدم منها يبصرها تجلس في أرضية المرحاض المبتلة وحولها خصلات شعرها التي قصتها بشكل عشوائي مزقه. بينما جسدها لا يستره سوى قطع صغيرة من الملابس تظهر جميع حروقها. وقد خمن من ملامحها ما أصابها حينما أبصرت كل ذلك.
حاول الابتسام وهو يمد كفه لها يدير وجهها صوبه يراقبها بحب وهي فقط نظرت لعيونه تبتسم بسمة ميتة: "احترقت جميع خصلاتي ولم يتبقى لي سوى القليل. كنت مجبرة على قصهم. لقد... كنت أحبهم كثيرًا." حرك أرسلان عيونه في الأرجاء يحاول مقاومة دموعه على حالتها. يبتسم بصعوبة وهو يردد بصوت حاول جعله متماسكًا: "لا بأس. لننظر للجانب المشرق في الأمر."
رمقته بعدم فهم، ليمد أرسلان يده يمسك خصلاتها التي أصبحت تصل لكتفها بالكاد. ومن ثم أشار لشعره الذي كان يعقده خلفه يفك ربطته ممازحًا: "نالك شرف امتلاك خصلات بطول خصلاتي يا امرأة. أي شرف تحملين الآن؟! نظرت له سلمى ثوانٍ قبل أن تبتسم ثوانٍ، وتضحك بلا شعور على كلماته، قبل أن تتلاشى ضحكاتها وتتحول لدموع صامتة وهي تنظر لوجه أرسلان تهتف بضعف وكأنها تشكو ما يحزنها: "لقد... أحببتهم كثيرًا. كنت أكره أن أقص خصلاتي أرسلان لقد...
صمتت تنفجر في البكاء وهو فقط جذب رأسها لصدره يربت عليها بحنان: "لا تبكي عزيزتي. لا تبكي. الأهم أنكِ معي تحدثيني وتتنفسين وتطربين أذني بصوتك. لا يهمني أي شيء عدا ذلك. حتى لو كنتِ صلعاء بالكامل لا يهمني." ضحكت سلمى دون شعور في أحضانه تهتف بصوت مكتوم: "لم تحصل على امرأة صلعاء، لكنك حصلت على امرأة مشوهة أرسلان... أبعدها أرسلان عنه بعنف يمسك وجهها يجذبه لوجهه وكأنه سيناطحها. وقد كانت طرقه للتعبير
عن حبه مريبة بقدر غضبه: "أي مشوهة هاته. أنتِ يا امرأة ما فائدة مرايا الغرفة إن لم تبصري حسنك؟ هل يمكنكِ أن تكوني أجمل من الآن حتى؟! "نعم كنت أجمل من الآن، لكنك لم تبصرني." "لا عجب أنني كنت أعمى." "وأحمق." "نعم أعمى وأحمق." جذبها يستند على جبهتها هامسًا بصوت منخفض حنون: "سلمى... أي إنسان يبصر بهائك هذا ولا يذوب أرضًا من حسنك، فهو أحمق وحقير وأنا أكبر أحمق حبيبتي، إذ أنني أبصرت ذلك وترفعت عن الذوبان أمام حسنك."
"هل أصبحت شاعرًا فقط لتراضيني؟ لا تقلق أرسلان أنا... طبيبة نفسية وأدرك كيف أتخطى كل هذا. نعم سأحزن دون إرادة مني، لكنني سأتخطى هذا بعد فـ... "أشششش، فقط اصمتي وامنحنيني فرصة الحديث يا امرأة فلا ندرك متى تنفك عقدة لساني مجددًا لأخبرك ما أريد أخبارك إياه."
أبعدها عنه برقة كبيرة، وهو ما يزال يأسر وجهها بين كفيه الخشنين، يميل مبتسمًا يتأمل بها بشرود وكأنه يجهز لكلماته، أما عنها كانت تحاول أن تركز معه لولا خصلاتها القصير التي تتحرك فتفسد مزاجها. زفر أرسلان وهو يلملم خصلاتها بين كفيه يجمعهم في رابطة شعره الخاصة: "جيد؟ والآن أعطني كامل تركيزك رجاءً." نظرت ليده ومن ثم لعيونه تهتف بمشاعر
مختلطة لا تستطيع تحديدها: "تخيلت كل شيء في حياتي، أي مشهد شاعري قد يحدث بين اثنين تخيلته، إلا أن يمنحني زوجي رابطة شعره لأجل ربط شعري بها، هذا... غريب ولطيف نوعًا ما." "هل تزعجك رابطة شعري؟ هي نظيفة فأنا لم أحارب بها لذا هي ليست ملوثة بالدماء أو غيرها." انكمشت ملامح سلمى باشمئزاز، ليطلق أرسلان ضحكات مرتفعة وهو يراها تجاهد لتنزع رابطة شعره وهو امسك يدها: "أمزح معكِ اقسم أنني أمزح. ما بكِ؟
ثم هل يزعجك فكرة امتلاكي لشعر طويل بعض الشيء؟ أقصّه لأجلك." اتسعت عيونها وهي ترفض بسرعة: "لا إياك أن تفعل هذا... هذا يمنحك مظهرًا ساحرًا مهيبًا أرسلان، لا تقصه." "جيد، فأنا لا أحب قص شعري كثيرًا، والآن... صمت ينظر لها بهدوء قبل أن يتحرك بجسده يحضر لها المنشفة يجفف جسدها باهتمام وهي تتابع ما يفعل وقد أخرجها دون شعور منه من حالتها التي كادت تسحب لها منذ ثوانٍ. راقبته يساعدها بلطف لتنبث دون شعور: "أنت...
تصلح لتكون طبيبًا نفسيًا صدقني." توقفت يد أرسلان وأحضر قميصه يلبسها إياه بلطف، ثم مال وحملها بين ذراعيه يضمها لصدره مقبلًا خصلات شعرها: "لا أعتقد أنني أجيد الأمر. لا أستطيع أن أعالج أحدهم من مرضي نفسي، لكنني ماهر في جلب الأمراض النفسية للآخرين."
ختم حديثه يتركها على الفراش، ثم جلس أرضًا أمامها يمسك بين يديه الأعشاب التي وصفتها لها الطبيبة يراقب قدمها بحرص، ومن ثم أخذ يمرر الأعشاب على قدمها، يرفع عيونه لها بعد ثوانٍ هامسًا: "إلا أنتِ، يمكنني أن أكون طبيبًا نفسيًا لأجلك إن أردتِ، لا أمانع البتة، طالما أنني سأنال مكافأتي برؤيتك تبتسمين سلمى." "هل أثر الحريق على عقلك أرسلان؟! "حسنًا هذا ليس ردًا انتظرته بعد كل تلك الكلمات التي نطقتها لتوي."
"لهذا بالتحديد أسألك منذ متى أصبحت شاعرًا؟ تنطق بكلمات كهذه؟! تشنجت ملامح أرسلان وهو يكمل تمرير الأعشاب على قدمها ناظرًا لعيونها: "منذ متى يا ناكرة الجميل؟ حقًا؟ لقد كنت أغرقك بأعذب الكلمات طوال الوقت، هل تنكرين غزلي لكِ الآن؟! "حقًا فعلت؟! انتهى أرسلان ينهض من مكانه، يتوجه صوب ذراعيها يكشف عنهما قميصه ومن ثم أخذ يدهن ذراعيها بهدوء قبل أن يهمس بصوت خافت بعض الشيء وملامح حنونة وهي فقط تراقب وجهه
القريب منها بهيام واضح: "نعم، تذكري فقد أخبرتك الكثير سلمى، ربما شيء واحد فقط لم أخبرك إياه طوال الفترة السابقة رغم أنني كنت أحمله في صدري مذ أول لحظة أبصرتك تقريبًا." شردت به سلمى دون شعور تحاول استخلاص كلماته وقد كان قلبها يطرق بقوة: "ما... ما هو؟ "أنني أهيم بكِ عشقًا سليمى.......
كانت تقف على باب الغرفة الخاصة به تراقب والدها وهو يطمئن عليه بقلق واضح وكأنه على وشك فقدان أحد أبنائه وليس رجلًا صُنف خائنًا للجميع. هل يعقل أن والدها يفعل له ذلك من باب رد الجميل حينما ساعده في غيبوبته؟! تحركت للداخل تراقب والدها بأعين متعجبة وشك ملء قلبها، تسمع كلماته للطبيب وقد شاب نبرته خوف واضح: "إذن سيكون بخير؟!
"لا يمكننا الجزم بهذا مولاي. فقط ننتظر أن تمر هذه الليلة بخير ومن ثم نختبر أجهزته الحيوية للتأكد أن كل شيء معه بخير." حرك بارق عيونه صوب نزار يهز رأسه. ولم يلاحظ خروج الطبيب أو حتى اقتراب توبة منه وهي ترمقه بعدم فهم: "ما الذي يحدث هنا أبي؟! نظر لها بارق بعدم فهم، أو بالأحرى ادعاء عدم الفهم، يبتلع ريقه وهو يبعد عيونه عنها وكأنه يتهرب من حقيقة ستؤذيها: "ما الذي يحدث توبة؟ أليس هذا ما طلبتيه أنتِ بالفعل؟! "طلبته؟!
طلبت منك مسامحته ومساعدته أبي، لكن قلقلك هذا لأجل طلبي كذلك؟! نظر لها باعتراض ولم يكد يتحدث بكلمة حتى قاطعته هي بصرامة: "أبي ما الذي يحدث؟! هل... هل قلقك هذا ليس طبيعيًا. أنت تكاد تبكي خوفًا. وما معنى أن يسامحكم هو أو غضب الملك آزار. ما معنى كلماتك التي رددتها في الخارج؟! "ما هو غير الطبيعي بقلقي؟! هذا ابن رفيقي وأنا من ربيته و... قاطعته توبة بعدم تصديق لما يتحدث به والدها وقد شعرت بشكوكها تتأكد وهي
تبصر توتر والدها الواضح: "ابن رفيقك الذي تبرأ منه؟! والده تبرأ منه أبي وهذا ما نعمله جميعًا بسبب خيانته لكم و... صمتت ثوانٍ تقترب من والدها وكأنها تستوعب شيئًا ربما غفلت عنه سابقًا أو ربما انتبهت له ولم تفكر أو تتوقف عنه كثيرًا: "أو ربما لم يفعل؟ هروبه بكل بساطة من سجون... هروبه من سجون أرسلان للجحر. كل هذا... لا... لا أحد يستطيع اختراق سجون مشكى أو حتى خداع أرسلان والهروب بكل بساطة إلا إذا سمح هو له."
صمتت تبتسم بعدم تصديق وقد شعرت بالحيرة وعدم الفهم تدور حولها: "هل... هل غفرتم له مقابل أن يلقي بنفسه في التهلكة؟ أن يعود للجحر؟ لهذا كان مصممًا؟ لأجلكم؟! اتسعت عيون بارق من استنتاج ابنته. بينما هي أكملت بفزع وكأنها كانت عمياء طوال الوقت: "حينما أبصرته في مشكى كان يسير بين الطرقات بكل بساطة غير محاط بالكثير والكثير من الرجال كما يفترض أن يكون و... أبي هل ألقيتم به لمصيره مقابل أن تسامحوه وأنا... أنا ساعدتكم بكل غباء؟!
نظر لها بارق بعدم استيعاب لجملتها الأخيرة لا يفهم مقصدها لتهبط دموعها ساخرة من نفسها: "لقد جاءني يطلب مساعدتي للهروب من مشكى و... نظرت صوب نزار وهي تنظر له بأعين دامعة ووجع كبير، تشعر بالذنب يقتلها: "لقد... لقد ساعدته ليعود لهم بنفسي. شجعته بصمتي و... هذا بسببي أبي و... "لا يا ابنتي ليس بسببك. أنتِ لا تفهمين شيئًا." "إذن أخبرني...
أخبرني أبي ما يحدث ولا تدعني في غياهب الجهل أطفو بحثًا عن مرسى لي. أنت لا تدرك مقدار الوجع حينما أتذكر أنني من فعل به هذا." مسح بارق وجهه بقوة وهو ينظر صوب جسد نزار ثوانٍ قبل أن يتنهد بصوت مرتفع: "اسمعي، فقط اهدأي وستعلمين كل شيء." فتحت توبة فمها بلهفة ولم تكد تتحدث كلمة حتى قاطعها والدها رافعًا كفه في الهواء: "ليس الآن توبة، فقط دعينا ننتهي وينهض هو ليخبرك لما حدث بنفسه. سيكون هذا أفضل و...
ولم يكد يكمل كلماته حتى بدأت همهمات تعلو من فم نزار. همهمات أخذت ترتفع شيئًا فشيئًا حتى فزع الجميع على صرخات نزار باسم الوليد ليركض بارق بسرعة يحاول التحكم بتشنجات جسد نزار يصرخ في توبة التي تصنمت مكانها بصدمة: "توبة اذهبي لتحضري الطبيب بسرعة. تحركي! احضري الطبيب.... تجمدت سلمى مكانها وهي تنظر لعيونه بعدم تصديق. وهو فقط ظل يحدق بها ينتظر منها أي ردة فعل تطمئنه، أي كلمة منها تخبره أنه مرغوب لديها.
"حسنًا صمتك هذا لم يكن ردًا أتوقعه. توقعت تهليلات واحتفالات وشكر وامتنان. هل... هل تقبلين بي وبحبي؟! حاولت سلمى الخروج من صدمتها لتتحدث له بأي كلمة تعبر عما يدور داخل صدرها من انفجارات في الوقت الحالي. ورغم سهولة الكلمات لم تستطع سوى الخروج بكلمات متقطعة لا معنى. "أرسلان... أنا... أنت لا... "أنا ماذا حبيبتي اخبريني؟! "وهذا كثير. فبعد أشهر عجاف سقاها من المياه غيثًا. وهذا خطر عليها." وضعت يدها على وجهها تتحسس
حرارته وقد عجزت عن النطق: "يا ويلي أرسلان أنا لا... لا... أعني... فقط أريد أن... صمتت وقد كان الأمر أكبر من قوة تحملها وهي من كانت فصيحة اللسان سابقًا لا أحد يستطيع إجبارها على الصمت إن لم تود هي ذلك. ابتلعت ريقها بصعوبة وهو مد يده يضم كفها بحنان: "ماذا تريدين؟ يمكنكِ أمري إن أردتِ وسيكون مجابًا." "أنا أحلم بالطبع. فارسلان لن ينطق هذه الكلمات ولو وضعت سيوف على رقبته. أنت...
لا تسمح لأحدهم برفع صوته في وجهك فما بالك بأمرك. هل تمازحني؟! ضحك أرسلان بصوت هادئ وهز يهز رأسه موافقًا كلماتها والتي كانت صحيحة مائة بالمائة. لكن ورغم أنه أظهر لها مئات المرات أنها استثناءً عن الجميع، إلا أنها لم تصدق الأمر حتى الآن. رفع يده يجذب وجهها بين كفيه مرددًا بجدية وهو
شارد في عيونها بحب شديد: "أنتِ الشخص الوحيد في هذا العالم الذي يمتلك حقًا بي ليخبرني ما يريده في أي وقت يرغبه. لذا لكِ تصريح مني بأمري بكل ما تريدين حُلوتي، وأنا أتعهد لكِ بالسمع والطاعة، على أن تتعهدي لي بقلبكِ." ابتسم وهو يراقب احمرار وجهها واتساع عيونها ليبتسم بسمة صغيرة عاشقة: "عادل بما يكفي ها؟! "لــ... لمــ... لماذا الآن ولماذا أنا؟!
أسئلة كثيرة دارت داخل عقلها في هذه اللحظة ليهز هو رأسه ببساطة ليس وكأنه ينطق في هذه اللحظة ما لم يتخيل يومًا أن يفكر به حتى، وعيونه تلمع بالحب: "ربما لأنني أدركت مؤخرًا أنكِ ذلك الوطن الذي عشت عمرًا شريدًا أفتش عنه بين الطرقات. الوطن الذي أدركت منذ لحظتي الأولى بين أحضانه أنني على استعداد لبذل كل ذرة دماء في سبيله سلمى."
وما كاد يتم كلماته حتى كانت سلمى ترمي نفسها بين أحضانه وهي تبكي بعدم تصديق من الصدمة. وأخيرًا ما انتظرته طويلًا أتاها أفضل مما تخيلت. "يا ويلي أرسلان، قلبي سيتوقف من... سيتوقف من هول ما تقول." "عسى أن تتوقف قلوب أعدائك حبيبتي. لا أراني الله بكِ وخزة شوكة سليمى." سقطت دموع سلمى أكثر وهي تضم نفسها بين أحضانه تهمس بصوت منخفض باكٍ، وقد شعرت أنها أخيرًا قد نالت ما تتمنى ويزيد. "أرسلان أنا.... أنا أحبك. أرسلان أنا أحبك...
ابتسم أرسلان بقوة وهو يتنفس براحة واخيرًا وكأنه كان يغرق وللتو أبصر السطح وتنفس براحة. ضمها بقوة وهو يهمس بكلمات حنونة: "لطالما رددت ممازحًا أن كل من أعرفهم محظوظون لامتلاكهم شخص مثلي بحياتهم. كنت مسكينًا مُغيبًا. أي حظ هذا وهم لا يمتلكون سليمى... ضحكت سلمى من بين
دموعها وهو يمازحها بحب: "ولن يفعلوا. أنتِ حظي ونعمتي في هذه الحياة والتي سأكون في غاية الأنانية لأشاركها مع أحدهم حتى موزك ولودك. وحتى دلالة الملكية هذه لن تنسب لكِ مجددًا." ضحكت سلمى من بين دموعها وهو مد يديه يمسح دموعها بحب ومن ثم مال يقبل وجنتها هامسًا بصوت منخفض: "عسى الله أن يمنّ على العبد الفقير برؤية ضحكاتك كل يوم." ابتعد عنها يبتسم بحنان، ثم ربت على خصلاتها بحنان، لينتبه
إلى خصلاتها غير المرتبة: "دعيني أساعدك في ترتيب خصلاتك هيا." "حسنًا حاول ألا تكثر من تدليلك هذا حتى أعتاد فلا أضمن أن يتحمل قلبي هذه الكلمات كثيرًا أرسلان." ابتسم لها بحب وهو يتحرك يبحث عن مقصه الخاص ومن ثم عاد يشير لها لتستدير وهي ابتسمت تمازحه: "إذن سأكون من المحظوظين القليلين الذين يقص الملك أرسلان خصلاتهم." "لا بأس بالتواضع معكِ عزيزتي. أنتِ فقط دون الآخرين...
" ومن ثم شرع يقص لها خصلاتها بحنان شديد وهي فقط تستمتع بهذه اللحظات من الهدوء والصفاء. وبمجرد انتهائه طبق قبلة حنونة على خصلاتها التي أصبحت أكثر ترتيبًا. ومن ثم ساعدها لترتاح على فراشها يهمس بصوت منخفض: "والآن حلوتي ارتاحي ولا تفكري بشيء سوى بلون فستان زفافنا الذي سنقيمه عقب الانتهاء من كل هذا والذي سيكون بالأخضر كما اعتدنا هنا حسنًا؟!
نظرت له بريبة من كلماته ولكنه لم يسمح لها حتى بالتفكير في أيٍ كان ما يرهق تفكيرها يبتسم لها بحنان يجذب الغطاء عليها: "فقط استرخي واستمتعي بما يحدث." حدقت فيه بعدم فهم، ليبتسم لها وهو يميل مقبلًا وجنتها بحنان وقد لمعت عيونه بنظرات مخيفة: "حان وقت تنفيذ وعدكِ الذي ألقيتيه على مسامع العزيز أصلان. تتذكرينه؟! نظرت له بعدم فهم لثوانٍ قبل أن تتذكر فجأة توعدها له حينما صفعها بأن الصفعة سيردها زوجها أضعافًا.
أما عن أرسلان هز رأسه وكأنه يؤكد على ما يدور في رأسها، ومن ثم خطى بعيدًا عنها يغلق الباب خلفه بهدوء ينظر للحراس على بابها بصرامة: "لا يتحركن أحدكم من أمام غرفة الملكة ولا أحد مسموح له بزيارتها عدا أخيها والقرد ولا أحد آخر حتى وإن كان قرد آخر رفيق لقردها. سمعتم؟! هز الحراس رؤوسهم، بينما أرسلان تحرك من أمام غرفتها لتتلاشى نظراته الحنونة بشكل مخيف وهو يلتقي تيم في الممرات والذي هتف بجدية ولهفة: "مولاي... لقد...
كانت الانفجارات في جميع الممالك، تضررت الممالك بأكملها بما حدث." كان أرسلان يستمع لما يحدث بهدوء دون أي تعابير تذكر على وجهه، فقط يسمع كلمات تيم الذي شرع يكمل كلماته: "الاجتماع في سبز بعد ساعات قليلة." "إذن جهز القافلة يا بني سأتحرك الآن." تحرك تاركًا تيم وهو يهرول بين الممرات، لكن فجأة توقف على صوت أرسلان الذي أضاف بهدوء: "وتيم... جهز موكبًا للملكة كذلك، سوف اصطحبها معي."
ختم كلماته يكمل طريقه صوب القاعة الخاصة بالاجتماع يجمع منها المخطوطات وكل ما سيحتاجه في الأمر. "آغازِ پایان" بداية النهاية. يدور بين طرقات القصر لا يصدق أنه وصل لهذه النقطة. كانت فكرة عبقرية أن يندس بين شعب أرسلان حتى يتمكن من دخول المكان والتغلغل به. لكن التحرك داخل القلعة كان كالمشي حافيًا على حقل من الأشواك. عليك الحذر في كل خطوة تخطوها فلا يوجد موضع قدم يخلو من رجال أرسلان.
فجأة سمع أصوات بعض الجنود يقتربون ويتحدثون بأصوات شبه مرتفعة. "فقط تجهزوا فالملك سيتحرك بعد ساعة واحدة لسبز." آخذ يتلو على الجميع دورهم في هذه القافلة المتوجهة صوب سبز ومن ثم انفض الجمع، كلٌ لينتهي مما وكل له. وانمار يراقب بعيون ملتهبة وقد أضاءت فكرة ما عقله، ليبدأ التحرك خلف الرجال يبحث عن فرصته للتغلغل بينهم، حتى أبصر واحدًا يبتعد عن الجميع مرددًا أنه سيودع عائلته ويعود إليهم سريعًا.
اتسعت بسمة أنمار أكثر وقد وجد الثغرة التي ستدخله للجيش، يراقب الرجل بهدوء شديد يتحسس خنجره الصدأ الذي يخفيه بين ثيابه: "خذ وقتك إذن في توديعهم فقد تكون فرصتك الأخيرة لتفعل... ساعات الليل مرت بسرعة حتى كاد الصباح يطل بنوره على المملكة، في اللحظة التي كان الجميع موجود داخل قاعة محاكمة سفيد. الفتيات وبعض الجنود وإلياس ومعهم فاطمة التي أفاقت منذ ساعة واحدة تتابع ما يحدث وما يقال أمامها.
حيث تحرك صوبها إلياس بمجرد أن أبصرها يصرخ باسمها مبتسمًا دون شعور بسعادة كبيرة: "فاطمة عزيزتي أنتِ بخير حبيبتي؟! كاد قلبي يتوقف من الخوف عليكِ حينما أبـ... ولم يكد يقترب منها خطوة واحدة حتى أوقفه خنجر زمرد الذي أشهرته أمام معدته مباشرة، فلو كان تقدم مقدار خطوة واحدة لكان الخنجر اخترق معدته ليخرج من الجهة الثانية لظهره.
حرك إلياس عيونه على الخنجر قبل أن يرفعها صوب زمرد باستنكار، ومن ثم نظر جهة فاطمة التي كانت تتعلق بزمرد وكأنها والدتها يهمس بصوت مقهور موجوع: "فاطمة... هذا... أنا إلياس." أخفت فاطمة عيونها في جسد زمرد وهي ترتجف بقوة وزمرد رفعت عيونها له ولم تكد تصرخ في وجهه تبعده عنهم حتى رن صوت إيفان في المكان: "للخلف ولا تقترب خطوة أو تتحرك حتى أئذن لك، ولا تثقل مصائبك واحدة." رفع له إلياس عيونه باستنكار وكأنه قد
نسى في خضم ادعائه الحقيقة: "ما الذي يحدث مولاي؟! لا أفهم شيئًا مما يحدث، ما سبب وجودي هنا وزوجتي؟ لقد جئت لعلاجها." "زوجتك إذن؟! "نعم زوجتي، هي تعاني من بعض الإرهاق وتمر بحالة نفسية وجسدية صعبة مؤخرًا بعدما فقدت عائلتها، فأتيت لعلاجها هنا حسب نصيحة الحكيم ولا أدري ما يحدث الآن." رفع إيفان حاجبه وهو يحركه على الجميع وقد أدرك أن إلياس لا يفقه حقيقة علمهم بهوية فاطمة الحقيقية لذا قرر مجاراته: "أين أوراق زواجك منها؟!
بُهتت ملامح إلياس وهو يبتلع ريقه بتوتر يحاول إيجاد كلماته: "لم... لم أحصل بعد عليهم. لقد وعدني الشيخ أن يخرجهم ويوثقهم في مشكى، ومن ثم سأمر عليه لتسلمهم. لقد تزوجتها في مشكى." "هل هذا صحيح سيدتي؟! كانت كلمات إيفان موجهة صوب فاطمة والتي كان يعلم حقيقتها، لكنه أبى إلا أن يدفعها للتحدث بالحقيقة بنفسها. وفاطمة فقط تتمسك بزمرد وكهرمان تنظر لها بشفقة ومن ثم نظرت لإيفان وكأنها تستعطفه أن يتجاوز هذا الجزء، لكن إيفان
نظر صوب فاطمة بإصرار: "سيدة فاطمة هل حقًا ما يق
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!