الفصل 23 | من 47 فصل

رواية اسد مشكي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رحمه نبيل

المشاهدات
29
كلمة
12,299
وقت القراءة
62 د
التقدم في الرواية 49%
حجم الخط: 18

كان الجنود يحملون جسد أرسلان على الأحصنة وهم يتحركون به بسرعة مرعبة صوب مشكى وقد بدأ بعضهم يبكي برعب حينما أبصروا شحوب وجهه بهذا الشكل المرعب. أرسلان، الذي لم تقتله طعنات عدة ولم تسقطه ضربات قاتلة، الآن يرقد بلا حول ولا قوة بسبب سهم واحد تلقاه بالقرب من القلب، وكأن الرامي كان يدرك أين هدفه تحديدًا. تحدث أحد الجنود بصوت مرتعب: _جسد الملك أنه يرتجف بشكل مرعب... لقد... هو... هذا سم، أكاد أقسم بالله أن هذه أعراض سم.

اتسعت الأعين حوله وبدأ الخوف يسكن القلوب. موت الملك أو تضرره، خاصة في هذه اللحظات، كان القشة التي ستقصم ظهر شعب مشكى. لا أحد، ويقسمون أن لا أحد، قد يتولى حكم البلاد بعده ويتمكن من إدارتها كما فعل هو. موت أرسلان يعني تشتت الصفوف وخراب مضاعف للبلاد، وحسرة في القلوب لفقدان رجل مثله. وهذا ما لا يتمنون حدوثه. كل ذلك كان يحدث ولا يصل له شيء، بل كان فقط يشعر ببرودة مرعبة بجسده، برودة وشلل أصاب جميع أجزاء جسده.

والماضي لم يكن ليجد أنسب من لحظات ضعفه تلك ليتحكم به ويعرض له ما حاول دفنه قديمًا. "لو كان الأمر بيدي لتمنيت ولدًا غيرك يا أرسلان، أنت لست الولد الذي أفخر به لو تعلم." ابتسم أرسلان بسمة ميتة وهو يرفع عينيه صوب والده الذي كان يعتلي عرشه بكل كبرياء ينظر له بدونية، ويدرك داخله أن والده يتخذه مجرد أداة فخر يسير بها بين الملوك: "ولدي الأقوى، ولدي الأكثر تجبرًا، ولدي الأذكى، ولدي... ولدي...

" وأمامه يتفنن في تحطيمه أشلاء ظنًا أن تلك الأشلاء ستكون حادة لأعدائه، ولا يدرك أن حطامه يتحول فتاتًا. "وأنا لو كان الأمر بيدي لتمنيت حياة غير تلك الحياة، هذه ليست الحياة التي أتمناها، ولو أنني أخشى أن أصنف عاقًا لك، لأخبرتك أنك لست الأب الذي أتمناه أبي."

ختم كلماته وهو ينظر بأعين والده يمنع دموعه من الهبوط، ليس خوفًا من وصف والده له بالضعيف كما كان يفعل في طفولته، بل عهدًا أخذه على نفسه ألا يبكي شيئًا في حياته سوى ما يستحق. ختم كلماته يهز رأسه بتحية لوالده وهو يتحرك من القاعة بهدوء، ووالده ينظر له بشر صارخًا بجنون: _أنت يا ولد انتظر هنا، لم أسمح لك بالرحيل، هذا ليس اختيارك أن ترحل كلما أردت و...

توقفت أقدام أرسلان وهو يصرخ بجنون وقد وصل لحافة صبره. كان في ذلك الوقت قد بلغ الثامنة عشر وهو ما يزال يعاني ظلمًا وحياة يشفق الحجر عليه من عيشها. _صدقني لا شيء، لا شيء كان من اختياري أبي، أنا أُجبرت على كل ذلك، ولو كان الاختيار بيدي لاخترت العيش فقيرًا لكن مرتاحًا. تراجع بيجان بصدمة من كلماته وشعر أنه أثقل الحمل على ولده. لم يكن يومًا حنونًا على أرسلان ولم يضمه يومًا، لكنه ظن أنه بهذه الطريقة ينشأ رجلًا خشنًا.

شحوب وجهه وارتجاف يده كانا واضحين. أبصر أرسلان صدمة والده ودون إرادة منه أشفق عليه من صدمته، لذا ابتسم بسمة صغيرة يردد بهدوء وهو يعود له حتى توقف أمامه، ثم مال على رأسه يقبلها بهدوء هامسًا بصوت منخفض: _رغم كل شيء أنا أشكرك أبي، لن أنسى لك صنيعك ما حييت، ساعدتني كثيرًا في حياتي. ختم كلماته يمسك يدها مقبلًا إياها، ثم تحرك بهدوء مبتعدًا عن والده يردد بهدوء شديد وجسده كله يرتجف من الغضب الاختناق:

_اسمح لي مولاي بالرحيل للحصول على الراحة قبل معاودة التدريب غدًا. ارتجفت يد بيجان وهو يبصر ولده بهذا الشكل أمامه، ثم رفع يده يهتف بصوت منخفض: _يمكنك الذهاب يا أرسلان.

وكأنه كان حكمًا بالإفراج، إذ انطلق أرسلان سريعًا يخرج من القاعة وهو يشعر بالاختناق والضغط يكاد يفجر قلبه. لكن ما كاد يتحرك صوب غرفته حتى أبصرها تتهادى أمامه بكل رقة وهي تحمل بعض الزهور، جوهرته الصغيرة التي كان يتحمل التقطيع حيًا ولا يشكو بكلمة لأجلها، كان يتحمل كل شيء طالما كان بعيدًا عنها. _أرسلان تعال لمساعدتي في عقد حجابي. اتسعت بسمة أرسلان وشعر بتلك القبضة التي تحيط قلبه تنفرج شيئًا فشيئًا وهو يميل لها مبتسمًا:

_طلباتك أوامر يا جوهرتي، اسبقيني لغرفتك وسألحق بكِ. ابتسمت له كهرمان وهي تركض أمامه تضم الأزهار لصدرها، ثم فجأة وقفت واستدارت له ببسمة تردد بنبرة رقيقة: _لا تنساني يا أرسلان، أنا انتظرك ها... ابتسم لها أرسلان وكاد يجيبها أنه لن يفعل، حتى وجد صورة كهرمان تتلاشى ويحل محلها سلمى تضم لها الزهور التي أهداها لها قبل الرحيل من سبز وهي تهتف بنبرة رقيقة وبسمة واسعة: _انتظرك ها...

شعر أرسلان بجسده يرتجف وهو ينتفض ليبصر الظلام قد بدأ يحيط به والمكان أصبح غريبًا عليه. القصر اختفى وسلمى اختفت ولم يعد هناك شيء حوله سوى... تلك الغابة التي كان يُسحب فيها يوم أرادوا حرقه حيًا. أبصرهم أمامه وهم يجذبون جسده على الصخور المدببة والتي كانت تترك أثرها على جسده وهو عاجز لا يستطيع الحديث. حاول الصراخ، حاول الانتفاض، لكن لا شيء، كان مكبلًا بجروحه.

وأخيرًا وبعد لحظات كاد يموت بها اختناقًا، وجد المكان حوله يدور به وهو في وسط الموكب مدمى وبعض الرجال يسحبون زوجته بعيدًا عن عينيه. ومجددًا نفس شعور العجز. انتفض جسده بقوة وهو يحاول النهوض ليلحق بها، لكن فشل في الأمر ليعود له الألم ذاته والعجز ذاته. تداخلت صورة سلب زوجته بصورة سلب عرشه أمام عينيه وهو ممدد أرضًا عاجزًا عن الحركة.

ركض المعتصم صوب بوابة القصر بجنون حينما وصل له بعض الجنود يخبرونه أن الملك عاد لهم مصابًا إصابة بليغة. يركض بجنون وهو يصرخ بهم: _نادوا زيان... نادوا زيان... وصل صوب البوابة يأمرهم أن يفتحوها، وبمجرد أن تقدمت الخيول بسرعة مخيفة منه تحمل على صهوتها جسد أرسلان الغائب عن الواقع، حتى اقترب منهم المعتصم بلهفة وهو ينظر له مرتجفًا: _جلالة الملك... مولاي... يا ويلي... يا الله، ساعدوني ساعدوني لحمله.

تقدم منه بعض الرجال ليساعدوه في حمله، لكنه رفض يحمله فوق ظهره وحده: _لا أنا سأحمله، استدعوا زيان، نادوا زيان. حمله فوق ظهره وهو يهرول به بين طرقات القصر، وقد دب الرعب والخوف على الملك في القلوب والكل يدعو الله أن ينهض بخير.

أما عن زيان، فانتفض عن فراشه حينما وصل له صوت أحد الجنود يصرخ أن الملك أصيب. ركض بسرعة كبيرة لا يبصر أمامه سوى طريق المشفى، وبمجرد أن خطى للمشفى حتى أبصر الجميع أمامه محتشدين هناك والمعتصم داخل إحدى الغرف يصرخ بكلمات كادت تصيبه بانهيار وهو يحدق بجسد أرسلان قد بدأ يشحب بشكل مرعب. وصرخة المعتصم هي ما أيقظته من صدمته وهو يصيح برعب شديد: _زيان ساعده، لقد تسمم، هناك من ألقاه بسهم مسمم، يقولون كان هناك هجوم على الموكب و...

صمت فجأة قبل أن يشحب وجهه شحوبًا يوازي شحوب أرسلان نفسه وهو يهمس برعب جلي: _جلالة الملكة... *** _أين هي؟ حرك الجميع عيونهم بتوتر وهم يبصرون نظرات أنمار المترقبة. يجلس على جمر ينتظر وصول غنيمته الأكبر، لكن وجوه رجاله لا تبشر بالخير. _ما بكم؟ أين هي المرأة؟ تحد...

وقبل أن يكمل كلمته، أبصر المتبقي من رجاله يتحركون داخل مجلسه، بعضهم مشوهي الوجوه تتقدمهم امرأة وكأنهم يعملون لحراستها. تسير بكل هدوء داخل المكان، بعدما نال بعضهم الجحيم على يديها حينما استفاقت في طريقهم. ولم يستطع أحدهم رد ضربة واحدة لها، ليس لأنها خارقة للطبيعة وتستطيع التغلب على العديد من الرجال وحدها، بل لأن أنمار وعدهم بالجحيم إن لمسها أحدهم خدش.

اتسعت أعين أنمار وهو يبصرها تتحرك بهدوء حتى توسطت المجلس أمام الجميع تنظر لهم بعيون جامدة قبل أن تبتسم له بسمة صغيرة وهي تحدق في وجهه ثواني: _والله شعرت أن هذه القذارة لا تصدر سوى من خنزير أصيل. رفعت يدها تشير بها له مبتسمة: _مثلك تمامًا. انطلقت ضحكة أصلان في المكان ليكبتها بسرعة حين أبصر نظرة أنمار المحذرة له، بينما سلمى نظرت له وهي تحاول تذكر أين رأته، لكن لم تتذكر. ورغم ذلك لم تصمت وهي تتحدث بهدوء شديد:

_لا تضحك كثيرًا فأنت لست أكثر نظافة منه، كونه خنزيرًا أكبر منك لا يعني كونك خنزيرًا صغيرًا في النهاية. اشتعلت أعين أصلان بقوة قبل أن يكبت غضبه بصعوبة يحاول الظهور بمظهر الحليم وهو ينظر لها باستهانة: _لاذعة اللسان كأرسلان. _الملك أرسلان. ضحك أنمار وهو يتحرك صوبها ينظر لها بسخرية: _الملك أرسلان؟ ويا ترى أين هو ملكك الآن يا جلالة الملكة؟

نظرت له سلمى تجيب ببسمة هادئة جامدة تخفي خوفها، تُذكر ذاتها أن ذلك الحقير ربما يكون أهون المختلين الذين وقعت في قبضتهم. ولم يكن الأسر شيئًا غريبًا عليها، فهي لطالما وقعت أسيرة لأيام في يد أحد المساجين وهربت منه بأعجوبة بعدما سجنته الشرطة، لذا إن اكتسبت شيئًا من عملها فهو كيفية التعامل مع أمثال هذا المختل وأن تسايره ولا تهلع حتى تأتيها الشرطة، والشرطة هنا هي أرسلان.

ارتجف قلبها تخفي رعبها عليه حين تذكرت شحوبه بعدما سقط أرضًا، تذكرت نفسها أنه بخير، أرسلان بخير، ما كان لضربة كهذه أن تهزمه، لذا سينهض ويأتيها. وحتى هذه اللحظة عليها التعامل بكل بساطة معهم. _لا بد أن يحفر لكم قبورًا في هذه اللحظة. اقترب منها أنمار بقوة وهو يهمس لها بصوت منخفض: _بل له يا عزيزتي، فذلك السهم الذي تلقاه زوجك العزيز كان مسممًا بأكثر سموم المملكة ضررًا.

اتسعت عيون سلمى وارتجف جسدها بقوة. ورغم ذلك حافظت وبصعوبة كبيرة على رباطة جأشها، وهي ترفع عيونها له تهمس له بنفس نبرته: _صدقني لا قبر سيُحفر هنا لسواك إن لم تبتعد عني مقدارًا يسمح لي بالتنفس بحرية بعيدًا عن رائحتك الكريهة هذه. ابتعد عنها أنمار بسرعة ونظراته قد ازدادت اشتعالًا، وقد استطاعت هذه المرأة أن تشعل غضبه بلسانها فقط، شيء لم ينجح به أحد عداها وزوجها. ابتسم بسمة مريبة وهو يصرخ بصوت جهوري يظهر به قوة وبأس:

_خذوا هذه المرأة وضعوها في منزل النساء حتى أخبركم ما سنفعله بها، الملوك سيبذلون الكثير في سبيل استعادة ملكة مشكى. قلبت سلمى عيونها بسخرية: _آهٍ من الحمار حينما يظن نهيقه زئيرًا. اشتد جنون أنمار وهو يندفع لها، وعلى حين غرة سقط بيده على وجهها في صفعة رن صداها في المكان بأكمله وهو يهتف بنبرة مرعبة: _هذا الحمار سيحيل حياتك وحياة زوجك لجحيم أيتها الـ...

أغمضت سلمى عيونها بقوة تجبر نفسها على عدم البكاء. لم تكن هذه المرة الأولى التي تتلقى بها ضربة، ولن تكن الأولى التي ترد بها الضربة؛ لذا وقبل أن يستوعب أحدهم ما حدث، كانت تنتفض وترد له الصفعة بضربة من قدمها مسقطة إياه أرضًا، ومن ثم انحنت سريعًا تجذب جسده ضاربة إياه في الجدار خلفه وهي تهمس بنبرة حادة:

_أيها الوسخ القذر، أوامرك هذه تخبرها لصغار الخنازير الذين يعملون تحت أمرتك وليس أنا، ويدك هذه تبقى جوارك طالما أقف أمامك. ختمت حديثها ولم تكد تزيد كلمة حتى شعرت بالرجال خلفها يجذبونها عنه بعنف وهي ابتسمت له بسمة واسعة تهتف بكل هدوء: _ولا تحسبن أن تسيدك اللعبة سيدوم يا قذر، فالأسد يمرض ولا يموت. نظر لعيونها بشر مبتسمًا بسمة خبيثة: _نعم، الأسد نفسه الذي قتل والده... _تخيل ما سيفعله بك إذن؟

وكانت تلك الإجابة بمثابة رد لضربته التي ظن أنها ستصيبها في مقتل. أما عنها فابتعدت أيدي الرجال عنها بقوة وهي تنظر لهم بتحذير، ثم رفعت عيونها لأنمار تردد بهدوء شديد: _أخبر حيواناتك الأليفة أن ترشدني لغرفتي بهدوء، وإياك أن يخطوها وسخ منكم، وإلا أقسم بالله أن أحطم عظامه، وحتى يأتي أرسلان ليأخذي لا أود أن أبصر وجهك.

ختمت حديثها تتحرك خارج الغرفة مع الرجال الذين تبعوها وكأنهم يعملون لديها، وليس خاطفينها. كل ذلك كان يحدث أسفل أنظار الجميع المصدومة منها، وبسمة أنمار غير المصَدقة لما يحدث. هذه المرأة تعجبه وبشدة، تعجبه وتليق به... أفاق من أفكاره على صوت أصلان الذي كان يراقب ما يحدث بعيون مدققة وملامح جامدة: _لم أعتقد أن هناك امرأة قد تكون ملائمة لأرسلان بهذا الشكل المرعب، لا يليق بها أن تكون امرأة سواه في الحقيقة... _بل يا عزيزي...

لا تليق سوى أن تكون امرأتي أنا. *** _المعتصم، أهدأ أرجوك، فقط أهدأ وكل شيء سيكون بخير... تنفس المعتصم وهو يشعر بالجنون يسيطر عليه يصرخ في الجميع: _كل شيء؟ أي شيء زيان، أي شيء والملكة أسيرة، أخذوا الملكة سبية، هل تدرك ما نتحدث عنه الآن؟ هل تدرك ما يفعلونه بالنساء، وهذه... هذه الملكة و... الملك تسمم و... صمت وهو يشعر بالعجز يرفع عينيه لزيان يهتف برجاء: _هل... هل تستطيع مساعدته زيان؟ هل يمكنك؟

تحدث زيان وهو يراقب جسد أرسلان الذي غطى جروحه ببعض الأعشاب المخدرة وأخرى معالجة: _لو صمت لأخبرتك، هذا ليس سمًا خطيرًا، هذا مجرد سم سهل العلاج لكن قوي التأثير. رفع له المعتصم عينيه بلهفة شديدة ليشرح له زيان ما يحدث:

_لا أدري حقيقة ما هوية ذلك السم، لكنه قوي المفعول بشكل مرعب، ولو لم يتعالج الشخص منه بسرعة سيموت خلال ساعات كما الأمراض التي تترك دون علاج. مجرد أعشاب يمكنها علاجه، من صنع هذا السم لا أدري ما كان هدفه، لكنه لم يكن القتل بأي شكل من الأشكال. من صنعه كان عبقريًا ليجمع تأثيرًا قويًا مع علاج سهل، يمكن أن نصفه بأنه مجرد مرض وليس سمًا... *** _لكنني لم أترك لهم سمًا يا الوليد، ما تركته لهم كان مجرد سائل يتسبب بأعراض السم.

اتسعت أعين الوليد بصدمة وهو يقترب من فراش نزار الذي يقبع في إحدى الغرف التي توجد في الممرات الخاصة بمخازن قصر سبز حيث أتاحت لهم الأميرة توبة النوم هناك. _ما الذي... ما الذي تتحدث عنه؟ _ما سمعته، أنا لست أحمقًا لترك سم قوي المفعول بين يدي ذلك الرجل ليتسبب في إبادة ثانية. نظر له الوليد طويلًا قبل أن يبعد عينيه عنه وهو ينظر من النافذة يفكر في القادم، يشعر أنه يقف على الحافة، لا هو استقر على اليابسة أو حتى سقط.

_ماذا عن القادم؟ وكأنه أعرب عن مخاوف نزار بصوت مرتفع، السؤال الذي لم يسأله لنفسه مخافة البحث عن سؤال لأنه يعلم جيدًا أنه وأثناء رحلة البحث عن تلك الإجابة قد يكتشف ما ينغص عليه المتبقي من حياته. _لا أعلم. _لا تعلم؟ هل سنقضي المتبقي من حياتنا في هروب دون أن نستقر على شاطئ؟ رفع له نزار عينيه يهمس بسخرية خرجت منه دون وعي:

_أوه، تتحدث الآن وكأنك كنت مستقرًا في حياتك السابقة، حياتك الآن لا تقل سوءًا عن سابقتها، على الأقل الآن تحيا بكرامة عيشة شريفة يا الوليد، لا ينقصك سوى التوبة. نظر له الوليد طويلًا حتى شعر نزار أنه ليس مهتمًا بالإجابة حتى عن سؤاله، لذا أبعد عينيه عنه، يعطيه ظهره يضم نفسه للجدار جواره، يغرق في أحزانه وشوقه لوالده. ولم يكد يغفل في نومة سريعة حتى سمع صوت الوليد يهتف خلفه بصوت ميت: _وأنت هل تبت عن جميع ما اقترفته سابقًا؟

تجمدت ملامح نزار لثواني قبل أن يستدير له بهدوء يهمس بملامح ميتة والوجع يسكن داخل عينيه: _الشيء الوحيد الذي يستحق سعيي لأجل التوبة منه هو وصمة العار التي لحقتها بنفسي وأبي ونتج عنها دمار شعب كامل، شيء سأقضي المتبقي من حياتي أستغفر له.

هز له الوليد رأسه ولم يتحدث بكلمة وهو ينظر صوب النافذة يسرح في حياته وما تبقى منها، يتمنى فقط، يتمنى لو يعود به الزمن، ولا يدري السبب، هل يتمنى العودة ليمنع نفسه من اقتراف أول خيانة، أم يحسن استغلال فرصة تعاونه مع أنمار، أم يترك نزار وشأنه ولا يقحمه في هذه اللعبة القذرة؟ ما يدريه هو أنه في هذه اللحظة يشعر باختناق يكاد يقتله. لذا استدار ينتوي الخروج لولا يد نزار التي أمسكت خاصته وهو ينظر له يتساءل بعدم فهم:

_إلى أين يا الوليد؟ _أشعر بالاختناق، سأخرج للسير قليلًا في الهواء الطلق في الخارج. أطلق نزار صوتًا ساخرًا على كلماته، ينظر له بغيظ شديد: _تسير في الهواء الطلق؟ هل تمزح معي؟ لا تتحدث وكأننا في نزهة داخل بركة الوحل التي كنت تسكن بها يا وليد. تنفس الوليد وهو يدرك أنه محق، لكن رغم ذلك تحدث بصوت منخفض ورجاء: _فقط دعني أرجوك أنا أشعر بالاختناق ولن أشعر براحة إلا حينما أستنشق بعض الهواء النقي يا نزار.

ترك نزار يده بتردد ولم يكد يتحدث بكلمة حتى سمع صوت طرق على الباب. نظر للوليد بتردد وقد بدأت ضربات قلبه تعلو وهو يشير له بالصمت، يتحرك صوب الباب يحاول أن يرهف السمع لمن بالخارج، لكن لم يصل له صوت؛ لذا ابتعد ببطء شديد ولم يكد يصل للوليد حتى سمع صوتها يمليء المكان حوله وهي تردد بنبرة منخفضة خجلة: _هذا أنا يا نزار، توبة.

لمعت عينا نزار بقوة حتى رفع الوليد حاجبه بسخرية لاذعة، بينما نزار هرول صوب الباب مجددًا يفتحه بسرعة لتستقبله هي بغطاء وجه يخفي كامل ملامحها تحمل بين كفيها صينية طعام متوسطة الحجم: _السلام عليكم، أحضرت لك بعض الطعام، و... وحينما تنتهي رجاءً الحقني للأعلى كي تبدأ في فحص أبي.

ختمت كلماتها وهي تستغل وجود غطاء على وجهها يخفي نظراتها المتفحصة القلقة، تراقب جروحه المنتشرة على وجهه، لكن نزار كل ما فعله هو أنه استدار بسرعة يلقي بالصينية بين كفي الوليد، ثم استقام ينظر لها ببسمة واسعة: _أنا جاهز الآن. _ألن تتناول الطعام على الأقل، أنت تحتاج للغذاء لأجل جروحك و... صمتت حين شعرت أنها بدأت تبالغ في الاهتمام بأمر جراحه، لذا أخفضت رأسها تهمس بصوت منخفض:

_أقصد أليس عليك تناول بعض الطعام لتستطع القيام بعملك بشكل جيد. _لا تقلق عليّ أنا بخير حال. رفعت رأسها له بحدة لا تدري أكانت له أم لنفسها: _لستُ. رفع حاجبه من ردها الحاد، لكنه رغم ذلك ابتسم لها يهز رأسه بهدوء وهو يجيبها بهدوء: _نعم بالطبع أدرك أنكِ لستِ، حشاكِ أن تكوني سمو الأميرة، فأين لعبدٍ مسكين كالعاصي نزار أن ينال قلق سمو الأميرة توبة أميرة سبز وابنة الملك بارق.

ختم كلماته ببسمة جانبية خبيثة جعلت ترفع عينيها له، تهز رأسها بقوة وسخرية لاذعة: _نعم حشاك أن تفعل... سمو الأمير، والآن رجاءً إن لم تكن ستتناول طعامًا اتبعني. ختمت حديثها وهي تتحرك أمامه تمسك أطراف ثوبها بكل رقة، ولم تكد تخطو بعيدًا عنه حتى تحدثت دون أن تستدير بالكامل، فقط نصف استدارة: _الخزانة في تلك الغرفة تحتوي ثيابًا للعاملين بالقصر سيكون أفضل لك أن ترتديها كي لا تثير الشكوك حول هويتك. _أوامر سموك سمو الأميرة.

هزت له رأسها وهي تتحرك أمامه وهو ابتسم بسمة صغيرة، ولم ينتبه لصوت الوليد خلفه والذي بدأ يتناول الطعام بشهية كبيرة إذ مرت أيام طوال ولم يتناول بها طعامًا جيدًا كهذا. _نعم بالطبع لا تحبها البتة. استدار له نزار بعنف ليبتسم له الوليد بسخرية: _ماذا؟ أنا أنفي كونك غارقًا في عشق سمو الأميرة حتى أذنيك كالآبلة لدرجة أن تتجاهل طعامًا لم تبصر مثله منذ أيام طوال. اشتد غضب نزار ليبتسم له الوليد وهو يتناول طعامه بهدوء:

_توقف عن التحديق بوجهي وتحرك لترتدي ثوب العمال وتلحق بالأميرة لا تود أن تنتظر صحيح؟ تنفس بصوت مرتفع وهو يتحرك بعيدًا عنه بسرعة كبيرة يفتح الخزانة يخرج منها أول ما قابله، ثم تحرك بسرعة ليرتديه ويلحق بها. أما عنها فبمجرد أن اختفت عن عيونه حتى استندت على أحد الأعمدة تشعر بضربات قلبها تكاد تحطم صدرها: _لا ليس ممكنًا، لا يمكنك أن تتجاهلي الأمر ببساطة، لن تفعلي، دهستِ قلبك قبلًا وتستطعين فعلها مجددًا...

ختمت حديثها وهي تدفن وجهها بين يديها تخرج تنهيدة مرتفعة وهي تهمس بصوت مرهق متعب: _يا الله يا ولي الصابرين... *** _إلى أين؟ _سأذهب لتمشيط الغابة الواقعة بيننا وبين سبز، لا بد من وجود أي دليل على ما حدث، آثار أقدام، بقايا قاذورات، أي شيء قد يدلني على هؤلاء الخنازير. ختم المعتصم كلمته وهو يدس سيفه في غمده، ثم تحرك خارج الغرفة الخاصة بالأسلحة وخلفه نزار يراقبه بعدم رضا: _فقط انتظر حتى الصباح.

أخذ المعتصم يجهز حصانه للتحرك وهو يردد بصوت منخفض: _نعم حتى تُطمس الآثار، فقط اعتني بالملك حتى أعود. تنفس نزار بضيق وهو يراقب المعتصم وقد حشد جزءًا كبيرًا من الجيش أمامه وكأنه ذاهبًا في حرب، يردد بضيق وغضب كبير: _سيكون من حسن حظي أن أمسك بواحد منهم، قسمًا بالحي الذي لا يموت لاجعلنه غير صالح للحياة. ختم كلماته وهو يستعد ليلقي بجسده فوق الحصان لولا ارتفاع صوت رنين في الأجواء يهتف بالنبرة المعهودة: _يا المعتصم...

_أوه ليس الآن يا الله. استدار ببطء صوب الصوت ليراها تقف على بعد صغير منه تنظر له بتردد وهي تشعر بأنها لا يجب أن تكون هنا، ورغم ذلك هتفت بصوت منخفض: _يا المعتصم، إلى أين؟ تنهد المعتصم بصوت منخفض وهو يترك لجام الحصان، ثم ابتسم بسمة صغيرة وهو يتحرك صوبها بهدوء، وحينما وصل أمامها امسك كفها وسحبها بعيدًا عن الأنظار بهدوء شديد: _مرحبًا فاطم، كيف حالك يا صغيرة؟ ولم تجبه، بل ردت عليه بسؤال قلق وصوتها خرج مرتجفًا بعض الشيء:

_إلى أين؟ _ما بكِ يا فاطمة؟ _ستتركني؟ أنا... أنا لا أريد أن أكون وحيدة، أرجوك. تعجب المعتصم بشدة من كلماتها، يمسك يدها التي بدأت ترتجف ليشعر بالصدمة مما يحدث: _ما بكِ يا فاطمة؟ أنتِ ترتعشين؟ ما بكِ؟ نظرت له بخوف شديد وهي تحاول التحدث، لكن كلماتها خرجت مهتزة بشكل أصابه بالفزع وهو يبصر جسدها على وشك الانهيار: _لا تتركني وحدي أرجوك.

نظر المعتصم حوله بعجز قبل أن يجذبها بعيدًا عن الأعين وهو يضمها له بقوة يحاول تهدئة ضربات قلبها التي يشعر بصداها في صدره، يضمها وهو يحرك كفه صعودًا وهبوطًا على كتفها عله يبث بعض الدفء داخل أطرافها: _من أخبرك أنني سأتركك؟ من أخبرك أنني سأفعل ذ... وقبل إكمال جملته انهارت فاطمة في بكاء حاد وهي تهتف من بين بكائها بصوت خافت ورعب جلي واضح على ملامحها:

_لا تتركني يا المعتصم، لا تذهب إليهم ارجوك أبق هنا معي، لقد أبصرتهم جاءوا لأخذك. ضمها المعتصم لا يدرك ما يحدث، يحاول أن يهدأها، لكن الأمر ازداد وبدأ الارتجاف يزداد بشكل مثير للرعب، حتى توقفت عن الاهتزاز فجأة وهي تبتعد عنه بهدوء شديد تمسح دموعها تنظر أرضًا: _أنا آسفة، لم أقصد أن أشغلك عن عملك، يمكنك... يمكنك الرحيل لا بأس.

شحب وجه المعتصم وهو يبصر عيونها الزائغة تنظر بعيدًا عنه، نظر خلفه يبحث عمن تنظر له، ليبصر فراغًا. بلل شفتيه يشعر بالريبة: _أنتِ بخير؟ هل هناك ما يزعجك؟ هل... هل تـ... هل... توقف وعجز عن إكمال الجملة، أراد أن يسألها إن كانت ما تزال تبصر والدتها، لكنه خاف أن يجرحها أو يذكرها إن كانت نست بالفعل. لذا هز رأسه يهتف بعدم راحة: _فاطمة اصدقيني القول، أنتِ الآن بخير صحيح؟ ابتسمت له بسمة صغيرة وهي تهز رأسها بهدوء شديد:

_أوه نعم أنا كذلك لا تقلق عليّ، لقد... أنا فقط أبصرت كابوسًا لذا خفت وجئت للبحث عنك، ارجوك اذهب ولا تشغل عقلك بي، أنا بخير وأكثر يا المعتصم، تصحبك السلامة. ورغم أن بسمتها وكلماتها توحيان بأن كل شيء على ما يرام، إلا أن قلبه كان يخبره عكس ذلك، لكن رغم كل تلك الإشارات، إلا أنه وثق بنظراتها الحنونة المهتمة التي ترمقه بها، لذا اقترب يقبل رأسها بحنان شديد، ثم همس لها بصوت خافت:

_اعتني بنفسك يا صغيرتي لحين أعود، سأشتاق لكِ يا فاطمة. ابتسمت فاطمة وهي تهز رأسها وما كاد يتحرك حتى أمسكت كفه تهمس بتردد وخجل: _هل يمكنك... يمكنك معانقتي لمرة قبل رحيلك. ابتسم لها بسمة مترددة وهو يعود لها يضمها له بحنان شديد، لتدهشه هي بمقدار تطلبها لذلك العناق، تضم نفسها له بقوة مبتسمة، ثم ابتعدت عنه بصعوبة تهمس بصوت منخفض: _أستودعك الله.

تحرك المعتصم بعيدًا عنها بتردد وهو يشعر برعب مجهول المصدر، ينظر لها بخوف لأول مرة، ولم يكد يبتعد عنها خطوة حتى اقترب منها يضمها له بقوة يهمس بحب جوار أذنها: _حين أعود سوف... أعلن زواجنا حينما أعود حسنًا؟ هزت رأسها ببسمة واسعة وهو فقط تحرك بعيدًا عنها بتردد شديد يلوح لها بالوداع، وهي تراقبه بهدوء وبمجرد أن اختفى عن عيونها تلاشت بسمتها وسقطت دموعها وهي تهمس: _حسنًا... ***

توقفت الأحصنة في ساحة القصر وقبل حتى أن يأخذ الحصان وضعه ويتوقف بشكل كامل كان جسد إيفان يقفز عنه بشكل جنوني وهو يهرول بين طرقات القصر بوجه شاحب. وصله الخبر قبل الخروج من سبز فتحرك من فورِه لمشكى، قلبه يكاد يتوقف رعبًا يهمس بصوت مرتجف: _ليس مجددًا يا أرسلان، لن تفعلها مجددًا وتقتلني رعبًا عليك أيها الحقير، ليس عدلًا أن أنال أنا كل هذا الخوف كل مرة.

ركض بين ممرات قصر يتبعه سالار وهو يردد الدعاء في نفسه أن يكون أرسلان بخير، وبمجرد أن وصلوا للمشفى، حتى توقفت أقدام إيفان بتردد وكأنه يخشى مواجهة تلك اللحظة، يقترب من الباب بتردد لولا يد سالار التي دفعته وهو يهمس له: _استغفر الله وأكثر من إنا لله وإنا إليه راجعون. أخذ لسان إيفان يردد الدعاء دون شعور وحينما توقف أمام باب الغرفة وابصر جسد أرسلان تراجع بصدمة لولا يد سالار الذي سانده وهو يهتف بهدوء:

_عساه خيرًا، عساه خيرًا... همس إيفان برعب وقلبه يكاد يتوقف من مظهر أرسلان وقد وصله خبر تسممه أثناء هجوم مباغت: _أرسلان يا أخي. رفع زيان عينيه صوب إيفان يبتسم له بسمة مرهقة: _جلالة الملك مرحبًا بك. نظر له إيفان بلهفة يهتف وهو يشير صوب أرسلان: _هو... هو بخير؟ لقد وصل لي خبر تسممه. _لا تقلق هو بخير، مجرد سم سهل العلاج لكن قوي التأثير، سيكون بخير بإذن الله. تحرك إيفان بتردد صوب أرسلان حتى وصل للفراش الخاص به يجلس جواره

يمسك كفه يهتف بصوت منخفض: _شلت يد من أراد بك سوء يا أرسلان. رفع كفه يربت على رأسه، لكن فجأة توقفت يده في الهواء وهو يبصر دمعة تهبط جانب عيون أرسلان، دمعة جعلت قلب إيفان يرتجف وجعًا، وهو يمسحها بسرعة، يميل عليه هامسًا بكلمات خافتة لم تصل لأحد. بينما سالار يراقب ما يحدث بأعين حزينة والنيران داخل تصدره تدفعه لقتل كل من يبصر من جماعة أنمار أمامه، القصاص يشتعل أمام عينيه. أما عن أرسلان...

فكان ما يزال مسطحًا على الفراش في مواجهة عنيفة مع ماضيه وكوابيسه، وكل ذلك وهو منهك الروح. أصوات كثيرة تتردد في عقله وهو يشعر أن عروق جسده تكاد تنفجر من قوة اشتدادها، نيران تسير بين أوردته وهو يبصر مشهد سلب زوجته يُعاد مرات ومرات. ارتجف جسده لينتبه له إيفان الذي نظر صوب زيان وكأنه ينتظر منه مساعدة غير منطوقة، ليتحدث الأخير بهدوء وهو يحاول بث أكثر قدر من الطمأنينة بصدره:

_لا تقلق كل تلك مجرد أعراض للسم، أخبرتك مولاي أنه قوي المفعول ليس إلا، كل شيء سيكون بخير إن شاء الله... هز إيفان رأسه وهو ينظر صوب أرسلان يربت على خصلاته بحنان قبل أن تتجمد يده ويشتد جسد سالار وتسود عيونه وهو يسمع صوت زيان يكمل جملته: _لكن... الشيء الوحيد المقلق هو... جلالة الملكة، لقد أسروها... *** بعد ساعات...

تحرك بخطوات شبه مهرولة وهو يشعر بدمائه بأكملها تفور داخل عروقه حتى كادت تنفجر وتغرق محيطه بنجاستها. وصل أمام باب المنزل الذي كان بالأمس مقرًا لزوجته السابقة، واليوم أصبح سجنًا لزوجته المستقبلية، تلك المرأة التي تسببت له مشاكل وأرق أكثر مما سببت توبة وقت وجودها، على الأقل توبة لم تكن تحطم عظام رجاله إن اقتربوا من منزلها، بل كانت تكتفي بتهديدات مرعبة بالبتر أو القتل، لكن هذه...

"زوجة أرسلان" أكبر وصف لمقدار الشر الكامن داخلها. وصل لباب الغرفة يبصر رجاله يقفون عليه مرتعبين من الدخول وإحضارها له بعدما طلبها، تنفس بشكل مرعب وهو يهمس بجنون: _ما الذي تفعلونه هنا؟ ألم آمركم بإحضار المرأة أيها الحمقى. تحدث أحدهم بتردد: _سيدي لقد... لقد رفضت المجيء وقد أخبرتنا أنها لا تود رؤية وجهك القميء.

اتسعت أعين أنمار بصدمة مما سمع، فشحب وجه الشاب سريعًا وقد أدرك ما نطق به للتو، يحاول التحدث وتعديل ما خرج منه دون أن ينتبه وقد بدأت حروفه تتعثر في طريقها خارج فمه: _أقصد... لم... لا أعني هذا، لكن هذا ما أخبرتنا هي به... اشتعلت أعين أنمار وهو يبعدهم عن وجهه بجنون صارخًا: _ابتعدوا عن وجهي، أقسم أنني سأريكم الويل أيها الجبناء، مجرد امرأة وترعبكم وتأمركم، ماذا أنتم فاعلون إن قابلتم رجال الممالك؟

صمت الجميع ولم يتحدث أحدهم بكلمة واحدة، بينما هو اقتحم الغرفة دون حتى طرق أو تنبيه، فقط اقتحمها دون مقدمات يصيح بجنون: _أنتِ أيتها الـ... فجأة صمت حين أبصرها تجلس على الفراش مقابل الباب شاردة في النافذة المجاورة، ومن ثم رفعت عيونها له بهدوء تراقبه دون ردة فعل، بينما هو اقترب منها يهتف بضيق وغضب قاصدًا إهانة قد تهدأ نيرانه: _ما الذي أخبرتيهم به ليتبعوا أوامرك بهذا الشكل؟ وعدتيهم بليلة أم ماذا؟

ابتسمت له بسمة صغيرة وهي تجيب ببساطة ترتشف بعض الماء جوارها ببرود كاد يحرق أعصاب أنمار: _فقط ذكرت لهم نفس السبب الذي يدفعك للموت رعبًا. رفع حاجبه وقد ارتسمت بسمة جانبية ساخرة على فمه، يضم يديه صوب صدره: _أوه هكذا إذن، وهذا اعتقادك الخاطئ؟ أنني أخشى ذلك الحقير أرسلان؟ حقًا؟

ختم كلماته وقد أصبح أمامها مباشرة لتنزل قدمها وهي تهبط تقف مواجهة له مبتسمة بسمة هادئة موترة رغم الإرهاق والرعب الذي يتراقص داخل قلبها وقد كان جزء من هذا الرعب موجهًا لزوجها، لا تدرك ما حدث معه، والخوف كل الخوف أن يكون قد تأذى جراء مؤامرة هذا النجس أنمار. ورغم كل أفكارها السوداء التي تدور داخلها، فقد علمها عملها ألا تظهر للمجرم تفوقه عليها وتلعب على كامل أوتاره لتدفعه دون شعور منه للحافة، لذا وبهمس خاطبت عقله الباطن:

_أولست؟ _لا، أنا لا أخشى ذلك الرجل ولو بمقدار شعرة، ولن أفعل، أرسلان سيكون آخر رجل قد يؤرقني مواجهته. ابتسمت له بسمة مريبة وهي تنظر لعيونه بتركيز جعله يتعجب قبل أن تتحدث بصوت خافت: _عيونك... رفع حاجبه بسخرية وهو يميل برأسه مغازلًا بشكل قذر: _جميلة ها؟ _ترتجف لذكر اسم أرسلان. ختمت كلماتها وهي تبتعد عنه ببطء تاركة إياه يقف مبهوتًا أمامها، وقد وجدت مدخلها له، تكمل بكل بساطة:

_أرسلان سيكون آخر رجل يؤرقك مواجهته صحيح، لأنه سيكون محطتك الأخيرة صوب جهنم. رفع لها عينيه وقد اشتعل بها الشر مخفيًا خلفه خوف من فكرة هزيمة على أيديهم، وهي اتسعت بسمتها تراقب حركة جسده المتململة، وقد اكتشفت شيئًا صغيرًا لطيفًا، هذا الرجل أفشل من تعاملت معهم فيما يخص كبت الانفعالات. _هل تعتقد أن مجرد سهم مسموم سيقتل أرسلان؟ أتدري عدد الجروح التي رأيتها بجسده؟

كم ضربة كانت من المفترض أن تكون قاتلة ونجى منها برحمة من الله، فهل تعتقد أنك ستصيبه بسوء لم يكتبه الله عليه؟ صمتت ثواني تراقب صمته وهو ينظر لها دون ردة فعل فقط أعين شاردة في حديثها، لتلقي كلماتها الأخيرة: _من يدري ربما يكون الآن يعد لك العدة ليباغتك في عقر دارك ويدكه أعلى رؤوسك ومن معك من الفاسقين. رفع أنمار رأسه بسرعة مرعبة صوبها يحدق فيها دون كلمة واحدة قبل أن تشتد ملامحه بشكل مرعب وهو يندفع للخارج

دون كلمة يصرخ بالجنود: _لا أحد يدخل لهذه المرأة ولا تخرج هي وإلا لن أجد أمامي سواكم لقتله. ختم كلماته يتبعه بصرخة آمرة تحمل خلفها الوعيد: _تجمعوا، الجميع بلا استثناء أريدكم في المقر الآن. اتسعت بسمة سلمى بقوة وهي تراقبه تهتف بانتصار وهي ترى الباب ينغلق شيئًا فشيئًا وكان آخر ما أبصرته هو وجه أنمار المشتعل وهو يتحرك بعيدًا. _وهذا ما يسمى الاحتراق البطيء واستنزاف العدو نفسيًا... ***

توقفت أمام الجناح الخاصة بوالدها وهي تعلم أنه يلحق بها مخفضًا رأسه كي لا يبصره أحد في المكان، استدارت له ببطء وهي تراقبه، ثم فتحت باب الجناح: _رجاءً حاول جهدك لمساعدته، سأ... سأكون في جناحي وسأوصي بعض الحرس هنا بمساعدتك في حالة احتجت لشيء، و... سأخبرهم أنك أحد الحكماء من الشمال.

كادت تتحرك بعيدًا عنه لكنها توقفت في نفس اللحظة التي كاد يفتح فمه بها يوقفها بأي حجة تخطر على عقله، فمبجرد استدارتها رفع يده وفتح فمه للحديث ولا يعلم ما عليه قوله لكنها مجرد حجج واهية يزيد بها الوقت رفقتها. ولم يكد يتحدث كلمة حتى استدارت له ليخفض هو يده بسرعة وهو يبعد عينيه عنها يدعي أنه على وشك دخول الجناح، لترفع هي حاجبه بسخرية من أفعاله. _ماذا؟ توقف ينظر لها بعدم فهم: _ماذا؟ _كنت تريد قول شيئًا؟ _لا وأنتِ؟

ابتسمت بسخرية وهي تنظر ليده التي كان يرفعها عاليًا، ليحركها هو يضعها على خصلات شعره يرتبها وكأن ذلك كان مبتغاه منذ البداية بتضحك ضحكة مكتومة أشعرته بالحمق من أفعاله التي تخرج دون تفكير أمام عيونها. أما عنه فقد أبعد عينيه عنها يحاول الحديث بأي كلمة تزيح غيمة الغباء التي أحاطته في وجودها، وهي فقط تنظر أرضًا تحاول إخفاء ضحكاتها المكتومة، ثم رفعت عينيها له بسرعة جعلت يتوتر لثواني قبل أن يتماسك لتتساءل فجأة ودون مقدمات:

_كنت قائد جيوش أبي الثاني صحيح؟ رمش دون فهم لغرض السؤال لكنه هز رأسه بهدوء لتكمل هي حديثها ساخرة: _الغريب أنك تنتفض كل ثانية بشكل غير متوقع، لا أعرف لماذا لكنني لا أراك تلائم دور قائد الجيوش، لا أتخيلك ترتدي درعًا وتحمل سيفًا وتقود جيشًا. ابتسم لها بسمة صغيرة ولم يتحدث كلمة واحدة يجيبها بها، سيدعها تتخيل ما تريد فهو لن يبدأ بالتفاخر الآن بمهاراته في القتال وقدرته على قيادة جيش أبيه في كثير من المعارك.

نزار، الذي كان التلميذ الثاني لوالده بعد سالار، تشرب من الملك آزار كل أساليب القتال ووظفها بطريقته الخاصة، فكان له أسلوبه الخاص في القتال. ورغم كل مسؤولياته في قيادة الجيش إلا أنه لم يتخل عن حلمه في دراسة الطب وعلم السموم وأصبح محاربًا برتبة طبيب وعالم، فشكل هدوئه وصمته رعبًا أكبر من تحدثه، كان أشبه بالموت الصامت والخبيث الذي يتسحب بين أوردتك دون شعور منك. هز رأسه لها بهدوء:

_سأفحص في البداية الملك بشكل دقيق وحينما أحدد ما أحتاجه سأخبرك بما ينقصني، لا أريد إزعاجًا من أيًا كان إذا سمحتي. ختم كلماته يميل جزئيًا لها، ثم تركها تنظر له بصدمة متحركًا صوب باب الجناح الخاص بالملك بارق وأغلقه بهدوء بعدما استأذن منها باحترام. وهي فقط تحدق بالباب مصدومة من كلماته: _إزعاجًا؟ يقصدني أنا بالإزعاج؟

أما في الداخل فبمجرد أن خطى للجناح حتى ابتسم بسمة صغيرة وهو يستقبل الملك بارق يخفض رأسه ملقيًا تحية صامتة، ثم اقترب منه بهدوء شديد وخطوات معدودة حتى توقف أمامه يميل هامسًا: _السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عساك تكون بخير إن شاء الله جلالة الملك.

صمت ثواني، ثم مال يمسك كف يده مقبلًا إياه كما اعتاد قديمًا، يرفع كفه يضعه على خصلات شعره يربت عليها مبتسمًا يتذكر حركة بارق له قديمًا وهو يداعب خصلاته ليستفزه، لكنه كان يستقبل الأمر ببسمة هادئة ولا يتحدث بكلمة ليكون رد بارق في كل مرة هو ضحكة صاخبة وهو يضمه له متحركًا مرددًا بصوت حانق مصطنع: "أنت يا فتى هادئ ومطيع بشكل مستفز". اتسعت بسمة نزار وهو يجلس على ركبتيه جوار الفراش الخاص به يهمس بهدوء وهو يحدق بوجهه:

_وابنتك جلالة الملك مستفزة وعنيدة بشكل جنوني، و... مثالية، للأسف أدركت ذلك متأخرًا جدًا رغم أنني كنت آتيك أكثر مما أزور أية مملكة، عجيبة هي الحياة ها؟

ختم كلماته مبتسمًا، ثم فتح الحقيبة التي أحضرتها له توبة وبدأ يفرغ ما فيها بسرعة ودقة. ومن ثم نزع لثامه يتحرر من كل قيوده، قبل أن يقترب من بارق ومن ثم أمسك بعض الأجهزة التي يستعملها عادة في الفحص وشرع يفحص كل علامات التسمم التي قد تدله على السم المستخدم ليدرك المصل المعالج. _بسم الله... ***

يقف في منتصف الغابة يراقب بقع الدماء التي نتجت عن الهجوم الغادر على موكب الملك، ومن ثم رفع عينيه بهدوء يحركها في الأجواء الهادئة حوله. وقد كانت عيونه هي كل ما يمكنهم أن يبصروا من وجه المعتصم وقد أعادت هيئته الخشنة هذه في أذهان بعض الرجال، صورة المعتصم الأولى له في المملكة حينما تنكر واختلط بينهم وعلمهم القتال. تحرك في المكان وهو ينحني يدقق النظر في الآثار التي تقبع أسفل أقدامه، وقد كانت ترشده للجهة التي تحركوا لها.

_سيدي لقد فحصنا المكان ولم نجد شيئًا صوب بقايا سهام وبعض الثياب الغريبة. رفع لهم المعتصم نظره وهو يلتقط الثياب من بين يدي الجندي يدقق النظر بها قبل تجذب نظرة علامة مميزة جعلت عينيه تضيق بتفكير يزيد من قبضته على الثوب، ثم نظر للجهة التي تحرك لها الجميع ثواني ومن ثم ابتسم وهو يتحرك صوب حصانه يتحدث بكل بساطة: _لنعد إلى القصر.

تعجب الجميع قراره المفاجئ، ورغم ذلك لم يتناقش به أحدهم معه، أما عن المعتصم فقد كان يرسم في عقله ما سيفعله بمجرد العودة، وقد أدرك نصف اللعبة التي أحيكت ضد أرسلان. كان يتحرك يقود جيشه صوب القصر عائدًا والشر هو كل ما يلمع بعينيه، يتوعد للجميع. _يبدو أنهم لن ينتهوا أبدًا، الخائنين سيظلون بيننا حتى يأذن الله بفنائهم... *** _سالار فقط توقف عن الدوران ودعني أفكر بشكل صحيح أرجوك، لا تزدها عليّ.

توقفت أقدام سالار عن التحرك وهو ينظر صوب إيفان الذي كان يحدق في الفراغ يحاول التفكير فيما سيفعل بشأن زوجة أرسلان. _فعلها ذلك الخسيس، ألا لعنة الله عليه وعلى ذكوريته المزعومة لذلك المخنث. ختم كلماته يبصق في الهواء جواره بصقة وهمية ممزجة، يتذكر كلمات الأميرة توبة عن ذلك المكان الذي أجبرت على البقاء به والمعاملة التي كانت تفرض عليها ليشتعل دمه غضبًا وهو يشعر بالجنون يكاد يصيبه.

وايفان يراقبه بغضب يكبته قدر الإمكان، يبدو أن الحياة لم تقرر بعد الابتسام لرفيقه، أن تُأسر زوجته على يد أحد الكفار لكرب عظيم قد يصيب أي أحد فما بالكم بأرسلان الذي كان يأبى عليها نظرة عابرة غير مقصودة حتى. نظر صوب أرسلان وهو يضم كفيه مفكرًا، لم يكن من مصلحتهم الهجوم الآن، ليس حسب خطتهم الأخيرة على الأقل، لكن أسر ملكة مشكى يغير كامل القواعد.

أما عن سالار فقد كانت عيونه حمراء وبشدة يتخيل لو أن ما حدث لتوبة ولسلمى قد يمتد ليشمل نساءهم جميعهن ومنهن زوجته. انتفض جسد إيفان على صوت المزهرية التي حطمها سالار بقوة لينظر له بصدمة من فعلته، فسالار ورغم بأسه في الحروب لم يظهر يومًا غضبًا وتحفزًا بهذا الشكل. أما عن سالار فقد كانت أعصابه تحترق، أكثر ما يكره في حياته أن يُقحم أي خسيس النساء بالحروب. _سالار ما بك؟ لقد...

ولم يكد يكمل جملته حتى سمع صوت الباب يُفتح بسرعة كبيرة وجسد آخر شخص توقعه يندفع بجنون وهو يصرخ برعب ووجع: _أخـــــــــــــــــــــي... اخفض سالار رأسه بمجرد أن اقتحمت كهرمان غرفة أرسلان يبعد عينيه للخارج ليبصر زوجته تقف وهي تنظر لما يحدث بأعين دامعة تجاورها تبارك وفي الخلف يقبع دانيار والذي أبى أن يأتوا وحدهم من سفيد لمشكى بمجرد تسلمهم الخبر من الجنود الذين عادوا دون الملك أو القائد.

تحرك سالار بسرعة صوب تبارك بلهفة شديدة يشكر الله على وجودها في هذه اللحظة تحديدًا والتي كان في أمس الحاجة لها بها، مر بها وقبل أن تتحدث كلمة كانت يد سالار يجذبها بسرعة مستأذنًا من الباقيين بكلمات مقتضبة ينأى بها عن الجميع لغرفته التي تقبع في أقاصي المكان وتبارك تتحرك خلفه بسرعة ورعب وهي تهتف بعدم فهم: _سالار؟؟؟ ***

أما عن كهرمان والتي بمجرد أن سمعت الخبر حتى وضعت حجابها تتحرك مهرولة من القصر تصر على السفر ولو كان سيرًا رافضة كل محاولات تميم أو دانيار في قمع رغبتها، تصرخ في الجميع أنها لن تهدأ حتى تبصر أخاها أمام عينيها بخير حال. سقطت جوار فراشه وهي تهتف بلوعة ورعب تتمسك بكفه باكية بقوة: _أخي ما بك؟ سقطت دموعها أكثر تبكي بحرقة كبيرة وهي تهتف والوجع رفيق صوتها ونبرتها خرجت مذبوحة:

_لا تفعل هذا بي ثانية، أتوسل إليك، والله لن أحتمل حياة لست بها يا أرسلان، ارجوك ارجوك كن بخير لأجلي على الأقل، أتوسل إليك يا أرسلان لا تفعل هذا بي، لا تجبرني على العيش يتيمة مرة ثانية بعدك. ختمت حديثها تستند برأسها على يده باكية بكل حرقة وقد عادت لها نفس مشاعر البؤس واليتم التي جربتها ذلك اليوم وهي تخرج من القصر هاربة بعدما وصل لها خبر قتله، ارتجف صدرها وهي تهمس بحرقة وقهر: _يا أخي أرجوك... أرجوك... أنا أرجوك.

ويبدو أن لسانها قد عجز في هذه اللحظة عن الخروج بأي كلمة أخرى، إذ اخذت تتوسله دون توقف، لا تقدر على إيجاد كلمات أخرى.

أما عن إيفان فاقترب منها يجلس أرضًا جوارها يربت على كتفها، يحاول أن يشد أزرها وهو من يحتاج لمن يشد أزره، ولد وحيدًا ولم يبأس لأنه ومنذ وعى لهذه الحياة وجد أرسلان جواره يخبره أنه أخوه، بل ووصل به الأمر على إجباره أن يتخذه أخًا، فقد كان إيفان في طفولته يفضل الوحدة وينطوي بنفسه عن الجميع متخذًا من الكتب رفقاء، قبل أن يقتحم أرسلان حياته يجذبه من ثيابه بقوة مجبرًا إياه على الخروج معه للحديقة وهو

يتحدث بلا اهتمام كعادته: "يا فتى سينبت لك كتاب بدلًا من رأسك هذه، توقف عن القراءة لثواني واستمتع بالحياة." "لكنني أستمتع بها وأنا أقرأ يا أرسلان لذا لمَ تستمر في إزعاجي، دعني أفعل ما أريد وتوقف عن همجيتك هذه." توقفت أقدام أرسلان الصغير وهو ينظر له من أعلى لأسفل

باستنكار وبسمة ساخرة: "الكتب لن تقف في ظهرك يومًا إن غُدر بك، ولن تربت عليك إن بكيت ولن تؤنس وحدتك يا أخي، تحتاج للبشر في حياتك كذلك، اكتسب منهم ما استطعت فيكونون لك عونًا في حياتك، وأحسن انتقاء من تصاحب، هكذا تخبرني أمي، ولم أجد أفضل منك لتصاحبني حتى إذا بكيت أنت يومًا أصفعك لأن الرجال لا يبكون، ومن ثم أضمك لأنك أخي، أولست؟! ابتسم إيفان وهو يراقب جسد أرسلان المسطح على الفراش بتعب واضح وشحوب مخيف، وجسد

يرتجف كل ثانية بشكل مرعب: _وأكثر يا أخي. تنهد يضم له كهرمان بقوة وهو يهمس لها بكلمات خافتة حنونة: _سيكون بخير يا عزيزتي لقد أخبرني زيان طبيبه أن الأمر سهل إن شاء الله خاصة أن أخيك عنيد كالثور لن يهزمه سم ضعيف كهذا صحيح؟ رفعت كهرمان عينيها له تهمس بوجع: _أنا خائفة يا إيفان، كثرة الضربات تفتت الصخر.

_وشقيقك ليس صخرة يا كهرمان، بل صوان عزيزتي، لو كان صخرة لتفتت منذ سنوات طويلة، حمدًا لله أنه ما يزال بعقله بعد كل ما مر به، سيكون بخير يا عزيزتي. صمت يربت عليها ولم يشعر أنهما أصبحا وحدهما في المكان بعدما خرج الجميع تاركين إياهما دون إزعاج، بينما كهرمان شردت في أرسلان تهمس بصوت منخفض مرتعب: _أخي نضج على الوجه أخشى أن يعتاده فلل يشعر بعدها بشيء ويصبح بلا روح. ابتسم إيفان بسمة صغيرة حزينة على صديقه:

_لا أعتقد، فأخيكِ وجد روحه يا كهرمانتي، وجد روحه قبل أن... "يسرقوها عليه ويسلبوه إياها". كلمات كبتها بصعوبة داخله وهو يضغط على يده بغضب شديد يتوعد لهم بالويل، أرادوا إخراج أسوأ ما فيه لذا ليتحملوا... نظرت له كهرمان بعدم فهم: _ماذا لم أفهم، هل حدث شيء أجهله؟ _كنت سأخبرك بمجرد عودتي، لكن أمر الله نفذ قبل ذلك.

اعتدلت كهرمان في جلستها وهي تنظر له بعدم فهم تحاول أن تلتقط مقصده من نظراته، لكن منذ متى استطاع أحدهم اختراق عقل إيفان؟ _إيفان تحدث بما تعلم فأنا لا أمتلك عقلًا الآن يمكنه التفكير بشيء ما الذي حدث لأخي ولا أعلمه؟ ابتسم لها يضمها مربتًا عليها بحنان كبير: _لقد... تزوج أخوك. اتسعت أعين كهرمان بقوة وهي ترتجف للحظات بين يدي إيفان الذي ضمها له أكثر يربت عليها هامسًا بصوت حنون:

_لقد جاء الأمر دون تخطيط منه، ولن يخبر أحدًا لضيق الوقت وقد نوى أن يخبرنا ويدعونا لإشهار العقد، لكن حدث ما حدث، و... قاطعته بهمسة واحدة: _سلمى؟ _نعم. اتسعت بسمة كهرمان وهي تنظر لوجه إيفان بسعادة طاغية وقد بدأت دموعها تتجمع مجددًا داخل عينيها: _هل... هل أنت جاد؟ أخي تزوج سلمى؟ وكيف... رأيته معها؟ كيف كان؟ سعيدًا؟ سقطت دمعتها مع كلمتها الأخيرة وهي تأمل بأن يجيب بنعم، تتمنى وتدعو الله أن يعثر أخوها على سعادته المنتظرة.

أما عن إيفان والذي توقع حزنًا من جهتها لأن أرسلان لم يخبر أحدًا ونسي أن زوجته تتغاضى عن كل شيء طالما أن النهاية ستكون بسمة ترتسم على شفتي شقيقها، أرسلان الذي كان والدها الفعلي منذ طفولتها، يدرك أكثر من الجميع أن أرسلان كان حائط الصد أمام شقيقته يتلقى كل الضربات على أن تكون كهرمان سعيدة ومبتسمة.

_يكفيكِ معرفة أنني لم أبصر أرسلان يبتسم من قلبه منذ سنوات سوى معها، لقد رأيت منه جانبًا ظننت أن الله سيأخذ روحي قبل أن أبصره بأخيكِ. انتفضت كهرمان تمسك يده برعب: _يا ويلي لا تتحدث بهذه الطريقة يا إيفان، عسى أن يديم الله وجودك جواري. ختمت كلماتها تستدير صوب أرسلان ببسمة واسعة تهمس بسعادة وقد تساقطت دموعها تقترب منه تميل على جبهته تقبلها بحنان: _عساها تكون سعادة العمر ورفيقة الحياة يا أخي، مبارك لك رفقتك يا عزيزي.

نظرت لإيفان الذي كان يطالعها بحنان وحب لتخجل هامسة: _و... أين هي... أين هي سلمى؟ هل هي بخير؟ السؤال الذي تمنى ألا تطرحه زوجته ليس في الوقت الحالي وهو لا يمتلك إجابة قد تريح صدرها، نظر أرضًا وهو يضغط على يده بقوة وغضب يفكر فيما يحدث مع رفيقه. _كهرمان لقد كانت جلالة الملكة مع... مع أرسلان في الوقت الذي هاجم به. انطلقت شهقة مرتفعة من فم كهرمان وهي تتحرك ببطء صوب زوجها تنظر له بتردد تحاول أن تدرك ما

يقصده من ذلك الصمت المرعب: _و؟؟؟ هل هي... هل أصيبت كأخي؟ رفع عينيه لها عاجزًا وغاضبًا يحاول كبته، غضب جعل كهرمان تتوقع الأسوأ فغضب رجل كإيفان ليس من السهل أن يغضب، رجل لا تستفزه الحروب ولا الاتهامات ولا يحركه شيء، ما أسوأ ما يمكن أن يحدث ليصدر هذا الغضب منه؟ ولكن إن توقعت كهرمان السيء، فما حدث كان الأسوأ إذ نطق إيفان بصوت منخفض وهو يتنفس بصوت شبه مسموع: _كانت معه في الموكب نفسه وقت الهجوم و...

أصابوا شقيقك بسهم مسموم غدرًا من بين الأشجار حينما كان في قتال مع اثنين بالسيوف و... أسروا زوجته...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...