الفصل 30 | من 47 فصل

رواية اسد مشكي الفصل الثلاثون 30 - بقلم رحمه نبيل

المشاهدات
28
كلمة
12,825
وقت القراءة
65 د
التقدم في الرواية 64%
حجم الخط: 18

أصوات الهواء هي كل ما يمكن سماعه في المكان، إذ يبدو أن أجواء مشكى في هذا الوقت من العام بدأت تشارك الجميع عواصفهم الداخلية وتجسدها على أرض الواقع. وعلى عكس المتوقع، ارتسمت بسمة واسعة على فم أرسلان، بسمة كبيرة لا تليق لتسميتها بسمة في الواقع، لولا أن المسمى الوحيد لحركة فمه تلك في اللغة كان ابتسامة، لذا كان يمكن تسميتها بسمة ويُضاف لها ما يخفف من لطفها كـ "مرعبة".

"يبدو أن الأميرة توبة غفلت عن تفصيلة صغيرة في قصتها وهي ترويها علينا." سالار نظر صوب آزار، والذي كان في هذه اللحظة يراقب ما يحدث بوجه شاحب بعض الشيء، يحاول الحديث بأي كلمة من شأنها أن تخفف من الوضع: "ربما نحتاج للتفكير أولًا في الأمر قبل التحرك أرسلان، نحتاج لعقد اجتماع لتقرير الخطوة القادمة و... نظر له أرسلان ببسمة صغيرة، ثم حرك كتفه بهدوء شديد، يهتف بصوت هادئ لا يدري سالار من أين جاء به أرسلان، والذي كان عنوانًا

للعنفوان والغضب: "دعنا نتجاوز الحديث في هذا الأمر جلالة الملك، فأنت تعلم أنني لن أكون لطيفًا فيما يتعلق بهذه النقطة تحديدًا." "أرسلان، لا يمكنك التصرف في هذه الأمور وحدك، خاصة وأن المعني هو أحد أفراد مملكتي و... "وهذا الفرد ماذا فعل مولاي؟ خالف أوامرك وحكمك وهرب منك صحيح؟ إذن دع الأمر لي وأنا أتولى من هنا، إذ يبدو لي أنك لم تحسن تربية ولدك جلالة الملك، لذا دعني أنا أتعامل معه و...

ازداد غضب آزار من سخرية أرسلان اللاذعة، وشعر أن النيران نشبت في صدره وقد أحاطت به شياطينه، وهو يهتف دون تحكم بغضبه، وقد كان هذا أسوأ ما يمتلكه آزار، فإن كان أرسلان متهورًا درجة، فأزار كذلك مائة درجة: "لكل هفوته أرسلان، كان نزار هفوتي كما كنت أنت هفوة كبيرة بالنسبة لوالدك، فكلنا نعلم أن نهاية والدك لم تكن الأفضل بسببك و...

فجأة توقف حديث آزار، والذي كان صادرًا من أب معذب مكلوم يقف على حبل رفيع بين واجبه وبين مشاعره كأب مجروح من ولده. توقف عن الحديث بسبب صرخة سالار، الذي هتف بصوت مرتفع هز جدران المكان، ولأول مرة يتجرأ ويصرخ في وجه آزار: "خـــــــــــالـــــي."

انتفض جسد آزار ليس رعبًا من صرخة سالار، بل صدمة بما نطق به لا وعيه، وكأنه لم يتحكم بكلماته التي خرجت منه وخرجت من جزء اللاوعي دون سيطرة من عقله. اتسعت عيونه برعب وهو يرفعها بتردد صوب وجه أرسلان، الذي كان كالصخرة لا يشي بشيء بداخله ولا يعبر عن نيران صدره. ارتجفت يد آزار بلا شعور وهو يهمس بصوت خافت: "أرسلان، والله الذي لا إله إلا هو كان شيطاني هو من يتحدث و...

ابتسم له أرسلان بسمة صغيرة، ثم حرك رأسه بهدوء، يهتف له بنبرة لا توحي أيًا مما يكمن داخل صدره: "لا بأس جلالة الملك، نتحدث إذن حينما ينصرف شيطانك." ختم حديثه، يربت على كتف آزار، ومن ثم نظر صوب سالار بنظرة سريعة، ومن بعدها هز رأسه مودعًا، يرحل من أمام الجميع، تاركًا آزار يراقب ظهره بعجز وصدمة واحتقار لذاته. "هل تعتقد أنه قد... قد... يحمل في نفسه شيء مني و... والله لا أعلم كيف نطقت تلك الكلمات.

صمت بعجز وقلة حيلة، بينما نظر سالار صوبه بلوم سرعان ما أخفاه، وقد أشفق على خاله من مقدار الوجع الظاهر في عيونه. حرك عيونه صوب الطريق الذي سلكه أرسلان قبل ثوانٍ، ثم تحدث بوجع لأجله: "لا تقلق خالي، حتى وإن فعل، فأنت تعلم أن أرسلان لا يطول غضبه، وخاصة منك، وهو يعلم مكانته لديك، وأنك تعتبره ولدًا لك." كانت كلمات سالار أشبه بجلدات وعتاب خفي لآزار، الذي شعر بالقهر الشديد وهو يهمس بصوت موجوع:

"والله لم أقصد، الله وحده يعلم مكانتكم جميعًا في قلبي، وأنني لم أحصل على ولد واحد فقط، بل كنتم جميعكم بمثابة أولاد لي وعوضًا عما حدث." صمت، ثم همس بصوت مذبوح: "هل يجب أن نخبر إيفان، لعله يساعدنا في أمر أرسلان؟ "دع في البداية أرسلان يشفي جروحه ويعود، ومن ثم نرى ما يمكننا فعله له." *** "مولاي، لقد...

توقفت كلمات تيم قبل أن يخرجها من فمه، وهو يبصر وجه أرسلان الذي كان مسودًا بشكل مرعب، يتحرك بعيدًا عنه صوب المنطقة الخلفية للقلعة، وكأنه يختفي بنفسه عن الأعين بحثًا عن ركن هادئ لينهار، ركن هادئ ليرثي نفسه ووالده وطفولته وشبابه وحياته وبلاده، يرثي عمره.

وأثناء تحركه صوب تلك البقعة التي لطالما جعلها ملجأ له من كل أحزانه، أبصرها تتهادى مع شقيقته وزوجة دانيار بعيدًا عن أبصاره. وفي لحظة تهور، كاد يتحرك صوبها يجذبها من بين الجميع، معلنًا أحقيته فيها وأنه الآن الأشد احتياجًا لها من الجميع، لكن ليته استطاع كسر كبريائه والتحرك لها وأخبارها أنه يحتاجها. ليته، وليت الأماني تتحقق... *** "مرحبًا سيدي، أنا إلياس ابن خالتها لفاطمة وخطيبها...

جملة كانت بمثابة قماشة حمراء لثور في أوج حالات غضبه، إذ كان المعتصم في هذه اللحظة لا يفهم ما يقول هذا الرجل. فقط مد يده يبادله المصافحة، وهو يبتسم بسمة غريبة بعض الشيء تحت أعين فاطمة المتعجبة وألطاف المصدومة. "المعتصم بالله زوج فاطمة." ختم كلماته، وهو يوسع بسمته الغريبة، يضغط على يد إلياس، الذي دار برأسه بين الجميع بعدم فهم، قبل أن تتوقف عيونه على فاطمة خلف المعتصم، والتي كانت تنظر له بريبة. "ماذا؟

هل تمزح معي يا سيد؟ زوجة من؟ "زوجتي." "هل أنت مجنون؟ كيف تتزوج مخطوبتي؟ "أمر الله يا بني. استيقظت في يوم وجدت نفسي متفرغًا، فقلت: لم لا تقضي وقت فراغك هذا يا المعتصم في شيء مفيد كالزواج من فاطمة مثلًا؟ وهكذا ذهبت لها وعرضت عليها الأمر، وهي وافقت، وأحضرنا الشيخ وعقد قرانا، وهكذا أصبحت زوجتي. والآن أنا متشوق لسماع قصتك وكيف كانت زوجتي مخطوبتك يا سيد؟

كان إلياس يتابع كلمات المعتصم الساخرة، والتي تخفي خلفها غضبه، حتى انتهى. وحينما فعل، رفع عيونه صوب فاطمة يسألها بصدمة: "فاطمة، هل هذا الرجل جاد؟ وفجأة شعر بيد المعتصم تعيد نظراته له، وكأنه على وشك خلع رقبته، وهو يتحدث بتحذير: "حديثك معي يا هذا، لا توجه كلماتك لزوجتي." نظر صوب فاطمة وأشار لها بعيونه أن تتحرك للداخل، لكن فاطمة كانت تقف مصدومة لا تفهم شيئًا مما يحدث، ليصرخ بها المعتصم: "فاطمة، تحركي للداخل رجاءً."

تدخل إلياس بغضب، وهو يجذب رأس المعتصم له بضيق: "لا تصرخ بها هكذا، فاطمة ادخلي واحضري أغراضك، دعينا نرحل من هنا." نظر له المعتصم بشر، ولم يكد يتحرك حتى يجز عنقه لتجاوزه بهذا الشكل وتحدثه لزوجته أمامه بهذه الطريقة. لكن سبقته كلمات فاطمة، والتي نظرت للشاب بأعين ضيقة، وكأنها تفكر في شيء ما، قبل أن تتحدث بكل جدية وبراءة: "من أنت؟ اتسعت أعين الجميع في المكان، وفاطمة نظرت صوب المعتصم بأعين هادئة، وهي

تردد بصوت خافت وصل للجميع: "هذا الرجل هناك يشبه رجلًا آخر زارنا منذ سنوات وتشاجر مع أمي، ومن ثم رحل بعدما كسر الكوب الخزفي الأحمر الخاص بأمي، والذي اشترته في يوم ميلادي التاسع." كانت تتحدث والمعتصم يراقبها بأعين مصدومة من كلماتها، حتى انتهت من سرد قصتها القصيرة، والتي وصلت لمسامع الجميع لتثير حالة من التعجب في المكان. أما عن المعتصم، فلم يقاوم نفسه، وهو يهمس بصوت خافت: "تتذكرين كل هذا وتنسين أنني زوجكِ، حقًا؟

رمشت فاطمة وهي تنظر له بتوتر، وقد عجزت عن التفكير في رد على كلماته. وهو شعر بذلك، فقط ابتسم لها بلطف شديد، وهو يدفعها بعيدًا عن الباب، ومن ثم نظر لألطاف، وهو يقول بهدوء: "سيدة ألطاف، رجاءً كوني معها لحين أعود وأنهي حديثي مع هذا الرجل."

ومن بعد هذه الكلمات، لم يعطِ أحدهم فرصة كي يستوعب أو يفكر في رد، بل فقط جذب الشاب بعيدًا عن الباب، وهو يغلقه بهدوء كي لا يفزع فاطمة، يسحبه معه بعيدًا منعًا لوصول الصوت المرتفع لفاطمة. ومن ثم، وحين ابتعد به لأحد الأركان، ابتسم له بهدوء شديد: "والآن، رجاءً أخبرني بالتفصيل ما كنت تقوله في الداخل وأمام زوجتي عن كونك خطيبًا لها... ***

جلس على فراشه وهو ينظر أمامه بصدمة مما حدث، لا يصدق أنه كاد ينطق بما ضمر القلب، لا يتخيل أن لسانه تسلح بكل تلك القوة لنطق كلمات كبتها بجبن قديمًا. لكن يبدو أن شجاعة قلبه وتهوره أوهمته أن أحلامه ممكنة، أنساه أنها في النهاية مجرد أحلام. غفل عن أن ما من امرأة واحدة تقبل أن يرتبط اسمها باسم رجل وصفه الجميع بالخيانة والغدر وأوصاف لا تليق أن تلتصق بتوبة لمجرد أنها قبلت بعاصٍ مثله. أين لنزار العاصي بتوبة مثلها؟

سقطت دموعه دون شعور لأول مرة منذ زمن طويل، وهو يشعر بتفتت قلبه. وآه لو يسمح له الزمان لأخبرها بكل ما يدور داخل صدره، يخبرها أنه ليس بهذا السوء، أنه والله ندم على كل ما فعل، ليس هذا الشيطان الذي يتحدث عنه الجميع، هو نزار... نزار الرجل الذي عثر على ذاته بين أحضان توبتها. لكن هل تسمح له ويسمح له الزمان؟

ابتسم بسخرية وهو يضم قدمه لصدره، ينظر أمامه دون أن يحيد بنظراته عن الجدار، وكأنه يبصرها متمثلة هنا، ودموعه عالقة بين رموشه. يشعر أن السعادة لم تقرر بعد زيارة أرضه المقفرة، لن تُروى أرضه البور بقطرات الفرحة هذا العام، وقد بدا أن سنوات العجاف لم تنتهِ بعد، لم يأتِ عامه الذي يُغاث به. دخل الوليد في هذه اللحظة، وهو يتحدث بكلمات متلهفة، وقد عاد بالأخبار كما تعهد لنزار، والذي رغم أنه خرج من الجحر إلا أنه لم ينسَ

قسمه بالانتقام من الجميع: "نزار، اسمع آخر الأخبار. لن تصدق، لقد... اشتعل الجحر بكل من فيه و... توقف فجأة الوليد عن التحدث، وهو يبصر وضع نزار، الذي لم يكن يسمع ما قيل، وكأن الوليد لم يتحدث حتى جواره، فقط ينظر أمامه بلا رد. جلس جواره الوليد وهو يهزه بهدوء: "نزار، هل تسمعني؟ لقد أحضرت لك أخبارًا قد تسعدك و... "نزار، هل تبكي؟

تنفس نزار بصوت مرتفع، وهو يخفض وجهه، يغرسه بين أقدامه، يمسح دموعه، ومن ثم زفر بصوت مرتفع، ينزع رأسه عن أقدامه، ينظر للوليد بهدوء شديد، جعل الوليد يتعجب مما يرى، لا يفهم ما يحدث. "ما الذي حدث يا الوليد؟ "هل أنت بخير؟ ابتسم له بسمة مذبوحة، والجزار كان معروفًا، لكن من يلوم الجزار على ذبح الذئب الضار؟ "نعم، بخير حال. دعك مني وأخبرني ما الأخبار التي أحضرتها؟ ***

ويا ليت كان عذابها له مجرد دلال تمارسه عليه، ليته كان دلالًا تسوقه له، لكنه كان... كان... الأسوأ أنها لا تجد وصفًا لما بينهما، لا تجد وصفًا لما حدث. أخطأت، وكان خطأ أكبر من أن يمر دون عقاب، وما من عقاب أكبر من الاحتراق بنيران شوقها وحبها لرجل لا مرسى لأشرعتها على شواطئه. مسحت دموعها حينما سمعت صوت استيقاظ والدها وهو يناديها، انتفضت عن مكانها، تتحرك بسرعة صوبه، ترسم بسمة باهتة على فمها:

"أنا هنا يا أبي، هل أنت بخير الآن؟ أخبرني الطبيب أنك ستكون بخير حال، وهذه الغشاوة على عيونك ستزول بعد أيام قليلة وربما ساعات." مد بارق يده وهو يحاول الوصول ليدها، لتمسك هي كفه وتقبله بحب شديد، وهي تكبت صرخة قهر داخل صدرها، ترسم بسمة بصعوبة رغم علمها أن والدها لا يبصرها. ولم تكد ترفع عيونها له حتى سقطت دموعها على كفه، تكشف له ما حاولت مواراته خلف كلماتها منذ ثوانٍ. "توبة يا ابنتي، ما بكِ؟

حاولت توبة أن تبتلع غصتها كي تتحدث بصوت طبيعي لا يثير الفزع بقلب والدها، حاولت وحاولت حتى فشلت، وهي تقول بصوت خافت باكي: "لا شيء أبي، أنا فقط... وفجأة انهارت قوى تحملها، وهي تنفجر في بكاء مرير، تسقط أرضًا جوار فراش والدها، تدفن رأسها في الأغطية جواره، تهمس بصوت باكي كلمات غير مفهومة. أما عن بارق، فقد انتفض بفزع، يتحسس الفراش من الجهة التي يصله منها بكاء ابنته، يهتف بلهفة: "توبة يا ابنتي، ما بكِ؟

ما سبب بكائك يا ابنتي؟ هل كل شيء بخير؟ أنمار وطفلك بخير؟ ازداد بكاء توبة، وقد شعرت أن الحياة تلقي بكل ثقلها فوق اكتفاها، ولم تعد تتحمل كل هذه الأوجاع، لتصرخ بصوت باكي: "ليس بخير... ليس بخير يا أبي، طفلي ليس بخير... هز لقد قتله... لقد رحل... لقد... فجأة صمتت حينما استوعبت ما نطقت به في لحظة قهر ويأس مما يحدث معها، ووالدها توقفت يده في الهواء بعدما كان يبحث عنها بشكل محموم، وقد اتسعت عيونه وشحب وجهه فجأة،

يهتف بعدم فهم: "ماذا؟ لا أفهم. من الذي قتل من؟ من مات؟ ابتلعت توبة ريقها، وقد لعنت نفسها في هذه اللحظة، وشعرت بقرب توقف قلبها، وهي تنظر لوجه والدها ثوانٍ، وفي ثوانٍ اسودت الحياة أمامها، وعاد الظلام يجتاح حياتها بعد ساعات قليلة من النور... دقائق مرت قبل أن تندفع من جناح والدها، تركض بشكل هستيري بين طرقات القصر، وهي تبكي بصوت مرتفع ورعب، وكامل جسدها يرتجف بشكل مجنون، والجميع ينظر لها بخوف وعدم فهم.

تصطدم بهذا وذاك دون أن تتوقف للاعتذار أو التبرير، والجميع يتابعها بخوف، حتى أن بعض الحراس لحقوا بها بسرعة ليطمئنوا أن كل شيء بخير. وهي لا تعي ما يحدث، تركض بين الطرقات حتى وصلت للدرج، تهرول عليه وهي تكاد تسقط بسبب ثوبها وعدم رؤيتها للدرج أسفل أقدامها. وحينما وصلت لغرفته، أخذت تطرق عليها بعنف وشكل مخيف، جعل من بالداخل ينتفض بخوف، وقد أشار نزار للوليد أن يختبأ، وهو أخفى وجهه خلف اللثام، يخفي خنجرًا في ثوبه.

ولم يكد يفتح الباب حتى وجد يد توبة تمتد له، وهي تتعلق بثوبه صارخة ببكاء ورعب وتوسل: "نـــــزار أغثنـــــي، أبي لا يتنفـــــــــس." *** "حقًا زمرد؟ بالله عليكِ توقفي عن هذه الأفعال، ألم تنضجي يا امرأة؟ حركت زمرد السيف بين يديها، وهي تمنح سلمى بسمة واسعة، بينما الأخيرة تقف تضم يديها لصدرها دون أن تحمل سلاحها، وقد قررت أنها يمكنها محاربة امرأة مسلحة بسيف دون سلاح.

"كهرمان، هوني الأمر على نفسك عزيزتي، انظري لزوجة أخيكِ، أخذتها قطعة وسأعيدها قطعة كذلك، لكنني لا أعدك ما قد يحدث بتلك القطعة." ختمت حديثها، وهي تتحرك صوب سلمى، التي ظلت واقفة تنتظر اقترابها. وبمجرد أن رفعت سيفها، هتفت كهرمان بغيظ وغضب شديد: "زمرد، هل جننتِ؟ تحاربين امرأة بلا سيف؟ "أوليست هي من اختارت؟

وما كادت تنهي كلمتها حتى رفعت سيفها، تحركه بالقرب من جسد سلمى بحركة عادية لم تكن تقصد منه حتى هجوم، بل فقط كانت تمازحها، لكن يبدو أن سلمى لم تكن في مزاج للمزاح، وهي تتحرك بسرعة كبيرة تتجنب اتجاه السيف، وقبل أن تستوعب زمرد ما يحدث، كانت سلمى تمسك السيف، وهي تنظر لها ببسمة واسعة، ومن ثم تبعت البسمة بتحريك قدمها بكل بساطة، مسقطة زمرد أرضًا، ومن ثم انتزعت منها السيف، وهي ترفعه في وجهها:

"الأمر ليس بمن يحمل السيف، بل بمن يمتلك عقلًا عزيزتي." نظرت لها زمرد ثواني طويلة، قبل أن ترتسم بسمة واسعة على فمها، وهي تنظر لكهرمان خلفها، التي كانت تتابع ما يحدث باستمتاع شديد وعدم تصديق، تهتف بجدية: "حسنًا، أنا أحببت هذه المرأة، سنقضي اليوم في القتال." انتهت من كلمتها، وهي تنهض بسرعة تحمل السيف، تتخذ وضعية هجوم، بينما سلمى نظرت لها، وهي تتخيل مجرد مجرم يحمل سكينًا، وعلى هذا الأساس تعاملت معها.

شرعت زمرد تلقي بضربات ضعيفة متوقعة صوب سلمى، خوفًا أن تمسها بسوء، والأخيرة لا تحمل سيفًا، وكم كان ذلك الرفق في القتال أمرًا مرهقًا وبشدة، لدرجة أنها ألقت السيف أرضًا، تنفخ بضيق شديد. "حسنًا، هذا ليس ممتعًا. أنصحك بتعلم القتال بالسيف حتى أستمتع بالقتال دون أخذ الحيطة، هذا مزعج، وأنتِ تدربين طفلًا." ارتسمت بسمة جانبية ساخرة على فم سلمى: "نعم، هذا باعتبار أنكِ تتفوقين عليّ." "أنا أفعل يا فتاة و...

وقبل إكمال كلماتها، كانت سلمى تمد يدها تعرقلها، لتسقط زمرد أرضًا، وهي تطلق تأوهًا غاضبًا، ترفع عيونها صوب سلمى، التي ابتسمت لها بلطف وبراءة. ضحكت كهرمان عليها، وهي تتحرك كي تساعدها في اللحظة التي كانت زمرد تستعد لبدء قتال آخر. ومن ثم مدت كهرمان يدها، تساعدها على النهوض، مبتسمة: "هيا انهضي." أمسكت زمرد بيدها، وهي تنهض، تنظر لها قائلة بهدوء وعيون تطلق نيرانًا: "لا بأس بكِ يا فتاة." "لا بأس بي؟

يا امرأة، لقد طرحتك أرضًا منذ ثوانٍ مرتين، وقبل أن تدركي ما يحدث حولك، وتقولين: لا بأس بي؟ "هذا لأنني سمحت لكِ بهذا، لم أكن أتخذك خصمًا جادًا لي، فأنتِ أولًا عزلاء، وثانيًا زوجك متجبر، لذا أنا لا أحب المشاكل مع زوجك ولا زوج تبارك، فلا تفاهم لي معهم." أطلقت كهرمان ضحكة مرتفعة، وهي تهز رأسها موافقة: "نعم، هي محقة. زمرد، وقبل أن تكون زوجة دانيار، كانت مجرمة بالمعنى الحرفي وليس مجرد تعبير مجازي."

نظرت سلمى بصدمة لزمرد، التي أخذت السيف تنظفه، وهي تبتسم بسمة ساخرة: "آه منها الأيام، لقد كنت أستيقظ على جثة وأنام على كفن، لم أكن أنام هانئة البال إلا بعد إصابة خمس رجال بإعاقة دائمة وعشرة بفقدان حياتهم، ذكريات لا تُنسى والله." اتسعت أعين سلمى أكثر: "حسنًا، أنتِ مرعبة حقًا. ما رأيك بتلقي علاج مجاني معي؟ نظرت لها كهرمان، ومن ثم زمرد، التي اقتربت منها تربت على كتفها:

"عالجي نفسك في البداية يا ابنتي، فمن تحب وتتزوج رجلًا كزوجك تحتاج لعلاج فوري، بالله، ماذا وجدتِ بالرجل غير الغضب والصراخ والوجه الصخري؟ "هذا أخي زمرد." "وهذه الحقيقة كهرمان." ابتسمت سلمى على كلماتها، ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة، حتى أبصرت جسدًا من بعيد يعبر صوب جهة تقبع في نهاية القلعة، وذلك الجسد تعلمه جيدًا، والذي لم يكن سوى لزوجها العزيز. ضيقت عيونها، وهي تسير مبتعدة عن الجميع، تقول بلا انتباه لما تفعل:

"حسنًا يا فتيات، لحظات وأعود لكما، سأرى شيئًا وأعود." ومن بعد تلك الكلمات، اختفت في ذلك الاتجاه الذي سلكه أرسلان منذ ثوانٍ، تحت أعين زمرد المتعجبة، وأعين كهرمان المصدومة، إذ كانت سلمى تهرول في هذه اللحظة للجزء الذي كان محرمًا على الجميع أن يطأه، حتى مذ كان أرسلان مجرد مراهق يذهب هناك ليختلي بنفسه بعد كل شجار مع والده، أو كلما ضاقت به الحياة. تحدثت زمرد، وهي ترى نظرات كهرمان المتيقظة، والشحوب الذي

بدأ ينتشر على ملامحها: "كهرمان؟ ما الذي يحدث؟ "لا أدري، لكن عساه خير زمرد... *** تحركت في أعقابه، وهي تتعجب الطريقة التي يتحرك بها، وكأنه مخدر، وكأنه لا يبصر ما يحدث حوله، يسير دون حتى أن ينظر حوله، وكأن أقدامه تحفظ الطريق. وهي تتحرك خلفه بهدوء، ولم تكد تناديه تستفسر منه عما يحدث، حتى وجدته يتوقف أمام مبنى صغير، يدخل له بهدوء، ومن ثم أغلق الباب خلفه ببساطة.

اقتربت سلمى من المبنى، والذي كان بدائيًا بشكل غريب، لا يلائم القلعة ولا بنائها الفخم، بناء كما لو أن من بناه لم يكن يهتم لأن يحيا به إنسان. توقفت أمامه، وهي تنادي بصوت خافت مرتاب: "أرسلان... أرسلان، أنت بخير." لكن كل ما وصل لها هو الهدوء فقط، هدوء حتى كادت تظن أن من أحضرها هنا هو مجرد سراب، ولم يكن أرسلان.

ابتلعت ريقها، تخطو للخلف بنية التراجع، وهي تنظر حولها، تشعر بالغباء والتسرع، لم يكن عليها اللحاق به على أية حال، لربما أراد أن... ومن بين أفكارها تلك، انبثقت همهمات وأصوات خافتة، جعلتها تتعجب، وهي تقترب مجددًا ببطء شديد، تحاول أن تهدأ ضربات قلبها التي بدأت تعلو بشكل غريب، تقترب أكثر من الباب، وهي تفتح فمها تناديه مجددًا: "ارسلـ...

"أنا لم أرد أن أكون السبب في موتك، لم أقصد أن أكون كذلك، لم أرد ذلك، لم أبتغِ حكمًا ولم أسألك ملكًا، لكنني... كنت مضطرًا، أنا آسف أبي." شهقت سلمى بصوت منخفض، وهي تفتح الباب بريبة وخوف مما سمعت، ورغم أن أرسلان من قبل كان قد أكد لها بشكل غير مباشر أن كل ما سبق وسمعته كان صدقًا، إلا أن كلماته في هذه اللحظة كانت صدمة لها، وهي تخطو لذلك المنزل الصغير، تحاول رؤية أرسلان من بين ظلامه.

لتتوقف فجأة، وقد هالها ما رأت، أرسلان يجلس في أحد الأركان، وهو يمسك بين يديه معطفًا، ويحدثه بصوت هامس. ابتلعت ريقها، تحاول أن تسيطر على صوتها الذي خرج مرتجفًا مرتابًا دون إرادة منها: "أرسلان... أرسلان، هل أنت بخير؟ رفع أرسلان عيونه ببطء لها، وفجأة من بين ظلام ملامحه التي كانت سائدة، أطال النظر لها، وابتسم فجأة، وهو ينظر لها ثوانٍ، قبل أن تتساقط دموعه بلا شعور منه، حتى وهو ما يزال ينظر لها بنفس البسمة، قبل أن تتلاشى،

وهو يهمس بصوت موجوع: "لست سيئًا يا سلمى... انتفض جسد سلمى، تهرول له بفزع، وهي تجلس على ركبتيها أمامه، تجذب رأسه لها، وهي تميل عليه تقبلها بخوف وصدمة من بكائه، وقد كانت المرة الأولى التي تبصر بها أرسلان يدمع، حتى ولو بدون صوت. تجذب رأسه بفزع، وهي تهمس بصوت خافت ملتاع: "لست سيئًا، والله لست سيئًا، بل أنت الأفضل أرسلان، أنت أفضل إنسان في هذه الحياة، أعمى من لا يبصر ذلك."

سقطت دموع أرسلان، وقد شعر أنه ولأول مرة في هذه الحياة يبتغي أن يسمعه أحدهم، لأول مرة لا يخجل أن يظهر جروحه لأحدهم، لأول مرة ينهار بين ذراعي أحدهم... وقد كان ذلك الأحدهم، وبعد هذا الزمن الطويل من الكتمان، هي زوجته. ومن بين دموعه القليلة الصامتة، تحدث بكلمات غير مترابطة، وكأنه لا يصدق أنه يتحدث أخيرًا بما يدور بداخله، لا يصدق أن وقت الإفراج عن أحزانه قد حان.

"لقد كنت دائمًا الولد السيء، الذي لو وقع الاختيار بيده ما كان ليختاره. فعلت كل شيء لأجل أن يفتخر بي بين الجميع، عذبت نفسي بالقتال منذ كنت طفلًا لا يدرك حتى كيف يشكل كلمات صحيحة، أجبرت نفسي على تحمل الأوجاع والضربات التي كنت أتلقاها حين تدربي مع جنود يفوقونني حجمًا، كنت أبيت ليلتي وأنا أضمد جراحي بنفسي كي لا يبصرها ويغضب لإصابتي بها."

ازداد الوجع في صوته، وهو يهمس لها بكلمات جعلت يدها تتجمد في الهواء بصدمة مما تسمع. قرأت يومًا عن ذلك الطفل المسكين الذي جُرّ من طفولته نحو نضج مبكر، لكن في أحلك خيالاتها لم تفكر في كل ذلك. "والله لم أشتكِ يومًا طالما كنت أرى الرضى في عيونه، ولم أفعل، لم أرَ يومًا الرضى في عيونه يا سلمى، كان... والد إيفان ووالد سالار جميعهم يفخرون بأولادهم وأنا...

توقف، وقد بدا أن وجع الماضي قد عاد له نفسه، ورغم ذلك لم ينهار في بكاء متوقع منه، وكأنه يرفض أن ينهار لأجل ماضٍ أقسم ألا يهزمه، لكن الألم على وجهه كان قاتلًا، يبدو أن جميع أحزانه تكالبت عليه في هذه اللحظة، وأمام الشخص الوحيد الذي لم يتمنى يومًا أن يظهر ضعفه أمامه، الشخص الوحيد الذي أبى أن يظهر أمامه أوجاعه بهذا الشكل، لكن يبدو أن سد صبره انهار وفيضان أوجاعه انطلق.

"كان يجهزني للحكم كما يدعي، ووالله لم أطلب حكمًا، طلبت أبًا، لم أطلب شيئًا كثيرًا، لكن... حينما كنت شابًا وبدأت أنضج، وقد كان من المفترض أن يبدأ بإعدادي لتسلمي الحكم، وجدته ذات ليلة يأتيني غرفتي ليلقي بأوامره كالعادة في وجهي. 'أتدري كم كنت أنتظر لحظة تنصيبك ملكًا لمشكى؟ رفع أرسلان عيونه لوالده، يمنحه بسمة صغيرة، ولم يتحدث بكلمة، بل فقط استمع له بصمت. ووالده اقترب منه، ينظر له نظرة غريبة:

"عمرًا بأكمله يا أرسلان، تمنيت أن تكون ملكًا يخلفني ويحكم البلاد بيد من حديد، لكن... صمت ثوانٍ، ينظر في عمق عيون ولده، الذي كان يناظره بقوة وبأس شديد، قبل أن يلقي في وجهه قنبلته: "لكن المُلك لا يناسب ذوي القلوب الطيبة والخائنين، يحتاج لمن يحكم البلاد ببأس يا بني، لذا للأسف اكتشفت متأخرًا أنك لا تصلح بأي شكل من الأشكال لهذا المنصب."

رفع أرسلان حاجبه، ولم ينتفض أو يثور معترضًا كما كان متوقعًا منه، بل فقط ابتسم، يهز رأسه، وهو يقف أمام والده ينافسه طولًا، ينظر له بهدوء مبتسمًا: "وكيف يا ترى اكتشفت هذا الاكتشاف، ومن ساعدك في الأمر؟ "هل تسخر مني يا ولد؟ "لم أعد أبي، لم أعد ولدك الصغير. على كلٍ، أخبرتك مئات المرات أنني لا يعنيني حكمًا، أطال الله لنا في عمرك لتحكم البلاد سنوات عديدة، وأنا أكتفي بقيادة الجيش كما أنا و... "ليس أنا." "عفوًا."

كانت كلمة متعجبة منه، ليلقي له والده بالخبر الذي قلب حياته رأسًا على عقب: "لن أكون أنا الملك، للأسف، لقد اضطررتني لهذا يا أرسلان. سننقل الحكم من عائلتنا لعائلة عمك، ومن سيمسك الحكم بعدي سيكون ابن عمك، وبعد شهرين في احتفال الممالك سيتم تنصيبه ملكًا لمشكى."

اتسعت أعين سلمى، وهي تسمع كلمات أرسلان، الذي كان قد توقف عن بكائه، وعاد الجمود يحتل ملامحه، وكأنه لم ينهار لحظة واحدة. كانت هي تجلس أرضًا، وهو يضع رأسه على قدمها، شاردًا بالسقف، يكمل حديثه:

"بعد سنوات طويلة، أفنى بها طفولتي ومراهقتي وشبابي، وأضاع أحلامي، وجعلني أعاني بها كل أنواع العذاب، قرر أبي أنني لا أصلح لأن أكون الملك. وبالطبع، كان السبب في إيصال هذه الأفكار له هو عمي العزيز، والذي استغل مرض أبي في نهاية حياته ليؤثر عليه، دبر لي مصائب عديدة ليثبت لأبي أنني لست مناسبًا، وأن الأصلح هو ولده، والذي يشبه أبي كثيرًا."

سلمى كانت فقط تستمتع بهدوء شديد، وهي تداعب خصلاته، وكأنها تساعده على الصفاء، قبل أن تقرر التحدث بصوت خافت، تتوقع إجابة، ونالت في المقابل صدمة جمدتها: "وهل اعترضت على ما فعلوا؟ "لا، لم أفعل." نظرت له بتعجب، وهو ابتسم لها بسمة واسعة غريبة، ينظر في عيونها بقوة، قبل أن يهمس بصوت منخفض، وهو يمد أصابعه يداعب وجنتها: "بل قتلتهم... ***

كانت تقف تراقب النساء جميعهن في غرفة واحدة، يجلس كلٌ يضم طفله، والأعين هي فقط من تنطق بالمعاناة. ثوانٍ فقط، وقررت أن تقتحم الغرفة عليهن، وهي تبتسم بسمة صغيرة: "السلام عليكم جميعًا." اتسعت الأعين بصدمة، حينما أبصرن الوافدة، والتي لم تكن سوى نازين، المتجبرة التي كانت تقف أمام بطش الرجال في الجحر، وتغرز أصابعها في عيون من يمد عينه لها بوقاحة، وتقتلع لسان من يتحدث بكلمة لا تعجبها على مسامعها. "نازين، هذه أنتِ؟

لقد ظننا أن... أن أنمار قد تخلص منكِ." ابتسمت لهن بسخرية لاذعة: "هذا الأحمق، جل ما يفعله هو الصراخ والاختباء خلف رجاله." تعجب الجميع ثوبها، وقد تحدثت إحداهن بصوت خافت: "كيف جئتِ هنا و... منذ متى وأنتِ هنا؟ تحركت صوبهن نازين، تجلس وهي تراقب الجميع، قبل أن تقص عليهن ما حصل باختصار شديد:

"أنا من أرشدت الملك للجحر، وأبلغته بمكان تجمعكن كل ليلة ليخرجكن من ذاك المستنقع وينقذكن من يد أنمار الحقير. الملكة أخبرته عنكن، وأنا أرشدته للمكان." ابتسمت إحداهن بامتنان شديد، وقد كانت نازين هي أولى النساء اللواتي ينقذهن من بطش أنمار وأمثاله، لكن فجأة تحدثت إحداهن، وهي تنظر صوب نادين بجدية: "ألم تعلمي ما حدث؟

لم يعد الجحر بيد ذلك الأحمق أنمار، لقد انقلب عليه ذلك الرجل المسمى أصلان وسجنه في سجونه الخاصة، وأصبح هو الآمر الناهي هناك. وصدقيني حينما أخبرك أن أنمار كان ودودًا لطيفًا مقارنة بذلك الوسخ المسخ." اتسعت أعين نازين، وهي تسمع من النساء والجميع يقص عليها ما حدث هنا، وهي فقط ترهف السمع، ومن ثم بدأ البعض يخبرها عن الملكة وما فعلته هناك لأجلهن، ومحاولاتها العديدة لتساعد النساء.

"رغم أنني لم أقابلها بعد، لكنني أدين بالشكر لهذه المرأة لمساعدتكن على الخروج بسلامة." ابتسم البعض، والبعض الآخر كان ما يزال يتخذ لنفسه ركنًا بعيدًا عن التجمع، وقد شرد في حياته ومستقبله، وكأنه لا يصدق أنهم خرجوا وأخيرًا من ذلك المستنقع. شعرت نازين بالحيرة الواقعة على البعض، وهي تفكر في طريقة لتساعدهن على التأقلم مجددًا مع الجميع، وكأنها هي تأقلمت حتى. لكن، وقبل التحدث بكلمة، سمعت صوت الطرق على الباب يعلو،

وصوت زيان ينطلق بهدوء: "لتخفض كلٌ حجابها رجاءً، نود أخذ الأطفال المتبقين للعلاج." تمسكت كلٌ بطفلها في خوف شديد، وقد شعرت نازين بترددهن، في اللحظة التي اخفضت كل واحدة حجابها، يضمون الأطفال بخوف شديد. بينما نهضت نازين تفتح الباب، في اللحظة التي كاد زيان يطرق مجددًا، ليوقف يده في الهواء، وهو يبتسم لها بلطف شديد، وقد لمعت عيونه لها، وهو يهمس بصوت خافت: "مرحبًا نازين."

نظرت له نازين بعدم فهم لهذا التحول، يبتسم في وجهها بصفاء، وكأن شيئًا لم يكن، وكأن الزمان عاد بهما، وهي في استقباله بعد عودته من المشفى، تلتقط منه حقائب الطعام، وهو يبتسم لها بحب يرحب بها. المختلف أنه في تلك الذكرى كان يتبع كلماته بقبلة حنون، ومن ثم يتحرك لمساعدتها فيما تريد. شعرت بالتشوش، وهي تحاول فهم سبب تغير مزاج زوجها، الذي كان مكدرًا في الآونة الأخيرة. العجب أنه أصبح صافيًا الآن؟ "مرحبًا... مرحبًا زيان."

ابتسم لها بحنان، وهو يلمس كفها بحنان، قبل أن يرفع عيونه صوب النساء في الخلف، يتحدث بهدوء: "أحضرت بعض العاملات لمساعدة النساء في أخذ أطفالهن صوب المشفى، أريد التأكد أن الجميع بخير." ابتلعت ريقها، وقد وترتها لمسته الرقيقة البسيطة، وتشوش عقلها بتصرفه الغريب ذلك، لكنها حاولت تجاوز كل ذلك، وهي تستدير صوب النساء، تهمس بدون وعي وبصوت حاولت جعله متماسكًا: "لا تقلقن، سوف يعتنين بالصغار هنا، لا أحد هنا سيؤذي طفلًا، وهذا...

هذا زيان... هذا... صمتت، وهي تشير صوب زيان، الذي كان يقف على أحد جوانب الباب في الخارج، يغض ببصره عن الجميع، وهي فقط حاولت إخراج الكلمة، لتتسع بسمته أكثر، وهو يسمع ترددها، ليتحدث بهدوء من الخارج: "هذا زيان زوجها." اتسعت الأعين بصدمة، وتحركت صوب نازين، التي احمرت وجنتيها بقوة، تحاول ألا تنظر في أعين أحدهم، وترى كل الأسئلة التي انطلقت في هذه اللحظة صوبها. "نعم، هذا زوجي صحيح."

كبت زيان ضحكته، وهو يشير للعاملات بمساعدة النساء في إخراج الأطفال، تحت نظرات الصدمة مما يحدث. فمتى خرج لنازين زوج، ومتى أصبحت نازين بكل هذه الوداعة والملامح البريئة، بعدما كانت طوال الوقت شرسة تفتك بمن يقترب منها. أما عن زيان، فمال يجذب يد نازين بعيدًا عن الجميع بخطوات، ثم مال يهمس لها بلطف: "هل تناولتِ طعامكِ يا نازي؟ رمشت نازين دون استيعاب لما يقول، وقد كان ذلك اللقب هو دلالها منذ كانت طفلة، وقد ابتكره هو خصيصًا

لها: "نازي؟ "نعم، هل تناولتِ طعامك؟ "زيان، ما بك؟ ابتسم لها بحب: "ما بي؟ "هذا... هذه البسمة وهذا، ما هذا؟ أنا لا... ما الذي يحدث هنا." ضحك زيان ضحكة صغيرة، ونظر حوله يتأكد من أن المكان فارغ، قبل أن يميل بسرعة كبيرة، يقتنص قبلة من وجنتها، ومن ثم همس لها بصوت خافت مملوء بالمشاعر: "لا يحدث سوى أنني أهتم بزوجتي نازين." ختم حديثه في اللحظة التي سمع بها صوت الجميع، وقد أخرجوا الصغار، ليتحرك هو بعيدًا

بعدما همس لها جملة أخيرة: "أراكِ حينما أنتهي مما أفعل، حسنًا؟ ومن بعد هذه الكلمات، اختفى من المكان، يتحرك صوب الصغار، يحمل طفلًا صغيرًا منهم، يداعب خصلاته بحنان وحب، ذكرها بأفعاله مع صغارهم، ومن ثم رحل بعدما التفت لها مرة أخيرة، يلقيها بنظرة حنونة، تاركًا ضربات قلبها تدوي في المكان حولها... ***

كانت منهارة جواره، وهو يحاول تدارك ما يحدث، والجميع في الغرفة الخاصة بالملك مصدومين مما يحدث. الأميرة توبة تتمسك بمرفق الطبيب، وهي تتوسله وتردد بكلمات غير مفهومة، ولا أحد يدرك ما يحدث. توبة تصرخ وتبكي أنها السبب، ونزار يحاول أن يبعد يدها عنه دون أن يتسبب في إحراجها أو التقليل من شأنها أمام الجميع، والضوضاء تكاد تتسبب له في انهيار مماثل لانهيار توبة. فجأة عم صمت تام في المكان بسبب صرخة الزبير، الذي اقتحم الجناح، يصرخ

في الجميع بصرامة كبيرة: "ما الذي تفعلونه هنا؟ ما هذا التجمع، للخــــــارج جميعــــًا، للخــــــارج... انتفضت جميع الأجساد وهروبوا للخارج بسرعة كبيرة بسبب نظرات الزبير، الذي لولا تدخله لكان نزار فقد أعصابه من كل تلك الأعين التي كانت ترمق توبة بشفقة وفضول وصدمة، والله كانت لتكون ثوانٍ فقط حتى ينفجر فيهم جميعًا بلا مقدمات.

بدأ الزبير يدفع الجميع للخارج بحدة، وهو يفرغ المكان بأكمله إلا من الأميرة والطبيب، ونزار استغل انشغاله بإخراج الجميع ليهمس بصوت خافت، وهو يمسك طرف ثوب توبة، يبعد يدها عنه بهدوء شديد، وعيونه كانت جامدة بعض الشيء، يخفي خلفها لهفة وشوقًا مضنيًا: "سمو الأميرة، رجاءً تمالكي نفسكِ، الملك سيكون بخير." بكت توبة دون شعور، وهي تهتف من بين شهقاتها:

"أنا السبب في كل هذا يا نزار، لقد انتكس بسببي، أخبرته ما حدث مع طفلي ولم يتحمل، وفجأة سقط دون أن ينطق بكلمة واحدة و... توقفت عن الحديث، وهي ترى يد نزار تبعد يدها عنه، ومن ثم رماها بنظرة جامدة بعض الشيء، قبل أن يخفض عيونه، ينظر صوب الملك، يهمس بكلمات أخيرة هادئة باردة بعض الشيء: "سيكون بخير إن شاء الله، أنصحك بالخروج، فوجودك هنا لن يفيده على أية حال."

اتسعت أعين توبة بصدمة من كلماته، وهي تنظر ليدها التي كانت تتمسك به دون شعور منها حتى، تحاول أن تستوعب ما حدث منذ ثوانٍ، وقد اصفر وجهها حتى أصبحت كالطيف الباهت بلا حياة ولا روح. في اللحظة التي عاد بها الزبير، وهو يتحرك ليساعد نزار، يهتف بكلمات متلهفة مرتعبة على الملك: "هل كل شيء بخير؟ تحتاج لشيء أساعدك به طبيب؟ نفى نزار برأسه في هدوء، وهو يكمل عمله في طحن الأعشاب التي كان يحتفظ بها جوار فراش الملك:

"كل شيء بخير، لم يحدث شيء هنا، فقط يحتاج لبعض الراحة وسيكون من الأفضل لو جنبتموه أي أخبار سيئة، وتلك الأعشاب يجب إعطاؤها له ثلاث مرات يوميًا، وسيكون بخير حال." هز الزبير رأسه، ثم شرع يساعد نزار ليرفع جسد الملك حتى يمكنه من وضع الأعشاب بشكل سليم في فمه، بينما توبة تقف جوار الفراش تراقب ما يحدث أمامها بجسد متجمد، وأعين شاخصة، وقد كانت يدها ترتجف ارتجاف الروح في ليلة باردة، وكأنها تستعد للفراق.

سقطت دمعة أخيرة، وهي تمسحها بسرعة، تحاول التماسك، وقد بدأت تلوم نفسها لهذا الانهيار السخيف الذي عاشته منذ ثوانٍ على مرأى ومسمع من الجميع، لكن صدمتها فيما حدث، وشيطانها الذي وسوس لها أن والدها رحل مجددًا، وهذه المرة للأبد، وبسببها جعلوا الجنون يتلبسها.

وقد يصفها البعض بالمجنونة، أو الغريبة، لكن تعامل نزار معها في هذه اللحظة وكأنها كل تلك الأيام بينهما لم تكن، تعامله معها وهو يتحاشى حتى رفع نظراته لها، ولو بالخطأ، حطم قلبها بقوة. بللت شفتيها، وهي تحاول التحدث، ليخرج صوتها خافتًا، تراقب زبير الذي ابتعد كي يغلق الستائر ليساعد والدها في: "نزار.... "لا."

اتسعت عيونها بصدمة، بينما هو رفع عيونه لها أخيرًا، ويا ليته لم يفعل، على الأقل لم تكن لتبصر جمود وبرود نظراته نحوها، بعدما كان ينظر لها وكأنها الحياة له. "سمو الأمير، أو الأمير الخائن، أو الحقير، ألقاب كثيرة يمكنك إطلاقها عليّ بدلًا من اسمي المجرد، لم يعد الأمر ممكنًا بعد الآن يا سمو الأميرة، والآن اعذريني عليّ الرحيل، إن احتجتم لشيء آخر رجاءً أخبروني."

ختم حديثه، وهو يخفض نظراته، يحرك رأسه لها، ومن ثم رحل ببساطة، تاركًا إياها مع والدها والزبير، حتى أنها لم تشعر برحيل الزبير وخروجه من المكان. لتنظر حولها، وهي تشعر أنها وللمرة التي لا تدري عددها خسرت حياتها، وأصبحت الدنيا باهتة أمام عيونها. تساقطت الدموع دون شعور، وهي تتحرك لتجلس على مقعد جوار فراش والدها، تراقبه بأعين دامعة، ورغم الصمت، كان الصمت أبلغ من مائة صرخة.

أما عن نزار، فبمجرد خروجه، ظل واقفًا أمام الباب في أحد الأركان، ينتظر اللحظة التي يخرج بها الزبير حتى يرحل، وحينما أبصر خروجه، تنهد بصوت شبه مرتفع، ونظر للباب ثوانٍ بأعين ضبابية، ومن ثم همس بصوت منخفض موجوع: "ربما ليس في هذه الحياة توبة، لو كانت الحياة غير الحياة والزمن غير الزمن، ربما حينها، ربما كنت جعلتك حياة أتمسك بها حتى لحظة الموت يا توبتي... *** "أنت مجنون، كيف تتزوج بامرأة ارتبطت بالفعل بي؟

أتخطب على خطبة أخيك؟ ازداد المعتصم شراسة وجنونًا، وهو يضرب ظهر الشاب في الجدار خلفه، وقد أشعلته تلك الفكرة. هذا الرجل أمامه كان من الممكن في أي لحظة أن يختطف منه زوجته ومؤنسه الوحيد في هذه الحياة. "يخطب ماذا؟ هذه امرأتي زوجتي، وإياك أن تخطر على رأسك أو تمر في خاطرك ولو بشكل عرضي حتى، وإلا طالبتك بحقي وعرضي الذي تفكر به بلا مروءة، وأنت تدرك عقوبة الأمر هنا."

اشتعلت أعين الشاب بقوة، ورغم كل شيء، إلا أنه لم يتحدث بكلمة، فالفتاة أصبحت الآن بموجب الشرع زوجة رجل غيره، وكم تحرقه هذه الحقيقة. فاطمة الصغيرة الرقيقة التي كان يخشى عليها الخدش حتى، وأحبها أكثر من ذاته، ومنى نفسه بها كمكافأة يحصل عليها في نهاية الطريق، الآن أصبحت امرأة رجل آخر... "هي كانت مخطوبتي في البداية، وهذا الاتفاق كان بين والدي ووالدها، و... "وماذا؟

صمت إلياس، ولم يتحدث بكلمة، وقد علا القهر داخل صدره، وملأت الحسرة عيونه، وهو ينظر للمعتصم نظرة من سُرقت منه أنفاسه، وسُلب حقه في الحياة. "كانت حلمي الوحيد في هذه الحيا... وقبل إكمال جملته، كانت صرخته تعلو في المكان بشكل مرعب، بعدما ضرب المعتصم رأسه في الجدار خلفه، وقد بدأت صرخاته تعلو بجنون:

"قسمًا برافع السماوات، إن سمحت لنفسك أن يمر طيفها فقط على خاطرك، لأحرقتك حيًا. إلا زوجتي، ولا تتجاوز حدودك معي، وإلا أحلت جميع أحلامك لكوابيس." فجأة توقف عن الحديث والصراخ، حينما سمع همسها خلفه، وهي تقول بصوت مرتجف مرتعب: "يا المعتصم، ما الذي تفعله أنت؟ أغمض المعتصم عيونه بقوة، وهو يضغط على قبضته، ولم يكد يتحدث، حتى سارع الشاب، وهو يهتف بغضب وحقد شديد:

"يحاول قتلي، زوجك يهددني بالقتل، فاطمة، أي نوع من المجرمين تزوجتي أنتِ؟ الرجل كاد يحطم رأسي في الجدار خلفي." حركت فاطمة عيونها بين المعتصم وإلياس، وقد شعر المعتصم بالغضب يندفع بداخله بقوة مرعبة، عالمًا أن فاطمة قد تخشاه إذا رأت به شخصًا قاسيًا كما يحاول ذلك الرجل أن يخبرها عنه، لذا عض شفتيه بغضب كبير، وهو يتحرك صوب الرجل بسرعة، وهو يجهز نفسه للصراخ، قبل أن تمسك فاطمة يده بسرعة، وهي تنظر له بخوف:

"ليس مجددًا، ليس مجددًا." يدور بدائرة مفرغة، كلما ظن نفسه وصل، وجد أنه لم يتخطى نقطة البداية حتى. ابتلع ريقه، وهو يجهز نفسه ليبرر لها ما يحدث. لكن فاطمة قاطعته، وهي تميل عليه، تتمسك بمرفقه، تهمس بصوت منخفض مرتجف، وصل واضحًا للاثنين: "لا تقترب منه يا المعتصم، هذا الرجل يبدو خطيرًا، هو ينظر لك بشر، أخشى أن يؤذيك، يبدو شريرًا، انظر له كيف يحدق بك."

اتسعت عيون إلياس بقوة، بينما المعتصم نظر لها بصدمة، سرعان ما ارتسمت بسمة غير مصدقة على فمه، وهو يحرك عيونه بينها وبين إلياس، يخفض غطاء الوجه الخاص بها، ومن ثم أمسك كفها بحنان شديد، ومن ثم نظر صوب إلياس: "لا تقلقي يا فاطمة، فالرجل الشرير سيرحل الآن، حتى لا يأكله الوحش." "أي وحش هذا؟ هكذا همست له فاطمة بصوت منخفض، ليبتسم المعتصم بسخرية، وهو ينظر لإلياس، وهو يخفي فاطمة خلفه:

"الوحش الذي يتناول الأشرار الذين يحاولون الاقتراب من الأميرة." "ومن الأميرة؟ "دعينا نرحل من هنا، ومن ثم يمكنني إخبارك من هؤلاء حبيبتي." ختم حديثه، وهو يلقي إلياس بنظرة أخيرة، يسحب زوجته بعيدًا عنه بهدوء، وحينما تأكد أنها دخلت لغرفتهم، حتى عاد بسرعة، يرفع إصبعه بتحذير في وجهه، يهتف بشر: "فقط دعني ألمحك بجوارها، والله لولا أنني لا أريد أن أحمل ذنب إيذاء شخص، لحطمت عظامك، لكن المرة القادمة سأحيلك لرماد...

ابتسم له إلياس بسخرية، ليرد له المعتصم البسمة بالمثل، يميل عليه هامسًا: "لا تغرنك ملامح الرجل الهادئ، فأنا أكثر الرجال حقارة، وكان الله بالسر عليم، فلا تدفعني لإخراج ذلك الشاب الفاسد الذي دفنته أسفل تلال التقوى، ها؟ أنهى حديثه، وهو يربت على كتفه، ومن ثم ابتسم له بسمة صغيرة، ورحل خلف زوجته، يلقي له بنظرات تحذير قاتلة، والياس فقط يراقبه بضيق شديد. ***

توقفت يد سلمى بصدمة عن مداعبة خصلاته، وقد شعرت بتجمد الدماء داخل أوردتها، وانقطعت أنفاسها لجزء من الثانية، قبل أن تشعر بيد أرسلان يجذب يدها مجددًا، يضعها على شعره بهدوء، ينظر لعيونها بكل براءة، يهتف بصوت منخفض: "أُجبرت على قتلهم يا سلمى، لم أكن أريد أن تتلوث يدي بدمائهم، معاذ الله أن تتلوث يدي بدماء مسلم، لكنهم لم يكونوا...

ارتجفت يد سلمى، وهي تحركها بهدوء في شعره، وقد شعرت أنها للحظة نست كيف تتعامل مع مرضاها، وكيف تظهر لهم تفهمًا، لكن هذا ليس مريضها، هذا زوجها الذي تكالبت عليه الحياة بكل ثقلها. ابتسمت له بلطف، وهي تداعب خصلاته: "أعلم أن هناك سببًا قويًا لما فعلت يا أرسلان، لم أشك بك للحظة واحدة." تنفس أرسلان براحة شديدة، وهو ينظر في عيونها، وقد بدا أنه وأخيرًا وجد من يتفهمه: "لقد...

كان عمي خائنًا، أراد بيع البلاد للمنبوذين، وقد كان أحدهم، لذا في البداية ابتغى الحكم لولده، وقد كانت هذه خطوته الأولى. زرعوا في رأس والدي عدم استحقاقي للمُلك، ومن ثم بدأوا بزرع الكثير من أعوانهم في الحكم والجيش، وقد بدأت البلاد تتدهور والاقتصاد ينهار والحياة أصبحت بين الشعب لا تطاق، كل هذا ووالدي لم يسلم لهم الحكم بشكل رسمي بعد، كنت فقط أشاهد من بعيد نتائج اختيارات والدي وأتابع ما يحدث، حتى كانت الطامة الكبرى."

"ما الذي تريده مني؟ ظل أرسلان ينظر لوالده بترقب، وكأن جملة والده السابقة لم تكن مكتملة. وحينما رأى علامات الهدوء على وجه والده، تحرك صوبه يتحدث بذهول: "ما الذي أريده منك؟ أخبرك أن هناك منبوذين بين الجيوش وبين الشعب وداخل القلعة، لقد زرعوهم بين أعوانك ومستشاريك حتى. اليوم أمسكت اثنين واعترفوا أن عمي هو من دسهم بين الجيش و...

"عمك كان محقًا حينما أخبرني أنك لن تصمت على أمر تنصيب ولده كملك، وأنك ستخرج بالكثير من القذارة فقط لتمنع ما سيحدث." "أخرج بكثير من القذارة؟ يبدو أن السن أصبح أكبر أعدائك يا أبي، إذ أنك لم تعد تزن الأمور بذكاء كما اعتدت منك، إما هذا أو أن شقيقك قد غسل عقلك بأكاذيبه." "هل تتهمني بالخرف يا أرسلان؟ "بل أتهمك بالتواطئ معهم يا أبي، تصديقك لهم أكبر داعم لما يفعلون و...

أنت لا تساعدني، أبي، أنت لم تكن هكذا، لقد كنت أشد الرجال على الأعداء، ما الذي حدث لك؟ "ما حدث أنني اكتشفت ما تخطط له يا أرسلان، لقد صدمتني، تود الانقلاب عليّ وتستغل مكانتك بالجيش؟ اتسعت عيون أرسلان بصدمة، وهو يقترب من والده يهتف بعدم تصديق: "انقلب على من يا أبي؟ هل... أنا لم أفعل، أقسم بالله لم أفعل، من أخبرك بهذا؟ شقيقك الحقير الذي تعاون مع أعداء الله ليخرب البلاد و...

وقبل إكمال جملته، قاطعته صفعة والده، التي تركته متجمدًا، عيناه شاخصتان إلى الفراغ، وكأنه فقد القدرة على الحركة أو الكلام. وجهه الشاحب يكسوه تعبير من الذهول والصدمة، جسده يرتجف، والهواء يبدو كأنه قد فرغ من رئتيه، فبات صامتًا لا يصدر عنه سوى أنفاس متقطعة.

"لقد أراني عمك كل شيء، واعترف عليك الكلاب الذي حرضتهم على خيانتي يا أرسلان، اتضح أنني ربيت طوال حياتي أفعى، أول من بخ به سمه هو والده، كسرت هامتي وكسرت ظهري الذي كنت أستند عليه يا أرسلان، لم يا بني؟ رفع أرسلان عيونه لوالده، وهو ينظر له ثوانٍ، قبل أن يهتف بصوت ميت، وأعين حمراء غاضبة مقهورة: "لم أفكر يومًا في الانقلاب عليك يا أبي، ولأجل ماذا؟ حكم لا أطلبه ومُلك لا أرجوه؟

تحملت طوال حياتي ما تشيب له الرؤوس وتنحني له الجبال، ولم أبتئس طالما كان ذلك يرضيه، ويا ليته فعل، تحملت وصمت طالما توقف الأذى عندي." صمت ثوانٍ، قبل أن يصرخ بكل صوته في وجه والده: "لكن أن يتمادى الأمر لشعب لا ذنب له، فوالله هذا ما لن أسمح له، ولو كان المتسبب أنت أو عمي أو المخنث ولده، الأفعى التي ربيتها ستبخ سمها يا أبي، لكن ليس بك فقط." ارتفعت صرخاته تهز الأرجاء بشكل مخيف:

"بل بك وبجميع عائلتك وسلالتك، والله لن أذر منهم فردًا واحدًا." شعر بيجان بالصدمة من كلمات ولده، وقد بدا أن أرسلان وصل لحافة صبره، وقد تفتت أسوار تحمله وفاضت أنهار غضبه: "ماذا تقول أنت و... "ربما فشلت في الماضي أن أكون الولد الذي تتمناه رغم كل ما فعلته، إذن دعني أحقق كلماتك الآن، والله لن أسقط لك كلمة." "ماذا تقصد؟ ابتسم له أرسلان بسمة صغيرة، يتحدث بشر وعنف:

"إن كان وجودك على العرش بوابة لهم ليندسوا بين الشعب ويخربوا البلاد، إذن سأحطم هذه البوابة، أيام حكمك انتهت يا أبي... خرج من أفكاره، وهو يهمس بصوت معذب، ونبرة يكتم بها غصته، وما زالت أنامل سلمى تداعب خصلاته بحنان، تشعر بمقدار وفظاعة ما حدث له ذلك الوقت.

"كنت مجبرًا على الأمر، لو تركت له الحكم يومًا آخر لتحولت البلاد لرماد. جمعت رجالي في الجيش ومن أثق بهم، وأخبرتهم بالأمر، ومن ثم بدأت الانقلاب على حكم أبي، وأسرت جميع أعوان عمي وكل من أراد بالبلاد سوءًا، وأثبت خيانته وولده و... قتلتهم في ساحة القصر، بيديّ قتلتهم دون أن يرف لي جفن. أما أبي، فقد ألزمته جناحه، ووضعت له من يهتم به من أطباء، وأمي كذلك كانت تظل جواره طوال الوقت." صمت، ثم سقطت دمعة منه دون شعور:

"من بعد ما حدث، لقبني الجميع بالأسد الذي انتزع والده من الحكم وطرده من العشيرة ليتفرد بقيادتها، وصفني البعض بالجسور والآخر بالحقير، ولم أهتم بما يقال، بل تركت ما أفعله يجيبهم. وبالفعل مرت أيام، بدأت البلاد تتطهر منهم، وبدأت تعود لسابق عهدها، وبدأت الأقاويل تندثر، حتى يوم وفاة أبي...

صمت وتساقطت دموعه أكثر، وهو يتذكر ذلك اليوم الذي استدعاه به والده، ولأول مرة يمد له يده، وهو يدعوه لحضن. ظل أرسلان حينها ينظر له وليده بصدمة، وأعين دامعة. ووالده لأول مرة في حياة أرسلان يبكي، وهو يهمس بصوت خافت: "اقترب يا بني، دعني أضمك لمرة قبل رحيلي." في هذه اللحظة انهار أرسلان، وهو يهرول صوب والده، يندس بين أحضانه، وهو يعتذر له ما فعل ويطلب غفرانه:

"والله ما فعلت ذلك إلا مجبرًا لأجل بلادي يا أبي، سامحني أرجوك، سامحني أرجوك يا أبي، أقسم بالله لم أكرهك لحظة أو أفكر يومًا في الانقلاب عليك، لا يليق العرش سوى بك مولاي." رفع بيجان يدًا مرتعشة، يربت على خصلات ولده الكثيفة، وهو يهمس بصوت مهتز ونبرة باكية:

"بلى يا حبيب أبيك، يليق الملك بك وفقط. سامحني لأنني لم أكن الأب الذي ترجوه، سامحني لأنني أدركت متأخرًا حينما أكل المرض جسدي أنك كنت أكثر مما أتمنى يا أرسلان، أنك كنت الابن الأروع بين الجميع والأقوى وصاحب القلب الأنقى، رغم كل ما مررت به كنت وما زلت بقلب نقي، سامحني قبل أن أنتقل جوار ربي، أعلم أن ما فعلته في حقك كثير، لكن سامحني."

كانت آخر كلمات نطقها بيجان قبل أن يسلم روحه لبارئه. عاش عمرًا طويلًا من التجبر، حتى أكل المرض جسده وتركه طريح الفراش لا يقدر على شيء. مالت سلمى على أرسلان، وهي تقبل وجنته بحب شديد، تهمس له بصوت باكي: "أنت الأفضل يا أرسلان، الأقوى والأحن، لا عجب أنني لم أقاومك كثيرًا يا ابن بيجان." رفع لها أرسلان عيونه، وهو يهمس لها: "من بعد موته، أطلق الجميع إشاعة أنه مات بحسرته بسبب ما فعلته، وتحدث الجميع أنني قتلت والدي، و...

لأيام كنت أصدق أنني فعلت يا سلمى، لكنني... "لم تفعل، أنت لم تفعل، انظر لعيوني يا أرسلان." رفع عيونه لها، وهي أطالت النظر له، تبتسم له بسمة رقيقة حنونة، قبل أن تهمس بكلمات صغيرة، وكأنها تجبره على الاستيعاب: "أنت لم تغضب والدك ولم تعصِ والدك رغم كل ما حدث، أخبرني حينما أخذت منه العرش، هل سجنته ومنعت عنه الحياة؟ نفى برأسه، لتكمل بهدوء: "هل قاطعته وعاملته بسوء؟ ومجددًا نفى برأسه، لتمنحه بسمة أخيرة:

"إذن ما تعريف البر في عيونك إن لم يكن ما فعلته يا أرسلان؟ والدك ورغم كل معاملته لك سامحته قبل موته، وقد كانت طلبه الغفران منك أكبر دليل أنك لم تخطئ يومًا في حقه، فالمخطئ هو من يطلب الغفران، وليس غيره يا أرسلان." ابتسمت وهي تميل عليه أكثر، تطبع قبلات صغيرة على جبهته، وهو يبتسم دون وعي لها:

"والدك كان يحبك كثيرًا، أكثر من الجميع، بدليل أنه لم يطلب لقاء أحدهم قبل موته سواك، ولم يتمنى أن يرحل بين أحضان أحدهم غيرك، يا رجل، لقد فضّل أحضانك على أحضان والدتك." ختمت جملتها بمزاح، ليضحك أرسلان دون وعي، وهو يشعر بنفسه أشد خفة من السابق، بعدما أخرج كل ما يعتمر بقلبه، وقد كانت كلماتها بلسمًا له. "أنتِ طبيبة ماهرة يا سلمى، أشعر بالتحسن حقًا، ليتني استمعت لكِ منذ أول يوم حينما عرضتِ عليّ علاجًا مجانيًا."

شاركته سلمى الضحك بصوت مرتفع، وهي تفسد خصلاته بمزاح: "هذا دليل فقط لكل من يشكك في قدرات الطبيبة سول، يا رجل، مجرمي البرازيل اجمعين كانوا يركضون خلفي." "طلبًا للعلاج؟ "بل طلبًا لروحي، فأنا كنت طبيبة حقيرة." انطلقت ضحكات أرسلان أكثر وأكثر. ولأول مرة تحتوي جدران هذا المبنى ضحكات أرسلان، بعدما كانت تضم ذكرياته السوداء وأحزانه، وأناته...

ظلت سلمى تتابع ضحكاته بسعادة كبيرة، وكأنها ترى أجمل مشهد في الكون في وجهه الباسم، وكفى بضحكته بلسمًا لروحها. "إذن لم تخبرني ما هذا المبنى الغريب وهذه الأرض؟ "هذا المنزل أنا من بنيته بيدي، أخذ مني بناؤه سنوات طويلة، كنت أحقق هنا حلمي بالحصول على منزل عادي وأكون شخصًا عاديًا بعيدًا عن القصر والملك." نفخت سلمى بسخرية مصطنعة: "آه يا رجل، أنت حقًا محب للفقر، من يترك القصر ليبقى هنا في هذا المنزل."

نهض أرسلان ينزع رأسه عن قدمها، وهو ينظر لها بحاجب مرفوع، يقترب منها برأسه: "لم يعجبك المنزل الخاص بي؟ ابتسمت وهي تقترب منه برأسها، حتى أصبحت على بعد صغير منه، تهمس بصوت خافت أمام وجهه: "يعجبني صاحب المنزل، وكل ما تصنعه يداه يا أرسلان." اقترب أرسلان منها بشدة، حتى بدأت تتراجع غريزيًا بخجل شديد، وقد انسحبت جرأتها، تاركة إياها عزلاء أمام عيونه، وهو فقط استند بذقنه على كتفها جوار أذنها، هامسًا بصوت أجش خافت:

"من بیش از یک طرفدار هستم، عشق من." ختم كلماته، يبتعد عنها قليلًا، ثم مال يطبع قبلة صغيرة، ومن بعدها نهض بهدوء، يساعدها لترتيب حجابها، وهي فقط جامدة، لا تفهم ما قال، لكن نبرته أخبرتها أنه شيء ستموت إن لم تدرك معناه... ***

خرج من المبنى بعد ساعات قضاها في الداخل، يفضي بكل ما في صدره لزوجته، يضم كفها بين كفه، وقد قرر أنه حان الوقت لينهي عزلته التي كانت في البداية مع نفسه، لتتحول مع نفسه كذلك، لكن مع الجزء اللين من نفسه... زوجته.

وبمجرد أن خطى خارج المكان، حتى تفاجأ بجسد إيفان ينتفض عن مقعد أمام المنزل، ينظر له بلهفة وخوف، بعدما أبلغه سالار ما حدث، وجاء ليعسكر جوار المبنى، ينتظر كعادته أن ينتهي أرسلان من رثاء نفسه، والذي لم يكن يحب أن يشاركه به أحدهم، حتى يتلقفه هو بين أحضانه. ولشدة لهفة إيفان، لم ينتبه لجسد سلمى التي تقف خلفه في هذه اللحظة، يتحرك صوبه بلهفة شديدة: "أرسلان، أنت بخير؟

ابتسم أرسلان، وهو يترك يد سلمى، يعيدها خلف ظهره، متقدمًا عليها، يتلقى أحضان إيفان، وهو يربت عليه بحب شديد، بينما إيفان يهمس له

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...