تعالن نسمات الهواء الباردة تعلن بدء الشتاء في مدينة الإسكندرية. حبيبة، التي تبلغ من العمر عشر سنوات، تسير في طريق عودتها من المدرسة. قصتها لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، فهي ضحية تشتت أسري. انفصل والدها عن والدتها منذ خمسة أعوام، لم ترَ حبيبة والدها فيهم، ولا تربطهم به سوى تلك النقود القليلة التي يرسلها لهم كل بداية شهر.
حبيبة ليس لها إخوة، وتعيش مع والدتها في بيت خالها، في شقة صغيرة جداً مكونة من غرفة وصالة في حي فقير جداً، معتمدين في معيشتهم على عمل خالها الذي يعمل كقهوجي في أحد المقاهي الشعبية في نفس المنطقة. كانت حياتهم صعبة يغلفها الفقر والعوز.
كانت حبيبة تسير في طريقها إلى المنزل، ونسمات الهواء الباردة تداعب وجنتها. كانت سعيدة جداً بعد أن حصلت على هدية من معلمتها مس سناء، تلك الإنسانة الطيبة التي كانت تجلب لها الهدايا كلما حصلت على درجات عالية، فحبيبة كانت متفوقة دراسياً.
وصلت إلى شقة خالها في تلك العمارة المتهالكة التي خط الزمن عليها آثاره، لتجد والدتها تجلس مع أم سلامة، تلك المرأة التي تكررت زياراتها لهم هذه الفترة. لم تكن حبيبة ترتاح لهذه السيدة. تباطأت خطواتها، وبفضول طفلة ظلت تنظر إليها وإلى والدتها التي كانت عينيها تلمع وتزين وجهها ابتسامة. ألقت التحية، فلم يجيبها أحد. يبدو أن هناك أمر مهم يتكلم به خالها مع أمها وتلك المرأة.
ساقتها قدماها لتجلس بجانب والدتها تستشعر الأمان بقربها. تود أن تنهي حديثها لكي تريها ما حصلت عليه، لكن والدتها لم تلتفت حتى إليها، كانت مندمجة في الحديث مع أم سلامة. قالت أم سلامة: "بس الراجل لو شرط، يا شريفه، ويا رب توافقي عليه." ردت شريفه: "واي هو يا أم سلامة؟ قالت أم سلامة: "بصراحة كده، هو مش عاوز البنت معاكي." نظرت أم سلامة نحو حبيبة التي لم تكن تعلم ما يحدث. قالت شريفه: "وأنا موافقه، يا أم سلامة."
قالت ذلك وهي لم تنتبه أصلاً لوجود ابنتها بجانبها. اندهش شقيقها محمود واتسعت حدقتا عينيه مما تفوهت به شقيقته. هل ستوافق حقاً؟ ثم نظر إلى تلك المسكينة وقال لزوجته: "نجاة، لو سمحتي خذي حبيبة، دخليها الأوضة مع الأولاد." نجاة، التي كانت مستغربة مثل زوجها، وافقت شريفه. قالت نجاة: "حاضر يا خوي... يلا يا حبيبة، يلا يا حبيبتي. تعالي غيري هدومك واللعب مع دلال." أمسكت بيد حبيبة وأدخلتها الغرفة، ثم أغلقت الباب.
نظر محمود إلى شقيقته وقال مستنكراً: "إنت اتجننتي يا شريفه؟ موافقه على إيه؟ دا راجل عمره قد عمرك مرتين، ومتجوز قبلك، وعاوزك تسافري معاه بلده." ردت شريفه: "بس مستريح يا محمود، يعنى أعيش مستريحة، وأخلص من الفقر اللي عايشة فيه. والا انت مش شايف إحنا عايشين إزاي؟ قال محمود: "يعني أنت موافقة بس عشان الفلوس يا شريفه؟ دا كبير ومتجوز." قالت شريفه:
"بس عنده فلوس تنسيني عمره، ومراته هيخليني أعيش أميرة. إنت مش سامع هيدفع مهر كام؟ دا عاوزني بشنطة هدومي. أرجوك يا محمود، أنا تعبت من الفقر، خليني أعيش حياتي، أنا لسه صغيرة وحلوة." قال محمود: "وبنتك يا شريفه؟ دي بيقول لك مش عاوز بنتك، وأنك هتسافري معاه." ردت شريفه: "ومالها بنتي؟ ماهي عايشة معاكم، هو انت هتقصر معاها يا محمود؟ قال محمود:
"أكيد مش هقصر معاها يا شريفه، بس افرضي لما تتجوزي محمد قال عاوز بنتي تعيش معايا، هقول له إيه؟ قالت شريفه: "ما ياخذها، هو أبوها وأحق بيها." استغرب محمود جواب شقيقته إلى هذا الحد، لا يهمها أمر ابنتها. قال محمود: "وتعيش مع مرات أبوها؟ قالت شريفه: "وماله، يعني هي هتأكلها؟ وبعدين أبوها معاها. أرجوك يا محمود، أنا موافقه، خليني أعيش حياتي." قالت أم سلامة: "خلاص يا خوي، خليها تشوف نفسها، دا راجل متربص وهينغنغها."
نكس محمود رأسه بحزن يفكر في حال تلك المسكينة الصغيرة التي لا يفكر فيها أحد. قال محمود: "خلاص يا شريفه، اعملي اللي أنت عاوزاه." كان هذا الحديث يصل إلى مسامع تلك الصغيرة التي كانت تدعي انشغالها أمام زوجة خالها، لكنها في الحقيقة كانت تنصت لكل الحوار. تمسك بيدها هدية تفوقها، تنظر لها بحسرة، فهي كانت تريد أن تفرح أمها بها، لتصدمها أمها بخبر زواجها وتركها.
مرت الأيام وأمها كانت سعيدة جداً بالهدايا التي كان يرسلها العريس، التي تدل فعلاً على ثرائه. هي لا تنكر أن والدتها كانت جميلة جداً، لكنها تحتاجها، هي لا تزال صغيرة. التزمت حبيبة الصمت ولم تسأل والدتها عن شيء، ولا شريفه كلفت نفسها بأن تقول لابنتها.
كانت حبيبة ترى السعادة في عين والدتها، وهي تقف الآن أمامها ترتدي فستان أبيض بسيط لكنه يبدو غالي الثمن، تستعد للمغادرة مع زوجها للمطار. وكأن والدتها كانت كطائر وجد حريته في عالم جديد. ها هي حبيبة تراها وهي تستعد للخروج دون الاكتراث لابنتها. حتى أوقفها صوت شقيقها. محمود: "شريفه، إنت مش هتسلمي على حبيبة؟ قالت شريفه: "آه... آه... أكيد."
استدارت وفتحت ذراعيها واحتضنت حبيبة التي احتضنها أيضاً، تشعر أن هذا هو عناق الوداع الأخير. حبيبة كانت متشبثة بحضن والدتها ولا تريد الخروج، كأنها تحاول أن تشبع نفسها من حضن أمها. وعينيها الصغيرتان تذرف الدموع، فلم تعد تستطيع الصمود أكثر. قالت لها حبيبة: "خذيني معاكي يا ماما، ماسبنيش هنا لوحدي." أخرجتها شريفه من أحضانها عنوة بعد نداء زوجها، وقالت لها جملة واحدة: "مع السلامة يا حبيبة."
ورحلت والدتها وانهارت هي على الأرض وبدأت شهقاتها تعلو. جلس محمود على الأرض وأخذها بين أحضانه وقال: "متعيطيش يا حبيبة خالك، إنت هنا معانا، ومع خالتك نجاة ودلال ومصطفى، ومعايا يا حبيبتي، والا إنت مش بتحبينا يا حبيبة؟ لمست حبيبة دموعها بكفيها الصغيرين وتقول: "بحبكم يا خالي." مسح محمود ما تبقى من دموعها ويقول: "خلاص يا روحي، يبقى بطلي عياط وقومي العبي مع دلال." امتثلت حبيبة لأمر خالها وذهبت مع ابنة خالها. قالت نجاة:
"يا عيني عليها، ما كنتش أتوقع إن شريفه تتخلى عن بنتها في يوم من الأيام." قال محمود وهو يضحك بسخرية: "شريفه عاوزة تشوف حياتها، ونسيت تشوف حياة بنتها." حل المساء ومحمود ونجاة يحاولون التخفيف عن حبيبة غياب والدتها. كان محمود يجلسها على ساقيه، يضحكها ويدغدغها، ونجاة أعدت لها الطعام الذي تحبه، ودلال ومصطفى يلعبان معها. تناولوا العشاء في جو أسري يملئه مشاكسات مصطفى ودلال وضحك محمود ونجاة عليهما.
ثم خلدوا للنوم كل في مكانه. كانت تلك المرة الأولى التي لم تنم فيها بجانب والدتها في صالة الشقة الصغيرة، لكن وجدت نجاة تطلب من دلال أن تنام بجانب ابنة عمتها. دلال كانت أصغر من حبيبة بعامين وكانت تحبها جداً، ففرحت عندما طلبت منها والدتها ذلك.
ظلت الصغيرتان تتحدثان حتى نامت دلال، وعندما تأكدت حبيبة بأن دلال نامت بدأت تبكي. تشتاق لوالدتها جداً. كانت دوماً تحضنها وتنام، لكن اليوم هي تشعر بالبرد، تفتقد دفء أحضانها. تشعر بالغربة والوحدة رغم ما تفعله عائلة خالها من أجلها. ظلت تبكي حتى تعبت من البكاء ونامت. لتستيقظ على طرق قوي على باب شقة خالها، فزع من شدته الأطفال. خرج محمود مهرولاً نحو الباب.
ليفتح ويجد محمد، طليق شقيقته، يقف أمام الباب. أدرك محمود أن ما كان يخشاه يحدث، لكنه يحدث بسرعة وتوقع سبب مجيء محمد. قال محمد: "صباح الخير." قال محمود: "أهلاً يا محمد، اتفضل." دخل محمد ليجد حبيبة متسمرة أمامه، تضع يدها على فمها من دهشتها. ليقول محمد: "حبيبة، تعالي يابنتي." لكنها لم تتقدم خطوة واحدة وبقيت في مكانها، فهي لا تشعر أنه والدها، إنه شخص غريب عنها. لم تره منذ خمس سنوات. الآن تذكر أن له ابنة.
بقيت مكانها حتى ناداها خالها. قال محمود: "حبيبة يا حبيبتي، تعالي سلمي على بابا." تحركت بخطوات بطيئة جداً نحو والدها، تود لو أنها لم تصل إليه. سحبها والدها إلى أحضانه وقال محمد: "وحشتيني يا حبيبة بابا، ازيك يا حبيبة؟ ازيك يا بنتي؟ أراح هذا اللقاء محمود الذي أحس حينها أنه ربما محمد قد شعر أخيراً بابنته وسوف يعاملها جيداً، فمهما كان هو والدها وهو أحق بها كما قالت شريفه. قال محمد: "أنا عاوز آخد حبيبة معايا يا محمود."
قال محمود: "وليه يا محمد؟ ماهي عايشة معايا، وأنا مش هقصر معاها، وانت تقدر تيجي تزورها بأي وقت." قال محمد: "بس أنا أبوها وأنا أولى بيها. ليكمل بسخرية: هي مش المحروسة اتجوزت، يبقى لازمتها إيه قعادها عندكم؟ قال محمود: "بس هي متعودة علينا، وانت كمان متجوز، ما تاخذنيش، هي مراتك موافقة على وجود حبيبة في بيتها؟ تمتعض وجه محمد ويقول محمد: "إيه الكلام اللي بتقوله يا محمود؟
ماتوزن كلامك، حبيبة هتكون في بيت أبوها، محدش له حق يرضى أو ميرضاش." قال محمود: "مش قصدي يا محمد، بس حبيبة غالية عليا أوي، وأنا عاوز راحتها." قال محمد: "وراحتها في بيت أبوها، ومع أخواتها، بيت أبوها أحق بيها." قال محمود: "خلاص يا محمد، إنت عندك حق، بس ياريت تخلي بالك منها." قال محمد: "حبيبة بنتي، إنت هتوصيني على بنتي؟
نظر محمود إلى حبيبة، التي كان جسدها يرتعش وعينيها يملأها الدموع وهي تسمع حوار والدها وخالها. ثم اقترب منها جثى على قدميه واحتضنها وقال: "حبيبتي، يعز عليا فراقك، بس أنت لازم تروحي مع أبوك." تبكي حبيبة، وتعلو شهقاتها وتقول: "خالي، أنا مش عاوزة أروح مع أبويا، أنا عاوزة أفضل معاكم." يبكي محمود بدوره هو أيضاً ويقول: "غصب عني يا حبيبة قلبي، هبقى أجي أزورك، ماتخافيش، وهجيبك عندنا." أخرجها من أحضانه ومسح دموعها وقال:
"وبعدين هناك إخواتك، هتحبيهم وتعيشي معاهم." مسحت دموعها وعلمت أن لا مفر لها وأن القرار ليس بيد خالها ولا بيدها. قال محمد: "يلا يا حبيبة." أمسك ذراعها التي كانت متشبثة بملابس محمود وجرها يحثها على الرحيل. كان محمود يراقبها ودموعه تسبق لسانه ليقول: "ابقى اسمح لي أجي أزورها لو سمحت يا محمد." قال محمد: "أكيد، تقدر تيجي تشوفها."
قال ذلك وهو يحرر يد حبيبة من ملابس محمود المتشبثة بها، وأخذها ورحل. وظل محمود ينظر إلى طيفها ولا يعلم لماذا كان قلبه يعتصر حزناً على رحيله.
دخلت حبيبة منزل والدها وهي خائفة جداً من هذا المكان، لا تعلم لماذا، لكنها كانت غريبة عليه. استقبلتها زوجة والدها بود، حتى والدها كان يعاملها جيداً في البداية. لكن مع الوقت، كل شيء تغير. والدها أصبحت معاملته أقسى، كان دائماً يناديها "يا بنت شريفه"، ربما الشبه الذي بينها وبين والدتها كان كأنه ينتقم من أمها بها.
تلك المرأة التي عشقها حد الجنون، لكنها تمردت عليه لفقره وبخله عليها، تلك الصفة التي كان يمتاز بها لم تتحملها شريفه وطلبت منه الطلاق، ورغم رفضه لكنها أصرت على ذلك، وتركته ورحلت، ليمزق قلبه فراقها. رغم أنه تزوج بأخرى عله ينساها، لكنه لم يستطع نسيانها، بل أصبح يحقد عليها عندما علم بزواجها. وها هو ينتقم منها في ابنتها، التي لا ذنب لها سوى أنها تذكره بوالدتها.
أما زوجة والدها، فعندما رأت معاملة والدها لها، أصبحت هي أيضاً تعاملها أسوأ معاملة، تصل أحياناً كثيرة للضرب بقسوة. كانت تعاملها كخادمة لها ولأولادها، فزوجة والدها أنجبت ولدين، سامر وسامي، وكانت فخورة بأنها أم الأولاد. كان تحسسها دائماً أنها خادمة لأخواتها.
لم تهتم حبيبة لكل هذا، ما كان يهمها ما كان يحدث عندما يأتي شقيق زوجة والدها، يونس، الذي كان دوماً يتحرش بها. كانت حبيبة تخافه جداً وتدافع عن نفسها بكل ما تقدر. فمرة عضت يده التي كان يحاول لمس جسدها بها. كانت تهرب عند جارتهم إيمان، التي كانت تعرف قصتها، فتخبأها وتخبر زوجة أبيها أنها تحتاجها لتكون بجانب أولادها. وكانت ترسل معها بعض الفواكه لزوجة والدها، التي كانت ترحب بذلك.
كانت إيمان تجلس بجانب زوجها عندما سمعت صوت طرقات شديدة على باب شقتهم، ل تنتفض وتتجه بتجاه الباب لأنها تعلم هوية صاحب الطرقات. فتحت الباب وقالت: "تعالي يا حبيبة، خشي جوه بسرعة." كان جسدها يرتعش بقوة والكلمات لا تخرج من فمها. احتضنها إيمان وقال: "إهدي يا حبيبة، إنت في أمان. هو يونس جه عندك؟ أومأت له حبيبة برأسها. قالت إيمان: "طب ادخلي يا حبيبتي، تعالي اشربي ميه، وادخلي العبي مع جودي." انتظرت إيمان
دخول حبيبة وقالت لزوجها: "هو إحنا هنفضل ساكتين على اللي بيحصل يا أسر؟ قال أسر: "وإحنا هنعمل إيه يا إيمان؟ قالت إيمان: "نبلغ أبوها يا أسر، على الأقل أكيد أبوها لما يعرف باللي بيعمله الحيوان ده، هيتصرف." قال أسر: "وفكرك هيصدقنا ويكذب أخو مراته؟ دا ما بيردش السلام لما بسلم عليه، عاوزاه يصدقني وأنا بقول له أخو مراتك بيتحرش ببنتك؟ قالت إيمان:
"بس البنت صعبانة عليا أوي يا أسر، خايفة يتمادى ويعمل حاجة أكبر من التحرش يا أسر." قال أسر: "إن شاء الله ميحصلش، واديها بتيجي عندنا لحد ما يغور، وإنت ابقي ابعتي معاها حاجات كتير، حاكم أنا عارف إنه بخيل وبيحب الحاجات دي." قالت إيمان: "بس يا أسر." قال أسر: "أرجوكي يا إيمان، مش عاوز مشاكل، خصوصاً مع الراجل ده." ******************************************
كانت حبيبة عائدة وهي سعيدة جداً وتحتضن الفستان الذي أهدته إياه مس سناء بعد حصولها على درجة ممتازة. مس سناء كانت تعلم بقرب حلول عيد الأضحى، لذلك أحبت أن تساعد وتفرح حبيبة بهذه الطريقة دون أن تحرجها. كانت حبيبة ممسكة بالفستان، دخلت الشقة لتصعق بصراخ والدها. قال محمد: "الفلوس اللي في الدرج راحت فين يا ولية؟ اتكلمي." وهي ترتعش من صراخ زوجها. قالت شروق: "والله يا خوي ما شفتها." قال محمد: "إنت هتجننيني يا ولية؟
هو فيه حد غيرنا في الشقة؟ قالت شروق: "والله يا خوي، ما شفتها." لتشاهد حبيبة وهي ممسكة بفستانها، لتأتيها كطوق نجاة من هذا الموقف، فهي تعلم هوية السارق، لكن كيف ستقول أن يونس شقيقها هو من سرقهم؟ لذلك قررت أن تتهم هذه الصغيرة بفعله شقيقها. قالت شروق: "شوف يا خوي بنتك اللي جايه وفي إيديها فستان غالي، جابت فلوسه منين؟ ليحول محمد نظره لحبيبة ويجدها تحتضن الفستان بقوة. نعم، صدقت شروق، الفستان غالي. ليجري نحوها يمسكها
من شعرها بقوة ويقول: "جبتي منين الفستان ده يا بنت؟ قالت حبيبة وهي تبكي: "مس سناء ادتهولي." قالت شروق وهي تستنكر الكلام وتحرك شفتيها يميناً وشمالاً: "وهو فيه مس هتدي تلميذة عندها فستان غالي كده؟ هو حد يعقلها يا ناس؟ كانت تقول هذا مؤكدة لزوجها أنها من سرقت النقود. محمد ضربها بقوة وقال: "بتكذبي يا بنت شريفه." قالت حبيبة وهي ترتجف وشهقاتها تعلو: "والله يا بابا هي اللي ادتهولي، حتى تقدر تسألها." قالت شروق:
"بتكذبي، وأنا شايفة إنتي الصبح وإنتي داخلة الأوضة." قالت حبيبة: "كنت عاوزة أطلب فلوس من بابا عشان الكراسة." قالت شروق: "شفت يا محمد، مش قلت لك؟ قال محمد: "يا جزمة، والله لأربيكي عشان تبطلي سرقة." ليضربها من جديد. صرخت حبيبة: "والله ما عملت حاجة يا بابا، والله ما عملت حاجة." ثم تركها وذهب للمطبخ، وهي تصرخ وتتوسل لشروق: "والله ما عملت حاجة، والله ما أنا اللي سرقت، قوليله يا خالتي."
لكن شروق كانت تبتسم بسخرية، فقد نفت التهمة عن شقيقها. ليعود محمد ويسحبها وسط بكائها وصراخها وتوسلاتها التي لم تهزه، ويوقفها أمام الموقد. نظرت حبيبة بخوف وهلع لتجده يضع ملعقة على نار الموقد وقد تغير لونها من شدة الحرارة. لتصرخ: "والله ما عملت حاجة يا بابا، والله ما سرقت، أقسم بالله مش أنا، ارجوك متعمليش بيا كده يا به، أبوس إيدك."
لكنه لم يسمعها، أمسك يدها اليسرى ووضع الملعقة الساخنة عليها. لتصرخ حبيبة صرخة كاد أن تزهق روحها من شدة الألم. وظلت تصرخ بصوت عالٍ. أغمضت شروق عينيها عندما سمعت صراخ حبيبة، وكأنها تطفئ صوت ضميرها. أما محمد، فعندما رأى يد ابنته، أدرك بشاعة جريمته. واعتصر قلبه شكل وبشاعة الحرق على يده، لكنه أبى الاعتراف وتصنع الجمود واستدار وقال: "عشان تبطلي تسرقي أبوكي مرة تانية."
كان يعتقد أنه يربيها، ولا يعلم أنه يعاقبها على ذنب لم تقترفه. أما حبيبة، فكانت تقفز وتصرخ من شدة الألم، تنفخ الهواء عليه وتضعه تحت الماء، وهي تردد: "والله مش أنا، والله مش أنا." لم تستطع النوم من شدة الألم، بدأ حرقها يخزن الماء والقيح. كلما نامت أيقظها ألم يدها. كانت تبكي بشدة وتنتحب، لكن هذا لم يحرك مشاعر والدها أو زوجته.
لكنها قررت أن تهرب، لن تعيش هنا مرة أخرى. وبمجرد أن أشرقت الشمس، أخذت حقيبتها وفستانها وهرولت نحو بيت خالها. طرقت الباب، ليفتح محمود الباب ليصعقه منظرها ومنظر يدها. احتضنها وقال: "مين اللي عمل فيكي كده يا حبيبة؟ قالت حبيبة وهي تبكي: "أبويا، أبويا، والله أنا ماسرقتش يا خال." قال محمود: "عارف يا حبيبتي، إنت عمرك ما تسرقي." كان يحادثها عندما سمعوا صوت الباب يطرق، لتنتفض حبيبة خوفاً. قال محمود:
"متخافيش يا حبيبة خالك، نجاة، خذيها، دخليها جوه وغيري هدومها عشان آخدها المستشفى." انتظر دخولها ليذهب ويفتح الباب. قال محمد بغضب: "حبيبة فين؟ قال محمود وهو يمسك مقدمة ملابس محمد بغضب: "يا بجاحتك، وإنت ليك عين تسأل عليها بعد اللي عملته فيها؟ قال محمد: "بنتي وبربيها، ماتدخلش إنت." قال محمود: "تربيها يا ظالم؟ هي دي تربية يا عديم القلب؟
اسمع يا محمد، إنت تنسى حبيبة خالص، ملكش دعوة بيها، وإلا والله أطلع دلوقتي وأعمل لك محضر تعدي على بنتك، وأوريهم إيدها، وإنت عارف هيحصل إيه." قال محمد: "إنت بتهددني يا محمود؟ قال محمود: "أيوه، وحبيبة ملكش دعوة بيها، انساها، أنا مستعد أفديها بروحي." قال محمد: "يبقى تنسى إني هصرف عليها، وخلينا نشوف هتصرف عليها إزاي." قال محمود:
"أنا أقطع من لحمي وأصرف عليها، وإلا إنها تتألم، ملكش دعوة إنت بيها. دي آخر مرة هقولها، وإلا بينا المحاكم والبوليس، وإنت عارف إني هكسب." قال محمد بعد أن أدرك أن كلام محمود صحيح: "خلاص، يبقى أنا ماليش دعوة بيها، ومش هصرف عليها مليم." قال محمود: "إن شاء الله مش هتحتاجك." خرج محمد وترك محمود مصعوق من تصرفات هذا الأب الذي بلا رحمة.
ثم أخذ حبيبة للمستشفى. كانت دموعه تتساقط عندما كان يسمع صراخها والأطباء يعالجون حرقها، الذي أخبره الطبيب أنه سيترك أثر مدى الحياة في يدها، وأنه لو تأخر قليلاً لكان حرقها قد تلوث وتسبب في قطع يدها. عاد محمود مع حبيبة للمنزل بعد أن اشترى لها بعض الألعاب والحلويات محاولات التخفيف عنه. دخل الشقة وقال: "إزيكم دلوقتي يا حبيبة؟ قالت حبيبة: "هو أنا وحشة يا خالي؟ قال محمود: "ليه بتقولي كده؟ قالت حبيبة:
"أمال هما ليه مش بيحبوني؟ أمي سابتني ومشيت، وأبويا حرقني، ومرات أبويا كانت بتضربني." قالت ذلك وهي تبكي. قال محمود: "لا يا حبيبتي، إنت مش وحشة، هما اللي وحشين، إنت حلوة وطيبة يا حبيبة، وبعدين هما مش بيحبوكِ، بس أنا بحبك، إنت من النهارده بنت محمود، لا بنت محمد ولا شريفه." قالت نجاة: "وأنا كمان بحبك يا حبيبتي." ثم احتضنتها وجففت دموعها.
"يلا، دلال هترجع من المدرسة وتلعب معاكي، هتفرح أوي لما تشوفك، يلا روحي نامي شوية لغاية ما ترجع." رحلت حبيبة. قالت نجاة: "يا عيني عليها، لو تشوف جسمها يا محمود كله معلم، ربنا يكسر إيديهم." قال محمود: "الحقير، وأنا أقول ليه مكانش بيرضى أزورها، ولما أروح بيفضل قاعد معانا، أتاري بيعذبها عديم الضمير، بس أنا أخذت تقرير من المستشفى بعد ما عاينوا الحرق والكدمات، والله لو عمل حاجة هبلغ عنه ومش هرحمه." قالت نجاة:
"برافو عليك يا محمود." قال محمود: "نجاة، لو سمحتي، حبيبة من النهارده بنتي، وغلاوتها من غلاوتي، ياريت محدش يزعلها، لأني مش هسمح بكده." قالت نجاة: "أخص عليك يا محمود، بتقول لي أنا الكلام ده؟ دا أنا بحب حبيبة زي دلال بالظبط." قال محمود: "سامحيني يا نجاة، غصب عني." قالت نجاة: "مسمحاك يا خوي، وحاسة بيك، بس ماتخافش حبيبة في عنيا." قال محمود: "أصيلة يا نجاة، من يومك شايلة معايا الهم." قالت نجاة:
"ربنا يخليك لينا يا أبو مصطفى." قال محمود: "ويخليكي يا حبيبة عمري." ليشرد محمود في حال تلك الصغيرة وما تخبئه لها الأيام. يتبع.......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!