الفصل 2 | من 34 فصل

رواية أصفاد الحب الفصل الثاني 2 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
38
كلمة
2,682
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

مرت الأيام عليها في بيت خالها. لكنها، ورغم صغر سنها، كانت تشعر بأنها ثقيلة على كاهل هذه العائلة التي تدبر لقمة عيش بأصعب الطرق. خالها الذي أصبح يخرج من الفجر ولا يعود إلا مساءً، منهكًا، قدماه بالكاد تحمله. وزوجة خالها التي أصبحت تقوم بأي عمل لجيرانها في مقابل النقود. تخيط الملابس البسيطة لأنها ليست خياطة ماهرة وماكينتها قديمة. أصبحت حبيبة تشعر أنها تأخذ شيئًا ليس من حقها. فقضمة الخبز التي يأكلها أولاد خالها أحق بها.

هذه المشاعر التي ربما تكون كبيرة على طفلة بعمرها، لكن ربما ظروفها القاسية جعلتها أكبر من سنها. أخرجها من دوامة هذه المشاعر نداء صوت زوجة خالها. نجاة: حبيبة.. حبيبة.. تعالي. حبيبة: نعم يا خالتي. نجاة: خدي يابنتي الفلوس وروحي هاتيلنا عشر أرغفة عيش من عم حسن بتاع الفرن. مصطفى راح يلعب مع صحابه ولسه مرجعش. حبيبة: حاضر يامرة خالي.

وذهبت في طريقها نحو فرن عم حسن، ذلك الرجل الطيب الذي دائمًا ما كان يرحب بها ويعطيها رغيفًا زيادة. هو صديق خالها ويعلم بقصتها جيدًا. وطيلة طريقها نحو المخبز، كانت حبيبة تسمع همهمات وهمسات النسوة في الشارع، ونظرات الشفقة التي تراها في عيونهم. "يالهي كم تكره هذه النظرات! رغم أنها نظرات عطف، لكنها تكرها. كم تشعرها تلك النظرات بالنقص والدونية. وهمساتهم التي كانت كسِكّين تضرب قلبها."

وصلت المخبز الذي رغم قربه من شقة خالها، لكن طريقه بنسبتها كان درباً طويلاً من الحزن. حبيبة: عم حسن، عاوزة عشر أرغفة. عم حسن: أهلًا.. أهلًا بست البنات القمر. ازيك ياحبيبة. حبيبة: الحمد لله. عم حسن: المدرسة أخبارها إيه؟ عاوزك ترفعي راسي وتبقى دكتورة قد الدنيا. حبيبة: إن شاء الله. عم حسن: ثواني ياحبيبة، أدي لأحمد القرص.. وأديكي العيش. لتنظر حبيبة لأحمد، الذي كان صبيًا في نفس عمرها تقريبًا. أعطاه عم حسن

مجموعة من القرص وقال له: عم حسن: خد ياحمد، ادي حصة النهارده. بيعهم وتعال بليل عشان تديني الفلوس وتأخذ حسابك. أحمد: حاضر ياعم حسن. غادرت حبيبة المخبز بعد أن أعطاها عم حسن أرغفة الخبز. وعادت إلى شقة خالها لتجد زوجة خالها تجلس مع مجموعة من الجيران. وعندما دخلت، سمعتهم يقولون لزوجة خالها: "يعيني عليها.. بقت يتيمة.. وأهلها عايشين." "وتجيبها أختي؟ ما هي أمها أي ياختي اللي يسيبوا ضناهم."

"والا أبوها.. جات كسر إيديه.. ربنا يعينه." دخلت حبيبة الغرفة مع أولاد خالها، لا ينقصها سماع المزيد. قلبها الصغير أتعبة القهر، الشفقة والعطف. تعلم أن نجاة لا تقصد أن تحزنها، بالعكس، ربما هي أيضًا تشفق عليها. لكن تباً لهذه الشفقة! أصبحت تكره هذه المشاعر المهينة. *** حل الصباح وذهب الأولاد إلى المدرسة. وفي المدرسة، همست سلمى: سلمى: حبيبة، فين كراسة الرياضة بتاعتك؟ السنة الجديدة بادية من أسبوعين، وأنت لسه معندكيش كراسة.

حبيبة: بكرة يا مس هجيب واحدة. سلمى: حبيبة، أنت بقالك أسبوع بتقولي نفس الكلام. ولولا إني عارفة إنك تلميذة شاطرة كنت تصرفت معاكي تصرف تاني. بكرة آخر مهلة ليكي، بعدها هضطر أديكي للناظرة. حبيبة: حاضر يامس. "وها هي تواجه مشكلة إحساسها بالنقص. ماذا ستفعل؟ كيف ستخبر خالها بحاجتها للنقود؟ بعد أن رحمتها مس سناء من تكاليف الكتب والكراريس الباقية، لكن يبدو أنها نسيت واحدًا. ماذا تفعل؟

لا تستطيع أثقال كاهل خالها بمصاريف جديدة، فيكفيه ملابسها وملابس أولاده. أين تذهب؟ كانت تسير حتى وصلت مخبز عم حسن. لا تدري كيف خطرت ببالها تلك الفكرة. حبيبة: عم حسن... عم حسن: أهلًا.. أهلًا.. بست البنات. ازيك. عاملة إيه. حبيبة: الحمد لله... عم حسن، ممكن أطلب منك طلب. عم حسن: أمّريني يا ست البنات. حبيبة: احم.. عم حسن... أنا عاوز أشتغل. عم حسن: إيه؟ تشتغلي إزاي؟!

حبيبة: أرجوك يا عم حسن، خالي المصاريف تقيلة عليه.. وأنا مش عاوزاه أحمله زيادة. عم حسن: أيوه يابنتي.. بس هتشتغلي إيه وأنت في السن ده؟ حبيبة: هبيع قرص في الشارع. عم حسن: تبيعي قرص! وفي الشارع! ياحبيبة... طب خالك هيرضى؟ حبيبة: ما أنا هشتغل من غير ما أقوله. عم حسن: لا ياحبيبة لا.. كده غلط يابنتي.. أنتِ بنت ولسه صغيرة. حبيبة: أرجوك يا عم حسن، ساعدني. أرجوك عشان خاطري. أنا هخلي بالي من نفسي.

عم حسن: طب وهتقولي إيه لما تخرجي من البيت؟ حبيبة: هقول إني بذاكر مع هدى بنت حضرتك. عم حسن: بس ياحبيبة... حبيبة: أرجوك يا عم حسن. عم حسن: خلاص ياحبيبة.... خلاص. بس أنا هدلك على المكان اللي تبيعي فيه عشان أوصي عليكي ناس هناك.. عشان أكون مطمن عليكي. وبكرة أديكي قرص تبيعييهم بعد المدرسة.. ولكي أجرك كل يوم. حبيبة: متشكرة أوي يا عم حسن. ثم أكملت بأحراج: حبيبة: طب ممكن.. تديني فلوس من حساب الشغل.. بتاع بكرة؟

محتاجاها أشتري كراسة للمدرسة. عم حسن: وليه؟ من فلوس الشغل؟ أنا هديكي الفلوس هدية. حبيبة: أرجوك يا عم حسن، لو مش هتديني الفلوس من حساب الشغل مش هاخدهم. أرجوك يا عم حسن متتحسسنيش إني شحاتة. عم حسن: شحاتة؟ أخس عليكي ياحبيبة. ليه هو أنا مش زي خالك؟ الله يسامحك بس. حبيبة: أنا آسفة يا عم حسن، بس...

عم حسن: خلاص ياحبيبة، خذي الفلوس.. وخلاص من حسابك. وحلوة عزة النفس اللي عندك ياحبيبة، طالعة لخالك. بس عشان خاطري خليها المرة دي هدية مني. حبيبة: حاضر يا عم حسن، عشان خاطرك بس. وفعلاً بدأت تعمل مع عم حسن. تأخذ منه القرص تبيعه في المكان الذي حدده هو لها، بعد أن تخبر زوجة خالها أنها ذاهبة لكي تقرأ مع هدى زميلتها. كانت تبيع القرص بشكل يومي. في بداية الأمر كانت خائفة، لكن مع مرور الوقت تعودت على ذلك.

إلى أن جاء ذلك اليوم الذي اقترب منها رجل غريب وحاول التحرش بها. ابتعدت هي، لكنه ظل يلحقها. كانت خائفة جدًا، فقد ذكرها بيونس وما كان يفعله معها. إلى أن ركضت وركضت بسرعة شديدة. وظلت تركض وتركض، حتى بعد أن رأت الرجل تركها ورحل بعيدًا، لكنها ظلت تركض وتركض. حتى سقطت وجرحت ساقها. وسقط ما بقى معها من القرص. ظلت تبكي وهي لا تزال ممدة على الأرض. مدت يدها ترفع نفسها من على الأرض، وجلست.

وأيقنت في هذه اللحظة أنه لا يوجد أحد يساعدها، لن يمد أحد لها يده. نظرت إلى يدها لتجد أثر ذلك الحرق الغائر على يدها، فعلمت أنها هي فقط من تستطيع أن تساعد نفسها، ليس هناك أحد آخر. فعزمت في داخلها أنها ستواصل ولن تتوقف، وستكون ذات شأن في يوم من الأيام. وهي من سوف تداوي أحزانها بنفسها. جمعت قطعتين القرص، وحمدت الله أنها قطعتين فقط. نفضت عنهم التراب الذي لوثهم كما لوث الفقر طفولتها. وتناولتهما كوجبة لها.

وأخبرت نفسها أنها سوف تطلب من عم حسن أن يخصم ثمنها من حسابه. لكن مهلاً.. ماذا تفعل ملابسها التي تمزقت وحذائها الذي قطع؟ ألا ينقصها هذا أيضًا؟ لم تهتم حبيبة بجرح قدمها وآثار الدماء البسيطة، لكن اهتمت كيف ستذهب للمدرسة من دون حذاء. عادت إلى عم حسن الذي تعجب من حالها. لكن قصت عليه حبيبة ما حصل. عم حسن: مش قلتلك ياحبيبة؟ أهو ده اللي كنت خايف منه. حبيبة: أرجوك يا عم حسن، أنا مش هبطل. أرجوك.. أنا قدرت أحمي نفسي.

عم حسن: هو يصرخ بوجهها غاضبًا: وإن مقدرتيش تحمي نفسك المرة الجاية هقول لخالك إيه؟ حبيبة: لا أرجوك يا عم حسن، والله هعرف أحمي نفسي. عشان خاطري. أنا فرحانة أوي إني هقدر أخفف عن خالي. عم حسن: خلاص ياحبيبة... ادي حسابك. حبيبة: لا، في قطعتين وقعوا مني، اخصم حسابهم. عم حسن: حبيبة، اعتبريه حمد الله على السلامة.. مني. نظرت حبيبة إلى ملابسها وحذائها بحرج، ثم نظرت إلى عم حسن. فافهم هو من نظراتها ما تقصد، فقال:

عم حسن: استنيني ياحبيبة ثواني وراجعلك. جلست حبيبة على استحياء تنتظره. إلى أن عاد ومعه ملابس وحذاء مستخدم. عم حسن: خذي ياحبيبة يابنتي.. دي جزمة وهدوم من هدى.. بدل اللي اتقطع. حبيبة: أنا هاخد الجزمة بس يا عم حسن. أنا عندي هدوم في البيت. عم حسن: خذيهم ياحبيبة ومتكسفنيش. أنا لو عندي وقت كنت جبتلك جديدة. أمسكت حبيبة كيس الملابس واعتصرته، كأنها تعتصر قلبها كي لا ينزف ألمًا على مشاعر القهر التي تشعر بها.

لم تلبس يومًا ملابس غيرها لأن والدتها كانت خياطة ماهرة وكانت تصنع الملابس لها، لكنها اليوم مضطرة لذلك. أخبرت زوجة خالها، التي بدأ تشك في تغيبها المستمر، بأنها سقطت في الشارع وهدى أعطتها ملابسها. تفهمت نجاة رغم عدم اقتناعها بذلك، لكنها قررت أن تخبر خالها. *** عاودت حبيبة العمل، لكن هذه المرة في مكان آخر اختاره لها عم حسن أيضًا. لكن في يوم سمعت صوت يناديها في الشارع. حبيبة!

لتصعق عندما استدارت ورأت خالها ينظر إليها بغضب شديد. تسمرت في مكانها، وكأن قدميها قد تجمدت، والدماء جفت من عروقها. أمسك محمود ذراعها بشدة، ألأمتها، لكن ليس كألم نظرات خالها لها. محمود: بتعملي إيه هنا ياحبيبة؟ حبيبة: أنا... أنا... محمود: ان جري معايا. وحسابك في البيت. ليسحبها خلفه من ذراعها. وعندما وصلا إلى الشقة، دفعها نحو الداخل بقوة حتى سقطت على الأرض. محمود:

بصراخ وغضب: بتستغفليني يابنت شريفة ورايحة تشتغلي في الشارع! لتشهق نجاة وتضع يدها على فمها، فهي أخبرتها بتغيبها، لكن لم تكن تعلم أنها تعمل. لكن كيف علم هو بذلك؟ محمود: ردي. انطقي. بتشتغلي ليه؟ أنتِ طلبتي حاجة وأنا قلت لا. حبيبة: وهي تبكي: أنا كنت عاوزة أساعدك ياخالي. محمود: وهو يصرخ بصوت أرعب الجميع: وأنا كنت طلبت منك تساعديني؟ انطقي. حبيبة:

وهي تبكي وشهقاتها تعلو: من غير ما أطلب ياخالي. أنا عاوزة أساعدك. أرجوك ياخالي. محمود: بعد أن رق قلبه قليلاً من بكائها، لكن لازال في قمة غضبه: وأنا مش عاوز مساعدتك. حبيبة: وأنا مش عاوزة أكون حمل عليكم. محمود: وهو يتعجب من الكلمة، فهي لازالت صغيرة على هذا الكلام: وأنت مين قالك إنك حمل عليه؟ حبيبة: أهل الحارة كلهم بيقولوا الكلام ده، بيقولوا زودت حمل خالها.

محمود: وهو يمسح وجهه بقوة ويزفر أنفاسه بشدة، ويحاول أن يطفئ نيران قلبه الذي يؤلمه على هذه المسكينة التي سمعت ما فوق طاقتها. اقترب منها ونزل مستواها، مسح دموعها بيديه، وقال: محمود: عمرك ياحبيبتي ما زودتي الحمل عليه. أنتِ بنتي. يابنت، أنتِ شوفتي في يوم بنت بتكون حمل على أبوها؟ وأنا مرضاش يا حبيبة بنتي تلف الشوارع وتبيع قرص. أمال أنا أبقى راجل وقد المسؤولية إزاي وأنتِ بتعملي كده؟ حبيبة: التي ارتمت

بين أحضان خالها وقالت: أرجوك ياخالي، أرجوك خليني أساعدك. محمود: أبوس إيدك.. أنا مرتاح ومبسوطة وأنا بكسب. ثم هرولت نحو حقيبتها وجلبت النقود التي جمعتها، وقالت: حبيبة: بص ياخالي، الفلوس اللي كسبتها.. هشتري بيها هدوم الشتا. وأنت اشتري هدوم دلال ومصطفى. هشتري هدومي أنا بس ياخالي. أمسك محمود يدها وقبلها، وبدأت دموعه تسقط وهو يسمع كلامها، لكنه لن يسمح لها أن تكمل.

محمود: معلش ياحبيبتي، أنا هجيب هدومكم كلكم، وأنتِ اهتمي بمدرستك. ملكيش دعوة بالكلام ده. حبيبة: بس ياخالي.. أنا.. متفوقة وبجيب نمر عالية، صدقني. محمود: حبيبة... الكلام انتهى في الحكاية دي. *** ذهب محمود إلى حسن كي يفهم منه الموضوع بشكل أوضح. حسن: والله يا محمود أنا قلتلها إنك مش هترضى، لكن هي أصرت وقالت أنا عاوزة أساعد خالي. محمود: وهو ينكس رأسه

والدموع تتجمع في عينيه: طول عمرها حنينة وبتحس بيا، حتى لما كانت أمها موجودة كانت دايما تحس بيا لما أكون تعبان. لكن لا يا حسن، مش أنا اللي أسيب بنت أختي تشتغل في الشارع. الناس يقولوا إيه؟ حسن: الناس عمرهم ما هيرضوا عن حد يا محمود. محمود: وأنا هقول إيه لنفسي لما أسيب بنت أختي تشتغل وهي في السن ده؟ وافرض في يوم أبوها شافها، هيقول إيه؟ مرمطها وشغلها في الشوارع.

حسن: أبوها عمره ما هيفكر فيها، ده راجل بخيل ما صدق إنه رمى حمله. محمود: ولو يا حسن، دي طفلة. تتمتع بطفولتها.. والا تشتغل؟ يعني هو أنا هقف على لقمة عيشها يا حسن؟ حسن: تعرف يا محمود، من ساعة ما حبيبة اشتغلت معايا، وأنا عرفت حاجة. حبيبة عمرها ما كانت طفلة. حبيبة شايلة عقل وفكر أكبر من سنها. دا وهي بتكلمني حسيتها بنت تلاتين سنة. بنت جدعة بصحيح. عندها كرامة وعزة نفس. تعرف إنها تشبهك.

محمود: أيوه صحيح، هي عقلها أكبر من سنها. بس ده مش معناه إنها تشتغل. حسن: عاوز نصيحتي يا صاحبي؟ سيبها تشتغل. حبيبة زي ما قالت لك، حاسة إنها تقيلة عليك، سيبها يامحمود تحس إنها مش عالة عليك. وأهي بتشتغل معايا والمكان اللي بتبيع فيه أمان، زي ما شفت. وأنا وصيت عمي شرابي بتاع الكشك اللي في الشارع عليه. محمود: أنت بتقول إيه يا حسن؟

حسن: صدقني يا محمود، أنت لو منعتها هتكسرها وتخليها دايماً تحس إنها عالة. البنت عندها عزة نفس. وبعدين إحنا هنضحك على بعض يا محمود؟ ما أنا أعرف الحال. أنت بتلم اللقمة بالعافية. سيبها تشيل شوية من الحمل عنك. سيبها يا محمود. يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...