الفصل 15 | من 34 فصل

رواية أصفاد الحب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رشا عبد العزيز

المشاهدات
27
كلمة
2,608
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

كان يسترق النظر لها بين الحين والآخر. أما هي فكانت في عالم أخر، لا تعي شيئًا من حولها. دموعها تحجرت في عينيها، النيران التي اجتاحت جسدها بعد ما حدث. تركت روحها كركام مندثر، حتى أنها لم تنتبه لتوقف السيارة. نزل هو من السيارة وانتبه لشرودها. ليطرق على زجاج النافذة محاولاً إخراجها من شرودها. انتبهت هي ونظرت له، نظرات يغلفها العتاب ويملؤها الحزن. فتح لها الباب وتراجع عدة خطوات إلى الخلف. واستدار متجه نحو باب الفيلا.

أما هي فقدمها بالكاد حملتها لتتبعه. دخل هو ودخلت هي بعده. وشبح ابتسامة مجروحة رسمت على وجهها وهي ترى تيم الذي يركض باتجاهها فرحًا ويقول: "مامي! نزل لمستواها واحتضنته بقوة، علها تطفئ ألم قلبها المنهك. أخرجها من أحضانه وأمسك وجهها بيديه الصغيرتين وسألها: "مامي حبيبتي، أنتِ هتعيشي معايا هنا؟ ابتسمت وحركت له رأسها بنعم. "طب يلا أوريكي أوضتي ونلعب سوا." أومأت له. ثم توقفت لتلقي التحية على أمينة التي كانت تطالعها بأسى.

وما أن وقفت اتجهت نحوها تحضنها بقوة وتقول: "أهلاً بيكي يابنتي، نورتي بيتنا." تجمد جسدها بين أحضان أمينة وصوتها المخنوق. لسانها الذي أبى النطق. جعل أمينة تكمل وتقول: "حبيبتي اعتبريني زي والدتك." لا تدري أمينة أنها ومن دون قصد ضغطت على جرح الماضي. الذي ظنت هي أنه شُفي واندثر. ليرتجف جسدها معلنًا انهيارها داخل أحضان امرأة غريبة. وكم ودت لو كانت هذه الأحضان أحضان والدتها. كم تحتاج لها اليوم.

وكم ودت لو تستطيع الصراخ لتخرج هذا الألم المدفون. حركت أمينة يدها على ظهرها تحاول تهدئتها. وقلبها يملؤه الحزن والقلق عليها. "بابي، هي مامي بتبكي ليه؟ سؤال طرحه تيم بخوف على حبيبته. بعد أن أفزعه مظهرها. ليجيبه أدهم الذي لم يختلف عنه رعبًا من انهيارها. "متخافش ياحبيبي، مامي بخير." تركتها أمينة تخرج ألمها وحزنها بين أحضانها حتى هدأت تمامًا. وخرجت من أحضانها بإرادتها دون أن تنطق بأي كلمة. ولا أمينة التي تجنبت

سؤالها واكتفت بقولها: "يلا ياحبيبتي عشان أوريكِ أوضتك." لتأخذها هي وتيم نحو الطابق العلوي. وما أن رحلت حتى جاء دوره بلانهيار وبجسد يملؤه الحسرة والألم. جلس على الكرسي واضعًا رأسه المنحني بين يديه. يمسح دموعًا هربت من عينيه. لا يعلم حزنًا على حاله أم حالها. عادت والدته بعد قليل لتجده بهذا الحال لتقول له بعتاب: "ليه يابني عملت فيها وفي نفسك كده؟ رفع رأسه لينظر لأمه بعين. لوّن اللون الأحمر صفاءها حزنًا وألمًا.

"أنا عملت كده عشان ابني." "متضحكش عليا يابني، لو خبيت على الناس كلها مش هتقدر تخبي عليا. أنت بتحبها هي، مش حبيبة البنت اللي صورتها في محفظتك. فاكرك إن أنا معرفتهاش؟ أنا عرفتها من أول ما شفتها أول مرة. وشفت عينيك اللي كانت بتلمع في وجودها. لكن يابني.. الحب مش بالإجبار. محدش له سلطان على قلبه." انهيارها، دموعها بتقول إنها مغصوبة. على الجوازة دي. "بس هي دلوقتي مراتي." جملة قالها لوالدته بتحدي.

"مراتك دي صفة رسمية، لكن قلبها بيقول إيه؟ دا الأهم." "قلبها مع حد تاني." جملة قالها بغصة ومرارة. ليسمع شهقة أصدرتها والدته. بعد أن سمعت هذه الجملة. وكطفل صغير. اقترب من والدته ونهار بين أحضانها. يروي لها خيبته في حب تمناه لكنه كان من نصيب غيره. "بس يبني. دا حقها وفاءها لجوزها. دا يتحسب ليها. ياحبيبي زي ما أنت مقدرتش تنساها طول التمان سنين هي كمان متقدرش تنسى جوزها. دي حاجة مش بإيديها." "بس هو مات." "دا بنسبالنا.

لكن بنسبالها هو موجود. مادام حبه لسه عايش جواها." "يعني مش هتحس بيا؟ سؤال طرحه عليها برجاء. "حاول يابني. حاول تحسسها بحبك ليها. باهتمامك بيها. حاول تكون ليها السند والأمان. حاول تحتويها وتعوضها." ثم حركت والدته يدها على خصلات شعره كأنها تطمئنه. لتضحك وتقول: "هتحبك ياولد. هو حد يتجوز قمر زيك وميحبوش؟ ليضحك بدوره ويقول: "آه ما القرد في عين أمه غزال." ليضحكا سويا. أما في الطابق العلوي فكان المشهد مختلف.

كانت ممددة على السرير بجانب تيم تقص عليه حكاية قبل أن ينام. ورغم كل ما حدث. لكنها كانت تبتسم على حب هذا الصغير الذي يتشبث بها كأنها ستهرب منه. يبتسم ويحتضنها بين الحين والآخر حتى غفى. أما هي فهرب النوم من عينيها. حتى أحضان تيم لم تشعرها بالأمان. لتغادر السرير متجهة نحو الغرفة التي خصصت لها كما قالت لها أمينة. دخلت الغرفة وفتحت حقيبتها. لتخرج منها صورة علي المغمورة بعطره. قبلت الصورة عدة قبلات وقالت: "وحشتني ياعلي."

استبدلت ملابسها واستلقت على السرير وهي تحتضن صورة علي ونامت. لم يستطع هو أيضًا النوم وهو يعلم أنه يجمعهم مكان واحد. لتسوقه قدماه نحو غرفتها. فتح الباب ببطء شديد. ليجدها تغفو. وشعرها البني يغطي وسادتها. لقد صدقت خصلاتها المتمرده عندما أخبرته بلونها منذ ثمان سنوات. أقترب منها أكثر. ليعتصره قلبه فجأة حين رآها تحتضن صورة علي. "ماذا يفعل؟ "أيسرخ بها أن ترحمه وتتوقف عن حبه؟ "أم يعطيها الوقت والفرصة كما نصحته والدته؟

تركها ورحل نحو الحديقة يدخن سجائره. علة يطفئ نيران غيرته بحرقها. *** لملمت أغراضها وهمت بالرحيل بعد انتهاء وقت دوامها. وسارت بين ضحكات الصغار التي تطرب قلبها الذي حرم منهم. حتى خرجت من البوابة وهي تلوح لبعض الواقفين يلوحون لها بالوداع. سارت خطوات قليلة. وسمعت من يقول: "خديجة." صوت. خفق قلبها الغبي له من جديد. لا يزال يرتجف عند سماع اسمها منه. لتتسمر من دون حراك. "إزيك يا خديجة، وحشتيني ياحبيبتي."

توقف، أرجوك لا ينقصني هذا أيضًا. لكنها. استدركت وضعها وبقلب مثلت فيه الثبات وروح افتعلت فيها القوة. استدارت. "خير، عايز إيه؟ فاجأته بأسلوبها فهو لم يعهد منها ذلك. أهذه خديجة التي كانت تتغزل به كلما تلقتعه. "مالك يا خديجة بتكلميني كده ليه؟ ارتسمت علامات الغضب على وجهها وقالت: "و عاوزني أتكلم معاك إزاي يابن عمي؟! وبنظرة ترجي وشوق قال: "خديجة أنا مالك حبيبك. لكن لماذا أحس أنك أصبحت غريبة؟ لم يعد قلبك موطني.

أصبح هناك من يشاركني فيه." "عاوز إيه يامالك، أنا اتأخرت." ليجيبها محاولاً استعطافها: "عاوز نرجع لبعض ياروحي. أنا بموت من غيرك يا خديجة ارحميني." وبنبرة حاسمة أجابت: "ارجع لمراتك وولادك يامالك. واعتبرني.. صفحة انتهت من حياتك. إنساني يامالك وسبني أعيش حياتي." لتشعل نيران غضبه التي ظهرت جليًا على وجهه. "إنساني أنت اتجننت يا خديجة. عاوزاني أنساكي وأنسى حبنا اللي اتولد وكبر معانا." وبصوت بارد وسكون استوطن عينيها أجابت:

"أيوه إنساني يامالك. أنت دلوقتي عندك زوجة وأولاد." ليصرخ بصوت عالٍ جاعل من يمر بجانبه ينتبه إليه. "مش أنتِ اللي اخترتي. يكون ليكي شريك. مش قلتلك هتستحملي؟ وقلتِ أيوه استحمل. مش كل حاجة تمت برضاكِ." أجابته بعيون لسعتها الدموع وملأتها الكسرة والخذلان. "كنت فاكرة إني هفضل أول واحدة في حياتك حتى لو كان فيه غيري فيها. كنت فاكرة إنك عمرك ما هتنساني. كنت فاكرة إنك عمرك ما هتصدق عني كلام غلط. لكن أنت يامالك. دست عليا.

وكنت على هامش حياتك. خديجة اللي وقت ما تحب تلاقيها مستنياك. خديجة اللي صدقت إنها ممكن تأذي ولادك. سبني يابن عمي قبل ما أكرهك." طعنته هذه الكلمة في صميم قلبه العاشق. "يااااه لدرجة دي يا خديجة هي وصلت للكره." لكنه أكمل مستعطفًا إياها. "طب يا خديجة أنا مستعد أصلح كل حاجة وهاخدلك شقة بعيدة. وأعدل بينكم. ومش هاجي عليكي. ولا أكون معاهم على حساب وقتك. وصدقيني أنت طول عمرك الأولى في حياتي. محدش خد مكانك ياديجا." "مالك...

مش معقول." كان هذا صوت أيمن الذي رحمها قبل أن تضعف أمام توسلات مالك. انتبه له مالك وقال بوجهه ممتعض. فبعد أن أوشك على استعطافها قطع أيمن تلك اللحظة. "أيمن. إزيك؟ عاش من شافك ياصاحبي." احتضنه أيمن. مرحبًا به. لتستغل خديجة هذا الموقف وتهرب من أمامه. لم ينتبه هو لباقي حديث أيمن. فقد كانت عيناه تراقب هروبها. وكان يحاول اللحاق بها. لكن أيمن لم يعطه هذه الفرصة فقد تعمد إطالة الحديث معه. حتى تختفي خديجة من مرمى عينه.

فعل ذلك بعد ما رأى العبوس والغضب في عين خديجة وهي تحاور مالك. فقرر قطع هذا الحديث. بنفسه وإنقاذها. *** كانت تجلس في غرفتها في المستشفى عندما دخلت عليها نهى متفاجئة. من وجودها. "حبيبة أنتِ هنا؟ رمقتها بطرف عينها وتقول: "وماله مستغربة وجودي كده ليه؟ "لابس هو مش المفروض النهارده." لتبتلع نهى باقي كلامها عندما رأت علامات الغضب ترتسم على وجهها. لتغير هي دفة الحديث وتقول: "حصل إيه في موضوع حنان؟ دكتور يوسف كلم جوزها؟

تقطب نهى حاجبيها باستفهام. "حنان مين؟ ثم أدركت ما تقصده وقالت: "تقصدي حنان. مريضة الاكتئاب ما بعد الولادة. ياروحي صعبانة عليا، جوزها الغبي فاكر إنها اتجننت. مش فاهم إن دي حالة مؤقتة." لتشرد بخيالها ثم تتنهد بهيام وتقول: "بس يوسف حبيبي قال هيكلموا النهارده عشان يشرحله الحالة." لتبتسم حبيبة مستهزئة. "يوسف حبيبي. طب والله ما في مجنون غيرك ياهبلة." "حبيبة." قالتها نهى بغضب. لتضحك حبيبة وتقول: "خلاص، متأسفين."

وأكملت بنبرة حزينة: "أنا صعبان عليا بنتها. تعرفي إنها مولودة قبل ميعادها. بس بقالها أسبوع محدش سأل عليها." لتجيبها نهى بحزن مماثل: "مهو الأطفال دي هي اللي بتدفع تمن المشاكل مع الأسف." تركتها نهى ورحلت بعد حديث طويل. لتتجه هي نحو غرفة الحضانات. دخلت بعد التعقيم. لتقترب من تلك الطفلة الصغيرة. ابتسمت عندما رأتها تحرك يدها بعشوائية. لتمد حبيبة يدها بتمهل. وتمسك يدها برفق. "إزيك ياقمر. لا ماشاء الله صحتك بقت أحسن كتير.

تعرفي. أنا مش عارفة. أعمل إيه عشان أساعدك. أبوكي فاكر إن أمك اتجننت مش فاهم إن دي حالة بتصيب ستات كتير. وإنها في الفترة دي محتاجة اللي يحتويها ويدعمها. مش يقول عنها مجنونة. هو مش فاهم إنها فترة مؤقتة. وبعدها هترجع لطبيعتها. الظاهر إنها تعرضت لضغط نفسي. جايز عشان عرفت إنك بنت وإنك هتكون البنت التالتة. مش عارفة هو فيه ناس لسه بتفكر كده." لتنظر للطفلة وتسألها. كأنها تفهم. "هما كل الأبهات كده؟

ولا أبويا وأبوكي بس اللي مش عاجبهم خلفة البنات." لتبتسم بعد أن تجمعت الدموع في عينيها وتقول: "أنا هسميكي بسمة. عشان يارب يكون ليكي من اسمك نصيب. هااا إيه رأيك يابسبوسة؟ شوفي أنا اسمي حبيبة. وعشت الحب. وجماله. لكن فجأة عبس وجهها عندما لاح طيفه أمامها. لتشرد في حياتها معه وتتذكر كيف أجبرها على الزواج منه من أجل صغيره. وعلى ذكر الأخير. ابتسمت تتذكر كيف استيقظت صباحا على قبلاته. وهو يحضنها ويقول: "مامي أنتِ لسه هنا؟

فتحت حبيبة عينيها وابتسمت تنظر إليه لتجد الدموع تملأ وجهه. لتهب بسرعة وتعتدل. تمسك وجهه بين يديها وتمسح دموعه. "تيمو حبيبي مالك بتعيط ليه ياروحي؟ ليجيبها ببراءة طفل يعلن عن ما بداخله: "خفت تكوني مشيتي وسبتيني." لتحتضنه حبيبة بقوة. وكلما حاولت الهروب من هذه اللعبة يعود هذا الصغير ويكبلها. بقيود حبه البريء. "متخافش ياحبيبي. أنا مش هسيبك ياروحي." ليضحك فرحًا. ويقول لها: "أنا بحبك يا مامي." لتقبل وجنتيه وتقول:

"وأنا كمان بحبك ياروح." ثم تقترب من أذنه وتهمس: "تيمو أنا جعانة. هو انتو بتفطروا إمتى؟ ليهمس هو بنفس الطريقة: "تعالي يامامي معايا. دادة كريمة بتعمل فطار حلو أوي." عادت من شرودها تنظر لبسمة الصغيرة. "يارب يابسمة دكتور يوسف يقدر يقنع والدك ويفهمه. وإلا أنه ميسبكمش وتعيشي مشتتة." لتشعر بغصة تخنقها عندما قالت: "يارب يابسمة ماتعيشي اللي أنا عشته." *** استيقظ من النوم. متأخر. لينظر للساعة ويقول

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...