منذ أن أخبرتها دلال بما حدث وهي لا تعي ماذا تفعل وماذا تقول. فقدت استيعابها. تتمتم بكلمات غير مفهومة. "مالك ياحبيبه؟ حصل إيه؟ سؤال طرحه صهيب بعد حالة اللاوعي التي رآها بها. بعينين غامت بالدموع وعقل تائه قالت: "خالي اتقبض عليه بس ليه؟ خالي طول عمره في حاله. ليه اتقبض عليه؟ ليه؟ "أهدي ياحبيبة وخلينا نروح." أستجابت لقرار صهيب وذهب معه.
لتدخل قسم الشرطة. هذه المرة الثانية بعد ثماني سنوات، لكن بشعور مشابه. قلب خافق، جسم مرتعش. عينان تائهتان وخطى متعثرة. حتى رأته. يقف تحاوط يديه أصفاد حديدية، رأسه منكس. الذل والوهن يغلف قسمات وجهه. سرعت خطاها نحوه تحتضنه بقوة، غير عابئة بالمكان والناس. كل ما يهمها هو. خرجت من أحضانه تسأله بلهفة: "حصل إيه يا بابا؟ جابوك هنا ليه؟ أجابها بحيرة وتيه. "والله يابنتي ما أعرف. اتقبض عليا ليه؟
أنا فجأة لقيتهم هجموا على المكان وأخدوني." أستدارت نحو الشرطي الواقف عند الباب: "ممكن نكلم سيادة الظابط؟ "هستأذن لكم ثواني." غاب الشرطي دقائق وعاد يقول: "اتفضلي. حضرة الظابط مستنيكي." "خليني أدخل معاكي ياحبيبة." كان هذا صوت صهيب، الذي خاف من تواجدها وحدها. "حضرة الظابط عاوز الآنسة حبيبة." هذا كان جواب الشرطي على طلب تواجده معها. "خليك ياصهيب. أنا هدخل أستفسر سبب القبض عليه وأرجع. متخافش."
دخلت تلك الغرفة المغلقة بخطى بطيئة، وكأن مشهد الماضي يعاد من جديد. دخان السجائر الذي يملأ المكان. ذلك العطر الذي أصبح مألوفاً بالنسبة لها. ذلك الشخص الذي باتت تعرف هويته. نعم، هو يجلس بشموخ خلف ذلك المكتب. نظراته الثاقبة تخترقها وكأنه كان ينتظرها. وقفت أمامه وبصوت مثلت فيه الثبات سألت: "ممكن أعرف خالي موجود هنا ليه؟ ابتسامة مستفزة زينت وجهه. نظر إليها ثم نفث دخان سجائره عالياً. "إيه دا؟
الدكتورة بنفسها هنا. طب. قولي السلام عليكم الأول." أعادت سؤالها مرة ثانية بصوت غلفه الغضب: "ممكن أعرف خالي هنا ليه؟ قام من مكانه واتجه نحوها. وقف مقابل لها وأشار إليها بالجلوس. "اتفضلي لأول وخلينا نتكلم." أمتثلت لطلبه وجلست في المقعد المقابل له. ظل يحدق بها وكأنه يفترس ملامحها. حتى قلقها، جميل. توترها يزيدها قوة وعناد يجعله يزداد تمسكاً بها. تحديقه بها زاد اضطرابها، لتكرر سؤالها للمرة الثالثة بحده أكبر:
"ممكن أعرف خالي اتقبض عليه ليه يا أدهم بيه؟ أعتدل بحلسته وانحنى بجسده مقترباً منها، ثم بصوت هادئ: "لحد دلوقتي تشابه أسماء. لكن ممكن القضية تتحول." ضيقت عينها وسألته مستفهمة: "يعني إيه تتحول؟ ممكن تفسر كلامك؟ عاد يدخن سيجارته وينفث دخانها في الهواء، ثم نظر إليها. "يعني حسب قرارك هنحدد نوع القضية." "أدهم بيه وضح كلامك وبلاش الألغاز دي."
نهض من مكانه وأدار كرسيها نحوه، ثم سند ذراعيه على ذراعي الكرسي. وأخفض وجهه لتواجه عينيه عينيها. "يعني ابني قصاد خالك." واجهت عينيها عينيه بتحدي وقالت: "يعني إيه؟ أكمل بصوت يشبه الهمس: "يعني الدور اللي أنت أوهمتي ابنك بيه واختارتي إنك تمثليه يكون حقيقة." أدعت عدم الفهم وتمنت أن ما تخشاه لن يكون ما فهمته. "يعني إزاي؟ ممكن توضح؟ بصوته البارد الذي يشبه النفحات الشتوية ألقى عليها قراره:
"تتجوزيني. وتبقى أم تيم. يعني الدور اللي أنت اخترته يكون حقيقة." وكأن بركان ثائر دفعته بقوة، هبت واقفة. "أنت اتجننت؟ أنت بتقول إيه؟ أستمر في هدوئه يلقي عليها كلماته التي تشبه الرصاص القاتل بالنسبة لها. "هو ده اللي هيحصل." "وإن رفضت؟ سؤال طرحته عليه بتحدي. "يبقى قضية تشابه الأسماء تتحول لقضية مخدرات. ودي فيها أقل حاجة 15 سنة. وأنتي عارفة زي ما قدرت زمان أخلصك من قضية بسهولة أقدر النهارده ألبس خالك قضية بنفس السهولة."
"أنت بتعمل كده ليه؟ كل دا عشان رفضتك؟ وكأنها أشعلت فتيل نيران كرامته الثائر ليهب بغضب. "أنا بعمل دا عشان ابني. أنتِ متهمنيش." "كذاب. أنت أناني. لا بيهمك ابنك ولا زعلو. أنت اللي يهمك كرامتك اللي اتهانت وغرورك اللي اتدوس عليه." تمالك نفسه لأبعد الحدود قبل أن يلقي عليها كلامه دفعة واحدة ليوقفها عن الكلام. "إنتِ اللي اخترتي. ودا قراري. أنا مش أناني. أنا أب وعاوز مصلحة ابني."
"وأنا مش موافقة. وأعلى ما في خيلك اركبه. أنا بحب علي وهفضل أحبه ومراته لحد ما أموت." تذكرها لاسم غريمه أشعل نيران الغيرة وزاد من عزمه للضغط عليها كي ترضخ. "يبقى حكمتي على خالك يقضي بقية عمره في السجن. أحنا لقينا المخدرات معاه وفيه أكتر من شاهد على أنه بيروج ليها. تقدري تسلمي عليه وتقومي له محامي عشان بكرة هيتحل للنيابة."
قررت التخلي عن ثباتها والتنازل عن كبريائها، لعلها تستعطفه ليتركها وشأنها. حررت دموعها التي كانت تأسرها أمامه وبصوت يحمل ألماً حقيقياً توسلت إليه: "أدهم أرجوك. والله مش هقدر. أنا قلبي ملك علي. حرمت عليه الحب بعده ودفنته معاه. وعاهدته إني له طول عمري. صدقني مش هقدر. غصب عني أرجوك قدر موقفي."
أستدار وأولاها ظهره. أغلق عينيه وقبض على كف يده لعله يطفئ صراخ قلبه الذي أعلن العصيان عندما رأى دموعها ورجاءه أن يدعها ترحل، لكن عقله العنيد أبى ذلك. لينطق لسانه: "نص ساعة ياحبيبة ترجعي بيت خالك تلاقي المأذون عندك. هجيب خالك معايا ونكتب الكتاب. غير كده دوري له على محامي كويس لأن القضية لابساه."
وبكبرياء زوجة وفية أستدارت. لن ترضخ لأوامره. اتجهت نحو الباب لتخرج وتتركه مع أوهامه. هي له لعلي ولن تكون لغيره، وليذهب هو وأوهامه إلى الجحيم. لكن بمجرد أن فتحت الباب وجدت خالها مكبل اليدين، محني الرأس. أشفقت عليه. هل ستتخلى عنه وتدع هذا المجنون ينفذ وعيده؟ لكن خالها لا يستحق هذا منها. لا يستحق أن تكون سبب في عذابه. دقائق عديدة مرت وهي متسمرة أمام الباب حتى حسمت قرارها. أغلقت الباب ببطء. أستدارت نحوه تعلم
أنه ينتظر إجابتها لتقول: "موافقة." *** كانت تجلس على السرير في غرفتها. تمسك صورة علي بيديها كالمغيبة. تنظر للفراغ. فقط دموعها تنساب على وجنتيها كأنها تخط طريق الحزن الذي تعيشه. نهى ودلال على جانبيها يحاولون مواساتها. وكأنها ترحل. مسحت نهى دموعها وحركت يدها على ظهرها تحاول تهدئتها. "حبيبة أنتِ سمعاني؟ ردي عليا. حبيبة أنتِ كويسة؟ نجاة التي كانت تقف بعيد وتشارك حبيبة دموعها وتشعر بالقلق من هيئتها.
"كبدي عليكي يابنتي. هو انت مش مكتوب لك الفرح؟ ياحبيبة. حرام عليكي نفسك ياحبيبتي." دخل مصطفى الذي كان يشعر بالغضب حزناً على ابن عمته الذي يعتبرها أخت له. ود لو دخل غرفة الضيوف وضرب هذا الأدهم. لكن والده كان يمنعه. وبنظرات عينيه يجبره أن يخرج. لكنه أحضر ورقة عقد القران يطلب من حبيبة توقيعه.
نظر إلى والدته. لا يدري كيف يخبر حبيبة بطلب والده أن توقع حبيبة الورقة. حتى نجاة لم تعلم ماذا تفعل. لتتولى هذه المهمة دلال التي كانت أكثر تعقلاً في هذا الموقف. جلست بجانبها وقالت: "حبيبة ياحبيبتي. لازم تمضي على الورقة. المأذون طالب موافقتك. حبيبة. ما عادش فيه مجال للرجوع. أنتِ وافقتي وخلاص. ودا مكتوب من ربنا. وأكيد ربنا مش هيكتب علينا حاجة مفهاش خير لينا. يلا ياحبيبتي محدش بيعرف الخير فين. يلا ياحبيبتي."
أمسكت القلم بيد مرتعشة. نظرت نحو أفراد عائلتها الواحد تلو الآخر. وكلما واجهت عينيها عيني أحدهم كان يخفض عينيه وكأنهم يعلنون لها ضعفهم وقلة حيلتهم. ثم وجهت نظرتها لنهى التي طبطبت على كتفها وأومأت لها برأسها تحثها على الموافقة. وكأنها ستوقع وثيقة إعدامها وليس عقد قرانها. نظرت نحو صورة علي واعتذرت منه أنها لم تفِ بوعدها له. ستمزق عهد الوفاء الذي كان بينهما. لكن ليس لها سبيل آخر.
لتوقع عقد قرانها وتنخرط بالبكاء في أحضان دلال. *** كان يجلس مع خالها شارد الذهن هو الآخر. فقد كان خالها وكيلها بعد توكيل والدها له. وهذا حدث طبعاً بعد أن دفع له أدهم النقود مقابل ذلك. جلس خالها بجانبه بعد أن انتهى عقد القران وقال له: "ألف مبروك يابني." أدار أدهم رأسه ونظر نحوه بعينين تائهتين.
"مكنتش عاوز ارتباطي بيها يكون بالشكل ده. كان المفروض يكون أسعد يوم في حياتي. لكن حاسس إحساس مر وأنا شايف الحزن والكسرة في عينيها وهي بتقول موافقة." ليربت خالها على كتفه ثم على ساقه ويبتسم. "لكن أنا متأكد إنك هتقدر تخليها تحبك. وهتعوضها. حبيبة يابني. شافت وعاشت وتحملت اللي محدش يستحمله. أنا لولا شفت الحب اللي في عينيك ليها مكنتش وافقت واتفقت معاك على الحكاية دي."
ليتذكر محمود كيف طلب منه أدهم يد حبيبة قبل أسبوع من اليوم. كان يقف في القهوة كعادته عندما جاء له مساعده يخبره بوجود رجل يريد التحدث معه. أستغرب محمود الأمر وذهب حيث يجلس ذلك الرجل الذي يراه للمرة الأولى. "مساء الخير. حضرتك طلبتني يا فندم؟ ليقف له أدهم يمد له يده بالسلام معرفاً نفسه. "المقدم أدهم الألفي." دب القلق في قلب محمود عندما علم أنه ظابط. ليقول له بصوت مضطرب وهو يصافحه. "أهلاً وسهلاً. خير يا فندم."
"ممكن أتكلم معاك يا عم محمود؟ "أيوه يابني اتفضل." ليجلس أحدهما مقابل الآخر لتزيد نبرة أدهم من حيرة محمود الذي ظل ينظر إليه بترقب. "حبيبة." وبمجرد أن ذكر أدهم اسمها أحس محمود بتيبس الدماء في عروقه. وقلبه أصبح يتخبط ما بين أضلعه ليسأله بخوف. "خير يابني مالها حبيبة؟ دي طيبة وطول عمرها في حالها." أبتسم أدهم لهذا القلق واللهفة التي رآها في عينيه مما يدل على مدى حبه لها. "متخافش يا عم محمود. هي معملتش حاجة. بس سرقتني."
لتزداد حيرة محمود أكثر ويقطب حاجبيه بحيرة. "حبيبة مش معقول تسرق يابني. أنت أكيد غلطان. طب سرقت إيه منك؟ "سرقت قلبي يا عم محمود. ومن زمان كمان." ليتنهد محمود بارتياح ويضحك وهو يقول. "يابني حرام عليك. وقعت قلبي. بس أنت تعرفها منين؟ ليقص عليه أدهم حكايته مع حبيبة منذ البداية حتى لقائهم الأخير بعد مرض والده. ليسأله محمود بلهفة أب بخشى على ابنته. "يعني يابني أنت بتحبها بجد ولا دا كله عشان ابنك؟
لينظر له أدهم ثم يبعد نظره عنه ويزفر أنفاسه بقوة. "بحبها بس يا عم محمود. قول بعشقها. بموت فيها. حبيبة عاشت معايا تمن سنين. طيفها ما فارقش خيالي." أبتسم محمود بأسى ثم تكلم بحرقة. "بس حبيبة يابني عندها ظروف." ليجيب أدهم بغصة. "عارف. حبيبة حكتلي كل حاجة. أنت تقصد علي جوزها الله يرحمه." ليقول محمود بحسرة وألم. "أيوه يابني. علي ما كانش مجرد جوزها. كان عوض على المرار والحزن اللي شافته. بس حبيبتي ملحقتش تتهنى."
ثم رفع عينه نحو أدهم وروى براعم الأمل عنده حينما قال له. "بس لو أنت بتحبها بجد. أنا ممكن أساعدك." عاد محمود من ذكرياته وقال. "صدقني يابني حبيبة بنتي وأنا مربيها. هي عنيدة. وعندها وفاء لعلي. مكنتش هتسمحلك تدخل حياتها بأي شكل من الأشكال. أحنا كده أجبرناها تخرج من القوقعة اللي عايشة فيها. دلوقت جاه دورك تخليها تحبك." "تفتكر ممكن تنسى علي وتحبني؟ سؤال طرحه أدهم بأمل. أبتسم محمود وأجاب عليه.
"ربنا كريم يابني. ومادام أنت بتحبها أكيد هيجي اليوم اللي تحس بيك." "أستأذنك. أروح أنده لها." نظر أدهم إلى أثر محمود متمنياً أن يتحقق هذا الحلم في يوم من الأيام. *** دخل محمود غرفتها وأعتصره قلبه على هيئتها. نظر إلى نجاة التي كانت تنظر إليه نظرة تلومه بها فهي تعلم باتفاقه مع أدهم. أخفض نظره ليلملم شتاته وينظر لها بحزم. لا مجال للتراجع بعد ما وصلوا إليه. "حبيبة يلا يابنتي عشان تروحي مع جوزك."
هل طعنها خالها في قلبها عندما نطق بهذه الكلمة؟ نظرت إلى خالها وكأنها للتو استوعبت ما حدث لتقول دموعها تغرق وجهها. "أنا خونته يا خالي. خنت علي يا خالي. بقيت مرات حد تاني." بدأت تضرب وجهها بكلتا يديها لعله يكون كابوساً تستيقظ منه. "خونته يا خالي. خنت وعدي معاه." ركض محمود نحوها يحضنها بقوة بعد أن مزق قلبه منظرها. "أهدي ياحبيبة. أهدي يابنتي. أنتِ ما خونتيش حد. علي مات. الحي أبقى من الميت." لتجيبه وهي لا تزال بأحاضانه.
"علي مامتش. علي لسه عايش بقلبي." "يابنتي استهدي بالله. أنتِ دلوقتي مرات أدهم. يعني. أنتِ كده بتخوني أدهم." وكأن كلام خالها صفع قلبها العاشق. عن أي أدهم يتحدث وأي خيانة تخونه؟ تضاربت الأفكار في عقلها حتى شعرت أنه توقف عن العمل. أما ذلك الساكن خلف أضلعها فقد أحترق ألماً حتى باتت تشعر أن الأحاسيس بداخله باتت رماداً. أخرجها خالها من أحضانه وقال لها. "يلا يابنتي. الله يهديكي. أدهم مستنيكي بره."
كم كرهت اسمه وصوته. بعد أن كانت في يوم تعتبره بطلها، أصبح اليوم جلادها وسجانها معا. لكن ستكمل من أجل خالها وتيم. وعزمت أنه نهاية هذه اللعبة ستكون مع نهاية عملية تيم وعلاجه. كان ينتظرها في الخارج عندما خرجت له. تحمل حقيبتها. لم تنظر إليه ولم تتكلم أي كلمة. أما هو فنظر إليها وأصابته غصة عندما رآها. شاحبة شحوب الموتى. أجفانها متورمة من البكاء. عينها التي استبدلت بياضها باللون الأحمر. وجنتيها التي خطت الدموع أثرها عليها.
أقترب محمود وقال له. "مش هوصيك على حبيبة يابني." أجابه أدهم وهو ينظر لها. "حبيبة في قلبي قبل عينيه." ودعها. نهى ودلال ونجاة. وكأنها ذبيحة تقاد إلى مثواها الأخير. تبعته. فتح لها باب السيارة لتركب. ركبت ثم ركب هو دون أن يتكلم كلمة واحدة. كانت تسند رأسها على زجاج السيارة كأن الدموع نفذت من عينيها. نظرت إلى الطريق وهي تفكر في المجهول الذي ينتظرها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!