ثمان أعوام مرت على حبيبة بعد اتهامها الباطل. حدث فيها الكثير. فقد أدت امتحاناتها بسلام، وحققت ما طمحت له. لم ترَ هند منذ تلك السنة، ولم تعرف عنها شيئًا سوى ما أخبرها به صهيب أن هند قد عوقبت بسبب خطأ طبي قبل عدة أشهر. أما عن خديجة، فكان آخر لقاء لهم قبل عدة سنوات، عندما ودعتهم لتسافر مع مالك إلى القاهرة لكي يعمل في إحدى الصحف المحلية.
أما أدهم، فقد زارها مرة واحدة في الكشك قبل أن تتركه. وتتذكر كيف أثنى على القهوة التي تعدها. أما نهى، فلم تتركها أبدًا طوال هذه السنوات. وها هي تطرق باب غرفتها في مستشفى الدكتور عمر، بعد أن حققت حبيبة حلمها وأصبحت طبيبة أطفال. حبيبة: ادخلي. تدخل نهى والابتسامة مرسومة على وجهها. نهى: صباح الخير يا قمر. حبيبة: صباح النور. إيه دا، شكل المزاج عالي النهارده. تتنهد نهى وتجيب:
وأزاي ما يكونش مزاجي عالي وأنا صبحت بأحلى وش في الدنيا. يقطب وجه حبيبة وتقول: يووو، ابتدينا بموال كل يوم. كان يوم ملوش ملامح يوم ما طلب دكتور عمر من يوسف يجي يشتغل هنا. تجيبها نهى بهيام: كان أحلى يوم في حياتي. ياسلام، وبدل ما كنت بشوفه بالاحلام، دلوقتي بشوفه قدامي. حبيبة:
مش لما يشوفك هو الأول. دا أنتِ بقالك سنتين في حالة حب من طرف واحد يا نهى يا حبيبتي. يوسف عمره ما حس بيكي. شيلي من راسك الأوهام دي. وبعدين فيه دكتور بمواصفاته دي، وفي بداية الأربعين ولسه مش متجوز، إلا لو كان معقد. ترد عليها نهى بغضب: حبيبة، أرجوكي متقوليش معقد. دا والله طيب وحنين. حبيبة: يا نهى، دا أنتِ بترضي عرسان أشكال وألوان عشانه. تنظر لها نهى بحزن وتقول:
وأعمل إيه يا حبيبة، بحبه ومش شايفة نفسي إلا معاه. وعلى فكرة، أنا حاسة إن ابتدي يعجب بيا ويحبني. يئست حبيبة من إقناعها بوجهة نظرها، فهذا هو حالها من سنتين منذ أن بدأ دكتور يوسف العمل معهم. حبيبة: طب وعرفتي إزاي إنه ابتدا يحبك؟ تجيبها نهى وعيناها تتوهج بالحب: عينيه هي اللي بتقول لي. فتحت حبيبة عينيها وقالت لها: نعم... عينيه... أمشي يا نهى من قدامي أحسن، أنا تعبت منك. ترد عليها نهى بانزعاج:
الحق عليا إني نازلة من الدور السادس للدور التاني عشان أصبح عليكي بس. حبيبة: ما أنا قلتلك تخصصي أطفال زيي، وأنتِ اللي أصرتي على النفسي. لتشرد حبيبة وعيناها تنظر للمجهول وهي تقول: رغم إني أكتر واحدة استفدت من اختصاصك. تنهض نهى من كرسيها وتذهب بجوارها وهي تربت على كتفها وتقول: الحمد لله يا حبيبتي، أيام وعدت ربنا ما يعيده. نظرت إليها حبيبة ثم ابتسمت لإنهاء استرسال هذا الحديث وقالت: سيبك مني. دكتور محسن هيسافر أمتى؟ نهى:
احتمال بعد أسبوعين. حبيبة: ليه؟ هو النهارده إيه؟ نهى: النهاردة الاثنين. لتشرد حبيبة قليلاً وتقول: تيمو بقاله عشر أيام ما جاش. الحمد لله رغم إنه وحشني أوي. نظرت لها نهى بتعجب وسألتها: هي إيه حكاية تيمو دا؟ ومالك مهتمة أوي بيه؟ حبيبة: دا طفل عنده ثقب في القلب وبيتابع معايا ومع دكتور عادل. بس مش عارفة أتعلق بيه، وأنا كمان اتعلقت بيه أوي. تصوري دا بيناديني "مامي". ابتسمت نهى لها وقالت: ربنا يشفيه. ***
عادت إلى المنزل بعد يوم متعب جداً. فتحت الباب لتسمع نقاش دلال مع نجاة، الذي يتكرر بين الحين والآخر. دلال بلغت من العمر ثلاثين عاماً ولم تتزوج إلى الآن. وكلما تزوجت إحدى فتيات الجيران، كانت نجاة تلومها، معتقدة أن سبب عدم زواجها هو انعزالها عن الناس وعدم حضورها الأفراح والمناسبات. وتضيف لذلك أيضاً ارتداء دلال للنقاب، ورفضها لوضع المكياج. فنجاة كانت مثل الكثير من الأمهات تعتقد أن عدم زواجها إلى الآن هو دليل عنوسة أو مؤشر خطر.
دخلت حبيبة وجلست على الكرسي وقالت: السلام عليكم. يرد عليها: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. لتنظر حبيبة لدلال مستفهمة وتسأل: هو مين هيتجوز المرة دي؟ تجيبها نجاة مباشرة: نوسة بنت أم أحمد جارتنا اللي فوق. تنظر لها حبيبة باندهاش وتسأل: نوسة العيلة اللي بثانوي؟ تهب نجاة وتجيبها بصراخ: آه ياختي آه، أهي العيلة هتجوز. وأنتم خليكو كده. خليها ست دلال قافلة على نفسها وقاعدة بأرابيزي، ولابسة لي نقاب. تشوفها الناس دلوقتي إزاي.
تجيبها دلال باعتراض: قافلة على نفسي إيه؟ ما أنا بروح المدرسة وبدي دروس تقوية في سنتر. هو لازم أحضر الأفراح والمناسبات؟ وبعدين أنا مبحبش التجمعات دي، بتصدع دماغي. تساندها حبيبة: طب والله صحيح يا نوجة. الأفراح دي والتجمعات مفيهاش غير كلام الستات ووجع الراس. وبعدين هتزعليني منك يا نوجة. نقاب إيه اللي يمنع العرسان؟ مش فيه حاجة اسمها رؤية شرعية؟ اللي عايزها يبقى يشوفها. تنظر لهم نجاة نظرة غضب وتقول:
آه، انتوا اتلميتوا على بعض خلاص. محدش هيقدر لكم. أهو اتلم المتعوس على خايب الرجا. تتركهم وترحل نحو المطبخ. لتنظر حبيبة لدلال تضحك وتقول: أهلاً يا متعوس. ترد عليها دلال: منور يا خايب الرجا. ليضحك الاثنان بقوة، حتى أدمعت عيناهما. تنظر حبيبة لدلال وتقول: متزعليش من ماما يا دلال، هي بس حابة تفرح بيكي. دلال: والله أنا مش زعلانة يا حبيبة، بس عاوزاها تفهم إن الجواز قسمة ونصيب وأنا نصيبي لسه مجاش. أعمل إيه يعني؟
هو أنا مش هكون سعيدة إلا لما أتجوز؟ وإلا هو عدم الجواز هيخليني ناقصة؟ طب والله أنا مبسوطة في المدرسة ومع تلاميذي. لازم راجل يعني عشان أكون سعيدة؟ ما يمكن هو اللي ينكد عليا. حبيبة: عندك حق والله. بس هما الأمهات كده تفكيرهم. نعمل إيه؟ وكمان ما شاء الله جيراننا اللي كل يوم واحدة فيهم بتتجوز، خلاها نفسها تشوفك عروسة زيهم. دلال: كل أم سعيد جارتنا كل ما تشوفها: "إمتى نفرح ببنتك يا أم مصطفى؟ " يا أختي وأنتِ مالك؟
ماتخليكي بحالك. ناس حشرية أوي. حبيبة وهي تضحك على تقليد دلال لأم سعيد وتقول: آه والله ناس حشرية. بقلك إيه؟ أنا هقوم أغير هدومي عشان أنا جعانة أوي. مع السلامة يا متعوس. ترد دلال: يلا بسرعة عشان أنا كمان جعانة. هستناك يا خايب الرجا. هههه. لحظات كانت تقضيها مع هذه العائلة تنسيها التعب. ***
في صباح اليوم التالي، في مستشفى الدكتور عمر. كان يسير بين أروقة المستشفى، يسابق الزمن. قلبه يكاد يتوقف، خوفاً على صغيره الذي لازالت حالته تسوء. وصل الغرفة التي أخبرته داده كريمة أن تيم موجود فيها. دخل ليرى ابنه يجلس على سرير المستشفى، وتجلس أمامه امرأة لم يستطع هو رؤيتها، فقد كان ظهره للباب. لكن جذبه الحوار الذي يدور بينهما. حبيبة: إيه يا بطل؟
أنت لازم ما أكلتش كويس. يا تيمو، إحنا مش اتفقنا إنك تاكل كويس. يا تيمو، أنا تعبانة. أنت مش وعدتني إنك هتكبر بسرعة وتبقى دكتور عشان تساعدني؟ أنت أخلفت في الاتفاق. اقترب تيم منها يهمس لها في أذنها: لا يا مامي، أنا فهمتهم إني تعبان عشان أشوفك. وحشتيني. لتضحك حبيبة وتقبل وجنته، وتهمس له هي أيضاً: ما أنا عارفة. بس لازم نحبك الدور ياتيمو. هههه. تيم: برافو يا مامي. قولي لدادة إني لازم أجي هنا كل يوم.
حبيبة وهي تضحك على كلامه: ماينفعش ياتيمو كده يقلقوا عليك. انتبه تيم لوجود والده ليقول: بابي. التفتت هي لترى آخر شخص توقعت أن تراه. يا إلهي، كم هذه الدنيا صغيرة. بعد كل تلك السنين تراه الآن. أما هو، فتسمر في مكانه، وخفق قلبه بشدة لرؤيتها. هل توقف الزمن؟ هل هي أمامه حقاً؟ أم هذا مشهد من وحي خياله كما اعتاد أن يراها دائماً؟ هل عاد إلى الماضي؟ أم هي حقيقة أمامه؟
يا إلهي، كم بحث عنها طويلاً ليراها هنا وفي هذا الوقت. مازالت جميلة، عينيها قوية، لكن ما بالها؟ نظراتها يغلفها الحزن هذه المرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!