وقفت أعلى، مصدومة وهي تراه أمامها مطأطأ الرأس وكأنه طفل مذنب أمام والدته. أقلقها شحوب وجهه وذبول عينيه، لتجد نفسها تسابق قدميها وصولاً إليه، حتى أنها كادت تتعثر في درجات السلم، حتى وقفت أمامه وقالت وقلبها يتهاوى خوفاً عليه: بابا. وبعينين منكسرة رفع نظره إليها وبنبرة رجاء غلفها الندم قال: الخصام طول ياحبيبة أبوكي، وقلبي ما عادش قادر على الفراق.
وفور أن انتهى من كلامه، ارتمت حبيبه بين أحضانه، تترجم شوقها له بدموع فاضت من عينيها. أطبق يديه على جسدها يضمها بقوة، وآه حزينة خرجت من أعماق قلبه: آه ياحبيبه، وحشتيني، وحشتيني ياحبيبة روحي. لم تجبه، لكنها ضمت نفسها أكثر إليه واستمر بكاؤها وشهقاتها تعلو، حتى خرجت من أحضانه ووجدته يشاركها البكاء هو أيضاً. رفعت يديها ومسحت دموعه وبصوت اختنق من شدة البكاء أجابت: أنت كمان وحشتني ياحبيبي. سامحيني يابنتي. طلب منها ذلك بأمل.
لتنظر له برهة، هل تسامحه؟ بل هل تستطيع هي أن تغضب منه؟ وهل يستحق هو منها ذلك؟ وبيد مرتعشة أمسكت يده بين يديها، لتنتبه لأثر الحرق الذي تركه والدها في يدها، وكأنه ينبهها إلى ماضي ساعدها هو في النجاة منه. أخفضت رأسها وقبلت يده، فلن تنسى يد مدت وألتقطتها من براثن الظلم، يد مسحت دمعة كانت أقسى من الجمر. ما فعله لها يستحق الغفران. رفعت رأسها وابتسمت له بحب وقالت: هو أنا أقدر أزعل منك ياحبيبي، فداك روحي يا بابا.
قبل جبهتها ومسح بأنامله آثار الدموع التي رسمت على وجنتيها وقال مفسراً لها: والله يابنتي أنا لولا شفت حب أدهم… وضعت يدها مباشرة على شفتيه تمنعه من إكمال اعتذاره وتفسيره، فهي تعلم مدى حبه لها. متقولش حاجة ياحبيبي، أنا عارفة أنت عملت كده ليه. ثم طأطأت رأسها وعادت ترفعها وبنبرة لوم قالت: بس كان نفسي تسألني عن رأيي، أو حتى تسبني لحياتي. ليقول بسخرية: وهو أنت كنت هتوافقي ياحبيبه؟ ثم رفع يديه يحتضن وجهها وينظر داخل عينيها:
أديه وادي لنفسك فرصة، وأنا مش هقول أنسي علي، علي عمره ما هيتنسي، بس عيشي ياحبيبه. أنت محتاجة تحبي وتتحبي، كفاية اللي شفتيه في حياتك، مش يمكن يعوضك؟ لتهز رأسها نافيه كلامه: مش هقدر ياخالي، أنا مكملة بحب علي، علي أداني حب أقدر أعيش بيه العمر كله. ليقول مستنكراً كلامها: أنت غلطانة ياحبيبة، أنت مطفية، روحك اتطفت. أنا اللي مربيكي، وأفهم نظرة عينيكي.
بس راضية، حياتي أنا كنت راضية بيها، أنا دلوقتي تعبانة أكتر ياخالي، محدش فيكم حاسس بيا، أنا جوايا نار بتحرقني، البيت دا بحس حيطانه بتخنقني، وأنا حاسة إني عايشة مع حد تاني غير علي، شعور الخيانة عامل زي حبل المشنقة الملفوف حوالين رقبتي. أنا بموت في اليوم ألف مرة وأنا بعيدة عن علي واسمي مكتوب على اسم غيره. أحتضنها خالها بقوة عله يخفف هذا الشعور عنها.
حتى شعورك دا غلط ياحبيبه، أنت مش بتخوني علي، أدهم جوزك يابنتي وله حقوق عليكي، أنت مجرد تفكيرك في علي خيانة ليه. رغم تفهم عقلها لما يقوله خالها، لكن قلبها استنكره. عن أي خيانة يتحدث؟ علي يملك قلبها، ومن يحاول دخوله بعده ليس سوى دخيل، لن يسمح له بالدخول. فوضى من الأفكار وصراع بين القلب والعقل، هذا ما تركه كلام خالها داخلها، لكن انتصر قلبها في صراعها، وكأنه يخبرها: سأوصد بابي ولن أسمح لأحد بالدخول. ***
جلست على استحياء في صالة شقته تنتظر أن يعود بأطفاله من أحد شقق الجيران الذي تركهم عنده. تنظر إلى أروقة شقته بعين مرتبكة، وكل ما يدور في ذهنها هل ما فعلته صحيح؟ أقحمت نفسها في حياته، من دون إرادة منه، ورغم تقبله تشعر بأنها دخيلة. ثم جذب انتباهها صورة زواجه المعلقة على الحائط.
كانت زوجته رقيقة بوجه طفولي، صدق هو في وصفها، فها هي ترى نظرات الحب التي تنظر بها إليه وسعادتها الواضحة بزواجها منه، لكنه ورغم ابتسامته لا يبدو سعيداً. أشفقت على تلك الفتاة التي لم تمنحها الحياة الفرصة لتعيش مع أولادها وبالقرب من حبيبها. عند هذه النقطة تذكرت هي حبيبها الجريح، لن تنسى ما عاشته، نظرات الخذلان والحسرة التي رأتهم في عينيه اليوم أحزن قلبها من أجله. لفترة وهي تفكر به، لتصفعها كرامتها توقظها من هذه الغفوة.
الي عملتي صح يا خديجة، أنت ما عادش ليكي مكان في حياة مالك. لتسمع صوت الباب يفتح وتدخل مسك التي نظرت لها بنظرات مستنكرة، وأنس الذي كان مندهشاً من وجودها. ليأتي أيمن من خلفهم ويقول: مس خديجة من النهاردة هتكون ماما الجديدة. لينظر الطفلين إلى والدهم بسخط وعبست وجوههم، حتى لمح الدموع في عينين مسك. لهب خديجة واقفه تقترب منهم بعد أن لمحت امتعاض وجوههم لتقول مستنكرة قوله: لا يا بابا محدش هياخذ مكان ماما أروى.
لتقترب منهم تمد يدها لهم: أنا هنا ديجة صاحبتكم، تقبلوا تكونو صحابي؟ نظر أنس نحو شقيقته ينتظر موافقتها، فوجد وجهها حانق، ليحرك بصره نحو والده ويجد مبتسماً يحرك رأسه له يحثه على الموافقة. وبخطى بطيئة اقترب منها يمد لها يده، لكن خديجة بدلاً من ذلك جثت على ركبتها لتصبح في مستواه وسحبته نحو أحضانها تحتضنه وهي تقول: حبيبي، أنت وأنا صحاب من النهاردة. هذا المشهد جعل مسك تفك تقطيب حاجبيها وتنظر لهم مترقبة.
أخرجته خديجة من أحضانها وقبلت وجنتيه، ثم فتحت يديها لمسك تدعوها لاحتضانها هي الأخرى. لكن مسك بقيت متسمرة في مكانها، لتقترب خديجة منها تحتضنها عنوة وهي تقول: مسوكة صاحبتي اللي بحبها. ورغم استنكارها لم ترفض مسك حضن خديجة لها. بعد جلوسهم سوياً بعض الوقت، ذهب الأطفال إلى النوم، وبعد أن اطمئن أيمن عليهم عاد إليها ليجدها شاردة الذهن، عينيها تنظر للمجهول. ديجه… ديجه.
انتبهت له وابتسمت وهي تسمعه يناديها باللقب الذي اختارته لنفسها، ولم تعقب. أشار لها نحو غرفة النوم الرئيسية وقال: أنت هتنامي في الأوضة دي. لترتبك ثم تسأله: وأنت هتنام فين؟ ابتسم وهو يرى ارتباكها وتلعثمها. هنام هنا في الصالة يا خديجة. لتقول بسرعة: أنا ممكن أنام مع الولاد وأنت نام في أوضتك. لا يا خديجة نامي أنتي في الأوضة وأنا هنام هنا. ثم أكمل مفسراً: أنا مش عاوز الولاد يحسوا بحاجة.
هربت عينيها من عينيه… ودون أن تعقب بكلمة اتجهت نحو الغرفة، وقبل أن تصل استدارت نحوه، تفرك يديها من فرط الخجل ودون أن تنظر إليه قالت: متشكرة يا أيمن… وآسفة إني لخبطتلك حياتك. ليقترب نحوها ويقف أمامها، رفع وجهها بأنامله لتواجه عينه عينها… التي أبت المواجهة وهربت بعيداً عن مرمى عينيه. ليبتسم على خجلها ويقول: مفيش داعي للشكر والأسف. هو فيه واحدة تقول لجوزها متشكرة؟! وهنا اتسعت عينيها وواجهت عينيه مندهشة.
ليضحك بشدة ويقول: تصبحين على خير يا ديجة. هربت مسرعة نحو الغرفة وأغلقت الباب خلفها، ومشاعر مضطربة اقتحمتها. جلست على السرير تهدئ من سرعة أنفاسها العاصفة، وبيد مرتعشة أمسكت بالسرير تستند إليه بعد ترنح جسدها من ضجيج تلك الأفكار التي تضرب رأسها نحو القادم من حياتها معه. *** استيقظت نشطة كعادتها كل يوم، تجهزت ثم اتجهت نحو غرفة تيم تساعد داده كريمة في تجهيزه للذهاب للمدرسة. صباح الخير. يا روحي. مامي صباح الخير.
قال هذا تيم وهو يتجه باتجاهها، لتنحني تقبله. صباح الخير ياداده، تيمو جاهز؟ جاهز يادكتورة. ابتسمت لها حبيبه وقالت: محتاجة حاجة ياداده؟ ابتسمت كريمة ممتنة لاهتمامها بها. متشكره يا ست البنات. يلا يابطلي. أمسكت بكف تيم تجاوره حتى وصلا إلى صالة الجلوس، لتجد حقيبة صغيرة معدة، وأمينة تجلس على أحد المقاعد وأدهم يرتدي بدلة ويمسك هاتفه يجري اتصال، فعلمت أنه ذاهب في مهمة. أنهى اتصاله واتجه نحو والدته يقبل رأسها ويدها.
ادعيلي يا أمي. تجمعت الدموع في عين أمينة وقالت: ربنا يجعلك في كل خطوة سلامة، أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه يابني. ابتسم لها أدهم وعاود تقبيل رأسها وقال: خلي بالك من نفسك ياحبيبتي. ثم انتبه لوجود تيم، اتجه نحوه وجثى على ركبتيه واحتضنه وقال: تيمو حبيبي، هتوحشني، خلي بالك من نفسك. ليبتسم له تيم ويقول: متنساش الهدية بتاعتي. ضحك أدهم وقرص أنفه وقال: ما تخافش مش هنسى ياباشا. قبل وجنته ثم قال له:
خلي بالك من تيته أمينة وماما حبيبة في غيابي، أنت راجل البيت مكاني يابطل. ابتسمت حبيبه من كلام تيم ووصايا أدهم له، كم تسعدها طريقة تعامله معها. استقام واقفاً بعد أن أنهى كلامه مع تيم، وتوقعت حبيبه أن يسلم عليها هي أيضاً، لكنه باغتتها بأن احتضن وجهها بيديه وطبع قبلة طويلة على جبينها يستنشق عبيرها يعبئ رئته بعطرها وكأنها إكسير الحياة بالنسبة له.
لتصدمها فعلته، لكنها لم تستطع منعه وهي ترى نظرات والدته وولده المتسلطة عليهم. ورغم أنها ثواني قليلة، لكنها كانت كفيلة بهدم حصونه وإرباكه، ليقول بصوت متلعثم: خلي بالك من نفسك ياحبيبة. حمل حقيبته وقبل والدته مرة أخرى ورحل هارباً قبل أن تفضحه مشاعره. تاركاً إياها كمركب تائه في بحر هائج، حتى أنهى ذلك التيه صوت تيم: ماما أحنا مش هنفطر؟ ***
فتحت عينيها بثقل، فقد جافاها النوم الليلة الماضية بعد أن أرهق عقلها التفكير، لتسمع أصوات في الخارج. ارتدت ملابسها وخرجت. لتجد أيمن والأطفال في المطبخ يعد لهم الفطور. حمدت الله أن اليوم هو الجمعة ولا يوجد مدرسة، وإلا كيف سيكون حالها مع هذه الأصوات التي تصرخ في رأسها وأفكارها التي أتعبتها. صباح الخير. قالتها مبتسمة. ليجيبها أيمن بابتسامة مماثلة: صباح النور يا ديجة. صباح النور يا أنوس، صباح النور يا ملوكة.
ليردوا عليها تحية الصباح كل حسب طريقته، فأنس أجابها بوجه بشوش، أما مسك فلا يزال هناك ثقل في إجابتها. أقتربت من أيمن وقالت: خليني أساعدك. يرفض مساعدتها، بل بالعكس ترك لها مطلق الحرية في الحركة والإعداد. وبعد أن تناولوا طعام الإفطار الذي لاحظت خلاله خديجة انتظامهم فيه وأن كل واحد يعرف مهمته. حتى أنها حاولت حمل الأطباق وحدها، لكن أيمن أخبرها:
معلش يا ديجة أحنا هنا بنشتغل متعاونين وكل واحد فينا عارف شغلته، فلو سمحتي خلينا ماشيين على النظام. أكمل كل واحد عمله وذهب الأولاد لارتداء ملابس الخروج، فأيمن وعدهم بالتنزه اليوم. كان يحتسي الشاي عندما لاحظ شرود خديجة والابتسامة تعلو وجهها. تعجب منها ليقوم بالجلوس جوارها ويقول لها: مالك يا ديجة بتضحكي ليه؟ لتنظر له والابتسامة لم تفارق وجهها: أيمن أنت بتعامل الولاد كأنهم في معسكر. ليضحك أيمن ويقول:
لا معسكر إيه بس، هو أنا عشان لوحدي فعودتهم على نظام أن كل واحد عنده مهمة، لأن لو كنت سبتهم براحتهم الحمل هيتقل أكتر عليا. بدت علامات الحزن على وجه خديجة من كلامه، فحاول أن يخرجها من هذا الجو فقال: بس ما قلتليش كنتي بتضحكي ليه؟ لتعود الابتسامة لوجه خديجة وتقول وهي تهمس له: أصل كنت بفكر لو الولاد عرفوا أبوهم كان بيعمل إيه في الكلية، وإزاي كان بيعمل مقالب في صحابه. ليضحكا معاً بشدة عندما قال لها: الستر حلو يا ديجة.
لكن فجأة سمعا طرقاً عنيفاً على الباب، انتفض منه الاثنان، أسرع أيمن كي يفتح الباب. ليقف مندهشاً وهو يقول: أهلاً يا مرات عمي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!