كانوا جميعهم يبكون على ما حُرق في النيران، بينما كنت أنا أجمع بيدي ما تبقى من الرماد. "بغض النظر عن إصرارك، يجب أن تدرك أن ما أضعه تحت بصمتي يصبح ملكي. أنتِ لستِ ملكي فحسب، بل كل جزء فيكِ، من شعرك إلى أطراف أصابع قدميك، يخصني. أي شخص يجرؤ على لمسك سيكون قد حكم على نفسه بالموت. ألم تقولي إن عقابي سريع ولا أمنح فرصاً؟
جيد أنكِ تعلمين. لا خروج من باب هذا المنزل، حتى لو اضطررت للجلوس على العتبة دون إذني. لا نوم إلا في حضني. لا شيء يمكن ارتداؤه دون موافقتي. حتى تنفسك سيكون بجواري." "بمعنى آخر، لا حياة؟ "لا أعرف، ولكن بالنسبة لي، أنتِ الحياة. إذا رحلتِ، ستنهار كل مشاعري معي وسأصبح أسوأ. لن تحسنيني إلا بوجودك. لذا، لا تقولي كلمة طلاق مرة أخرى، حتى لا أغضب. وغضبي سيء، ولا أريد أن أفعل هذا بكِ. لا أحب أن أكون سيئاً معك."
أمسكها من ذراعها بقوة وهو يهزها ويقول بين أسنانه: "أحبك! لماذا تتعمدين إيذائي؟ "ألمني! اتركني، ذراعي تؤلمني، اتركني يا بدر، اتركني." ترك ذراعها، وحاوط ظهرها وهو يحضنها ويبكي بصمت. حست برعشته في حضنها، فهدأت، ووجدت نفسها تحتضنه هي أيضاً. حس هو بأنه يضعف، ضعف الطفل تجاه أمه. حس بأنه يضعف بلا سبب أمامها. فابتعد عن حضنها، وهو يخفي وجهه، وخرج.
ضمت سيا جسمها بيديها، ورائحة عطره لصقت بها. قلبها كان يدق بسرعة، وحست فعلاً أنه يحتاجها. كلامه لصق في رأسها، أنه لا يمكنها تركه لأنه سيكون أسوأ، ولأنها تحبه. *في أوضة كينان* كان يجمع حاجته في شنطة، كل شيء خاص بسونيا. بدر كان ماراً نحو غرفته، فرأى باب غرفة كينان مفتوحاً، وهو يجمع ملابسها وحاجتها. فتح بدر الباب، وذهب ليمسك كينان، ضربه بالبوكس فسقط على السرير. "لماذا تضربني يا رجل؟! بدر بصوت أعلى: "أنت حمار يا هذا!
الفتاة مقتولة ومرمية في الصحراء، وأنت تجمع ملابسها وحاجتها في شنطة؟ هذا يثبت التهمة عليك يا متخلف! كينان يأخذ أنفاسه بصعوبة. بدر بحزم: "أعد أغراضها إلى مكانها، وتوقف عن الخوف والجبن. وإلا، أقسم بالله يا كينان، سأريك وجهاً لن يراه أحد غيرك. لن أسمح لك بتدمير نفسك بغبائك." جاءت سيا وهي تجري، وقفت عند الباب، وقالت بخضة وهي تنظر إليهما: "ما الأمر؟ بدر لم ينظر إليها، طأطأ عينيه للأرض، وعدا من جانبها دون أن يلمسها،
وهو يقول: "لا شيء." نظرت سيا إليه، ثم نظرت إلى كينان الذي قام وأعاد كل شيء إلى مكانه. "كل شيء سيكون بخير. عتابي لك سأؤجله لأن نفسيتك ليست جيدة، ولن أضغط عليك." لم يرد كينان عليها، فذهبت إلى غرفتها. دخلت، وأغلقت الباب، فوجدت بدر يخلع قميصه ويبحث في الخزانة. "هل ستخرج؟ بدر بخشونة: "هل هناك مانع؟ كتفت سيا ذراعيها وهي تقول: "لماذا لا تنظر إلي وأنت تتحدث معي؟ هل تضعف؟
بدر بضحكة سخرية: "ربع ثقتك بنفسك لو كانت عندي، لحكمت العالم. ارتدي قميصاً أسود، ولبسه وهو يقول: "لا تدع هذا المتخلف يخرج من المنزل، احبسه. وإذا اتصل بك أحد بخصوص الجثة، كلميني." أمسكته سيا من ذراعه وهي تقول: "إلى أين أنت ذاهب؟ قلبي يوجعني." انحنى بدر ليقبل شفتيها. أعطاها قبلة، فأغمضت عينيها. ثم همس أمام وجهها: "سلامتك." فتحت عينيها ببطء. ثم أدار وجهه للجهة الأخرى حتى لا يضعف، وقال: "لن أتأخر." نزل بدر السلم وخرج.
*في الجبل* سيارات الشرطة والإسعاف موجودة. وضعوا الجثة فوق الترولي، وأغلقوا الكيس الأسود عليها. "أخبرني كيف اكتشفت الجثة؟ "سيدي، كنت أتنزه مع خطيبتي ومررنا عادي، فرأينا سيارة متوقفة ومضاءة وبابها مفتوح. نزلنا لنرى إن كان هناك أحد مريض أو شيء ما. لم نجد أحداً في السيارة، لكن خطيبتي صرخت عندما رأت، سامحني، امرأة ملقاة على الأرض والدم يحيط بها، فأبلغنا." "ولماذا كنت تجلب خطيبتك إلى الصحراء يا أبو علي؟
"يا باشا، لو كنا ناساً سيئين، لماذا سنبلغ عن واحدة انتحرت؟ كنا سنتظاهر بأننا لم نر شيئاً لتجنب المشاكل. كنا نمر بسيارتنا عادي." "أرني بطاقتك." أخرج الرجل بطاقته. جاء العسكري وهو يحمل كيساً شفافاً فيه محفظة، ويقول: "وجدنا هذه مع القتيلة، سيدي، في جيبها الخلفي." "أحضر قفازات لنفتحها ونستخرج أي شيء عن القتيلة يوصلنا بأهلها." "هل قُتلت يا باشا؟
"لا يابني، سنعرف تقرير الطب الشرعي وما هو، وسنتصل بأهلها. المهم، اترك رقمك وعنوانك، فإذا احتجناك في كلمتين." "تحت أمرك يا سعادة الباشا." *في بيت بدر وكينان* بعد ساعتين من نقل الشرطة والإسعاف للجثة. كانت سيا وكينان يجلسان في الصالة ويشاهدان فيلماً، لكن عقل كل واحد منهما كان في مكان آخر. رن هاتف كينان برقم غريب. "ألو؟ "السيد كينان رائف معي؟ "نعم، من؟ "اسم زوجتك سونيا؟ كينان بدأ يخاف: "نعم، هل هناك مشكلة؟
"أتستأذن للحضور إلى قسم النزهة؟ كينان بتوتر: "ولكن ما الأمر يا سيدي؟ "لا تخف، الأمر يخصك. لو كان هناك شيء ضدك، لكنا أتينا وأخذناك، لكن أريدك أن تأتي ولا تقلق. ربنا يعوضك." "مسافة السكة يا باشا." أغلق معه. ثم استقامت سيا وهي تقول: "من هذا؟ هل حدث شيء؟ كينان قام وقف وقال: "وجدوا الجثة تقريباً، ويريدونني." سيا بتبريقة: "انتظر، سأكلم بدر لأخبره." كينان بضيق: "سأكون جاهزاً." خرج كينان، واتصلت سيا ببدر. *عند بدر*
نسي هاتفه في السيارة، وهو يقف أمام قبر أمه، يكلمها: "عوضتني عن أشياء كثيرة، عنك وعن المواقف السوداء، وعن أنانيتك التي لا نهاية لها. كنتِ أماً سيئة، وحظي طلع فيكِ. تعرفين، عندما واجهتني اليوم وقالت لي: سامحها!
كنت أتمنى أن أقول لها: حاولت، ولم أستطع. فضلتِ شهواتك عني، ولم تهوني علي ما فعلتِ. رأيت نظرة خوفك في آخر لحظة خرجت فيها روحك، ومع ذلك، لا أستطيع التعاطف معك. ماذا يجعل المرأة تخون الرجل، أو العكس، إلا إذا لم يحب أو لم تحب بصدق؟ وطالما لا تحبون بصدق، لماذا تتزوجونهم؟ لا أجد لكِ عذراً أو تفسيراً، ولا أعرف لماذا تأتين إلي من وقت لآخر." هاتف بدر يرن باستمرار وهو ناسيه في السيارة. *في بيت بدر وكينان* سيا تتصل ولا رد.
"رد يا بدر! نزل كينان وهو يرتدي ملابسه. فقالت له سيا: "انتظر، سآتي معك." كينان بتعب: "هل بدر لا يرد؟ "ربما نسي هاتفه أو يفعل شيئاً. انتظر، لا تتحرك." كينان بابتسامة خفيفة: "لا تقلقي، سأعرف كيف أتصرف." خرج كينان وتجاهلها. فرجعت تتصل ببدر مرة أخرى وهي تقضم أظافرها. *عند بدر* سمع صوت ناس من ورائه وهو يقف أمام قبر أمه. أحدهم يوجه خنجراً على رقبة بدر من الخلف،
وهو يقول: "هاتفك، نقودك، ويا ليت مفاتيح سيارتك، بهدوء، بدون ضجة." زميله: "قلب نفسك يعني، بكل ما لديك، حتى لا نقلبك بطريقتنا، ثم تزعل." رفع بدر يده دون أن ينظر إليهما. ثم داس على رجل الولد الذي خلفه، فسقط الخنجر. لف بدر وهو يقول: "هل جئتم لأصيع خلق الله لتقلبه؟ أنا آخذ حق الأسد يا هذا! شمر كم قميصه، وهنا يوجعان في الأرض. ثم نظر إلى أمه وقال: "أنا آسف يا أمي. هؤلاء الناس لم يحترموك." ثم اقترب منهما. *في قسم الشرطة*
"سيارتك كانت موجودة في مكان الحادثة، وهذا شيء غريب، أليس كذلك؟ "ما الغريب؟ لا أعرف أن زوجتي أخذت سيارتي." "عندما فتحنا هاتفها، لم تتصل بها مرة واحدة. هل يعقل أنك لم تلاحظ تأخرها أو أن سيارتك ليست موجودة وتم أخذها؟ "نحن عدنا لتوّنا من أمريكا، وهي تحب استخدام سيارتي. أعرف أنها ستعود إلى مصر وستفعل أشياء كثيرة. زوجتي، الله يرحمها، كانت لا تحب أن يتم التعامل معها كعائلة. كل فترة أتصل بها وأسألها: أين أنتِ؟
وضع يده على عينه، وبدأ يبكي من الندم، وليس من الحزن. "لو كنت أعرف أنها سيحدث لها هذا، لكنت خنقتها، حتى لو لم تكن ترغب في ذلك." "أستاذ كينان، أنت تعلم أن هذه أسئلة روتينية فقط للحادثة، وليست اتهاماً. ومُشتبه أنها انتحرت، وليس قتلت." لم يرد كينان. "على كل حال، اليومين القادمين لن تستطيع السفر حتى نقفل التحقيق في قضية زوجتك. وإذا احتجناك، سنتصل بك وسنستدعيك مرة أخرى. أنا لن أضغط عليك اليوم بسبب صعوبة الخبر والموقف."
"تحت أمرك." "أرجو التوقيع هنا." كينان وهو يوقع: "هل أستلم سيارتي متى؟ "عندما يتقفل التحقيق ونتأكد مما حدث." *في بيت بدر* دخل بدر وهو يحمل الخنجر الذي كان سيُثبت به قبر أمه. أغلق الباب خلفه. وجد سيا جالسة متوترة. قامت سيا عندما رأته، وقالت بصوت عالٍ: "أين هاتفك؟ حس بدر على جيوبه، ثم قال ببرود: "في السيارة تقريباً. ما الأمر؟
سيا بعصبية: "قلت إذا اتصل أحد بخصوص الجثة، كلمنا. كينان ذهب إلى القسم بعد أن وجد الضابط رقمه تقريباً في هاتف سونيا." سقط الخنجر من يد بدر وهو يقول بصدمة: "ماذا تقول؟ لم يكمل صدمته، فوجد كينان يدخل المنزل ويغلق الباب، ويسند عليه وهو يأخذ أنفاسه. بدر بتوتر: "ماذا فعلت هناك؟ ماذا فعلت يا بني، تكلم! كينان بتعب: "لقد صدمني الأمر، ولست قادراً على التصديق." أخذ بدر نفساً وقال: "وماذا كانت النتيجة؟
كينان: "سيحتفظون بسيارتي حتى ينتهي التحقيق. وسيفحصون الجثة لمعرفة سبب الوفاة، هل هناك طعنات في جسدها، أو أي شيء يدل على القتل." بدر بقلق: "هل مددت يدك عليها قبل أن تقتلها؟ كينان بتعب: "لا، لكن كنت قد ربطت يديها خلف ظهرها، لكن فككت الرباط قبل أن أرميها." بدر بين أسنانه: "الله يخرب بيتك." باب المنزل طرق. صمت رهيب في البيت، وهم الثلاثة ينظرون لبعضهم البعض. اقترب بدر من الباب و...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!