اخترق صوته مسامعهم كالرعد، ولكن الكلمات كان وقعها أكثر كالصاعقة التي احرقتهم في أرضهم، أو أشبه بوقف الزمن. "لا بقت مراتى! لحظات من الصمت هيمنت على الجميع، تهجمت ملامح ليلى وأسمى واختلطت الصدمة بالثوران الهائج وهو يستمعون إلى كلمة "مراتى". أذانهم تحاول تكذيب ما يُلقى عليها. أصبحت ليلى كجمرة نار متوجهة، وأسمى اكتفت بتعابير وجهها الثورانية. وكان السبق لليلى في الصياح قائلة: "مراتك ده إيه! انت بتهزر صح؟
لا مهو مش معقول توصل معاك لكده يا أسيد. هو ده اللي كنت خايفة منه؟ دلوقتي وضحت نيتها كويس أوي. الله أعلم قالتلك إيه واقنعتك بده، مهي حرباية ليها كذا شكل ولون وبتمثل دور الغلبانة والبريئة." غامت عيني ملاك بالعبرات الحارقة، فتلك الكلمات ثقيلة على القلب. إلى متى ستظل في هذا العذاب؟ فرت هي من بطش نيرة وأكرم لتقابل زوجة خالها وابنتها. سمعت صوته الرقيق هامسًا بجانب أذنها: "اطلعي على أوضتي فوق، انتي عرفاها."
أومأت بموافقة في عينيها الدامعة وهرولت مسرعة إلى أعلى وسط نظراتهم النارية التي تكاد تحرقها أرضًا. فتعود مجددًا ليلى لصياحها الغاضب: "مش واضح زعلك على مراتك، رايح تتجوز وهي مكملتش لسا ست شهور. لا ورايح تتجوز مين؟ صرخ بصوت جهوري اهتزت له أركان المنزل، أيقظت البركان الخامد بداخله بذكرها زوجته، جعلهم يقتلعون عن الكلام فورًا في خوف.
"جوازى من ملاك ملوش أي علاقة بحزني على مريم. ده حاجة وده حاجة. قسمًا بالله اللي هيدايق ملاك بحاجة هتشوفوا أسيد اللي انتوا عارفينه. والكلام بذات ليكي يا أسمى هانم. ملاك بقت مراتى خلاص، واللي هيوجه أي إهانة ليها كأنه بيهيني أنا. يا رب اللي حصل دلوقتي ده ميتكررش تاني."
سمعت صوته في الغرفة، ارتعدت أوصالها وفقدت القدرة على التحرك. كان هذا آخر شيء تود حدوثه أن يرفع صوته على والدته وأخته. ستفتر العلاقة بينهم بسببها. عاتبت نفسها وأنبها ضميرها. أين كان عقلها حين وافقت على هذا الزواج الذي لن يجدي نفعًا لأي من أطراف البيت وبالأخص هي. كان بإمكانها أن تطلب منه المساعدة في تخليصها من هذا العذاب ولكن عن طريق ترك البلاد، ترك كل شيء خلفها تعيش في مكان جديد بحياة أفضل، لعلها تجد في تلك البلد الشخص المناسب لها الذي يخرجها من الظلمات. تكاد الشجون تشق صدرها وتقسم أضلعها. خالطتها فكرة مجنونة وهي أن تطلب منه الطلاق بمجرد قدومه.
بالأسفل، تقدمت ليلى ناحية ابنها تتطلع إليه بخيبة أمل وأسف لتهتف بصوت يخالطه البكاء: "هتعمل إيه يعني يا ابن ياسر لو زعلت ست الحسن؟ لتكون هتمد إيدك عليا، مهو ده اللي ناقص. فاضل إيه بعد ما تعلي صوتك وتهددني؟ روح خليها تنفعك اللي بتعصي أمك عشانها دي."
تسدرت وتتجه نحو غرفتها والعبرات تنهار على وجنتيها. لترمق أسمى أخيها بنظرة غاضبة ولا تختلف كثيرًا عن نظرة والدتها. ثم ركضت تلحق بها. وكذلك هو صعد إلى غرفته ليفتح الباب على مصراعيه ويدفعه بعنف مصدرًا صوتًا اهتزت له أركان الغرفة ومعها جسدها الذي ارتجف رعبًا من هيئته المخيفة وعيناه التي تحولت إلى كتلة دماء أوشكت على الانفجار.
راقبه وهو ينزع سترته عنه ويلقيها بعنف على الفراش بجانبها. ثم يتجه ليجلس على الأريكة الوثيرة دافنًا وجهه بين ثنايا قبضتي يديه. ساد الصمت لدقائق طويلة بينهم حتى خرج صوتها المبحوح الذي يغالبه البكاء. "كل ده بسببى. صدقني لو كنت أعرف أن الأمور هتوصل لكده مكنتش وافقت على الجواز ده نهائي. أنا توقعت أنها هتتعصب فعلًا وهتحصل مشكلة بس مش للدرجة دي! ظل على وضعيته كما هو، لم ينبث ببنت شفة أو يرفع نظره لها حتى طغى البكاء
عليها مردفة بنشيج مسموع: "روح صالح أمك يا أسيد وبوس على إيدها وراسها. متخليهاش تغضب عليك بسببى. أمك مش هتتعوض، لكن أنا هروح وهتيجي ألف وحدة غيري. ولو طلبت منك تطلقني متقولهاش لأ! رفع رأسه أخيرًا متأملًا وجهها الذي امتلأ عبارات. رأى الطيبة الناطقة في وجهها. لم يخطئ عندما شبهها بطفل صغير يستطيع نسيان من أحزنه في ظرف لحظات. طفل لا يحمل في ثنايا قلبه حقدًا أو كره تجاه أحد. صافي القلب كصفاء المطر.
أكملت بصوت مرير: "هي عندها حق في كل حاجة بتعملها. أنا لو مكانها هعمل كده. يعني هي مقتنعة أن ماما كانت السبب في موت جوزها طبيعي، هتكرهني وهتكون معاملتها ليا كده. وعلشان كده أنا مش برد عليها وبستحمل كلامها وبسكت. أنا مش زعلانة والله غير أني اتعودت على كده. كمان أنا عارفة أنه هييجي يوم وهتعرف لوحدها أنها ظلمتني والأمور هتتحسن." نهض من مقعده ليسير ويجلس بجانبها هامسًا بنبرة تفيض حنانًا: "انتي ملكيش ذنب في حاجة يا ملاك!
هتفت ببكاء مرير وقد سيطرت عليها موجة بكاء عنيفة: "لا ليا. متقولش مليش ذنب. أنت حملتني أكبر ذنب دلوقتي وهو أنك بتعصي أمك وتتعصب عليها بسببى. عندهم حق، أنا من ساعة ما جيت مجبتش الخير وجات المشاكل معايا." أحاط وجهها بكفيه متشدقًا بعينان تبتسمان وصوت ينسدل كالحرير ناعمًا: "معندهمش حق طبعًا. هو في ملاك بيجيب الشر والمشاكل لما يدخل البيت؟ يلا اهدى وامسحي دموعك كده." دفعت كفيه بعنف صائحة
به لأول مرة في انفعال جلي: "مش هـهدى يا أسيد غير لما تروح تصالح أمك وتعمل اللي تطلبه منك. متحملنيش ذنب زي ده ارجوك. قوم يالا." هز رأسه بالموافقة في هدوء وهب واقفًا متحفزًا. ثم انصرف متوجهًا نحو غرفة أمه. *** أشار للنادل بيده وثوانٍ وكان أمامهم وهو يقول له بنبرة رسمية ممزوجة بابتسامة عذبة: "طلبات حضرتك إيه؟ علق نظره على زمردة مجيبًا بخفوت رجولي: "هتشربي إيه؟
تنهدت بعمق زامة شفتيها بضيق زائف، فقد أجبرها على القدوم معه. وبعد سؤاله الآن أبت أن تتحدث لولا نظراته الصارمة يأمرها بالإجابة. فهتفت باقتضاب: "عصير مانجا!! انتصب في جلسته وأردف محدثًا النادل بخشونة: "اثنين عصير مانجا! أرخت ظهرها على المقعد غارزة طرف حذائها في الأرض بعصبية وترمقه شرزًا. وأخيرًا تحدثت بانزعاج: "عايزة إيه يا مراد ها؟ اخلص." اشتعلت دماؤه في عروقه ليهتف بسخط زائف: "في إيه يا بت ما تتعدلي بدل ما أعدلك!!
استقرت في عينيها نظرة ملؤها الكبر والاستعلاء. فتأففت بخنق وهي تهتف بغيظ: "هتعملي إيه يعني؟ أنا معرفش انتو شايفين نفسكم على إيه. اخلص قول عايز إيه علشان أنا واصلة معايا لهنا." قالت آخر جملاتها وهي تشير إلى رقبتها. فمد يده بكوب الماء متمتمًا بابتسامة مستفزة: "طب خدي اشربي ونزليها لتكتُم على نفسك!! أشاحت للجهة الأخرى مستغفرة ربها مرارًا وتكرارًا تجاهد في إخفاء الضحكة التي تنشب الحروب لخروجها. نظرت له وهمست
بوجوم ولكن العيون تبتسم: "مش وقت هزارك البايخ ده على فكرة! ضحكة صامتة ظهرت على محياه. فأستطرد مبتهجًا: "طيب سيبك دلوقتي من الهزار ولمي لسانك الطويل ده أحسن لك، وقوليلي مش عايزة تقولي لمروان ليه إنك أخته." تنفست الصعداء بامتعاض لتجيبه بمرارة: "أنا مرتاحة كده يا مراد. أنت شايف اللي حاصل لملاك من ساعة ما دخلت العيلة. صدقني كنا عايشين مرتاحين ط...
ثم إن ملاك عملوا معاها كده، ولسه كمان جدي وعمي لما يعرفوا إنها وأسيد اتجوزوا هيعملوا إيه؟ يبقى أنا هيعملوا إيه معايا." تكأ بساعديه على سطح الطاولة مغمغمًا بنبرة لا تحمل أي من المزح. نبرة تحمل من الجدية
والزمجرة ما يكفي لإخضاعها: "ملاك وضعها مختلف يا زمردة. وجدي وعمي فاكرين إنها بنت مش شرعية عشان كده محدش قابل وجودها. لكن أنتي وضعك مختلف ومينفعش تقعدي وحدك وسط الظروف دي. من جهة معتز ومن جهة أكرم. متعانديش واسمعي الكلام. وأنتي بذات وضعك أصعب من ملاك وأنتي عارفة أنا قصدي كويس إيه." اعتدلت في جلستها وتهمس برعب جلي: "اوعى تكون قلت حاجة لحد يا مراد."
بنبرة كلها ثقة وثبات هتف: "اطمني محدش يعرف حاجة. بس عشان محدش يعرف حاجة لغاية ما أنا أحل الموضوع ده، تبطلي عند كده وتوافقي إننا نقول لمروان." أغمضت عينيها بعبوس تكره ضعفها الذي يضطرها لقبول تلك الأمور. لا تريد أثر ذلك الرأي الذي يقترحه عليها ولكنها مجبرة حتى تستمر في إخفاء الحقيقة التي تحاول هي ومراد في إخفائها عن الجميع.
تابع بنبرة مهتمة: "زمردة أنا خايف عليكي. عايزك تبقي جمب أخوكي عشان لو حصل أي حاجة واتكشف الموضوع تبقي في أمان." رفعت يدها في وجهه متشدقة بضجر، تخرج الكلمات من فمها بصعوبة. كان هذا آخر شيء تود حدوثه: "خلاص يا مراد خلاص. قوله هعمل إيه يعني. أما نشوف هيحصل إيه كمان لما يعرف هو وأمه وبقية البيت." ***
تجلس أسمى بجانب أمها تحاول تهدئتها. لم تتوقف عن البكاء منذ ما سمعته من فم ابنها. "تلك الشمطاء ستقضي علينا جميعًا. أقنعته بالزواج منها بحيلة ماهرة لم تعرفها وأوقعته في شباكها." نعم، لقبتها بـ "شمطاء". ذلك الملاك الذي لا يحمل في قلبه سوى الحب والود والعطف يلقب بـ "شمطاء".
تتوعد مرارًا وتكرارًا وتخبر ابنتها بأنها لن تترك ابنها لها. ترىَ ماذا سترى المسكينة ملاك على أيدي هذه المرأة القاسية التي جهزت عدتها لخوض حرب عزمت من البداية على الخروج منها بانتصار عظيم وسحقها كالجراد!
دخل أسيد غرفة والدته وعندما رأى وضعها المزرى أشار بعينه إلى شقيقته بالخروج. فتطلعت إليه بنظرة متمردة ساخطة ورحلت. أغلق الباب وتوجه جالسًا أمام والدته. هم بإلتقاط يدها لتقبيلها فسحبتها بعنف بعيدًا عنه في نبرة تنم عن عدم رضى. أصدر تنهيدة حارة في خنق ليهمس بحنو: "حقك عليا يا ست الكل. مكنتش أقصد صدقيني. أنا آسف!
أشاحت بوجهها للجهة الأخرى معبرة عن نفورها وغضبها المستمر. فاعتدل في جلسته أكثر وقرب رأسها من شفتيه طابعًا قبلة حانية على جبينها متمتمًا: "أنا مستحملش أشوفك زعلانة مني. ده أنا ماشي في الدنيا دي برضاكي. متزعليش مني يا أمي. قوليلى أنتي عايزة إيه بس واللي يخليكي راضية عني وأنا أعمله." لمعت عيناها ببريق خبيث لتنظر له هاتفة بجفاء: "تطلق الحرباية اللي اسمها ملاك دي! تأفف بقوة
ليجيبها بشيء من الزمجرة: "أطلق إيه يا أمي. ده إحنا مكملناش كام ساعة متجوزين. أنتي مش عايزاني مبسوط؟ أنا مبسوط بجوازي خلاص بقى عايزة إيه تاني." أثار نيرانها فأشتعلت وتوهجت. الجميع يعرف أنه لن يكون سعيد بهذا الزواج قط. الكل يعي جيدًا حقيقة أنه ما زال لم يتخلص من ذكريات زوجته الباقية بعد رحيلها. ولن يستطيع التخلص منها ولو بعد حين. إذًا لماذا يحاول إقناعهم أنه سعيد هكذا وهو العكس؟ صاحت به منفعلة: "أنت بتضحك على مين؟
علينا ولا على نفسك؟ مبسوط إيه؟ لا واضح السعادة الصراحة في عينك. أسيد أنت اتجوزت البنت دي لسبب إحنا منعرفهوش وأنت مش مضطر تعمل كده. الجواز مش سهل ولو مطلقتهاش دلوقتي هتطلقها بعدين. كنت قادر تصبر لغاية ما تلاقي الواحدة اللي تعوضك شوية عن فقدان مريم وتعوضك عن خسارة ابنك وتجبلك العيال اللي نفسك فيهم. حرام عليك يا ابني بتعمل في نفسك كده ليه؟
قامت بإلقاء الملح على جرحه الذي لم يلتئم بعد. هاجت شجونه وعصفت الأعاصير بقلبه الممزق خاصة عند ذكرها الأطفال. فهو أكثر ما يشتهيه الآن طفل يحمل اسمه انتظره لسنوات وفي النهاية لم يأتِ. تناثرت أجزاء قلبه في كل جزء يحاول جمعهم من جديد ولكنه يفشل في كل مرة. صعد العبوس والمرار إلى سحنته وظهرت في عيناه التي كانت ملجأ لتلك الشجون. وأخيرًا
همس بابتسامة مريرة: "ومعنديش نية إني اتجوز جواز حقيقي تاني يا أمي. فعلًا يمكن يكون نفسي في ابن بس واضح إنني هكمل حياتي وحيد كده. فـ أرجوكي احترمي قراري واقبلي بملاك مرات ابن ليكِ على الأقل لفترة معينة زي ما قلتي لغاية ما نطلق. عامليه كويس لو مش عشانها عشانى يا أمى احترامًا ليا. هي دلوقتي مراتي يعني كل كلمة موجهة ليها كأنها موجهة ليا أنا. أهم حاجة دلوقتي بس متكونيش لسا زعلانة مني."
أثرت كلماته في داخلها وتحركت عاطفة الأمومة بداخلها عندما رأت الحزن والشجن بعينه. وأشفقت على زهرة قلبها البكرية الذي ألقته الظروف القاسية في محيط يمتد لطول النظر من جميع الجهات وحتمت عليه الموت غرقًا أو جوعًا أو من البرودة أو الأشد ألمًا عن طريق أسماك المحيط المتوحشة!! مدت يدها وملست على لحيته الكثيفة بأعين
دامعة هامسة بصوت باكي: "ربنا مبينساش حد يا حبيبي وهيكرمك صدقني ويعوضك مش عن مريم بس لا على طيبة قلبك وحنيتك كمان. وبخصوص اللي اسمها ملاك دي عشان خاطرك بس هحاول أتعامل معاها كويس. هحاول يعني مش أكيد لغاية ما تطلقها." ظهرت ابتسامته الساحرة ليرفع يدها إلى فمه ويقبلها بدفء وكذلك يتجه إلى جبينها. ثم نهض من جوارها بعد أن أخبرها بأنه سيذهب لمباشرة أعماله. ***
استل الليل ردائه كاملًا. قضت ملاك يومها وحيدة بعد رحيل أسيد. اعتكفت في غرفتها بمفردها لم تخرج حتى لتناول الطعام خشية من أن تتلقى ما لا يرضيها من أفواههم. أدركت أنه إذا علم أنها لم تتناول الطعام طوال اليوم ولم تأخذ دوائها سيكون لها من بطشه نصيب. فقد أكد عليها قبل الرحيل أن تأخذ دوائها وتتناول الطعام. ولكن ماذا عساها أن تفعل؟
ليس لديها الجرأة الكافية للخروج أمامهم. رغم أنها لم ترتكب ذنبًا لتخشاهم ولكن نفسها الطفولية تمنعها من الاشتباك معهم. شعرت بأنها أخطأت في أمر الزواج ظنًا منها أنها ستتمكن من خضوع قلبه لها وتجعله عاشقًا ولهانًا لها كما أصبحت هي الآن. ذلك الشعور يعتصر قلبها أن تكون عاشقة له وتنتظر نظرة منه ترى فيها رغبته بها وحبه الجنوني وهو غير مبالٍ لها. فقط يريد مساعدتها وحمايتها زارعًا في عقلها أنه يحبها ولديها جزء في قلبه تحتله وحدها ولكن ضمن محتويات العائلة "شبيهة بمكانة شقيقته". وهو في الحقيقة لم يكن شعوره تجاهها سوى شفقة منه ورأفة بحالها. رياح باردة اقتحمت الغرفة معها أمواج تحمل أصوات نباح الكلاب المرتفع وكأنهم شيء أخافهم أو يتشاجرون حول شيء.
على الجانب الآخر كان ريان قد وصل القاهرة بعد سفر دام لساعات في سيارته. وكان أول مكان نزل من سيارته أمامه هو منزل أسيد الذي تكمن به ملاك، أو الذي كانت. أصابته حالة من التوتر والقلق حين لم يجد الرجال أمام المنزل. سار نحوه وهم بطرق الباب فإذا به يجد زمردة تفتح الباب ويفاجئ بحقيبة ملابسها التي في يدها وتستعد للخروج. وقعت نظرتها عليه لتقرأ في عينه التساؤلات والدهشة. فتقابل نظراته ببرود ونظرة استحقار
مجيبة إياه مستنكرة: "طبعًا جاي تسأل على ملاك، بس زي ما أنت شايف ملاك مش موجودة وأنا راجعة بيتي دلوقتي." ضم حاجبيه على بعضهم مردفًا باستغراب: "مش موجودة إزاي يعني، راحت فين؟
استقرت نظرة منها عليه ملؤها الحقد والغضب. ما زالت لن تنسى الإهانة التي ألقاها كسهم مسموم في تجاه قلبها غابرًا مباليًا لذلك القلب الصغير. لم تسيء معاملته قط ولكنه فعل كأنها نكرة لا تساوي شيئًا. والآن يقف أمامها وكأن لا شيء حدث. أطالت النظر في وجهه تكاد تنفجر به وتكسر أضلعه ولكن حتمًا لن تخرج من الحرب منهزمة دون أن تصنع خسائر في العدو. وستستخدم أشد الأسلحة ألمًا تكاد تكون الهزيمة الحقيقية له!! تقدمت خطوة نحوه وهي تقول
مبتسمة بمكر وتتصنع الصدمة: "إيه ده معقول ريان بيه ميعرفش ملاك فين؟ تؤتؤتؤ ملهاش حق ملاك متقولكش هي وأسيد. أصل الصبح كنا عند المأذون عقبالك كده إن شاء الله، وكان كتب كتاب أسيد وملاك، وهي دلوقتي في بيت جوزها!! ضغطت على كل حرف في آخر كلمة مستقصدة إشعال نيرانه أكثر بكلمة زوجها. وقفت تتابع تقلبات وجهه التي أخذت جميع ألوان الطيف لتستقر على اللون الأحمر الداكن. فوجدته يهتف
وهو يجاهد في ضبط انفعاله: "إذا كنتي حابة تهزري فده مش وقت هزار خالص لأني مش في مزاج للهزار ده. وقولي ملاك فين." قهقهت بصوت مرتفع وهي تضرب كفًا بكف واستطردت بنظرة وضيعة: "وأنت مين أصلًا عشان أهزر معاك؟ ملاك في بيت جوزها اللي هو أسيد. ولو مش مصدقني روح واتأكد بنفسك."
رأت نظرة في عينه أرعبتها حقًا. لا تعرف أهي بسبب ما سمعه منها أو بسبب طريقتها في الحديث معه ولكن لا يهم. الأهم الآن أنها نجحت في تحقيق مبتغاها. باغتها بحركة فجائية منه وهو يسحبها من ذراعها إليه هامسًا لها بخفوت مرعب: "عارفة لو طلعتي بتكذبي هندمك على اليوم اللي شوفتيني فيه. أما طريقتك في الكلام دي فهدفعك تمنها بطريقتي."
دفعت يده بوحشية عنها رامقة إياه شرزًا. ثم دلفت إلى المنزل وأغلقت الباب وتركت العنان لدمعة حبست في مقلتيها بمجرد تذكرها لما قاله لها في المنزل هنا منذ ثلاث أشهر. أخرجت هاتفها وأجرت اتصالًا بمراد تعرف منه لماذا تأخر هكذا وهي تنتظره منذ وقت. فأخبرها أنه في طريقه إليها. ***
فتح باب الغرفة ودخل بعد يوم شاق ومرهق. نزع سترته عنه كما يفعل دومًا متنهدًا بإرهاق. وإذا به يصدم بملاك النائمة على الأرضية. متكورة حول نفسها كالجنِين في بطن أمه. لا يوجد ما يغطي جسدها الضئيل ويدفيه في ذلك البرد. انحنى إليها وهتف بصوت قوي بعض الشيء يحمل بداخله السخط: "ملاك.. ملااااك! فتحت عينيها دفعة واحدة وانتفضت جالسة عندما رأته وهمست له بخفوت مترقب في صوت يبدو ناعسًا: "نعم!
بنظرات دقيقة تفحصها قائلًا: "نايمة على الأرض ليه؟ ابتعلت ريقها باضطراب بسيط مغمغمة بتوضيح بسيط: "يعني أصل أنا نمت على الكنبة ولقيتها مش مريحة أوي فنمت على الأرض." "والسرير ده بيعمل إيه؟ أوضحت أكثر بخجل أشد وهي تهز كتفيها لأعلى لتظهر جهلها قائلة: "معرفش. بس قولت يمكن أنت مش حابب حد ينام عليه أو جنبك بالذات."
جثى على ركبتيه أمامها. تلك الملاك تتفنن في كل مرة وتجعله مجبورًا على معاملتها برقة وحنان. كمان ينبغي أن تعامل. عفويتها وبراءتها الطفولية لا يستطيع المقاومة أمامهم. تشدق مبتسمًا: "وأنتي بأي حق بتقرري بالنيابة عني؟
ثم إن أنتي مبقتيش حد يا ملاك. أنتي حاليًا مراتى ومينفعش أنام على السرير وأنتي على الأرض أو الكنبة. عيب يعني. عايزك تتعاملي بعفوية يا ملاك ده بيتك خلاص. قومي يلا كملي نومك على السرير وأنا هاخد دش وأنام زيك. بس قبل ما تنامي أكلتي وأخدتي علاجك ولا قاعدة من الصبح مكالتش حاجة؟ ازدردت ريقها بخوف وهزت رأسها بنفي وإيجاب في آن واحد بنظرات طفولية مرتعشة. ولكنها لم تنفعها كثيرًا حيث اندفع بها يردف بغضب: "وبعدين يعني؟
أنتي طفلة صغيرة يا ملاك؟ هقعد فوق راسك عشان تاكلي؟ مش عارفة مصلحتك يعني. مصممة تعصبيني عليكي في كل مرة بسبب عندك ده وحركاتك الطفولية. مانعين الأكل عنك يكونش وأنا معرفش." أطرقت أرضًا بأسى متمتمة: "مقدرتش أطلع يا أسيد. بصراحة مكنتش مستعدة لأي كلمة من مامتك أو أختك. ففضلت القعاد في الأوضة لغاية ما تيجي." مسح على شعره زافرًا بخنق. ثم تشدق: "طب أنا كل يوم هطلع وهاجي آخر اليوم. هتقعدي كل يوم من غير أكل لغاية ما أجي مثلًا؟
مينفعش اللي بتعمليه ده. أنا مش عايز أتعصب عليكي بس أنتي بتجبريني على كده." ابتسمت بمرارة وصوت مرير وعابس أجابته: "أنت دايما متعصب عليا يا أسيد. نادر لما بشوفك بتضحك في وشي أو تكون هادي."
تتهمه بقسوته معها بالرغم من أنه يجاهد ويدوس على نفسه محاولًا أن يظهر لها حبه العفوي لها وأنه لا يريد أحزانها. ولكنها تتعمد إشعال نيران غضبه بما تفعله من عناد. لم يكن لديه نية بإخافتها. خرج صوته الحاني الذي بدأت تعتاد عليه رويدًا رويدًا: "أنا لما بتعصب عليكي بيبقى بسبب خوفي عليكي. لو بصيتي وعديتي المرات اللي اتعصبت عليكي فيها هتلاقيها بسبب عندك أو غيره. متعانديش معايا واسمعي الكلام ومش هتشوفي مني غير حنية."
اصطبغ وجهها بحمرة خفيفة. يخدش حياؤها بكلامته المعسولة ونبرته التي تحتضنها. ما هذا الرجل كيف له أن يكون شخصين في آن واحد؟ يتقن التحول من غضبه إلى طبيعته الهادئة والساكنة. لا يمكنها القول سوى أنه جذاب لدرجة كافية لجعل أي فتاة تفتن به من أول نظرة. رجل بما تحمل الكلمة من معنى. صدره الواسع وطوله باله. هدوءه، حكمته، غضبه، ابتسامته الساحرة. يكفي أنها ترى كل هذه الصفات يوميًا. أن سُئلت الآن من هي فستجيب:
أنا التائهة في صحراء على امتداد البصر لا أعرف مفر منها! أنا التي نخر الحزن قلبها بلا هوادة! أنا فتاة شبت وتموت وحيدة تغذت على الألم، حتى أصبحت ذات مناعة قوية ضد الصدمات..! أنا العاشقة لرجل لست بقلبه ولا يفكر في أن يحتل جزء صغير من عقله حتى! رجل لا يسمح لها باختراق حواجزه. بيننا سد كسد يأجوج ومأجوج كلما تهدم منه جزء عاد بناؤه مجددًا. أخيرًا تحدثت بعد أن أظهرت عن
صف اللؤلؤ بين شفتيها بمكر: "أنا ممكن آكل بس بشرط. أنا سمعت طراطيش كلام كده الصبح من مرات خالى بتقول إنك ليك فترة طويلة مش بتاكل كويس أو مش بتاكل أصلًا لسبب مجهول ليا حتى الآن والنهاردة من الصبح مكالتش حاجة. فـ أنا هاكل لو أكلت معايا." استقرت نظرة لئيمة منه وابتسم متمتمًا: "أنتي بتساوميني يعني؟
أنا لو عايزك تأكلي هتأكلي غصب عنك يا ملاك ومن غير ما آكل. فـ زي الشاطرة كده قومي اعملي أكل وملكيش دعوة بيا أنا مش جعان أساسًا!! رفعت كتفيها لأعلى مردفة بنظرة متحدية: "أنا قولت اللي عندي. هاكل لما تاكل معايا. أنت بتقول عني عنيدة وأنت مشوفتش حاجة من عنادي لسه." احتلت على ثغره ابتسامة واسعة ليغمغم بغضب مزيف: "وأنتي مالك أنتي بيا أنا مش عايز أكل! حدقته بطرف عينيها
في استنكار قائلة ببرود: "خلاص طالما أنا مالي أنت كمان مالك بيا أنا مش جعانة. أنت خسران إيه لما تاكل. أنا لو حصلي حاجة دلوقتي ومتُ هيبقى بسببك." قهقه بخفة من تلك القطة الصغيرة التي تساومه معتقدة أنها ستنتصر عليه. ولكنه سيتقن دور المهزوم ويخضع لما تريد قائلًا: "ماشي روحي حضري الأكل وهناكل مع بعض!! تهللت أساريرها كطفلة صغيرة ووثبت واقفة وهي تقول بحماس شديد. أن دقق النظر في عينيها فسيرى وميض الحب في عينيها يلمع كنجم
في وسط السماء السوداء: "في الواقع عندي شرط تاني كمان. تيجي تحضره معايا." أظهر الدهشة المزيفة ليهتف بخبث بسيط: "ماشي يا ملاك هانم همشي وراكي للنهاية. اسبقيني على المطبخ وهغير هدومي والحقك!
أومأت له بسعادة طفولية وهرولت مغادرة الغرفة متجهة نحو المطبخ. ومن حسن الحظ أن الجميع كان غارقًا في ثبات عميق. بدأت بالتفتيش في أغراض المطبخ لا تعرف ماذا تحضر للعشاء. دقائق وهلّ وهو مرتديًا بنطال أسود اللون أعلاه كذلك جاكيت من نفس اللون. أقترب ووقف بجانبها ثم استطرد: "هتعملي إيه؟ افترت شفتاها عن ابتسامة ساحرة مجيبة بعفوية: "معرفش أنت حابب تاكل إيه!! "أي حاجة من إيدك حلوة. أنا مش بتفرق معايا."
قالها بعفوية تامة لم يكن له نية واضحة فيما قاله فقط قالها بغرض إظهار الود والحنو. ولكن قلبها ترفرف كطير حديث الولادة انطلق في الهواء يرفرف بجناحيه بحرية. رفعت نظرها إلى أحد الأرفف العلوية وحاولت فتحها فتولى المهمة وفتحها بكل سهولة لطول جسده ونظر لها قائلًا: "عايزة إيه؟
أخبرته بما تريده وجلبه لها. بدأت بالتحضير بمساعدته القليلة لها. كانت تختطف نظرات له بعينان تضحك. شعورها وهو يقف بجوارها ويبادلها الحديث ويمازحها بتلقائية. تارة يضحك بصوته المرتفع وتارة يكتفي بابتسامة جميلة تجعلها في قمة سعادتها. قربه منها يبث في نفسها الطمأنينينة والسعادة. وحتى إن كان زواجهم لفترة معينة وسينتهي، وإن كانت تعلم أن حبها من طرف واحد ولن يشتركا في نفس القلب. سيكفيها أن تعيش اللحظة بقربه. أن تكون بجانبه وتسمع صوته وترى ابتسامته الساحرة. أن يحتضنها ويضمها إلى صدره حتى وإن كان ذلك بدافع شفقته عليها. فهي قابلة بكل شيء مقابل أن تكون معه. انتهيا من تحضير الطعام وهموا بتناوله ولكن قطع ذلك صوت رنين هاتفه
الذي أجاب عليه في استغراب: "خير يا ريان في إيه؟ حصلت حاجة ولا إيه؟ أتاه صوته المنفعل قائلًا: "انزل يا أسيد أنا في الجنينة بره مستنيك." أجابه بصدمة متسائلًا: "في الجنينة؟ أنت أمتى جيت أساسًا يابني؟ طيب نازلك دلوقتي."
توترت ملاك بشدة فأيقنت أنه علم بزواجهم من زمردة وحتمًا هو بالأسفل يشتعل بالنيران من فرط غيرته. غادر أسيد الغرفة فورًا فتوجهت هي ووقفت تنظر إليه من الشرفة. وعندما وقع نظره عليها في غرفته تأكد مما قالته زمردة. أنا ريان غفور رؤيته لأسيد وهو يسير نحوه اندفع إليه كالثور الهائج.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!