الفصل 10 | من 13 فصل

رواية أشلاء القلوب الفصل العاشر 10 - بقلم ندى محمود

المشاهدات
21
كلمة
6,019
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 77%
حجم الخط: 18

فتحت عيناها ببطء وعندما سمعت همهمات خفيفة بجانبها، وثبت جالسة وهى ترمقهم بنظرة مرتعدة لتجد زمردة تهتف بقلق وهى تنهض لتجلس بجوارها: اهدئى ياملاك ياحبيبتى، قوليلنا حصل ايه معاكى.

وقع نظرها على أُسيد الذى حدقها بنظرة دافئة بها شيء من الانزعاج. لم تراه منذ أكثر من ثلاث أشهر. بدا لها مختلفًا عن آخر مرة رأته فيها، لحيته نمت الضعفين وشعره الأسود الكثيف المنظم كأنه ذهب لمصفف الشعر للتو. بدا أكثر جاذبية ووقارًا، لحيته تلك أظهرت رجولته الطاغية أكثر. لا يوجد إنكار أنها اشتاقت له ولصوته الذي كان يخيفها، لنبرته الغاضبة منها عندما تتمرد عليه، لنظرته الدافئة وابتسامته.

رأته وهو يشير لزمردة بالخروج ليتحدث معها على انفراد. توترت في البداية ولكن تحول ذلك التوتر إلى خوف عندما وجدته ينهض ويسير نحو النافذة يحدق بالخارج لثوانٍ. تلك الثواني مرت كساعات مشحونة بجو من التوتر. أحدث صمته اضطرابًا بداخلها وأدركت أنه لا يبشر بخير أبدًا. حدث ما توقعت عندما رأته يستدير لها ويصيح بعصبية: على كده لو مكنتش زمردة النهاردة قالتلي على موضوع أكرم كنتي هتفضلي لغاية امتى مخبية عني؟!

أنزوت نظرها عنه في أسف، فأقترب منها وهو يكمل صياحه منفعلًا. منظرها يثير جنونه، عيناها المنتفخة من أثر البكاء والهالات السوداء أسفل عينيها من عدم النوم، وجهها الذي ذهب بريقه ولمعانه. حقًا كانت في حالة مزرية:

مش شايفة شكلك إزاي، واكيد طبعًا مش منتظمة في علاجك ده إذا كنتي بتاخديه أساسًا. فهميني ياملاك واديني سبب واحد يخليكي تخبي عني حاجة زي كده لمدة أكتر من تلات شهور لغاية ما توصل حالتك للمنظر ده. اتكلمي ومتقعديش ساكتة كده لأن سكاتك ده بيعفرتني أكتر!! هطلت عبراتها لتقول بصوت مرتعش ونبرة لا تحمل الندم:

ولو كانت زمردة مقالتش ليك مكنتش هقولك يا أُسيد لا أنت ولا ريان. كفاية أذى اللي حصلكم بسببى. ودلوقتي أكرم بيهددني وبيقولي أنه هيأذيكم وبذات أنت. يعني أنا حتى لو فكرت وحبيت أقول لحد فهيكون ريان مش أنت. أنا طبيعي قلقانة وخايفة يعملك حاجة فعلًا، فـ هروح أقولك علشان أزيد الطينة بلة! قاد خطواته نحوها ليهمس أمام وجهها بنظرة أرعبتها: ومنظرك ده عاجبك؟

ده لو الوضع ده كان استمر لأسبوع تاني كنت هلاقيكي ميتة. أنتي يمكن مش مدركة أنك مريضة قلب وأقل حاجة بتأثر عليكي. أنتي مجنونة وهتجننيني معاكي. ملاك علشان نبقى على نور مع بعض يابنت العمة من هنا ورايح مفيش حاجة تخبيها عني أو عن ريان وبذات أنا. ودلوقتي هتقوليلى كل حاجة حصلت معاكي من البداية بالتفصيل. عايز اسمع منك تاني بالتفصيل نهاية باللي حصل معاكي النهاردة ده.

ترددت كثيرًا قبل أن تتكلم، ولكنه أرغمها على الحديث بنظراته الملتهبة التي لم تعهدها من قبل، لتبدأ بسرد له كل شيء بأدق التفاصيل من البداية نهاية بقدومه إلى المنزل اليوم وتهديده المباشر لها.

نظراته ازدادت حقدًا وغلًا. يعقد وثيقة معه تعلن قدوم الحرب لا محالة. ذلك الوغد يجرؤ على تهديده وتحديه في أنه لن ينجح في حماية ابنة عمته منه. من الواضح أنه عقد الوثيقة مع الشخص الخطأ. أعلن تحديه السخيف أمام من سيسحقه هو وتحديه ووثيقته وتهديده. كانت تراقب وقع كلماتها على وجهه الذي تحول إلى شعلة نيران متوهجة. استحوذ عليه الصمت لدقائق طويلة يفكر في شيء عجزت عن توقعه، حتى همست بريبة: ساكت ليه يا أُسيد؟ هب واقفًا

ليجيبها بحزم: قومي خدي دش وفوقي وبعدين جهزي شنطتك وأنا شوية كده هاجي آخدك أنتي وزمردة. لم يعطها الفرصة لتتحدث حين وجدته انصرف من أمامها كالبرق. إلى ماذا يخطط ياترى؟ ماذا سيفعل؟ بماذا يفكر؟ كلها أسئلة دارت في حلقة واحدة داخل ذهنها تبحث عن إجابة، حلقة حلزونية متصلة ببعضها وكل الأسئلة تؤدي إلى نفس الطريق وهو أنه حتمًا ما يفكر به ليس بأمر هين.

كان واقفًا أمام المرآة يصفف شعره مبتسمًا بجاذبية سارحًا في ملكوته الخاص. اقتحمت ذلك الملكوت كالعادة أشجان وهي تدلف له وتهتف مبتسمة بخبث: خير مبسوط إكده ليه؟ نظر إلى انعكاس صورتها في المرآة وهمس بنبرة هادئة: حرام اتبسط يعنى يا أمى؟ سارت نحوه وهي تغمغم بنعومة وصوت رقيق يحمل الاهتمام: لا طبعًا وهو أنا أطول لما أشوف ولدي مبسوط، بس مش ناوي تتجوز عاد ياريان أنت خلاص بقيت 30 سنة يا ولدي هتقعد لغاية امتى تاني!

ترك الفرشاة من يده وادار جسده ليكون في مواجهته وقد لاحت على ثغره ابتسامة ماكرة وهو يتمتم: هتجوز يا أمي أنا كده كده كنت ناوي لما أرجع القاهرة كمان يومين أظبط الموضوع ده، بس مظنش أن اللي هتجوزها هتكوني مبسوطة بيها، أو هتوافقوا عليها أساسًا لأنها ملاك. رأى الصدمة احتلت وجهها بعد أن نطق اسمها، رامقته بصمت وكأنها لا تصدق ما تسمعه أذناها الآن. لم يمهلها الفرصة للاستيعاب من تلك الصدمة حين ألقمها بصاعقة أشد منها:

سواء وافقتوا أو رفضتوا فأنا هتجوزها. تسارعت أنفاسها واضطربت نفسها. إن جاءت تلك الفتاة إلى ذلك المنزل ورأتها ستفضح كل شيء، فهي تعرف شكلها جيدًا عندما حاولت قتلها. كان قد حل المساء واعتم الليل وهي منتظرة قدومه كما قال لها. أراح تفكيرها المستمر به عندما اتصل بها وأجابت عليه بتلهف: إيه يا أُسيد أنا من بدري أوي جاهزة ومستنياك، ليه اتأخرت كده؟ أتاها صوته صارمًا وصلبًا وهو يقول:

انزلي ياملاك أنا في مستنيكي في العربية تحت بس من غير شنطتك! ضيقت عيناها وأصابتها الحيرة لتجيبه بالموافقة وتترك الهاتف وتهبط له. صعدت بالسيارة بجواره مسلطة أنظارها عليه بحيرة تطلب منه التحدث بسرعة قبل أن يقتلها الفضول، فتنفس هو الصعداء ماسحًا على وجهه وهو يزفر بتردد بسيط ومن ثم طفق يقول بصوته الرجولي القوي:

أنا فكرت في الموضوع ده من الصبح وحاولت ألاقي حل غيره ملقيتش. ملاك أنا عايز أحميكي بأي شكل من الأشكال بجد ومش لاقي طريقة أقدر أحميكي بيها وأنك تكوني قدام عيني دايمًا غير أننا نتجوز. القرار يرجعلك طبعًا وافقتي أو لا دي حاجة ترجعلك أنت. أنا عرضت عليكي حل مؤقت وأنتي عليكي تقرري.

ما قاله جعلها تفقد حاسة التكلم. انعقدت الألسن وسبحت الأفكار في محيط لا نهاية له. تركها في نصفه تنظر من كل اتجاه فلا ترى إلا الماء. سعادتها بطلب الزواج مُحيت فورًا من الخوف الذي تملكها، خوف من كل شيء. دائمًا تحاول الهروب من تلك العائلة، تجاهد قدر الإمكان أن تكون بعيدة عنهم وهو يطلب منها الزواج يعني هذا أنها سترتبط بهم للأبد. رأت نظراته المترقبة وكأنه ينتظر الإجابة منها، فإذا بها تجيبه بسؤال آخر في ريبة:

هو أنت بتعمل معايا كده ليه بجد عايزة أفهم مش معقول كله ده بسبب وصية عمي اكيد في حاجة تاني! هز رأسه بالإيجاب بالنظر لها مثبتًا نظره في عينيها قائلًا بهمس جميل:

عايز تعرفي بعمل كده ليه، لأني بحمل نفسى الذنب في موت عمتي مقدرتش أحافظ على الأمانة اللي أمنني بابا عليها، ضيعت واحدة مش عايز أضيع الأمانة التانية ياملاك. يمكن أنتي مكنتيش تعرفي مدى حبي لعمتي إزاي يعني أنتي آخر حاجة بقالي منها. وعشان أبقى صريح معاكي أكتر أنتي من زمان ياملاك غالية عندي أوي ويمكن بخاف عليكي زي اسمي وأكتر ما بخاف على نفسي. بمعنى أصح أنتي مكانتك في قلبي متختلفش عن مكانة أسمي في حاجة. عرفتي أنا بعمل معاكي كده ليه. دلوقتي هسيبك تطلعي تفكري في الموضوع لغاية بكرة الصبح وهتصل بيكي اعرف قرارك إيه وسلميلي على زمردة!

تواثب قلبها بشدة يطرق طبوله ويعلن الاحتفالات بعد أن بدأ يعتقد أنه يعشقها ولكن هيهات فقد أنهى حديثه بشيء يوضح مكانتها بوضوح. أومأت بهدوء في خجل جلي بعد أن تورّدت وجنتاها وترجّلت من السيارة فورًا لتسرع في خطاها إلى المنزل في ارتباك. دخلت غرفتها وأغلقت الباب لتجيب على المتصل بضيق: ايوة يا أسلام عايز إيه؟ وصل لهدفه الأول عندما استجابت لاتصاله الملّح ليجيبها بعشق مزيف ولكنه استطاع تمثيله بمهارة لإيقاعها

في شباكه كالفريسة الخرقاء: أنا مش عارف هما قالولك إيه خلوكي كده وبذات ابن عمك ده، بس اللي عايزك تعرفيه أن أنا فعلًا بحبك ياسارة وأنتي عارفة كده وصدقيني بعمل كل ما بوسعي علشان لما أجي أتقدملك أهلك يلاقوني مناسب ليكي ويقبلوني. بجفاء تام وغضب: لو بتحبني بجد اثبتلي ده يا أسلام تعالى واتقدملي أنت إيه عرفك يمكن يقبلوك، ولغاية ما تيجي وتتقدملي ملناش كلام مع بعض! بإلحاح شديد في لؤم دفين أردف:

طب حتى خلينا نتقابل مرة، ارجوكِ يا سارة. زفرت بامتعاض في نفاذ صبر لتجيبها ببرود مشاعر: أنا في البلد في يا أسلام مش هقدر أقابلك. لما أروح القاهرة نبقى نشوف الموضوع ده. وسلام بقى!

ألقت بالهاتف على الفراش وهي تتأفف بخنق جلي، انتابها شعور دامٍ داخلها يعاتبها أنها حادثته. ما زالت تلح على مراد لتجعل مشاعره تلين بعض الشيء تجاهها. موجة غضبه العاتية دمرت كل شيء وعندما ذهبت لم تترك أي شيء كما كان. رسبت العواطف في الأعماق بينهم. كانت علاقتهم تتعدى حاجز القرابة لم تكن قرابة فقط بل كانت صداقة بُنيت على أعمدة إن انهارت انهار معها كل شيء.

فتحت الباب ودخلت لتغلقه بقوة وتستند بظهرها عليه، صدرها يعلو ويهبط كالذي يركض لساعات بدون توقف. تتذكر كلماته، همسه الجميل له، نظراته الدافئة، عرضه الذي نزل عليها كالبرق الذي يحرق الأخضر واليابس. رأتها زمردة بذلك الوضع فهرولت نحوها وهي تردف بفزع: بت ياملاك مالك في ايه؟ لفظت حروف اسمه من بين شفتيها بارتجاف: أُسـ..يـ..د! صاحت في ريبة شديدة: ماله أُسيد؟ ثبتت نظرها في عينها وهي تهمس بتوتر: عرض عليا الجواز!

سمعت صيحتها المنصدمة وهي تقول بعدم تصديق: جواز إيه، أُسيد قالك كده مش معقول لا! منظره ميحيش أنه ليه في الحاجات دي! اندفعت تصيح بها في نفاذ صبر: حاجات إيه! أنتي متخلفة يازمردة، هو أنا بقولك عرض عليا نتجوز عرفي! قهقهت بشدة لتسحبها وتجلسها على المقعد الوثير وهي تهتف بفضول كاد يقتلها: لا ده أنتي تحكيلي كل حاجة من طقطق لسلام عليكم، يلا بسرعة اخلصي لاحسن هتشل مكاني من الفضول اخلصي.

علا وجه ملاك البريء ابتسامة دافئة عليها لتبدأ بسرد لها ما حدث كما يريح فضولها هذا. فتصمت زمردة لبضعة من الوقت ومن ثم تجيبها بعد أن فكرت مليًا: إن جيتِ للحق فهو عنده حق. مفيش حل أنك تبقي في أمان من أكرم الحيوان ده غير لما تبقي معاه دايما وقدام عينه. لكن كده هو مهما عمل أنتي برضه اسمك عايشة وحدك وده بيدي فرصة لأكرم أكبر أنه يأذيكي بسهولة. همست متبرمة في عبوس وضيق:

ماشي أنا معاكي في الموضوع ده يازمردة، بس بجد مش عايزة يحصله حاجة وحشة بسببى سواء هو أو ريان. عايزاهم يبقوا بعاد خالص عن موضوع أكرم ده. ده غير تخيلي أنه يدخل على أمه وأخته اللي بيكرهوني سم ويقولهم أنا وملاك هنتجوز. أنا مش مستعدة للوضع ده أبدًا يازمردة. انتصبت في جلستها بوجه مبتهج لتجيبها بعد أن أخذت شهيقًا قويًا وأخرجته زفيرًا على تمهل، طارحة سؤالها الجريء في جدية: هسألك سؤال وتجاوبي عليه، انتي عايزة أُسيد ولا لا؟

رمقتها بطرف عينها في اضطراب. بدأت الآن تحس بأن حبها يهفو إليه من تحت غشاء القلق. لا تعرف بماذا تجيبها ولكنها حتمًا آثرت الصراحة حيث أومأت لها بهدوء في حياء بسيط. فأردفت هي متشجعة بحرارة الحديث: بس ملكيش دعوة بقى بمرات عمي أو أسمي أنتي هتتجوزي أسيد مش هما. وبصراحة ده في صالحك ياملاك لأنك كده هتكوني في أمان أكتر. ورغم كده فكري برضه مع نفسك وردي عليه بكرة.

مطت شفتيها مضمومتين بعدم حيلة من أمرها وجهلها بماذا تفعل. أ توافق أم ترفض. تلاقي كل من السلاحين في حرب قادية، حرب شهدت اجتماع كل من العقل الذي يؤمن بالابتعاد عنهم تمامًا ورفض ذلك العرض السخيف، والقلب الذي يريد قرب معشوقه يريد أن يشعر بالأمان الذي يبحث عنه في صحراء الظلم منذ سنوات يريد ملاذًا يبني عشه تحت ظله. شدة الثورة التي تعصف بين ضلوعها تكاد تكسرهم إلى أشلاء مثلما تمزق قلبها.

تحدثت عبر الهاتف وهي تصيح بمن تحدثه في لهجة لا تقبل النقاش، نبرة لا تحمل مثقال ذرة من المزح: خالد أنت هتجبلي قرار ملاك ده بالتفصيل. عايشة فين ومع مين وبتعمل إيه؟ عارضها بهدوء في خوف: مابلاش يا أشجان هانم أنا بفضل أننا نخلينا بعاد عن ملاك الفترة دي. ثارت به كالبركان وهي تصيح بقسوة:

ومالك خايف إكده ليه، متنساش أنك مشترك معايا في كل حاجة من البداية يعني خلاص طريقنا بقى واحد ومجبور تكمل معايا وأنا مش هسيب بنت فردوس دي تخربلي جوازي وتكره ولدي فيا. هتعرفلي مكانها يا خالد وهتقولي وخلال اليومين الجايين فاهم. مسح على شعره وهو يهتف بخوف جلي في سخط: يا أشجان هانم افهميني أرجوكي مهو لو ملاك دي حصلها حاجة أنا وأنتي هنروح في داهية مش لوحدي يعني، فخلينا بعيد عنها أفضل لينا صدقيني! حسمت أمرها لتجيبه بثقة

ممزوجة بلهيب الانتقام: اعمل اللي قولتلك عليه أحسنلك وملكش دعوة يا خالد، أنا مقولتلش هقلتها أنا عايزة عنوانها بس! لم تمنحه حلًا آخر سوى القبول بما تريده ليهتف مغلوبًا على أمره منها: تمام يا هانم هعرف وأقولك!

تتحسس تلك العلبة الحمراء الصغيرة، تتساءل أن كان منظر العلبة هكذا فماذا ستحمل بداخلها. وبالفعل فتحتها ولم تخطئ، فقد كان خاتم مرصع بقطع ألماس صغيرة ذو لون ذهبي، هادئ، كلاسيكي، من اشتراه لديه ذوق خاص في اختيار الأشياء. تحسسته بأناملها في ابتسامة خبيثة، ثم وضعته في الوسطى وهي تحرك يدها في الهواء تراقب لمعان الألماظ مع الضوء، وكأن الخاتم ازداد جمالًا في إصبعها. ريبة تتجلى في عينها حين مضت فترة ذهول وهي تفكر "هل يخطط للتقدم لخطبة فتاة وذلك الخاتم لها، ترى من تلك الفتاة التي تجعله يشتري خاتمًا باهظ الثمن هكذا؟

". أمسكت بهاتفها وأجرت اتصالًا به فيأتيها صوته الناعس قائلًا: الو يا أسمه في إيه؟ هتفت بصوت أشبه بالضحك في مكر وهي تحرك إصبعها أمامه تتفحص الخاتم: حلو أوي الخاتم ده يامروان، تعرف شكله حلو أوي على إيدي.. جايبه لمين بقى يا لئيم؟ وثبت من فراشه واقفًا وفتح الأدراج يبحث عنه فلم يجده. ضرب على رأسه وهو يلعن ويسب نفسه فيجيبها بمضض: أخدتي الخاتم إزاي يا أسمه؟ مبتسمة في لؤم همست باستمتاع:

لما كنا بنتكلم في الجنينة تحت أنت نسيته ومشيت، بس إيه ده طلعت مريش يامروان لا وكمان زوقك حلو لتكون ناوي تخطب! اتسعت ابتسامته التلقائية ليجلس على الفراش ويردف بنعومة: طب كويس أنه عجبك، طالما عجبك يبقى هيعجب اللي اشتريته ليها طبعًا أصلها زيك مبيجبهاش العجب. في براءة هتفت ضاحكة: طب ما تقولى مين دي والخطوبة امتى علشان أجهز نفسي. هتف بنعومة:

هتعرفي متستعجليش على رزقك وهتجهزي نفسك كمان اصبري بس، المهم دلوقتي تشيلي الخاتم ده علشان لما آجي أخده. انتصبت جالسة وهي تضع ساق فوق الأخرى وتجيبه بغرور: تدفع كام وأديهولك! طفق يقول في تهديد واضح يحمل القليل من المرح: أسمه بلاش تتنصحي عليا بدل ما أقلع اللي في رجلي وأديكي بيه، يا نتنة ياللي مستخسرة فيا فنجان القهوة. هاجت بركانيها وثارت لتهتف في وعيد مغتاظة:

أنا نتنة، ماشي يامروان ابقي شوف مين هيديك الخاتم بقى علشان تديه لحبيبة القلب ده أنا هذلك ذل عليه اصبر علي. لم تمهله ثانية حتى ليجيبها فأنزل الهاتف من على أذنه وهو يضيق عينيه بدهشة، فترتسم الابتسامة على ثغره في عشق.

استيقظت من نومها في صباح يحمل الفرج، يحمل كل شيء جميل بالنسبة لها. في كل مرة تقول ستشرق الشمس ولكن يخيب ظنها في الأخير ولكن هذه المرة تشعر وأن الشمس ستشرق من جديد بالفعل. ستعيد النور إلى داخلها المظلم وقلبها الهالك على أيدي الحيوانات المفترسة. سئمت العيش من كونها ضعيفة دائمًا تضحي بما تحبه لأجل الآخرين أو بسبب خوفها منهم. قررت وحسمت القرار أنها ستوافق على عرضه. تريد قربه، تريد أن تشعر به بجانبها دومًا. عندما تلوذ يكون هو أول من تلوذ له، يكون سندها، عمودها الصامد التي تستند عليه في أوقات انهيارها. إن كان ترددها لسبب فسيكون لخوفها عليه وليس للخوف من أحد.

نهضت من فراشها وذهبت إلى المرحاض لتأخذ حمامًا دافئًا تترك المياه تنهمر على جسدها وتنعشها وتزيل أرقها وتعبها. وعند خروجها كان الهاتف يعلن اتصال صاحب الحديث اليوم لتجيبه بخفوت: ايوة يا أُسيد! بصفاء وعذوبة تمتم: صباح الخير. هتفت: صباح النور. تحولت نبرته إلى الجدية البسيطة مغمغمًا بتساؤل: فكرتي في اللي قولتهولك امبارح بليل؟ أومأت برأسها وهي تجيبه بحسم امتزج ببعض الاستحياء: ايوة فكرت، مـ.. احم، موافقة يا أُسيد!

ارتفعت الابتسامة إلى ثغره وكأنه كان على ثقة أنها ستوافق وأجابها بصوت رجولي قوي: تمام جهزي نفسك يلا علشان هاجي آخدك ونروح نكتب الكتاب وخلي زمردة كمان تجهز. صاحت بصدمة في توتر: كتب كتاب بسرعة كده يا أُسيد، وبعدين هو مش موضوع سهل لازم يكون فيه شهود وموضوع كبير. بخشوع تام وابتسامة التمستها في صوته:

ولا كبير ولا حاجة ياملاك، أنا مجهز كل حاجة وبعدين إننا نسرع ده في صالحنا لأني مش ضامن ممكن يعمل إيه أكرم ده تاني لو اتأخرنا أكتر. هزت رأسها بالموافقة وهي تجيب مجبرة على الموافقة على ذلك الزواج السريع. ما زالت لم تهيء نفسها لمقابلة كل من أسمي وزوجة عمها. تمام يا أُسيد هجهز نفسي وأرن عليك!

ضمت كفيها إلى صدرها، تقيس نبضات قلبها المتسارعة. أحيانًا كثيرة يستشعرها عقلها الباطن أنها داخل دوامة حلم لا ينتهي حتى يهلكها. والآن تحس أن هذا الحلم غير مساره من اليسار إلى اليمين، من كابوس تحول إلى حلم تتجسد فيه كل أشكال السعادة والطمأنينة التي ستحظى بها بقربه. لا تريد استباق الأحداث قبل حدوثها، تود أن تُفاجأ بكل حدث جميل سيقابلها فيما بعد. في تلك اللحظات لا يمكنها فعل شيء سوى التضرع إلى الله ودعائه. فلبت ما أمرها به عقلها ورفعت يدها تتضرع بالدعاء إلى الله في نفس مطمئنة تدعو من صميم قلبها وثقة تامة في استجابة خالقها.

"يالهي إن كان هذا الزواج شرًا لي فأصرفني عنه وإن كان خيرًا فأجعل لي منه نصيبًا، أمرتنا بالدعاء ووعدتنا بالاستجابة ولدي ثقة تامة في استجابتك، أخرجني من هذا الوحل الذي تلطخت به منذ سنين، كن معي ولا تتركني بمفردي، أنك أنت العليم بذات الصدور وما تخفيه الأنفس في جوفها."

بدأت بالفعل في ارتداء ملابسها الفضفاضة وتجهيز حقيبة ملابسها وإذا بها تذهب إلى زمردة في غرفتها فتوقظها من نومها بحرص وحذر، فتلوح بيدها بخنق طالبة أن تتركها وشأنها وتجعلها تكمل نومتها ولكنها وثبت واقفة كالذي لدغته عقرب عندما صكت سمعها كلماتها وهي تقول بهدوء تام: أسيد اتصل بيا وأنا قولته موافقة وقالي هنكتب كتب الكتاب دلوقتي وأنا لبست وجهزت نفسي وأنتي قومي يلا جهزي نفسك لأني مستحيل أسيبك وحدك مضمنش أكرم ممكن يعمل إيه؟

فركت عيناها بعدم استيعاب هاتفة بذهول: دلوقتي علطول يعني، لا لا أُسيد ده مستحيل يكون طبيعي، ماشي أنتي وافقتي وتمام بس مش بالسرعة دي! يلا البسي يازمردة مش وقته الكلام ده، هو يمكن يكون على وصول أساسًا.

هزت رأسها مرات متتابعة بحماس يكاد يصيبها بالجنون وهي تندفع نحو المرحاض لتجهز نفسها وتخرج ترتدي ملابسها، فتسدير ملاك وتعود إلى غرفتها. منهم من يصيبه الحماس لحد الجنون ومنهم من أدركه التوتر والإرباك واستدرجها إلى متاهة عجزت عن الخروج منها. عقلها الصغير ذو العقلية الطفولية التف حوله التوتر والخجل والارتباك في لفيف من القيود التي تمنعها عن التفكير بأي شيء وتوقفه عن العمل.

ما يقارب الساعة حتى أمرها بالنزول وأنه في انتظارهم بالأسفل. فعلت ما أمرها به في طاعة. استقلت بالسيارة بجواره واتخذت زمردة مقعدًا لها في الجزء الخلفي للسيارة. ثم انطلق إلى مكتب المأذون الذي سيعقد زواجهم. كان بإنتظارهم هناك مراد يبدو أنه سيكون أحد الشاهدين على الزواج. وسرعان ما بدأوا بأجراءات الزواج وانتهى كل شيء على سنة الله ونبيه وكما يرضيه لينتهي بقول المأذون مبتسمًا بصفاء: بارك الله لكم وجمع بينكم في خير.

وتلقوا المباركات من المأذون بصدر رحب ثم خرجا. ود مراد أن يبارك لأخيه على زواجه ولكنه يعلم أنه ليس سعيد بهذا الزواج فقد قام به فقط حتى تكون في حمايته ولا يستطيع أحد أذيتها. ما زال لم يتقبل وفاة رفيقة دربه قلبه يزرف الدماء لفراقها كيف له أن يتزوج ويعيش حياة سعيدة. عكس ما ظهر على وجه ملاك من معالم السعادة التي تحاول إخفائها تحت قناع أن ذلك الزواج لم يكن سوى لحمايتها وأنه سينتهي قريبًا.

سحب مراد أُسيد من يده إلى زاوية بعيدًا عن مسامعهم ليقول بجدية طاغية: مش شايف أن جوازك من غير ما ماما تعرف هيصعب الموضوع وأنك تحطها تحت الأمر الواقع هيعقد الأمور أكتر. أنا الصراحة مش صعبان عليا غير المسكينة ملاك اللي هتتاخد في الرجلين وسط أمك وأسمي. ربت على كتف أخيه بنظرات هادئة وناعمة وهو يقول بنظرة كلها ثقة: متقلقش أنا حاسب حساب كل ده، ثم إني مش متجوز ملاك عشان أبهدلها معايا.

طالعت بعدم حيلة امتزجت بابتسامة دافئة. كانوا الفتيات يراقبوا حديثهم وبالأخص زمردة التي كالعادة كانت مراقبتها لهم بدافع الفضول. أما ملاك فكان حديثهم المنفرد يزيدها توتر وخوف من القادم. أعادها إلى الواقع صوته وهو يقول مشيرًا لهم بيده: يلا عشان نمشي؟

تحركت نحوه بخطوات بطيئة، استحوذ على قسمات وجهها البريئة حالة من الزعر والخوف. تغير لون وجهها إلى الاصفرار فجأة وبدأت الرؤية تصبح ضبابية أمامها. دوار شديد داهمها لولا استنادها بيدها على الحائط لكانت في الأرض. يحاولون إفاقتها. أخفضت رأسها أرضًا مغمضة عينيها، ساكنة تمامًا ثابتة في أرضها منتظرة تحررها من تلك الدوامة التي سببت لها الدوار والأرق. فتحت عينيها بضعف على صوته التي التمست فيها نبرة القلق:

مالك ياملاك أنتي كويسة، أخدك ونروح للدكتور! هزت رأسها بنفي قاطع مجيبة بصوت مبحوح: لا أنا كويسة بس دوخت شوية! أتاها صوت زمردة الذي لا يختلف عن أسيد زيادة عنه ببعض الغضب: لازم تدوخي مش نايمة على الفجر ومأكلتيش حاجة من امبارح، اقعدي وهروح أجيبلك حاجة تاكليها.

أحست زمردة بقرصة منها في ذراعها تحسها على الصمت رامقة إياها بنظرة نارية ترغمها على الصمت فقد فتحت عليها أعاصير غضبه الآن بمعرفته عن امتناعها عن الأكل وبالتالي عن تناول الدواء. رأت في عينيه نظرة متقدة ملتهبة تعرفها جيدًا شعرت بحلقها أصبح مرًا كالعلقم وهي تبتلع ريقها. أخيرًا تحدث الأخير بصوت أجش: امشي ياملاك وفي البيت نشوف موضوع الأكل ده!

دقات قلبها تسارعت بخوف من براكينه وبطشه ولكنه لم يمهلها الوقت لتتفرغ إلى نفسها وتشعر بالخوف أكثر، فانتفض جسدها وكأنها لمستها كهرباء وهي واقفة في وسط الماء حين أحاطها بذراعيه من كتفيها يساعدها على السير. سارت معه على استحياء تخطف نظرة سريعة إليه في حب من آن إلى آن حتى توقفا أمام السيارة فنظرت إلى زمردة قائلة: أنتي مجبتيش شنطتك ليه يا زمردة مش هتيجي معانا! هزت رأسها نافية باعتذار مهذب:

لا ياملاك مش هاجي.. آجي ليه أصلًا أنا هروح البيت آخد شنطتي وهرجع بيتنا! ألقت نظرة إلى زوجها نظرة ساخطة وهي تقول له منفعلة: اتكلم معاها أنت علشان لو أنا اتكلمت هبهدلها في الشارع. خرج صوته الرجولي في حزم: مينفعش يازمردة تقعدي لوحدك في الوقت ده بذات قبل كده أنتي كنتي بتقعدي لوحدك لأن مفيش حاجة ممكن تأذيكي لكن دلوقتي فيه. هزت كتفيها لأعلى في عبوس قائلة:

عارفة يا أُسيد بس صدقني مش هرتاح لو قعدت هناك الأفضل أني أقعد في بيتنا متقلقوش عليا. تحدث مراد إليهم في نبرة رزينة مغمغمًا: خلاص متضغطوش عليها أنا هشدد الحراسة قدام بيتهم ومفيش حاجة هتحصل. اندفعت تصيح ملاك بنبرة شبه مرتفعة في استياء: مهو كان فيه حراسة برضوا يامراد لما دخل أكرم البيت وهددني، أكرم أنا عارفة كويس أنه مش أنا هدفه يعني مش عايز يأذيني أنا عايز يأذي ريان وأُسيد وزمردة. همس لها أُسيد بصرامة في

نظرة مشتعلة أوقعت بقلبها: وطي صوتك ياملاك إحنا مش في البيت. أخذت تغرز الأرض بكعب حذائها والنيران تجعل كل خلية في جسدها تغلي فيزداد غليانها حين وجدته يهتف إلى مراد قائلًا: خدها وصلها البيت يامراد واعمل اللي قولتك عليه. فيشير لها مراد بيده نحو السيارة مبتسمًا فتلبى طلبه في طاعة وتصعد بالمقعد المجاور له فيستقل هو بجوارها وينطلق بها كالسهم يخترق الحشود. رمقته ملاك شرزًا لتنفجر به في عصبية:

إزاي تخليها تمشي لوحديها على أساس أنك غصبت عليا ومخلتنيش أقعد في بيتنا لوحدي سبتها ليه ولا هي عادي تحصلها حاجة لكن أنا لأ. رأت بعينيه نظرة استقرت مخيفة بل مرعبة فتوقعت سببها من تلك الطريقة التي تحدثه بها. التزمت الصمت جاهدة في عدم إظهار ارتياعها ليهمس هو بصلابة: مسبتهاش لما تهدى هكلمها وأشوف حل معاها، واخر مرة تتكلمي بالطريقة دي اركبي يلا العربية!

صاحب الحالة المزاجية عاد من جديد، عادت طريقته التي تجعله شخصًا تخشاه كأنها ترى وحشًا أمامه. بدأت تتفهمه قليلًا وعرفت أيضًا أنه في الوقت الذي يحادثها فيه بجفاء يكون هناك ما عكر صفوه قبل أن يقابلها فتلتمس له العذر بعض الشيء وتبتعد عنه حتى لا ترى بركانًا يخرج حممه لتدمر الأخضر واليابس. صعدت بالسيارة بدون أن تتفوه ببنت شفة.

ترجلت من السيارة أمام منزلها الجديد الذي لن يكون ذا اختلاف عن سابقه فيزداد توترها ورعبها أكثر. ودت لو تقبض على يده وتتشبت بملابسه تسلب منه بعض القوة، تمنت عناقًا دافئًا منه يعيد لها شجاعتها المسلوبة ولكن خجلها كان حاجزًا كحاجز الماء والنار يمنعها عنه أو بالكاد هو الذي يصنع ذلك الحاجز. خطت عتبة المنزل ودخلت لتقابل أسمي وزوجة عمها كأول مرة قابلتهم بها على تلك العتبة وكأن الأيام تعيد نفسها ولكن بظروف أصعب وأكثر قسوة. اتضح ذلك عندما

وقفت ليلى تقول مستنكرة: إيه هي الضيفة جات تاني ولا إيه! بثبات وصوت قوي استطرد: مبقتش ضيفة يا أمي بقت صاحبة بيت يعني بقى بيتها! عادت لسخريتها وهي تقول مبتسمة: إيه لتكون كتبتلها البيت من غير ما نعرف كمان يا أُسيد! اخترق صوته مسامعهم كالرعد، ولكن الكلمات كان وقعها أكثر كالصاعقة التي أحرقهم في أرضهم، أو أشبه بوقف الزمن! لا بقت مراتي!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...