الفصل 2 | من 13 فصل

رواية أشلاء القلوب الفصل الثاني 2 - بقلم ندى محمود

المشاهدات
18
كلمة
3,946
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

ظلت تصرخ وتبكي بشدة محاولة الفرار منه دون فائدة حتى تراخت قواها تدريجياً وفقدت وعيها والدماء تسيل من فمها وأنفها. تسمر بأرضه في خوف عندما رآها هكذا وانحنى إليها ليهز جسدها بقوة هاتفاً: "ملاك! انتي سمعاني؟ لم يجد رداً منها، فأسرع ووضعها على الفراش جيداً وحاول بكل الطرق ليفيقها. وبعد دقائق فتحت عيناها ببطء، وبمجرد ما رأته أمامها انتصبت في جلستها وهي تثب جالسة وتصيح به ببكاء:

"ابعد عني متقربش مني، حسبى الله ونعم الوكيل فيك! قابل عبراتها وصياحها ببرود مستفز متمتماً: "ده عشان تفتكريني كويس لما تحاولي تهربي تاني." همت واقفة وهي تصرخ به في صوت مرتجف ممزوج بدموعها الحارقة: "انت بتعمل معايا كده ليه؟ أنا أذيتك في إيه؟ أنا مش عايزة منك صدقني وبتمنالك تعيش عيشة سعيدة وجميلة انت ونيرة بس بعيد عني، بعيد عني يا أكرم طلقني ومش هتشوف وشي تاني صدقني!

وقع نظره على منديل موجود فوق سطح المنضدة الصغيرة، فتناوله باسمًا واقترب منها بشدة. فشهقت بفزع عندما وجدته يلف ذراعه حول خصرها ويجذبها إليه بعنف هامساً بنظرات شيطانية وجريئة ونبرة ماكرة:

"مقدرش أطلقك يا ملاك وإلا أبقى راجل غبي لما أطلق واحدة في حلاوتك دي، ومن جهة المقارنة فأنتي متتقارنيش بنيرة أبداً في الحلاوة والشكل، لأنك تتحلي من على حبل المشنقة كلمة قليلة عليكي. وأنا ما يهونش عليا أضيع الحلاوة دي كلها من إيدي. لأني من البداية اتجوزتك لأنك عجبتيني بس انتي كنتي ساذجة جداً لدرجة أنك صدقتي بكل سهولة إني بحبك ووافقتي تتجوزيني، انتي هنا عشان تخدميني وبس وتلبي رغباتي مش أكتر وشيلي الطلاق ده من دماغك لأنك مش هتنوليه."

انحنى ليطبع قبلة على جانب ثغرها، اشمأزت هي منها. ثم همس بنبرة ذات معنى وهو يمد يده ليمسح نقاط الدماء من على جانب ثغرها الآخر: "اخص عليا إيه القسوة دي، حد يضرب القمر ده كده! كانت تحدقه بنظرات منكسرة وأعين دامعة، فدفعته بعيداً عنها صائحة به: "اطلع بره، اطلع! تنهد الصعداء باحتجاج وخرج. أما نيرة التي كانت تستمع إلى حديثهم، ركضت إلى غرفتها فوراً لتحتضن فراشها وكأنها لم تسمع شيئاً. وبداخلها أعاصير تدمر كل شيء:

"أيفضل تلك الشمطاء عليها، هل هي قبيحة إلى تلك الدرجة مقارنة بها؟ أخذت تطقطق أصابعها بغيظ وهي تهمس بنبرة تحمل في طياتها الوعيد: "ماشي يا أكرم مبقاش أنا نيرة أما وريتك و خليتك تلف حوالين نفسك، أما ملاك فأنا عارفة هعمل إيه معاها كويس أوي! *** طرق الباب عدة طرقات، ثم دخل ليجدها نائمة في فراشها بثبات. تقدم نحوها وجلس على حافة الفراش بجوارها. ثم مد يده ليمسح على شعرها برقة هامساً بصوت هادئ: "أسمى.. أسمى!

فتحت عينها وتمتمت باسمة برقة عندما رأت أخيها: "نعم يا أسيد." في صوت متحشرج أجابها: "قومي يا حبيبتي عايز أتكلم معاكي! تسارعت نبضات قلبها فور نطقه بهذه الكلمات، وأغمضت عينيها فوراً متصنعة شعورها بالنعاس الشديد وهي تجيبه بنعاس: "خليها بكرة يا أسيد عليا النوم أوي دلوقتي! في صوت رجولي مخيف غمغم: "انتي سمعتي قولت إيه صح! قومي يلا.. اغسلي وشك كده عشان تفوقي معايا أنا وبكلمك." اعتدلت في جلستها ببطء على مضض وهي تردف:

"أنا فاية كده قول عايز تتكلم معايا في إيه! خرج صوته الخشن متسائلاً في حدة: "اللي ورا اللي حصل ده معتز ولا لا؟ في صوت مرتبك وقلق تشدقت قائلة: "أسيد أنا كويسة انت ليه... صاح بها في صوت جهوري جعلها تنتفض جالسة: "أنا سألت سؤال واضح يبقى تجاوبي على قد السؤال.. هو ولا لا؟ يماءت برأسها في نظرات زائغة، فهب واقفاً وكان سيندفع للخارج ثائراً لولا يدها التي قبضت على ذراعه وهي تهتف بتوسل:

"أسيد أبوس إيدك بلاش تتهور أنت الفترة دي مضغوط أساساً وممكن تعمل أي حاجة وأنت مش حاسس وتندم عليها بعد كده، وبعدين أنت مش هتلاقي معتز حتى لو حاولت لأني اللي أعرفه على حسب ما قالي أنه هيسافر النهاردة." دفع يدها بعنف بعيداً عنه وغادر الغرفة، فقابل مراد في وجهه الذي قابله باستغراب من هيئته، فوجده يطفق بصلابة: "تعالى ورايا يا مراد عايزك! هز كتفيه بتعجب وهو يمط شفتيه وسار خلف أخيه في ريبة بالغة حول أمره. ***

داخل مكتب أسيد الخاص. كان يسير ذهاباً وإياباً مشتعلاً بنيران السخط وهو يهتف: "مراد أنت كان ليك علاقة مع معتز قوية عني، متعرفش أي حاجة عنه! في صوت هادئ وبداخله القوة والغضب: "وهو أنا لو كنت أعرف كنت قعدت قدامك القعدة دي، ما كنت رحت وشربت من دمه! بس مش هيروح مني بعيد لأني أعرف أغلب الرجالة اللي بيتعامل معاهم وقريب أوي هقولك تعالى لو عايز تصفى حسابك معاه بعد ما أصفى حسابي الأول!

ضرب بقبضة يده الفولاذية على الحائط وهو يشتعل غيظاً، فجلس الأخير على الأريكة بارتياح ليهمس بدهشة بعد أن فكر ملياً لبرهة من الوقت: "تفتكر يا أسيد إنه ليه علاقة بفرع الشركة اللي اتحرق في لندن! تنهد الصعداء ببرم متشدقاً: "أفتكر مفتكرش ليه! وكله بيضاف لحسابه معايا بداية من اللي عمله مع مريم الله يرحمها ونهاية بأسمى أهي.. أنا مغلطش لما قولت عليه مش راجل!

إنه يصفى حساب الرجالة مع الحريم يبقى مش راجل، وإن شاء الله هاخد روحه لما يقع تحت إيدي! نهض مراد من مقعده ليربت على كتف أخيه بخشوع قائلاً بضيق: "بكلامك ده لو لقيته وحبيت أقولك مش هقولك، اهدى كده يا أسيد أنت أعصابك تعبانة من ساعة موت مريم اللي يرحمها، اهدى واسترخي كده وخلينا نفكر بطريقة ناخد حقنا منه وفي نفس الوقت نخلص منه من غير ما ندخل في سين وجيم." خرج صوته الجهوري هز أركان الغرفة: "انت بتتكلم من عقلك!

سبق وحاول يعتدي على مراتي ويخطفها ودلوقتي حاول يقتل أسمى وغير مصايبه التانية، ده أنا هتفنن في قتله يا مراد كده كده مبقاش في حاجة أخاف عليها، مراتي وابني خسرتهم الحمد لله يعني سواء اتسجنت أو اتعدمت مش هتفرق." ماء برأسه بتفهم وفي نبرة متغطرسة أجابه: "مش بقولك أعصابك تعبانة ومحتاج ترتاح، اطلع ارتاح يا أسيد أنت منمتش ليك يومين ونتكلم لما تهدى." *** مع إشراق شمس يوم جديد. ربت محمد على ظهر حفيده وهو يعانقه قائلاً:

"شد حيلك يا ولدي، أوعى تنحني ولا تنكسر.. ومتنساش تقولي لو عرفت حاجة عن المحروق ده معتز! هز رأسه بموافقة ثم اتجه وعانق مراد كذلك مودعاً إياه وتلقوا سلامهم أيضاً من عمه باستثناء ريان ومروان! فتهتف مروان بشيء من المزاح بالصعيدي: "ملوش لزوم إحنا عاد نسلم كلها يومين وراجعين تاني! بادله مراد مزاحه مجيباً باللهجة الصعيدي: "وليه تتعب روحك خليك عندك واحنا بذات نفسنا هنيجيلك!

قهقه الجميع بقوة باستثناء أسيد الذي كان يتابع حديثهم بوجوم تام، فنظر ريان إلى شقيقته وهتف قائلاً بخشونة: "هتيجي معانا ولا لا يا سارة؟ هزت رأسها نافية لتردف برقة: "لا هقعد مع أسمى كام يوم لغاية ما أطمن عليها وتبقى كويسة." خرج صوته ثروت القوي مغمغمًا: "خلاص سيبها يا ريان خليها تقعد مع بت عمها لغاية ما تبقى زينة وتتعافى."

انضمت إليهم أسمى أخيراً التي كانت تسير على عصا طبية تتعكز عليها وتسير ببطء نحوهم حتى وصلت لجدها، فعانقته بحرارة وكذلك عمها مودعة إياهم واكتفت بمصافحة كل من ريان ومروان الذي نظر لها بعينين دافئتين تحمل في طياتهما معاني جمة! ابتعد ريان عن حشدهم بل عن مسمعهم تماماً حيث لا يستطيع أحد سماعه، ليجيب على الهاتف في ترقب: "الوو، عملت إيه؟

"عرفت بيت الراجل اللي قولتلي عليه يا ريان بيه، بس مش متأكد إذا كنت هتلاقيه في البيت ده ولا لأ." غمغم في نبرة رجولية مستاءة: "اخلص هات العنوان ملكش دعوة! أمله العنوان، فانهى معه الاتصال فوراً ونظر لهم هاتفاً على عجالة: "أنا رايح مشوار سريع امشوا وأنا هحصلكم على البلد." تهتف ثروت في حيرة من أمره: "على وين أكده ومشوار إيه اللي ظهر فجأة ده! لم يجبه بل صعد بسيارته وانطلق بها بسرعة البرق وسط نظرات الجميع المتعجبة له. ***

طرقت الباب ودخلت، فقد كانت جالسة على أحد المقاعد بسكون لا حياة فيها كالإنسا ن الآلي، تحدق في كل شيء بعدم اهتمام وعقلها يفكر في آلاف الأشياء. فتقدمت نحوها وجلست على الفراش متمتمة بمكر أنثوي: "كنتي استعنتي بصديق قبل ما تعملي كده يمكن كنتي نجحتي في اللي عايزاه! ثبتت ملاك نظرها عليها بقوة هاتفة بجدية: "قصدك إيه يعني؟ اعتدلت في جلستها أكثر لتضع ساقاً فوق الأخرى وتطفق في غرور جلي امتزج بلؤم زائف:

"يعني لو كنتي طلبتي مساعدتي مكنتش هقولك لأ وكان زمانك دلوقتي هربتي من زمان! رفعت حاجبها بنظرات شائكة لتهلس بترقب في فضول: "انتي عايزة إيه بالظبط يا نيرة؟ قهقهت بأنوثة طاغية وهي تهتف باستهزاء: "هو أنا عارفة أنك ساذجة بس مش أوي كده يا ملاك يعني، بصي يا ستي أنا عايزة أساعدك في أنك تهربي بس مش حبًا فيكي أكيد لا، ده بس لأني عايزة أحافظ على جوزي وشايفة أن وجودك عائق وزي ما تقولي عايزة أربيه شوية برضه."

انتصبت ملاك في جلستها لتهتف بنظرات دقيقة ومترددة: "وأنا إيه اللي يضمنلي أنك متقوليش لأكرم أو تأذيني؟ في نظرة متقدة كلها ذكاء أجابتها وهي تهب واقفة: "لأني زي ما قولتلك وجودك هنا مش راجع بأي فايدة ليا وملقتش حل إني أخلص منك غير إني أساعدك تهربي. أنا معايا نسخة من باب أوضتك لما يطلع أكرم بليل هفتحلك الباب وتكوني مجهزة حاجتك وكل حاجة عشان أول ما أفتحلك تمشي علطول قبل ما يرجع ويحصل زي ما حصل امبارح!

كانت تتطلع إليها بحيرة من أمرها، إلى ماذا تخطط ياترى تلك الخبيثة؟ ولكن كل ما يهمها الآن أنها ستساعدها في التخلص من هذا العذاب المر، فأومأت برأسها لها بإيجاب لتستدير نيرة وتنصرف تاركة إياها مستغرقة في التفكير العميق حول ما قالته وهل يمكنها الوثوق بها أم لا. ***

ترجل ريان من سيارته أمام إحدى المباني الضخمة، تتكون من ما يقارب العشرة طوابق. رفع نظره لأعلى يتفحص المبنى بتدقيق ومن ثم قاد خطواته الثابتة نحو الداخل تجاه المصعد الكهربائي الذي فوجئ بوجود فتاة به. كانت ملابسها محتشمة مناسبة لسنها. بمجرد ما رأته ارتبكت وتراجعت للخلف لتفسح له مجال للدخول، فتراجع هو للخلف مغمغمًا بصوت رجولي هادئ: "اتفضلي أنا هطلع على السلم!

وفي ظرف لحظة صعد على الدرج في عجالة، كانت ملابسه تتميز بلمسة رجولية جذابة كلها وقار وهيبة، ملامحه الوسيمة والمريبة في ذات اللحظة، صوته الخشن والقوي كانت كلها أسباب تجعل أي فتاة تفتن به. وقف أمام أحد المنازل وضغط على الجرس عدة مرات ولكن دون إجابة، فوجد المصعد يتوقف وتخرج منه تلك الفتاة لتتجه لمنزلها في الشقة المقابلة له، فاستدار لها وهتف بهدوء: "هو مفيش حد هنا ولا إيه؟ توقفت واستدارت له لتهتف بجدية تامة:

"هو حضرتك عايز مين بالظبط؟ انتصب في وقفته بوقار ليجيبها في جمود: "في واحدة اسمها فردوس ومعاها بنت مش المفروض إنهم ساكنين هنا." تمتمت الفتاة بأسى: "لا طنط فردوس اتوفت من حوالي أربع شهور وملاك اتجوزت بس معرفش عنها حاجة للأسف من ساعة ما اتجوزت." "متعرفيش اللي اتجوزته ده مين، بيته فين أي حاجة؟ هزت رأسها نافية بأسف متمتمة: "لا للأسف معرفش غير إن اسمه أكرم! أخرج كارت صغير من جيبه ليناوله لها قائلاً بصلابة:

"طب ياريت لو عرفتي أي حاجة عنها تتصلي بيا، اتفضلي هتلاقي رقمي هنا." تناولت من يده الكارت وحدقت به لتجده كارت خاص بالعائلة وعملهم وبالأسفل وجدت اسمه، فقرأته بخفوت "ريان ثروت محمد الصاوي" لترمقه بدهشة هاتفة: "أنت ابن خالها! أماء برأسه لها في إيجاب فمدت يدها بالكارت مجدداً تعيده له متشدقة بحزم: "اتفضل معلش أنا مش هقدر أقولك حتى لو عرفت حاجة عن ملاك! أصدر تنهيدة حارة ليخرج زفيراً متهملًا وهو يجيبها بخشونة

بعد أن اتضح الأمر أمامه: "واضح إنك عارفة كل حاجة! متقلقيش أنا مش عايز أذيها ومش بفكر في ده من أساسه عشان كدا أتمنى إنك تقوليلي لو عرفتي حاجة! وللعلم ملاك ذات نفسها تعرفني كويس." وسرعان ما رحل من أمامها كالطيف وهي متصلبة تحملق في ذلك الكارت بتوتر لتهز رأسها بنفي قاطع هاتفة: "مستحيل أخليهم يوصلوا لملاك إيه اللي يضمنلي يعملوا فيها إيه ما يمكن يقتلوها زي ما قتلوا باباها! ***

أستل الليل ستائره ليبسط القمر ردائه في السماء ينير الظلام الكاحل. بينما في وسط ذلك الظلام الدامس كان يجلس على أريكة هزازة في حديقة المنزل وبيده سيجارة يستنشق الدخان وينفثه على تهمل في جمود تام. سارت ليلى نحوه في خطوات شبه هادئة حتى توقفت أمامه لتهتف في صوت شبه غاضب: "ايه يا أسيد انت من امتى بتدخن أصلاً؟ في صوت أجش غمغم بحدة: "ادخلي جوا يا أمي من فضلك وملكيش دعوة بيا، سيبيني وحدي!

جذبت من يده السيجارة بعنف وألقتها على الأرض لتدعسها بقدمها صائحة به: "أسيبك تدمر صحتك يعني، مش كفاية أخوك اللي رميت توبته من زمان كمان انت! عارفة وحاسة بيك بس مش أنت وحدك اللي زعلان على مريم كلنا زيك وحد الله كده يا حبيبي أنت من ساعة اللي حصل مش بتاكل غير لقمتين وبتقعد عليهم اليوم كله وعايز تشرب سجاير كمان." انتصب واقفاً على قدميه ليهتف بخفوت مرير ونظرات تحمل في طياتها الألم:

"عمرك ما هتحسي بيا لا انتي ولا غيرك، لأن باختصار محدش عارف مدى النار اللي بتحرق في روحي بالبطيء. أنا متجوز من خمس سنين ولفينا أنا ومريم على دكاترة مصر كلها ومكفناش وسافرنا بره مصر عشان ربنا يكرمنا وبعد انتظار خمس سنين خسرت ابني اللي مستنيه ومراتي، الحمد لله على كل حال طبعاً بس متقوليش إنك حاسة بيا يا أمي."

أنهى كلماتها واندفع من أمامها ليتجه نحو سيارته وسط صياحها عليه المتتالي وهو غير مبالٍ لها فقد استقل السيارة وأنطلق كالبرق. تأففت بضيق وتمتمت: "ليه يابني بتعمل كده بس في نفسك! يارب استرها علينا يارب.. ربنا يهديك يا حبيبي! ***

نهض من الفراش ليرتدي بنطاله فقط ويترك صدره عارياً. جذب قداحته من أعلى المنضدة واشعل سيجارة ثم وضعها بين أسنانه، وخرج للشرفة ليجعل الهواء النقي يتخلل بين ثنايا صدره. فجذبت هي الملاءة على جسدها لتسترها وتناولت "الروب" الخاص بها وارتدته ثم نهضت واتجهت له وهي تهمس: "مالك يا بيبى؟ حدقها بنظرة استحقار قائلاً: "مليش هيكون مالي يعني! التصقت به لتخلل أصابعها بين شعره الغزير متمتمة بدلال أنثوي:

"هو أنت مش ناوي نتجوز ولا إيه يا مراد، أنا نفسي نبقى مع بعض علطول." أزاح يدها عنه بهدوء هاتفاً بابتسامة متغطرسة في نظرة وضيعة: "نفسك تبقي معايا ولا مع فلوسي! رمقته في نظرة متوترة قليلاً وفوراً هتفت بتصنع الغضب والانفعال: "إيه اللي بتقوله ده يا مراد أنا عمري ما فكرت كده، أنت عارف كويس أوي إني بحبك بجد! ارتج المكان بصوت ضحكته الرجولية وهو يجيبها ساخراً: "لا والله بتحبيني!! يااه تصدقي أول مرة أعرف الخبر ده!

بلاش نحور على بعض يا ميار لأننا الاتنين عارفين كويس أوي انتي عايزة إيه من ده كله، فـ أنا بقترح أن خلينا نستمتع مع بعض كده أفضل وأنا هفضل عامل نفسي عبيط.. لأن الجواز ده من سابع المستحيلات! لينحني ويطبع قبلة طويلة على وجنتها مغمغمًا بنبرة شيطانية: "ولا انتي إيه رأيك يا حلوة؟ أطالت النظر إليه بصمت في نظرة ملتهبة تنم عن طوفان عاتٍ بداخلها!

بينما هو فدخل إلى الداخل وأكمل ارتداء ملابسه ثم جذب مفاتيح سيارته وهاتفه وأنصرف تاركاً إياها تشتعل من الغيظ وتتوعد له! *** كانت ملاك انتهت من تجهيز حقيبة ملابسها للذهاب كما اتفقت معها "نيرة" ودقائق معدودة وفتحت لها الباب وهي تهتف باسمة: "يلا اطلعى أنا عملت اللي ميتعملش عشان آخد المفتاح بتاع الأوضة من أكرم من غير ما يحس." حملت حقيبتها على يدها واقتربت منها وهي تغمغم شاكرة إياها بنبرة ممتنة:

"شكراً يا نيرة بجد مش هنسالك اللي عملتيه ده معايا! في خفوت تام بنبرة شبه باردة أجابتها: "العفو، مع أني عملت كده عشان فيه مصلحة ليا طبعاً بس برضه منكرش أنك صعبتي عليا بعد اللي عمله معاكي امبارح، يلا امشي بسرعة قبل ما يرجع." أومأت برأسها بإيجاب وسرعان ما هرولت من أمامها مغادرة المنزل، تاركة خلفها عذابها في ذلك المنزل اللعين الأشبه بجهنم! ***

ظلت تسير في الشوارع بدون هدف محدد، بين سدول الظلام وعكرة الليل تلك التي لا يقال عنها سوى كائن من كائنات الله اللطيفة التي يجب حفظها داخل صندوق زجاجي حماية لها من الأذى والانكسار ولكن هيهات فلن تصبح الحياة حياة بدون ألم وانكسار. كان الهواء بارداً والجو صقيع فقد كانت ترتجف من البرد لدرجة أن أسنانها تحتك ببعضها، تخشى الذهاب لمنزلهم فيذهب لها وهي أمام بطش ذلك الحيوان لا شيء، حتى صديقتها فلن تستطيع حمايتها منه ولا تريد أن تعرضها للأذى. قضت شطرًا من الليل وهي تسير بدون هدف حتى تعبت من كثرة المشي فجلست في أحد الأماكن المعزولة عن أنظار الناس وأسندت رأسها على الحائط، تاركة العنان لدموعها

بالسقوط متذكرة أمها: "ملاك ياحبيبتي أنا أكيد هييجي يومي عاجلاً أم آجلاً وأنا حاسة إنه قرب، لو حصلي حاجة روحي لجدك وخلانك مظنش أن جدك هيكرهك انتي كمان زي ما بيكرهني هو واخواتي."

في عينين ملتهبتين أجابتها: "لو آخر ناس في الدنيا يا أمي مش هلجألهم في وقت محنتي، مكنش رحيم على بنته هيبقى رحيم عليا أنا، شافك وأنتى بتتعذبي وعارف إن حالتك خطرة ولما بعتله أطلب منه مساعدة في مصاريف علاجك شوفتي قال إيه، كفاية إنهم السبب في موت بابا الله يرحمه.. انتي غلطتي آه في اللي عملتيه بس متوصلش للقتل يا ماما.. أنا الناس دول مش عايزة منهم أي مساعدة! لامست على شعرها بحنو متمتمة: "ربنا يكرمك يا بنتي ويحفظك يا رب."

انكبت على وجهها وجعلت تبكي بكاءً مراً، حيث نخر الحزن قلبها بلا هوادة بسبب تلك الذكريات الأليمة مع أمها وأبيها الذي لم تراه فقد قتل قبل ولادتها. مر الوقت لم تشعر بنفسها وهي تغمض عينيها بإرهاق ولم تفتحها إلا بعد ساعات عديدة فحدقت بالمكان من حولها بدهشة وخوف كيف عادت مجددًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...