تحميل رواية «أشلاء القلوب» PDF
بقلم ندى محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ها بفزع ونظرات مُرتعدة عندما رأت زوجها يقف امام وجهها كالوحش الكاسر ويصرخ بها قائلًا :_ الساعة 11 ياهانم هنفطر على العصر أن شاء الله ولا إيه !؟جلست على الفراش بخوف وهى تطالعه بنظرة مُنكسرة هامسة بضعف :_ حاضر يا أكرم هقوم احضر الفطار !أنفجر بها كالغول وهو يجذبها من ذراعها صائحا بصوت جهورى ، ليدفعها بوحشية للأمام يجبرها على التحرك :_ حاضر من مكانك يعنى ، قومى اخلصى يلا على المطبخ هتصحى نيرة تكونى خلصتى الاكل مفهوومتلألأت العبرات فى عينى تلك المسكينة واجابته فى خفوت بصوت يعطى بحة مريرة :_ حاضر !! ،...
رواية أشلاء القلوب الفصل الأول 1 - بقلم ندى محمود
أنتفضت فى نومتها بفزع ونظرات مُرتعدة عندما رأت زوجها يقف امام وجهها كالوحش الكاسر ويصرخ بها قائلًا :
_ الساعة 11 ياهانم هنفطر على العصر أن شاء الله ولا إيه !؟
جلست على الفراش بخوف وهى تطالعه بنظرة مُنكسرة هامسة بضعف :
_ حاضر يا أكرم هقوم احضر الفطار !
أنفجر بها كالغول وهو يجذبها من ذراعها صائحا بصوت جهورى ، ليدفعها بوحشية للأمام يجبرها على التحرك :
_ حاضر من مكانك يعنى ، قومى اخلصى يلا على المطبخ هتصحى نيرة تكونى خلصتى الاكل مفهووم
تلألأت العبرات فى عينى تلك المسكينة واجابته فى خفوت بصوت يعطى بحة مريرة :
_ حاضر !! ، حاضر !
رمقها شرزًا ثُمّ غادر وتركها متصلبة مكانها بأعين سابحة بهم العبرات ، أوشكت على أن تفرط بروحها بالفعل لتتخلص من تلك الحياة .. ولكن ليس عساها شئ سوى قول ” حسبى الله ونعم الوكيل ” حيثُ هو وحده القادر على إخراجها من هذا الوحل الذى تلطخت به ولا تستطيع الخروج منه ! ، أرتدت ملابسها وغلست وجهها وذهبت لتقوم بتحضير وجبة الأفطار ………………..
***
كان يجوب الطرقة ايابًا وذهابًا وقِسمات القلق والتوتر بادية على وجهه ، يفرك يداه ببعضهم فى محاول لتخفيف التوتر عنه قليلًا وتارة يمسح على وجهه وهو يزفر بحرارة وتارة يعود لفرك يداه مجددًا ، يتدلى من وجهه نظرات خوف بل هلع ورعب خشية على زوجته وطفله الذى على ابواب قدومه الى الدنيا ! …………
أقتربت منه أمه مرتبة على كتفه هامسة بحنو اموى :
_ اهدى يا أُسيد ياحبيبى أن شاء الله هتقوم بالسلامة ، أنا اتوترت معاك اكتر ما أنا متوترة !
بقلب سحق تحت الأسى والشجن همهم :
_ أهدى ازاى يا أمى انتى عارفة الموضوع كويس ، ربنا يقومها بالسلامة يارب
_ امين ياحبيبى امين !!
دقائق مشحونة بجو مُتذبذب يحمل ذبذبات تبعث فى نفس كُل من الموجودين رجفة شديدة لعلمهم بوضعها ! … واخيرًا بعد دقائق طويلة خرج الطبيب وهو ينزع قفازات يده عنه فى وجه عابس وحزين بشدة ، أقترب منه أُسيد اولًا هاتفًا بصوت رجولى مُترقب :
_ طمنى يادكتور خير !
طالعهم الطبيب بأعين مُتأسفة وفى نبرة أسى غمغم :
_ احنا عملنا اللى علينا بس ده عمرها وقدرها مقدرناش ننقذها للاسف بالاخص انها من البداية كان الحمل خطر عليها !
لملم أشلاء قلبه التى تمزقت للتو على موت رفيقة دربه بعد أن القمه الطبيب بهذا اللفظ حجرًا لم يكن عساه سوى أن يصمت لبرهة من الوقت وهو مغمض العينين ليهمهم بصوت شبه مُتردد ، يخشى السؤال فيسمع ما يمزق ماتبقى من قلبه :
_ طيب والطفل يادكتور !
فى حزن شديد وألم اجابه :
_ للاسف حتىَ الطفل خرج ميت من رحم والدته !
أحس وكأن ثقلًا يهبط على صدره حتىَ أن انفاسه ضاقت به وكأنه أصبح لا يرى شئ امامه سوى الظلام الدامس ، فكيف لهذا القلب الذى فى حجم قبضة اليد تحمل كُل هذه الصدمات المُتتالية ألا يحق له التوقف عن العمل في هذه اللحظة لكى يريح نفسه من النزيف المستمر ! ……………
حملقت ليلى بأبنها فى أعين دامعة فأشفقت عليه همت بجذبه إلى احضانها ولكنه رفع يده فى وجهها مانعًا اياها من فعل ذلك الشئ فمازال يقف على رجليه لن ينحنى بعد !! ، مسح على وجهه ولحيته الكسيفة وهو يجاهد بكل ما أوتيت إليه من قوة عدم زرف عيناه العبرات فقط مغمغمًا :
_ اللهم اجرنى فى مصيبتى يا الله واخلفني خيرًا منها، إنا لله وإنا إليه راجعون !!
كانت ترى عينى أبنها تشبه الدماء من شدة تقيده لدموعه من الهبوط فبكت بحرقة عليه وعلى زوجة ابنها وحفيدها الذى خسرته للتو ايضًا ……………..
***
كانت تقوم بتحضير الافطار فى هدوء تام فدخلت تلك اللعينة المدعوة ” بنيرة ” لتعكر صفوها إكثر بكلماتها السامة قائلة :
_ ياعينى تعرفى ياملاك بتصعبى عليا جدًا والله ياقلبى !
تنفست الصعداء بخنق وأكملت تقطيع الطماطم وهى تجاهد فى منع عبراتها من السقوط فتناولت قطعة منها صغيرة وقطمت جزء صغير منه فى فمها مُغمغمة بنظرات شيطانية :
_ انا بستغرب جداً عليكى ! ، حاولى تكسبى أكرم مع انها حاجة مستحيلة لانه بيحبنى انا طبعًا وده السبب اللى خلاه يتجوزنى عليكى ، بس انا مبحبش الستات اللى بتقعد محلك سر كده وضعيفة زيك كده !
أشتعلت دمائها فى عروقها لتهتف بغضب عارم :
_ ومين قالك انى عايزة اكسبه اصلًا اولعى بيه ، قريب أوى هطلق غصب عنه وسعتها هتعرفى انى مش ضعيفة واطلعى بره بقى بدل ما انغز السكينة دى فى بطنك واخلص منك !
أرتفعت ضحكتها الانثوية فى دلال هاتفة بمكر انوثى :
_ انتى تعملى كده أشك ياحبيبتى لانك مش هتقدرى اصلًا
رفعت السكين فى وجهها وهى تصيح بها فى أستياء هادر :
_ أقدر يانيرة وبلاش تخلينى اعملها !
بإبتسامة لئيمة طالعتها غير مكترثة لها وفجأة وجدت اكرم يقبض على يدها ويسحب من يدها السكين عنوة ليباغتها بصفعة اسقطتها أرضًا وهو يصرخ بها قائلًا :
_ ايه اللى بتعمليه ده انتى اتهبلتى ولا ايه ، متنسيش نفسك انتى هنا خدامة مش أكتر ولما تفكرى ترفعى صوتك ولا ايدك على ست البيت سعتها هقصلك لسانك واقطعلك ايدك دى
رأت نظرة مُتشفية فى أعين تلك المدعوة ” نيرة ” وهى تبتسم بخبث فى إنتصار ، فأكمل هو صائحًا وهو يجذبها من خصلات شعرها بقوة فصرخت هى باكية هاتفة :
_ سيب شعرى يا أكرم حرام عليك أاااه !!!
قبضت نيرة على ذراعه وهى تمتم بتصنع الشفقة على حالها :
_ خلاص ياحبيبى سيبها دى متستاهلش أصلًا ، هى اتعلمت خلاص وأظن مش هتكررها تانى !
كانت ملاك ترتجف بين يديه وهى تنتفض باكية من هذا العذاب الدائم فتركها بنظرات أستحقار وغادر، ضحكت نيرة قائلة فى تشفى :
_ ده علشان متفكريش تهددينى تانى بس ياقطة ، قومى يلا حضرى الفطار أصل أنا جعانة أوى !
كانت تترنح فى الارض من البكاء حيثُ دخلت فى موجة بكاء عنيفة وضاقت انفاسها بشدة ، وأخذ صدرها يعلو ويهبط بشدة وهى تحاول ألتقاط انفاسها بصعوبة فنهضت من على الارض وهرولت نحو غُرفتها لتأخذ جرعة علاجها قبل أن تلفظ انفاسها الاخيرة ، وبمجرد ما أستنشقت ذلك العلاج فى فمها هدأت انفاسها قليلًا ، فجلست على الفراش وعبراتها تنهمر على وجنتيها بحرقة وصدرها لا يكف عن الصعود والهبوط كأنها كانت فى سباق للعدو للتو ………………..
***
داخل أحد المنازل الصغيرة حيثُ يكمن بها شاب فى بداية عقده الرابع ذو ملامح رجولية جذابة ، تحمل فى طيأتها بعض من الحدة والصلابة .. ذو جسد رياضى مثير ! ، كان صوت الموسيقى مُرتفع فى أرجاء المنزل وبيده ” سيجارة ” ليست محشوة بمواد مخدرة وفى الأخرى كأس خمر وبجوراه فتاة بإمكانها إخضاع أى رجل لها بجمالها ودهائها ، قربت شفتيها من عنقه لتهمس بصوت انثوى قادر على افقاده عقله فى لحظتها ! وانفاسها الدافئة تلفح بشرته الخشنة !! :
_ تعرف يامراد انت وحشتنى أوى فى الفترة اللى غبت عنى فيها دى ، اوعى تكررها تانى ، انت مكنتش عارف أنا كنت ازاى فى بعدك
وكرجل أنصاع خلف وجبة غذائه كالبهيمة ليكن فريسة لصائده المحترف حرفة الصيد !! ، بنظرات شيطانية ولئيمة هتف :
_ وانتى اكتر ياقلب مراد ، السهرة صباحى النهردا !
انتفض جالساً بفزع لسماع صوت رنين هاتفه الصاخب فأمسك به وأنهى الاتصال بخنق بعدما رأى المتصل ” والدته ” ، ولكنها كانت مصرة فاستمرت بالرنين فاجابها اخيرًا فى ضيق شديد :
_ نعم ياماما خير !!
أنفجرت به كقنبلة مدمرة فى بكاء حار وصوت متشنج بعدما التقطت أذنيها صوت الموسيقى الصاخبة من حوله:
_ هترد ازاى طبعًا وانت قاعد فى الزفت اللى حواليك ده ، مرات اخوك ماتت هى و ابنه اللى لسا مجاش يا استاذ وأنت مش عايش فى الدنيا .. ده بدل ماتيجى تقف مع اخوك مش بترد عليا !
وثب واقفًا متحفزًا وهو يهتف فى صدمة :
_ ماتت ازاى ياامى وامتى ؟؟؟!!! ، انتوا فين دلوقتى طيب ؟
أملت عليه العنوان فأسرع هو بأرتداء حذائه وسترته وهو يخطف قبلة سريعة من وجنة تلك الفتاة هاتفًا:
_ معلش بقى ياحبيبتى تتعوض فى يوم تانى !!
تصنعت امامه الرضا والتفهم وهى من داخلها تشتعل لتركه المستمر لها ، ولكنه لم يمهلها الفرصة حتىَ لتجيبه حيثُ ركض الى الخارج مهرولًا ! ……………………..
***
على الجهة الاخرى تحديداً فى أحدى قرى الصعيد ، على طاولة طويلة يجلس ثلاث رجال يبتادلون اطراف الحديث الذى كان عبارة عن شجار حاد بينهم ، أهتز الرُجلين من على الطاولة عندما ضرب ذلك الرجل العجوز بقبضة يده القوية على سطح الطاولة صائحًا :
_ خُلص الكلام خلاص ، مش عايز اسمع سيرة فردوس انا معنديش بنات بالاسم ده وقسماً عظمًا اللى هجيب سيرتها قدامى لاكون معرفه مين محمد الصاوى زين
هتف ذلك الشاب ذو الثلاثون عام فى أنزعاج هادر :
_ جرا ايه ياجدى هو احنا علشان اللى عملته عمتى نبقى ننسى بت……………
كانت صرخته به كافية لجعله يصمت فورًا :
_ ريان ! ، انا بتى ماتت من 25 سنة والأحسن إنى اقول إنى معنديش بنات واصل، وفز قوم يلا عاد متنرفزنيش بدل مـ……
هتف ثروت فى نبرة رزينة :
_ عارف يا ابوى وكلنا نسينا سندس واصل من الاساس ، بس على الأقل خلينا نعرف إذا كانت عايشة ولا لا ومعاها عيال ولا لا ، على الاقل نخلى أُسيد هو يتولى المهمة دى بما أنه عايش فى القاهرة
صرخ بهم فى صوت جهورى وهو يهب واقفًا ملقيًا أخر كلماته القاطعة :
_ يمين الله اللى هيفتح الموضوع ده قدامى تانى لامسح بكرامته الارض ، واللى هماه قوى اكده فيكم يتفضل يغور وراها وعلى الله اسمع أن فى حد فيكم دور عليها سعتها ملوش قعاد فى البيت اهنه
جذب عصاه القوية وتسند عليها ليغادر تاركًا كُل منهم ينظر للآخر فى خنق ، فزفر ريان بقوة هاتفًا :
_ ازاى جدى بالقسوة دى انا مش فاهم !!
فى صوت رخيم ومحذر تحدث ثروت الى ابنه قائلًا :
_ انت سمعت جدك ياولدى ، خليك بعيد عن الموضوع ده واصل بلاش مشاكل يابنى
هب واقفًا ثائرًا فى نظرة تحدى وعدم مبالاة تمامًا :
_ وانا مش هرتاح غير لما اجيبها يا ابوى ، إيه ذنبها المسكينة دى باللى عملته عمتى تتبهدل ليه واهلها لسا على وش الارض !
وأستدار ليغادر منفعلًا غير مباليًا لصياح ابيه المستمر له قائلًا :
_ ريان استنى .. ريان !!
***
فى صباح اليوم التالى ………..
داخل بقعة كبيرة محاطة بقماش من اللون الاحمر وفى أخر تلك البقعة يجلس ” شيخ ” يقوم بتلاوة القرأن الكريم بصوت عذب ، والجميع فى صمت تام حيثُ كانت تلك البقعة مخصصة للرجال فقط والنساء فى المنزل بالداخل وترتص عائلة الصاوى جميعها فى هذه البقعة يتقدمهم أسيد لكى يتلقى تعزية الناس له وبجانبه كُل من اخيه وجده وعمه وأبن عمه وبقية عائلته ، كان يرتدى بنطال وقميص من اللون الاسود جالسًا على المقعد فى خشوع يحدق فى اللاشئ امامه بصمت تام لا ينطق بحرف واحد مع أى شخص ! .. كانت ملامح وجهه كافية لعرض الدمار الذى داخله وتمزق قلبه ولكن كغالبية الرجال لا يظهر هذا ويتصنع القوة والثبات !!! ………………………
أنتفضت اعضاء جميع الجالسين عندما صدر صوت صراخ مُرتفع من داخل المنزل حيثُ مجمع النساء ، فوثبوا واقفين فى هلع وهرولوا الى الداخل راكضين .. كان اول الراكضين نحو ليلى الساقطة على الارض هو مراد حيثُ صاح بالجميع فى فزع صارخًا :
_ حصل ايه !!؟ .. ماما انتى سمعانى!
خرج صوت سارة الباكى وهى تهتف بتشنج :
_ اتصلوا بينا دلوقتى وقولوا لينا أن أسمى عملت حادث ومرات عمى اول ماسمعت ده اغمى عليها !
تهجمت ملامح الجميع وظهر عليهم الرعب حيثُ صاح محمد قائلاً :
_ حادث كيف !! ، مستشفى ايه دى ؟
أنطلق البكاء العويل من الجالسين خوفًا من أن يصيب تلك الشابة مكروه بعد أن استطاعوا افاقة ليلى ، خرج صوت رجولى هز أركان المنزل من أسيد صارخًا بالجميع :
_ انا حالف مسمعش نفس وحدة ، كل وحدة تحط لسانها جوه بوقها ومسمعش صوت لغاية ما نروح نطمن على أسمى !
نظر الى ريان هاتفًا بثبات على غير المتوقع فتلك الذين يتحدثون عنها شقيقته :
_ خليك هنا انت ياريان أنت ومراد وجدى وانا هروح انا وعمى وهنطمنكم !
أنطقلت نظرة نارية من أعين مراد مغمغمًا :
_ انا رايح معاكم !
وكذلك ليلى الذى صرخت باكية :
_ رجلى على رجلكم انا هتحصلى حاجة لو مطمنتش على بنتى !!!
نظر محمد الى كُل من ثروت وريان هاتفًا بخشونة :
_ خليك انت هنا ياثروت انت وريان واحنا هنروح
خرج صوت ثروت الحزم متمتمًا :
_ تمام يا ابوى متنسوش تطموننا احنا هنقعد على اعصابنا لغاية ما نطمن عليها
اماء برأسه له فى إيجاب وانطلقوا مهرولين الى تلك المستشفى ، صاعدين بسيارة أُسيد الذى أنطلق بها بسرعة البرق يخترق بها الحشود امامه !! ………………….
***
فتحت الباب ودخلت له فى مكتبه الخاص حيثُ كان ينهى أعمال له ، وقفت على مسافة بعيدة عنه هاتفة :
_ أكرم انا علاجى خلص امبارح و……………
فى جفاء مرير هتف ببرود :
_ معيش فلوس ياملاك ، للاسف !!!
فى نظرة بريئة وصوت هادئ خرج منها كعادتها :
_ انت عارف يا أكرم انى مقدرش اقعد من غيره انا مبطلبش منك حاجة غير علاجى بس
صمتت لتكمل فى صوت تخنقه العبرات :
_ انا مش عارفة انت بتعمل معايا كده ليه انا عملتلك ايه ؟! ، حرام عليك والله ،طلقنى يا أكرم ابوس ايدك ، حتى العلاج مش عايز تدينى اجيبه ونيرة بمجرد ما تطلب منك حاجة بتجبهالها لو هتطلعلها السما !
فى إبتسامة شامتة نهض وهو يضحك ساخرًا :
_ هنبتدى فى المسكنة بقى والعياط ، هو انتى لو مجبتيش العلاج هيحصلك ايه هتموتى مثلًا ، والله يبقى أفضل عادى مش هيفرق معايا اصلًا ، بس تعرفى أنا هديكى تجيبى العلاج علشان بصراحة اخاف تموتى وملاقيش خدامة شاطرة زيك كده !!!
أستدار وعاد الى مكتبه ليخرج بعض النقود من أحد الأدراج ويليقها فى وجهها متمتمًا بأشمئزاز :
_ خدى وغورى يلا حضرى الغدا
أنحنت ارضًا لتلتقط النقود ودموعها تنهمر فى صمت ، على تلك الاهانة التى تتعرض لها يوميًا ، خرجت مُسرعة الى غُرفتها فيطغى عليها البكاء الحار .. أستمرت لنصف ساعة مُنخرطة فى نوبة بكائها العنيفة حتىَ كفت عن البكاء اخيرًا لتقف امام المرأة مُتألمة هيئتها الصغيرة نوعاً ما ، عينها العسليتين بشرتها البيضاء التى تحمل أستدارة الطفولة والبراءة ، جسدها ضئيل الوزن وصغير كفتاة لا تتعدى الثامنة عشر من عُمرها ، وشعرها بنى اللون الذى يصل الى عنقها .. مدت يدها تتلمسه مُتذكرة كيف تلك الساخطة ” نيرة ” قامت بقصه لها أمام عيناه ولم يفعل لها شئ ، ولم تقوى هى على مواجهة هؤلاء الوحوش وحدها ، واخيرًا أتخذت قرارها وهو الفرار من هذا السجن لعلها تجد من تستنجد به لينقذها من برثان هذا الكائن عديم الشفقة والانسانية !!!
***
كانت أسمى مستلقية على الفراش وشبه نائمة ولكنها بمجرد سماعها لصوت الباب يفتح بقوة ، فتحت عينها دفعة واحدة لتجدهم عائلتها التى ركضت اولهم امها لتعانقها هاتفة فى صوت امومى حانى ممزوج بالقلق :
_ أسمى ياحبيبتى انتى كويسة ؟!
أسعفت الكلمات من فمها فى خفوت تام :
_ كويسة ياماما والله ده حادث صغير الحمدلله متقلقوش والدكتور طمنكم اكيد وقالكم انه مفيش غير كسر فى الرقبة والرجل بس
بنظرة شرسة اجابتها مُنفعلة :
_ وهو الكسر ده هين !!؟
اتاها صوت جدها المهتم:
_ حصل كيف الحادث ده يابتى ؟
صمتت لبرهة فى تردد حتىَ اجابتهم بتوتر بسيط :
_ عادى ياجدو انا كنت جاية مع السواق زى العادة فى العربية وحصل الحادث
أقترب منها مراد لينحنى ويقبل جبتها بحنان متشدقًا :
_ الحمدلله انك بخير ياحبيبتى !
بادلت اخيها نظرة الدفء والحب ومعلقة عين على اخيها الآخر ” أُسيد ” الذى كان يحدقها فى نظرة تخلع القلب فأيقنت حينها انه لم تنخل عليه خدعتها لهم وفهم الأمر ! ، ولكنه برغم ذلك تقدم نحوها وعانقها هامساً بالقرب من اذنها :
_ هحاول اقنع نفسى باللى قولتيه ده يا أسمى لغاية ما نرجع البيت ونقعد مع بعض ، اهم حاجة دلوقتى انك كويسة ومحصلكيش حاجة
إبتسمت له بأرتباك لترى فى عينه الدفء الممزوج بالالم فمازال جرحه ينزف ، مدت يدها لتلمس باصابعها لحيته ووجنته طافقة بأسى :
_ انا هبقى كويسة يا أُسيد صدقنى لما تكون انت كويس ، مش هكون مرتاحة طول ما أنا شايفة الالم فى عينك كده !
اخيرًا ظهرت شبه إبتسامة مزيفة على ثغره وهو يشدد من عناقها مقبلًا رأسها هامسًا :
_ متشغليش بالك بيا ياقلب أُسيد ، انا كويس !
هتفت فى صرامة وخنق :
_ انا عايزة اروح البيت مش عايزة اقعد هنا
اجابتها ليلى رافضة ما قالته :
_ تروحى فين يا أسمى لما ناخد أذن الدكتور الأول يابنتى ونطمن عليكى أكتر
همت بأن تجيب مُعترضة فى أصرار فسمعت صوت مراد الخشن قائلًا :
_ اسمعى الكلام يا أسمى بلاش مقاوحة !
أطرقت ارضًا فى ضيق مُغمغمة فى أستسلام :
_ حاضر يامراد !!
اتاهم صوت محمد الفخم هاتفًا :
_ تعال يا أُسيد ورايا عايزك
نظر الى جده بأستغراب وأنتصب فى وقفته ليتبعه الى الخارج فى ريبة شديدة ، أغلق باب الغُرفة ووقف امامه مردفًا :
_ خير ياجدى ؟
بلهيب نظراته وفى عينه نظرة غاضبة وغامضة تمتم :
_ اللى عمل اكده معتز ال**** صح ؟
مسح على شعره فى تأفف هامسًا فى صوت مخيف :
_ معرفش انا شاكك فى كده ، أسمى عارفة حاجة ومقالتش لما نروح البيت هشوفها واعرف منها واتأكد
بدأ بألقاء السباب اللاعنة عليه وهو يهتف متوعدًا :
_ لو هو صحيح يبقى سعتها هاخد روحه بيدى
فى صوت رخيم ورزين تشدق أُسيد :
_ سبهولى انا ياجدى هعرف اتعامل مع ال*** اللى زيه كده متشتغلش دماغك بيه أنت
رتب على كتفه فى إبتسامة مفتخرة مغمغمًا :
_ راجل من ضهر راجل ، خلي بالك زين ياولدى من اللى ميتسمى ده !
_ متقلقش
***
بينما ريان جالس فى هدوء وبجوراه ثروت كذلك كان على الجانب الاخر منه يجلس مروان الذى كان لا يبدو عليه الارتياح قط ، فقط كانت قدماه تهتز بشدة من فرط توتره ، فحدجه ريان بطرف عينيه فى شك هامسًا :
_ مالك يامروان مش قاعد على بعضك كده ليه !!؟
فى صوت متهدج وحاد غمغم :
_ انا هروح أطمن على أسمى مش معقول ده كله موصلوش !
هم بالوقوف فقبض على يده راغمًا اياه على الجلوس مجددًا هاتفًا بالقرب من اذنه فى صوت رجولى نارى :
_ رايح فين بس يامعلم ! ، اقعد انا قولت لمراد يتصل بينا ويطمنا ومسيره يتصل اهدى بقى يامروان بلاش تفضح نفسك يابن العم ، خليك تقيل كده !
تأفف بشدة رامقًا اياه بأقتضاب مغمغمًا :
_ هحاول اهدى ياريان هحاول !
نظر لهم ثروت هاتفًا فى فضول :
_ بتتحدتوا فى ايه بصوت واطى اكده ؟!
فى إبتسامة بسيطة شبه لئيمة أجاب ريان :
_ ولا حاجة يا ابوى ، موضوع بينى وبين مروان !
واخيراً وصلت البشارة حيثُ وجد مروان هاتفه يعلن عن أتصال من مراد فهتف فورًا فى تلهف :
_ ايوة يامراد ، طمنا أسمى كويسة!؟
قال بودٍ باسمًا :
_ كويسة ، اطمنوا واحتمال على بليل ترجع .. جدى وأسيد راجعين البيت دلوقتى وأنا وماما هنقعد معاها لغاية بليل ، متنساش تقول لريان اللى قولتلك عليه يامروان !
_ تمام ، تمام اطمن انت !
انهى معه الاتصال ونظر الى عمه وريان
باسمًا بأرتياح قائلاً :
_ بيقول كويسة الحمدلله ، جدى وأُسيد راجعين وهو ومرات عمى هيقعدوا معاها لغاية بليل
تمتم ثروت حامدًا ربه لسلامة إبنه اخيه فرفع ريان حاجبه بخبث لمروان :
_ خلاص اديك اطمنت اهو اهدى بقى !
***
أستر الظلام ستائره ليرتفع ضوء القمر فى السماء منيرًا الارجاء ، لعله يستطيع انارة الظلام ولكن لن يتمكن من جلو الظلام المغمم على قلب أحدهم !! …… فتح باب غرفته وقاد اول خطوة له نحو الداخل محلقًا بكل جزء منها ، لم يعتاد أن يدخل غُرفته بالأخص وهى فارغة ! ، فارغة من وجودها ، أغلق الباب ونزع سترته عنه وكذلك قميصه وهو يصدر تنهيدة حارة مهمومًا ، نفسه المتمردة تكابد الحقيقة ، ولهيب الألم يشتعل بداخله أكثر كلما دارت نظراته فى الغُرفة باحثًا عنها لم يجدها ، أستقرت نظرة ملؤها الشجن والاسى منه على أحد ملابس ابنه الذى كان سيولد الأمس فألتقطه وحدق به بأعين تهيمان بالدموع عندما تذكر حديثها معه ………………
_ بص بقى يا أُسيد بيه ده أنا هلبسه لزيد أول مايجي، ومتقوليش وحش كفاية انى تعبت فيه وقعدت اخيط فيه وعملاه بأيديا دول
اجابها ضاحكًا فى نعومة :
_ لبسهوله باحبيبتى ، مقدرش اتكلم اصلًا حتى لو وحش !
فغرت شفتيها فى صدمة عارمة مجيبة :
_ يعنى هو وحش بجد يا أُسيد ؟!
ازداد ضحكه أكثر وهو يهتف :
_ انا قولت حاجة زى كده !!!!؟
نكزته فى كتفه بقوة ضاحكة وسُرعان ماتلاشت الإبتسامة من وجهها هامسة بضعف :
_ لو حصلى حاجة يا أُسيد توعدنى أنك تقول لابنى أنى كان نفسى اوى اشوفه وقوله أنى كمان عملتله البتاع ده اللى مش عارفة اسمه بأيدى
قالت اخر كلماتها بمرح مرير فرأت نظرته الغاضبة منه متشدقًا :
_ ان شاء الله تقومى بالسلامة ياحبيبتى متقوليش كده !
فاق من ذكرياته وهو يغمغم فى أحضان الظلام بصوت تخنقه العبرات :
_ ربنا محرمكيش من ابنك ياحبيبتى بس حرمنى انا منكم ! ، الحمدلله على كل حال
مسح تلك الدمعة التى فرت من عينه ليكمل نزع ملابسه فى شرود تام وهو لا يشعر بأى شئ حوله ………………………
***
ارتدت ملابسها وأنتهت من تحضير امتعتها ، ثُمّ فتحت باب الغُرفة وتأكدت أن نيرة نائمة فى غُرفتها فأمسكت بحقيبتها وهرولت نحو الباب لتذهب قبل عودة زوجها ، لكن تصلبت بأرضها عندما وجدت الباب يفتح ويدلف منه فنظر الى حقيبة ملابسها وعاد بنظره لها فى وحشية هاتفاً :
_ ايه ده ياملاك ، بتحاولى تهربى تانى ولا ايه !
هزت رأسها بالنفى فى رعب جلى فباغتها بصفعة مميتة على وجنتها ، صرخت على أثرها … أغلق الباب بعنف وقبض على حجابها بقبضة فولاذية ساحبًا اياها خلفه كالحيوانة ليتجه بها نحو غرفتها ويدفعها بعنف على الفراش ويغلق الباب جيدًا ، فزحفت هى للخلف بأرتعاد وهى تتوسل إليه قائلة :
_ انا اسفة يا أكرم صدقنى مش هكررها تانى ، ابوس ايدك أاااا ……
قطع كلمتها صفعته الثانية لها وهو يصرخ بها فى صوت جهورى :
_ المرة اللى فاتت سامحتك وعدتهالك لكن المرة دى لا ياملاك عايزاة تغفلينى وتهربى منى ليه كنت مين انتى يا**** ، ورحمة امى لاوريكى أكرم بجد على حقيقته دلوقتى !
أنتفضت باكية وهى ترتجف امامه وتبكى بنشيج مسموع بينما هو كان غير مبالى لها ، فأنهال عليها بالصفعات القوية تحت مسمى العقاب !! ، كانت رائحة الخمر العفنة تفوح من بين اسنانه ، ظلت تصرخ وتبكى بشدة محاولة الفرار منه دون فائدة حتى تراخت قواها تدريجيًا وفقدت وعيها والدماء تسيل من فمها وانفها .. !!
رواية أشلاء القلوب الفصل الثاني 2 - بقلم ندى محمود
ظلت تصرخ وتبكي بشدة محاولة الفرار منه دون فائدة حتى تراخت قواها تدريجياً وفقدت وعيها والدماء تسيل من فمها وأنفها.
تسمر بأرضه في خوف عندما رآها هكذا وانحنى إليها ليهز جسدها بقوة هاتفاً:
"ملاك! انتي سمعاني؟"
لم يجد رداً منها، فأسرع ووضعها على الفراش جيداً وحاول بكل الطرق ليفيقها. وبعد دقائق فتحت عيناها ببطء، وبمجرد ما رأته أمامها انتصبت في جلستها وهي تثب جالسة وتصيح به ببكاء:
"ابعد عني متقربش مني، حسبى الله ونعم الوكيل فيك!"
قابل عبراتها وصياحها ببرود مستفز متمتماً:
"ده عشان تفتكريني كويس لما تحاولي تهربي تاني."
همت واقفة وهي تصرخ به في صوت مرتجف ممزوج بدموعها الحارقة:
"انت بتعمل معايا كده ليه؟ أنا أذيتك في إيه؟ أنا مش عايزة منك صدقني وبتمنالك تعيش عيشة سعيدة وجميلة انت ونيرة بس بعيد عني، بعيد عني يا أكرم طلقني ومش هتشوف وشي تاني صدقني!"
وقع نظره على منديل موجود فوق سطح المنضدة الصغيرة، فتناوله باسمًا واقترب منها بشدة. فشهقت بفزع عندما وجدته يلف ذراعه حول خصرها ويجذبها إليه بعنف هامساً بنظرات شيطانية وجريئة ونبرة ماكرة:
"مقدرش أطلقك يا ملاك وإلا أبقى راجل غبي لما أطلق واحدة في حلاوتك دي، ومن جهة المقارنة فأنتي متتقارنيش بنيرة أبداً في الحلاوة والشكل، لأنك تتحلي من على حبل المشنقة كلمة قليلة عليكي. وأنا ما يهونش عليا أضيع الحلاوة دي كلها من إيدي. لأني من البداية اتجوزتك لأنك عجبتيني بس انتي كنتي ساذجة جداً لدرجة أنك صدقتي بكل سهولة إني بحبك ووافقتي تتجوزيني، انتي هنا عشان تخدميني وبس وتلبي رغباتي مش أكتر وشيلي الطلاق ده من دماغك لأنك مش هتنوليه."
انحنى ليطبع قبلة على جانب ثغرها، اشمأزت هي منها. ثم همس بنبرة ذات معنى وهو يمد يده ليمسح نقاط الدماء من على جانب ثغرها الآخر:
"اخص عليا إيه القسوة دي، حد يضرب القمر ده كده!"
كانت تحدقه بنظرات منكسرة وأعين دامعة، فدفعته بعيداً عنها صائحة به:
"اطلع بره، اطلع!"
تنهد الصعداء باحتجاج وخرج. أما نيرة التي كانت تستمع إلى حديثهم، ركضت إلى غرفتها فوراً لتحتضن فراشها وكأنها لم تسمع شيئاً. وبداخلها أعاصير تدمر كل شيء:
"أيفضل تلك الشمطاء عليها، هل هي قبيحة إلى تلك الدرجة مقارنة بها؟"
أخذت تطقطق أصابعها بغيظ وهي تهمس بنبرة تحمل في طياتها الوعيد:
"ماشي يا أكرم مبقاش أنا نيرة أما وريتك و خليتك تلف حوالين نفسك، أما ملاك فأنا عارفة هعمل إيه معاها كويس أوي!"
***
طرق الباب عدة طرقات، ثم دخل ليجدها نائمة في فراشها بثبات. تقدم نحوها وجلس على حافة الفراش بجوارها. ثم مد يده ليمسح على شعرها برقة هامساً بصوت هادئ:
"أسمى.. أسمى!"
فتحت عينها وتمتمت باسمة برقة عندما رأت أخيها:
"نعم يا أسيد."
في صوت متحشرج أجابها:
"قومي يا حبيبتي عايز أتكلم معاكي!"
تسارعت نبضات قلبها فور نطقه بهذه الكلمات، وأغمضت عينيها فوراً متصنعة شعورها بالنعاس الشديد وهي تجيبه بنعاس:
"خليها بكرة يا أسيد عليا النوم أوي دلوقتي!"
في صوت رجولي مخيف غمغم:
"انتي سمعتي قولت إيه صح! قومي يلا.. اغسلي وشك كده عشان تفوقي معايا أنا وبكلمك."
اعتدلت في جلستها ببطء على مضض وهي تردف:
"أنا فاية كده قول عايز تتكلم معايا في إيه!"
خرج صوته الخشن متسائلاً في حدة:
"اللي ورا اللي حصل ده معتز ولا لا؟"
في صوت مرتبك وقلق تشدقت قائلة:
"أسيد أنا كويسة انت ليه..."
صاح بها في صوت جهوري جعلها تنتفض جالسة:
"أنا سألت سؤال واضح يبقى تجاوبي على قد السؤال.. هو ولا لا؟"
يماءت برأسها في نظرات زائغة، فهب واقفاً وكان سيندفع للخارج ثائراً لولا يدها التي قبضت على ذراعه وهي تهتف بتوسل:
"أسيد أبوس إيدك بلاش تتهور أنت الفترة دي مضغوط أساساً وممكن تعمل أي حاجة وأنت مش حاسس وتندم عليها بعد كده، وبعدين أنت مش هتلاقي معتز حتى لو حاولت لأني اللي أعرفه على حسب ما قالي أنه هيسافر النهاردة."
دفع يدها بعنف بعيداً عنه وغادر الغرفة، فقابل مراد في وجهه الذي قابله باستغراب من هيئته، فوجده يطفق بصلابة:
"تعالى ورايا يا مراد عايزك!"
هز كتفيه بتعجب وهو يمط شفتيه وسار خلف أخيه في ريبة بالغة حول أمره.
***
داخل مكتب أسيد الخاص.
كان يسير ذهاباً وإياباً مشتعلاً بنيران السخط وهو يهتف:
"مراد أنت كان ليك علاقة مع معتز قوية عني، متعرفش أي حاجة عنه!"
في صوت هادئ وبداخله القوة والغضب:
"وهو أنا لو كنت أعرف كنت قعدت قدامك القعدة دي، ما كنت رحت وشربت من دمه! بس مش هيروح مني بعيد لأني أعرف أغلب الرجالة اللي بيتعامل معاهم وقريب أوي هقولك تعالى لو عايز تصفى حسابك معاه بعد ما أصفى حسابي الأول!"
ضرب بقبضة يده الفولاذية على الحائط وهو يشتعل غيظاً، فجلس الأخير على الأريكة بارتياح ليهمس بدهشة بعد أن فكر ملياً لبرهة من الوقت:
"تفتكر يا أسيد إنه ليه علاقة بفرع الشركة اللي اتحرق في لندن!"
تنهد الصعداء ببرم متشدقاً:
"أفتكر مفتكرش ليه! وكله بيضاف لحسابه معايا بداية من اللي عمله مع مريم الله يرحمها ونهاية بأسمى أهي.. أنا مغلطش لما قولت عليه مش راجل! إنه يصفى حساب الرجالة مع الحريم يبقى مش راجل، وإن شاء الله هاخد روحه لما يقع تحت إيدي!"
نهض مراد من مقعده ليربت على كتف أخيه بخشوع قائلاً بضيق:
"بكلامك ده لو لقيته وحبيت أقولك مش هقولك، اهدى كده يا أسيد أنت أعصابك تعبانة من ساعة موت مريم اللي يرحمها، اهدى واسترخي كده وخلينا نفكر بطريقة ناخد حقنا منه وفي نفس الوقت نخلص منه من غير ما ندخل في سين وجيم."
خرج صوته الجهوري هز أركان الغرفة:
"انت بتتكلم من عقلك! سبق وحاول يعتدي على مراتي ويخطفها ودلوقتي حاول يقتل أسمى وغير مصايبه التانية، ده أنا هتفنن في قتله يا مراد كده كده مبقاش في حاجة أخاف عليها، مراتي وابني خسرتهم الحمد لله يعني سواء اتسجنت أو اتعدمت مش هتفرق."
ماء برأسه بتفهم وفي نبرة متغطرسة أجابه:
"مش بقولك أعصابك تعبانة ومحتاج ترتاح، اطلع ارتاح يا أسيد أنت منمتش ليك يومين ونتكلم لما تهدى."
***
مع إشراق شمس يوم جديد.
ربت محمد على ظهر حفيده وهو يعانقه قائلاً:
"شد حيلك يا ولدي، أوعى تنحني ولا تنكسر.. ومتنساش تقولي لو عرفت حاجة عن المحروق ده معتز!"
هز رأسه بموافقة ثم اتجه وعانق مراد كذلك مودعاً إياه وتلقوا سلامهم أيضاً من عمه باستثناء ريان ومروان! فتهتف مروان بشيء من المزاح بالصعيدي:
"ملوش لزوم إحنا عاد نسلم كلها يومين وراجعين تاني!"
بادله مراد مزاحه مجيباً باللهجة الصعيدي:
"وليه تتعب روحك خليك عندك واحنا بذات نفسنا هنيجيلك!"
قهقه الجميع بقوة باستثناء أسيد الذي كان يتابع حديثهم بوجوم تام، فنظر ريان إلى شقيقته وهتف قائلاً بخشونة:
"هتيجي معانا ولا لا يا سارة؟"
هزت رأسها نافية لتردف برقة:
"لا هقعد مع أسمى كام يوم لغاية ما أطمن عليها وتبقى كويسة."
خرج صوته ثروت القوي مغمغمًا:
"خلاص سيبها يا ريان خليها تقعد مع بت عمها لغاية ما تبقى زينة وتتعافى."
انضمت إليهم أسمى أخيراً التي كانت تسير على عصا طبية تتعكز عليها وتسير ببطء نحوهم حتى وصلت لجدها، فعانقته بحرارة وكذلك عمها مودعة إياهم واكتفت بمصافحة كل من ريان ومروان الذي نظر لها بعينين دافئتين تحمل في طياتهما معاني جمة!
ابتعد ريان عن حشدهم بل عن مسمعهم تماماً حيث لا يستطيع أحد سماعه، ليجيب على الهاتف في ترقب:
"الوو، عملت إيه؟"
"عرفت بيت الراجل اللي قولتلي عليه يا ريان بيه، بس مش متأكد إذا كنت هتلاقيه في البيت ده ولا لأ."
غمغم في نبرة رجولية مستاءة:
"اخلص هات العنوان ملكش دعوة!"
أمله العنوان، فانهى معه الاتصال فوراً ونظر لهم هاتفاً على عجالة:
"أنا رايح مشوار سريع امشوا وأنا هحصلكم على البلد."
تهتف ثروت في حيرة من أمره:
"على وين أكده ومشوار إيه اللي ظهر فجأة ده!"
لم يجبه بل صعد بسيارته وانطلق بها بسرعة البرق وسط نظرات الجميع المتعجبة له.
***
طرقت الباب ودخلت، فقد كانت جالسة على أحد المقاعد بسكون لا حياة فيها كالإنسا ن الآلي، تحدق في كل شيء بعدم اهتمام وعقلها يفكر في آلاف الأشياء. فتقدمت نحوها وجلست على الفراش متمتمة بمكر أنثوي:
"كنتي استعنتي بصديق قبل ما تعملي كده يمكن كنتي نجحتي في اللي عايزاه!"
ثبتت ملاك نظرها عليها بقوة هاتفة بجدية:
"قصدك إيه يعني؟"
اعتدلت في جلستها أكثر لتضع ساقاً فوق الأخرى وتطفق في غرور جلي امتزج بلؤم زائف:
"يعني لو كنتي طلبتي مساعدتي مكنتش هقولك لأ وكان زمانك دلوقتي هربتي من زمان!"
رفعت حاجبها بنظرات شائكة لتهلس بترقب في فضول:
"انتي عايزة إيه بالظبط يا نيرة؟"
قهقهت بأنوثة طاغية وهي تهتف باستهزاء:
"هو أنا عارفة أنك ساذجة بس مش أوي كده يا ملاك يعني، بصي يا ستي أنا عايزة أساعدك في أنك تهربي بس مش حبًا فيكي أكيد لا، ده بس لأني عايزة أحافظ على جوزي وشايفة أن وجودك عائق وزي ما تقولي عايزة أربيه شوية برضه."
انتصبت ملاك في جلستها لتهتف بنظرات دقيقة ومترددة:
"وأنا إيه اللي يضمنلي أنك متقوليش لأكرم أو تأذيني؟"
في نظرة متقدة كلها ذكاء أجابتها وهي تهب واقفة:
"لأني زي ما قولتلك وجودك هنا مش راجع بأي فايدة ليا وملقتش حل إني أخلص منك غير إني أساعدك تهربي. أنا معايا نسخة من باب أوضتك لما يطلع أكرم بليل هفتحلك الباب وتكوني مجهزة حاجتك وكل حاجة عشان أول ما أفتحلك تمشي علطول قبل ما يرجع ويحصل زي ما حصل امبارح!"
كانت تتطلع إليها بحيرة من أمرها، إلى ماذا تخطط ياترى تلك الخبيثة؟ ولكن كل ما يهمها الآن أنها ستساعدها في التخلص من هذا العذاب المر، فأومأت برأسها لها بإيجاب لتستدير نيرة وتنصرف تاركة إياها مستغرقة في التفكير العميق حول ما قالته وهل يمكنها الوثوق بها أم لا.
***
ترجل ريان من سيارته أمام إحدى المباني الضخمة، تتكون من ما يقارب العشرة طوابق. رفع نظره لأعلى يتفحص المبنى بتدقيق ومن ثم قاد خطواته الثابتة نحو الداخل تجاه المصعد الكهربائي الذي فوجئ بوجود فتاة به. كانت ملابسها محتشمة مناسبة لسنها. بمجرد ما رأته ارتبكت وتراجعت للخلف لتفسح له مجال للدخول، فتراجع هو للخلف مغمغمًا بصوت رجولي هادئ:
"اتفضلي أنا هطلع على السلم!"
وفي ظرف لحظة صعد على الدرج في عجالة، كانت ملابسه تتميز بلمسة رجولية جذابة كلها وقار وهيبة، ملامحه الوسيمة والمريبة في ذات اللحظة، صوته الخشن والقوي كانت كلها أسباب تجعل أي فتاة تفتن به.
وقف أمام أحد المنازل وضغط على الجرس عدة مرات ولكن دون إجابة، فوجد المصعد يتوقف وتخرج منه تلك الفتاة لتتجه لمنزلها في الشقة المقابلة له، فاستدار لها وهتف بهدوء:
"هو مفيش حد هنا ولا إيه؟"
توقفت واستدارت له لتهتف بجدية تامة:
"هو حضرتك عايز مين بالظبط؟"
انتصب في وقفته بوقار ليجيبها في جمود:
"في واحدة اسمها فردوس ومعاها بنت مش المفروض إنهم ساكنين هنا."
تمتمت الفتاة بأسى:
"لا طنط فردوس اتوفت من حوالي أربع شهور وملاك اتجوزت بس معرفش عنها حاجة للأسف من ساعة ما اتجوزت."
"متعرفيش اللي اتجوزته ده مين، بيته فين أي حاجة؟"
هزت رأسها نافية بأسف متمتمة:
"لا للأسف معرفش غير إن اسمه أكرم!"
أخرج كارت صغير من جيبه ليناوله لها قائلاً بصلابة:
"طب ياريت لو عرفتي أي حاجة عنها تتصلي بيا، اتفضلي هتلاقي رقمي هنا."
تناولت من يده الكارت وحدقت به لتجده كارت خاص بالعائلة وعملهم وبالأسفل وجدت اسمه، فقرأته بخفوت "ريان ثروت محمد الصاوي" لترمقه بدهشة هاتفة:
"أنت ابن خالها!"
أماء برأسه لها في إيجاب فمدت يدها بالكارت مجدداً تعيده له متشدقة بحزم:
"اتفضل معلش أنا مش هقدر أقولك حتى لو عرفت حاجة عن ملاك!"
أصدر تنهيدة حارة ليخرج زفيراً متهملًا وهو يجيبها بخشونة بعد أن اتضح الأمر أمامه:
"واضح إنك عارفة كل حاجة! متقلقيش أنا مش عايز أذيها ومش بفكر في ده من أساسه عشان كدا أتمنى إنك تقوليلي لو عرفتي حاجة! وللعلم ملاك ذات نفسها تعرفني كويس."
وسرعان ما رحل من أمامها كالطيف وهي متصلبة تحملق في ذلك الكارت بتوتر لتهز رأسها بنفي قاطع هاتفة:
"مستحيل أخليهم يوصلوا لملاك إيه اللي يضمنلي يعملوا فيها إيه ما يمكن يقتلوها زي ما قتلوا باباها!"
***
أستل الليل ستائره ليبسط القمر ردائه في السماء ينير الظلام الكاحل. بينما في وسط ذلك الظلام الدامس كان يجلس على أريكة هزازة في حديقة المنزل وبيده سيجارة يستنشق الدخان وينفثه على تهمل في جمود تام. سارت ليلى نحوه في خطوات شبه هادئة حتى توقفت أمامه لتهتف في صوت شبه غاضب:
"ايه يا أسيد انت من امتى بتدخن أصلاً؟"
في صوت أجش غمغم بحدة:
"ادخلي جوا يا أمي من فضلك وملكيش دعوة بيا، سيبيني وحدي!"
جذبت من يده السيجارة بعنف وألقتها على الأرض لتدعسها بقدمها صائحة به:
"أسيبك تدمر صحتك يعني، مش كفاية أخوك اللي رميت توبته من زمان كمان انت! عارفة وحاسة بيك بس مش أنت وحدك اللي زعلان على مريم كلنا زيك وحد الله كده يا حبيبي أنت من ساعة اللي حصل مش بتاكل غير لقمتين وبتقعد عليهم اليوم كله وعايز تشرب سجاير كمان."
انتصب واقفاً على قدميه ليهتف بخفوت مرير ونظرات تحمل في طياتها الألم:
"عمرك ما هتحسي بيا لا انتي ولا غيرك، لأن باختصار محدش عارف مدى النار اللي بتحرق في روحي بالبطيء. أنا متجوز من خمس سنين ولفينا أنا ومريم على دكاترة مصر كلها ومكفناش وسافرنا بره مصر عشان ربنا يكرمنا وبعد انتظار خمس سنين خسرت ابني اللي مستنيه ومراتي، الحمد لله على كل حال طبعاً بس متقوليش إنك حاسة بيا يا أمي."
أنهى كلماتها واندفع من أمامها ليتجه نحو سيارته وسط صياحها عليه المتتالي وهو غير مبالٍ لها فقد استقل السيارة وأنطلق كالبرق. تأففت بضيق وتمتمت:
"ليه يابني بتعمل كده بس في نفسك! يارب استرها علينا يارب.. ربنا يهديك يا حبيبي!"
***
نهض من الفراش ليرتدي بنطاله فقط ويترك صدره عارياً. جذب قداحته من أعلى المنضدة واشعل سيجارة ثم وضعها بين أسنانه، وخرج للشرفة ليجعل الهواء النقي يتخلل بين ثنايا صدره. فجذبت هي الملاءة على جسدها لتسترها وتناولت "الروب" الخاص بها وارتدته ثم نهضت واتجهت له وهي تهمس:
"مالك يا بيبى؟"
حدقها بنظرة استحقار قائلاً:
"مليش هيكون مالي يعني!"
التصقت به لتخلل أصابعها بين شعره الغزير متمتمة بدلال أنثوي:
"هو أنت مش ناوي نتجوز ولا إيه يا مراد، أنا نفسي نبقى مع بعض علطول."
أزاح يدها عنه بهدوء هاتفاً بابتسامة متغطرسة في نظرة وضيعة:
"نفسك تبقي معايا ولا مع فلوسي!"
رمقته في نظرة متوترة قليلاً وفوراً هتفت بتصنع الغضب والانفعال:
"إيه اللي بتقوله ده يا مراد أنا عمري ما فكرت كده، أنت عارف كويس أوي إني بحبك بجد!"
ارتج المكان بصوت ضحكته الرجولية وهو يجيبها ساخراً:
"لا والله بتحبيني!! يااه تصدقي أول مرة أعرف الخبر ده! بلاش نحور على بعض يا ميار لأننا الاتنين عارفين كويس أوي انتي عايزة إيه من ده كله، فـ أنا بقترح أن خلينا نستمتع مع بعض كده أفضل وأنا هفضل عامل نفسي عبيط.. لأن الجواز ده من سابع المستحيلات!"
لينحني ويطبع قبلة طويلة على وجنتها مغمغمًا بنبرة شيطانية:
"ولا انتي إيه رأيك يا حلوة؟"
أطالت النظر إليه بصمت في نظرة ملتهبة تنم عن طوفان عاتٍ بداخلها! بينما هو فدخل إلى الداخل وأكمل ارتداء ملابسه ثم جذب مفاتيح سيارته وهاتفه وأنصرف تاركاً إياها تشتعل من الغيظ وتتوعد له!
***
كانت ملاك انتهت من تجهيز حقيبة ملابسها للذهاب كما اتفقت معها "نيرة" ودقائق معدودة وفتحت لها الباب وهي تهتف باسمة:
"يلا اطلعى أنا عملت اللي ميتعملش عشان آخد المفتاح بتاع الأوضة من أكرم من غير ما يحس."
حملت حقيبتها على يدها واقتربت منها وهي تغمغم شاكرة إياها بنبرة ممتنة:
"شكراً يا نيرة بجد مش هنسالك اللي عملتيه ده معايا!"
في خفوت تام بنبرة شبه باردة أجابتها:
"العفو، مع أني عملت كده عشان فيه مصلحة ليا طبعاً بس برضه منكرش أنك صعبتي عليا بعد اللي عمله معاكي امبارح، يلا امشي بسرعة قبل ما يرجع."
أومأت برأسها بإيجاب وسرعان ما هرولت من أمامها مغادرة المنزل، تاركة خلفها عذابها في ذلك المنزل اللعين الأشبه بجهنم!
***
ظلت تسير في الشوارع بدون هدف محدد، بين سدول الظلام وعكرة الليل تلك التي لا يقال عنها سوى كائن من كائنات الله اللطيفة التي يجب حفظها داخل صندوق زجاجي حماية لها من الأذى والانكسار ولكن هيهات فلن تصبح الحياة حياة بدون ألم وانكسار. كان الهواء بارداً والجو صقيع فقد كانت ترتجف من البرد لدرجة أن أسنانها تحتك ببعضها، تخشى الذهاب لمنزلهم فيذهب لها وهي أمام بطش ذلك الحيوان لا شيء، حتى صديقتها فلن تستطيع حمايتها منه ولا تريد أن تعرضها للأذى. قضت شطرًا من الليل وهي تسير بدون هدف حتى تعبت من كثرة المشي فجلست في أحد الأماكن المعزولة عن أنظار الناس وأسندت رأسها على الحائط، تاركة العنان لدموعها بالسقوط متذكرة أمها: "ملاك ياحبيبتي أنا أكيد هييجي يومي عاجلاً أم آجلاً وأنا حاسة إنه قرب، لو حصلي حاجة روحي لجدك وخلانك مظنش أن جدك هيكرهك انتي كمان زي ما بيكرهني هو واخواتي."
في عينين ملتهبتين أجابتها: "لو آخر ناس في الدنيا يا أمي مش هلجألهم في وقت محنتي، مكنش رحيم على بنته هيبقى رحيم عليا أنا، شافك وأنتى بتتعذبي وعارف إن حالتك خطرة ولما بعتله أطلب منه مساعدة في مصاريف علاجك شوفتي قال إيه، كفاية إنهم السبب في موت بابا الله يرحمه.. انتي غلطتي آه في اللي عملتيه بس متوصلش للقتل يا ماما.. أنا الناس دول مش عايزة منهم أي مساعدة!"
لامست على شعرها بحنو متمتمة: "ربنا يكرمك يا بنتي ويحفظك يا رب."
انكبت على وجهها وجعلت تبكي بكاءً مراً، حيث نخر الحزن قلبها بلا هوادة بسبب تلك الذكريات الأليمة مع أمها وأبيها الذي لم تراه فقد قتل قبل ولادتها. مر الوقت لم تشعر بنفسها وهي تغمض عينيها بإرهاق ولم تفتحها إلا بعد ساعات عديدة فحدقت بالمكان من حولها بدهشة وخوف كيف عادت مجددًا.
رواية أشلاء القلوب الفصل الثالث 3 - بقلم ندى محمود
حدقت بالمكان من حولها بدهشة وخوف. وثبت جالسة في فزع عندما وجدت نفسها بغرفتها فى منزل زوجها.
لوهلة ظنت أن كل هذا حلم وأنها لم تهرب. ولكنها تأكدت عندما رأت ملابسها.
وما هي إلا دقائق وظهر ذلك الوحش الكاسر من خلف الباب. فأرتجفت أعضاء جسدها برعب جلي وفاضت عيناها بالعبرات كالأطفال.
فنزع سترته عنه وشمر عن ذراعين مفتولتين ثم سحب حزام بنطاله بنظرات مهيبة ولفه حول اصابعه جيدًا قائلًا بقسوة:
"واضح أن علقة امبارح مجابتش بنتيجة معاكى ياملاك، طاب حتى اصبرى كام يوم اكون نسيت أنك حاولتى تهربى، لكن تانى يوم علطول كده… احب اقولك أنك مش هتهربى منى ابدًا ياروحى أنا حاططلك جهاز تعقب فى تلفونك علشان كده ملقيتش أى صعوبة فى انى اعرف مكانك، ودلوقتى بقى استعدى لأنى ممكن اخليكى طريحة فى السرير طول عمرك"
أجهشت في البكاء ومن شدة خوفها انعقد لسانها ولم تستطع حتىَ أن تتوسله وتستعطفه أن يرحمها. فقد بدأ عقابه بصفعة دامية منه ثُمّ نزل بالحزام على جسدها بجفاء وكأنها جماد لا يشعر بشئ. ولكنها كانت تتلوى وتصرخ بين يديه والبكاء لم يتوقف للحظة.
حتىَ اصبحت لا قوة لديها للمقاومة فاستسلمت لعقابه وضربه لها كالصنم الذي لا حياة فيه، حتىَ كاد جسدها أن ينزف الدماء.
دلفَت في تلك اللحظة نيرة وسحبت من يده الحزام صارخة به بغضب:
"كفاية يا أكرم حرام عليك ياخى!"
هتف باسمًا باستنكار:
"ومن امتى الحب ده يانيرة هانم؟"
صاحت به مندفعة في انفعال:
"مش حب، بس أنا عندي قلب ومستحملش اشوف اللي بيحصل ده واسكت، اعمل فيها أي حاجة غير كده حرام عليك هتموت بين ايدك، اتقي الله شوية!"
كانت ملاك مستلقية على الفراش لا تعي أي شئ كالجماد الذي لا حياة فيه، فقط تسيل العبرات من مقلتيها بصمت.
فألقى هو بالحزام على الأرض وغادر. أسرعت نيرة هي نحوها تهتف في إشفاق:
"ملاك ردي عليا، ملاك"
كشفت عن جزء من جسدها فشهقت بهلع من هول المنظر فقد بدأ جسدها ينزف الدماء. تمزق قلبها إربًا على تلك المسكينة.
واخيرًا خرج صوتها الضعيف وهي تهمس بعينان تهيمان بالدموع:
"سيبيني وحدي يانيرة!"
لوت فمها بأسى ونهضت تاركة إياها بمفردها. و فور انصراف نيرة انفجرت ملاك باكية بشدة، بكاء أشبه بالصراخ وتكورت حول نفسها كالجنين في بطن أمه. لم يكن عساها شئ سوى الاستغاثة بالله فهو وحده القادر على تخليصها مما فيه. لعلها تكون ساعة استجابة ويستجيب الله لدعائها واستغاثتها به!
***
ارتفع النور في السماء والشمس الباسمة أرسلت شعاعها رفيقًا فوق المروج، بينما كان يجلس في مكتبه ينهي أعماله المتكدسة.
اقتحم الغرفة دخول ريان الذي رمقه أسيد بدهشة قائلاً:
"ايه يابنى أنت مش لسا ماشي امبارح لحقت تيجي امتى تاني!"
قال في شئ من الجدية:
"روحت ورجعت، صد رد يعني.. أنت عارف في شغل كتير هنا ولازم حد يكون موجود يخلصه وانت يدوب تلاحق على شركتك يا ابن العم ومروان كلها يومين وييجي كمان تاني"
بادله الجدية التامة ليغمغم بخشونة:
"طاب كويس أنك رجعت بقى، أكرم المناوي عازمنا عنده النهاردة على العشا"
جلس على الأريكة وأردف بتعجب:
"عازمنا!، ويعزمني أنا ليه ده أنا حتى مليش شغل معاه جامد زيك.. لا فكك مني يا أسيد روح له أنت بنيابة عني أنا أصلا مبينزليش من زور الراجل ده!"
خرج صوته الرجولي الحازم في امتعاض:
"على أساس إني أنا اللي بطيقه يا ريان، مضطر استحمله عشان مصلحتنا معاه وهو مصلحجي رقم واحد مهو مش هيعزمنا عنده غير لمصلحة ليه واحنا هنستغل ده طبعًا لصالحنا، فانت زي الشاطر كده هتيجي معايا عشان أنا خلقي ضيق اليومين دول واخاف يقول أي حاجة فاتجنن عليه، فتكون أنت معايا تهديني لو حصل حاجة زي كده"
قهقه بخفة قائلاً في مداعبة:
"وحياتك أنا اللي عايز اللي يحوشني عنه لاحسن ده راجل ملسلس!!!!"
ارتسمت شبه ابتسامة على ثغره مجيبًا بهدوء:
"طيب قوم شوف لو وراك حاجة خلصها عشان منتأخرش على المعاد"
***
جالسًا على مقعده الهزاز في غرفته يحدق في شاشة هاتفه، يتحرق شوقًا للاطمئنان عليها ولكن ما يعيقه تردده!
هب واقفًا متحفزًا ومسح على شعره الأسود الغزير باضطراب وهو ينفث أنفاس حارة من بين شفتيه فحسم أمره وأخرج رقم هاتفها ووضع الهاتف على أذنه منتظرًا إجابتها.
على الجانب الآخر كانت هي تجلس بصحبة أبنة عمها "سارة" يتحدثون في شتى الأمور.
فصمتت سارة لبرهة من الوقت لتهتف بترقب:
"أسمى أنا سامعة صوت موبايل بيرن شوفي ليكون تلفونك أنا تلفوني في ايدي أهو"
تلفتت حولها باحثة عنه بنظرها في استغراب فتشققت بتهذيب:
"معلش ياسارة هاتهولي مش هقدر أقوم هو تقريبًا تحت المخدة هنا"
نَـهَضت وأمْـسَـكَتْ به لِتُـحَـدِّقَ بالـمُـتَّـصِـل مُـردِّفَـةً بِنَـظْـرَةٍ لَـئِـيـمَـة:
"ده مروان!.. هو من امتى مروان بيتصل بيكي يا أسمى!"
عقدت الأخيرة حاجبيها مجيبة إياها في دهشة:
"مروان!، مبيتصلش أصلا وهاتي التلفون ونضفي نيتك شوية هاا يمكن يكون في حاجة مهمة عشان كده بيتصل"
ناولته إياها وهي تغمغم بمكر:
"خدي أما نشوف إيه هي الحاجة المهمة دي"
أجابت على الهاتف فأسرعت سارة وألصقت أذنها في الهاتف بجانبها لتستمع إلى حديثهم الذي كان كالأتي:
"الو يامروان"
تنحنح بنبرة رجولية مجيب بصوت هادئ:
"ايوة يا أسمى عاملة إيه؟"
بنظرات زائغة هتفت في خفوت:
"كويسة الحمدلله يامروان، خير هو في حاجة ولا إيه؟"
بصوت يفيض رقة وحنانًا هتف باسمًا:
"وهو لازم يكون في حاجة عشان أتصل يعني، عادي أنا اتصلت أطمن عليكي"
ابتعدت عنها سارة لتهمس في نظرات شيطانية وخبيثة:
"حاجة مهمة أوي الصراحة!"
التقطت أحد الزجاجات البلاستيك الممتلئة بالماء وضربتها بها بقوة على ذراعها لتصدر هي صوت صرخة شبه مرتفع. فيخرج صوته الحازم:
"ايه الصوت ده؟"
هتفت مسرعة في توتر جلي:
"لا ده التلفزيون كان عالي، أنا كويسة الحمدلله يامروان متقلقش، فيك الخير والله.. مرات عمي وجدو عاملين إيه؟"
لفظ الكلمات من بين شفتيه ببساطة في مرح قائلاً:
"كلهم كويسين، أنا بس اللي تعبان وطالع عيني في الشغل وريان بيه بقى مقيم في القاهرة خلاص!"
تعالت صوت ضحكتها الرقيقة وهي تكمل مزاحه:
"لا ريان أنا بقيت أشوفه أكتر ما بشوف مراد وأسيد، أنت مش قولت جاي تاني؟"
"_ اهاا احتمال اليومين الجايين بإذن الله آجي"
في خفوت أنثوي وصوت رقيق رشق في ثنايا قلبه فورًا:
"توصل بالسلامة إن شاء الله"
افتَرَّت شفتيه عن ابتسامة وهو يقول مبتهجًا:
"إن شاء الله، معلش أنا هقفل بس عشان في حد بيرن عايزة حاجة مني"
انسدل صوتها الناعم مجيبة:
"لا عايزة سلامتك، سلام!"
أنهت الاتصال معه لتقابل نظرات تلك ال "سارة" الخبيثة وهي تهمهم مقلدة جملتها:
"عايزة سلامتك، ياختي على الرقة، لا أنا أصلا مروان مكنتش مرتحاله والله من فترة والحمدلله اتأكدت من اللي كنت شاكة فيه خلاص"
صرت أسمى على أسنانها وهي تهتف بتحذير:
"قومي من جمبي ياسارة عارفة ليه عشان أنتي سوسة ودماغك سوسة زيك، طاب ما أسيد بيهتم بيكي زيي وأكتر لدرجة إني كنت بشك أنه بيحبك أكتر مني، ليه مقولتيش أني مش مرتاحة لأسيد!"
انتصبت في جلستها بحماس شديد وهي تهتف بوضوح:
"أقولك ليه عشان كلنا عارفين أن أسيد كان بيحب مريم أكتر من روحه ومازال، وثانيًا لأن أسيد فعلًا بيعتبرني زيك ومتأكدة أنه عمره ما فكر في حاجة وأنا بعتبره زي ريان كمان بس مروان الوضع مختلف بعدين بيبقى باين يا عديمة النظر إذا كان الشخص ده بيهتم لمجرد أنه بيعتبرك زي أخته ولا حاجة تاني، لكن أقول إيه أنتي أصلا… ولا بلاش حرام أغلط فيكي وأخد ذنوب عشان خاطر واحدة غبية زيك!!!"
التفتت حولها باحثة عن زجاجة الماء صائحة بها:
"فينها هي اللي ضربتك بيها اما أديكى بيها على دماغك المرة دي افتحها إن شاء الله، قومي من جمبي ياسارة قومي هتفقعي مرارتي جاتك القرفنة"
نَهَضَتْ مِنَ الفِـرَاشِ وَهِيَ تَـقَـهْـقَـهُ بِـقُـوَّةٍ هَـاتِـفَـةً بِـمُـدَاعَـبَـتِـهَـا الـمُـعْـتَـادَة:
"ماشية وسيبالك ياهبلة، استني بس أشوف مروان ده أنا هزله زل، ده أنا كنت اتحنسه يامروان خدني معاك في طريقك وصلني بالله عليك ياخى ولا في مرة رضى فيها ويقولي مش فاضي ماشي يامروان هطلعه عليك اصبر عليا بس!"
سيطر جو من المرح عليهم لتجيبها أسمى ضاحكة:
"على أساس أن ريان كان بيوصلك يعني ما كنتي بتلفي على البيت كله وفين لما ريان يوافق لما أنا أقوله خدها معاك ياخدك، هو عمي بس اللي مبيرضاش يزعلك في حاجة لكن أنتي مهزقة في البيت كله أصلا يامهزقة"
خلعت حذاء قدمها بمهارة وألقته عليها لتهتف في اغتياظ:
"أنا قولت حرام آخد ذنوب عشان واحدة زيك، اصبري ياحبيبتي الدنيا دوارة وكلكم هيبجي عليكم دور واهو أولكم مروان!"
لتلتقط حذائها مجددًا وترتديه لتغادر وهي تلقنها ببعض الكلمات الغاضبة والمغتاظة وتقابلهم الأخرى بالضحك الشديد.
وبينما هي في طريقها إلى غرفتها وتهندم من هيئة حجابها الغير منظم، اصطدمت بمراد الذي طالعها باسمًا وهتف برجولة:
"ايه بتتشاكلى مع دبان وشك ليه!"
حدثته في انفعال مزيف:
"اديك قولت يعني ممكن اتشاكل معاك انت كمان، وسعلي كده!"
أصدر ضحكة رجولية مجيبًا في برود:
"أنا بارد مش هوسع ياستي!"
أخيرًا زين وجهها الابتسامة وهي تجيبه بمرح:
"طاب كويس انك عارف يابارد، ابعد يامراد بقى عايزة اروح آكل"
أفسح لها المجال للعبور وهي يطالعها بإبتسامة صافية فعادت له مجددًا لتهمس في فضول شديد بنظرات طفولية:
"ألا أنت كنت فين من امبارح صح؟"
ليجيبها بتقليد لطريقتها في ابتسامة:
"وانتي مالك انتي ياحشرية كنت فين!"
بإبتسامة بلهاء في مداعبة هتفت:
"متخافيش والله سرك في بير مخزوم، انت تعرف عني أني بقول حاجة لحد!"
مراد بضحك بسيط:
"انتي مش قولتي عايزة اروح أكل، ولا فضولك شبعك دلوقتي، امشي يابت بلا كنت فين!"
زمت شفتيها في غضب زائف مردفة باغتياظ:
"تصدق إني غلطانة كنت عايزة أشاركك أسرارك، ماشي يامراد براحتك"
***
في إحدى محافظات الصعيد.
كان يلتف الجميع حول مائدة الطعام يتناولون طعامهم بصمت حتى اخترق قفاعة الصمت أشجان الذي هتفت وهى تعلم تأثير تلك الكلمات التى ستقولها على كل واحد جالسًا على الطاولة:
"فردوس قطعت بينا كانت متسكتش واصل على الوكل وبتخلى الوكل ليه طعم، بس أهي محدش عارف وينها وبتها وين.. هي اللي عملت في روحها إكده!"
تسلطت جميع أنظار من على الطاولة عليها ليترك محمد الذي يجلس في بداية الطاولة المعلقة من يده بعنف صائحًا:
"هتخلينا نطفح الوكل ولا إيه أشجان، كام مرة أنا هعيد وأزيد في الموضوع ده وإن محدش يچيب سيرتها قصادي، متخلنيش اقول الكلام ده تاني مفهوم"
في مكر دفين هتفت:
"ياعمي كانت صغيرة لما عملت إكده ومكنتش تعرف حاجة"
صرخ بصوت جهوري أوقع الرعب في قلوب الجميع:
"وهو الموضوع خلص على اللي عملته بس، أخوها مات بسببها ويتيمت ابن أخوها اللي كان لسا سبع سنين وأخوها التاني اللي كان عياله لسا صغيرين، واحدة كانت عندها عشرين سنة مكنتش فاهمة الغلط من الصح، هي لو كانت قاعدة كنت زماني دخلت السجن فيها"
نظر ثروت إلى زوجته بنظرة نارية هاتفًا:
"يا تاكلي بسكاتك ياتطلعي على أوضتك فوق"
انفعلت بشدة لتهتف بغضب:
"واسكت ليه ما كلنا عارفين أن عزت مكنش عايز يتچوز أحلام ومرات عمي الله يرحمها هي اللي غصبت عليه وأنه كان ماشي بطال وأنا مش عارفة أصلا هي إيه اللي مقعدها لغاية دلوقتي بعد ما جوزها مات خلاص"
وجدت صفعة قوية تهوى على وجنتها من زوجها وهو يصيح بها:
"اطلعي على الأوضة واستنيني"
بينما أحلام فنهضت من على الطاولة مسرعة إلى غرفتها بالأعلى وهي تبكي بقوة.
فهب مروان على قدمه في نظرات مشتعلة وصوت رجولي مهيب هاتفًا:
"علشان يكون في معلومكم بس أمي خط أحمر وقسمًا عظمًا ما هرحم حد لو فكر أنه يدايقها بالكلام بس، ومن بكرة هاخد أمي ونروح نعيش في بيتنا مش عشان حد لا عشان أنا مش عايز أشوفها زعلانة بأي شكل من الأشكال ومش هسمح لحد يقول كلمة في حقها، أنا مش هرد عليكي يامرات عمي أكتر من كده بس احترامًا لعمي وجدي"
صاح به جده في استياء:
"لا كتر خيرك يا ولد عزت عملت احترام قوي لينا واضح الاحترام!"
"أنا وسبق وقولت الكلام ده يا جدي أنا عند أمي معرفش حتى أبويا!"
ثم استدار ليصعد خلف أمه. بينما ثروت فرمقها بنظرة أرْجَفَتْها وهو يصرخ:
"غوري فوق وحسابي معاكي بعدين!"
***
خرجت من المرحاض وهي تلف المنشفة حول جسدها لتقف أمام المرأة تتأمل هيئة جسدها. وعلامات "الحزام" على كل من ظهرها وذراعيها لم تستطع حتى لمسهم. ورغم كل هذا ألمهم لم يكن أقوى من ما عاشته في الماضي وما تعيشه في الحاضر الآن.
وجهها التي ذهبت ملامحه الجميلة من شدة الحزن حتىَ أنها أصبحت تمتلك في وجهها آثار عذابها معه. أسفل عينها بقعة سوداء كبيرة وبجانب ثغرها كذلك. أصبحت كقطعة خردة قديمة لا تصلح للحياة.
لوهلة كانت تفكر في تخليص حياتها من هذا العذاب ولكن تلك المرة ليس عن طريق الهروب بل عن طريق الانتقال إلى خالقها!
فأصبحت تسأل نفسها باستمرار "هل أنا على قيد الحياة من الأساس حتى أتعذب وأهان وأذل لماذا أنا على قيد الحياة إذا" وتعود وتستغفر ربها مرارًا وتكرارًا على ما تقوله. وكعادتها تتطلع لنفسها في المرأة وتبتسم رغم كل شئ وكأنها تواسي نفسها بأن الفرج قريب كما وعد الله عباده أن بعد العسر يسر.
ليَدلف فجأة بدون سابق إنذار الغرفة فيتوقف قليلًا مكانه وهو يطالعها بنظرات جريئة مقتربًا منها في صوت لئيم:
"ايه الحلاوة دي بس يا لولو"
مد يده إلى ذراعها ليتحسس بأصابعه بشرة جلدها الناعم فدفعت يده بوحشية وهي تصيح به بشراسة غير معتادة:
"عايز إيه يا أكرم!"
جذبها من ذراعها بعنف وهو يغمغم منذرًا في نظرات وضيعة:
"شكلك شوفتي نفسك لما قولتلك أنك تتحلي من على حبل المشنقة، لا متنسيش نفسك ياقطة لأنك هتفضلي خدامة برضوا عندي مهما حصل ويارب أشوف صوتك ده بيعلى عليا تاني ياملاك انتي مطيعة ماشاء الله وهتسمعي الكلام طبعًا"
في نظرات متحدية وعدم مبالاة بتهديداته لها هتفت:
"مبقاش ليا حاجة أخاف عليها يا أكرم لو عايز تضربني تاني بالحزام اتفضل بس المرة الجاية ياريت متسبنيش غير لما تتأكد أني انتقلت لرحمة ربي.. وعلشان أقولك بس أن الله لا يرضى بالظلم وهييجي عليك يوم وتدوق من اللي بتدوقهولي"
ترك ذراعها بسخط متمتمًا:
"في ناس جايين دلوقتي مش عايز أشوف وشك تحت فاهمة، لغاية ما يمشوا تقعدي في الأوضة هنا"
***
أطرق الباب بهدوء ثُمّ دخل وتحرك نحوها ليضمها إلى صدره هاتفًا بنبرة ناعمة تحمل في طياتها الحزم:
"ما عاش ولا كان اللي يخلي دموعك تنزل وأنا لسا عايش ياست الكل"
أبتعدت أحلام عنه لترفع رأسها وتقبل جبين ابنها قائلة بحنان أمومي:
"ربنا يخليك ليا يابني ويحفظك ويكرمك في حياتك"
مد يده وجفف عبراتها هامسًا بنبرة لم تخل من الرقة:
"مش مرات عمي اللي تخليكي تعيطي، ولما تقول حاجة زي كده تاني تردي عليها يا أمي ومتسبهاش تقول كده واوعي تقولي جدي ولا عمي وعيب ومعرفش إيه، انتي خلي بس واحد منهم يرفع صوته عليكي وشوفي هعمل فيهم إيه كلهم"
ثم أكمل بنظرات حاسمة ونفس غاضبة:
"كده كده بكرة هنمشي ونسيبهالهم مخضرة"
في أعين متساءلة تحمل الدهشة أجابته:
"نمشي فين يامروان؟"
في شئ من الخنق تشدق بصوت رجولي صارم:
"هنروح نقعد في بيتنا القديم، أنا أصلا جبت آخري من عمايل مرات عمي ومش ضامن ممكن أعمل إيه لو عملت حاجة تاني خلينا بعيد عنهم أحسن"
همهمت بخفوت في إطاعة لأمر ابنها:
"اللي تشوفه يابني"
***
توقفت سيارة أسيد الصاوي أمام منزل أكرم المناوي ليترجل منها هو وريان. كانت هيبتهم طاغية على الجميع. حيثُ كان أسيد طويل القامة ذو استقامة رياضية تهابه جاذبية لا تقاوم يرتدي بنطال من اللون الأسود أعلاه قميص باللون الأبيض أعلاهم سترة جلدية تناسب برودة الشتاء والصقيع. أما ريان فكانت ملابسه لا تختلف كثيرًا عن أسيد ولكن لكل منهم جاذبية خاصة به.
تقدم نحوهم أكرم بأبتسامة عذبة، ليقف أمامهم ويصافحهم بحرارة هاتفًا بلطف بديع:
"البيت نور والله"
خرج صوت أسيد الرجولي هاتفًا:
"منور بأهله"
خرجت ملاك إلى شرفة غرفتها فتصلبت بأرضها عندما رأت ريان. تسارعت انفاسها واستحوذت عليها حالة من السعادة المفرطة وهي تحمد ربها، وكأن الله أرسله إليها ليكون نجاتها من ذلك الوحل.
أصطحبهم أكرم إلى الداخل وجلسوا يتبادلون الأحاديث في العمل باهتمام جلي. بينما هي فحاولت فتح الباب لكنها وجدته مغلقًا من الخارج. لعنت ذلك المنزل وذلك المدعو بـ "أكرم". وأخذت تضرب على الباب بكل ما أوتيت إليها من قوة صائحة:
"رياان .. ريااان!!"
رفع الثلاث رجال أنظارهم إلى أعلى من حيث انبعث ذلك الصوت ولكل منهم كانت قسمات وجهه تنم عن شئ مختلف. فقد فرت الدماء من وجه أكرم وأتسع بؤبؤي عينيه بصدمة ممزوجة بالاضطراب. وأسيد كانت عيناه تتساءل بفضول عن ذلك الصوت. أما ريان فكانت قسمات وجهه تنم عن دهشة ممزوجة بالتلهف لعلمه الجيد لذلك الصوت المألوف عليه.
رواية أشلاء القلوب الفصل الرابع 4 - بقلم ندى محمود
كانت قسمات وجه ريان تنم عن دهشة ممتزجة بالتلهف لعلمه الجيد بذلك الصوت المألوف عليه. نظر إلى أكرم وبأعين ملتهبة هتف:
"إيه ده؟"
هب واقفًا بأرتباك جلى وهو يهتف بتلعثم:
"معرفش، ثانية هروح أشوف إيه ده!"
أسرع إلى أعلى حيثُ غرفتها وهو يتوعد لها. تبادل كل منهم النظرات في ترقب. سرعان ما تذكر كلام تلك الفتاة:
"متعرفيش اللي اتجوزته ده مين، بيته فين، أي حاجة؟"
هزت رأسها نافية في أسف متمتمة:
"لا للأسف معرفش غير إن اسمه أكرم!"
كان أسيد يجلس صامتًا وكأنه ينتظر معرفة مصدر ذلك الصوت المجهول بالنسبة له.
***
دلف إليها كالتور الهائج ليقبض على عنقها خانقًا إياها وهو يهتف بخفوت مهيب:
"انتي فاكرة نفسك إيه، ها؟ هتهربي مني يعني مثلًا؟ أقسم بالله لو سمعت نفسك تاني يا ملاك لأكون قاتلك ودافنك في أرضك."
ولكن هيهات فقد تمردت السجينة على سجانها إلى الحد الذي جعلها تقف أمامه وهي لا تكمن ذرة خوف منه بداخلها. دفعت يده بشراسة عنها وهي تكمل صياحها وصراخها الهيستيري:
"ريااااان، أنا ملاك الحقيني!"
هنا باغتها بصفعة منه هوت بها على الأرض، سالت دماء فمها على أثرها. خرج وهو يغلق الباب خلفه، فقابل ريان في وجهه يتمتم بصوت يحمل في داخله التحذير:
"افتح الباب يا أكرم."
أكرم بخشونة في غضب:
"شرفتونى، تحبوا أوصلكم للباب ولا عارفين الطريق؟"
أخيرًا هاجت ثورة أسيد الخامدة ليجذبه من ملابسه مردفًا بصوت يقارب إلى فحيح الأفعى في نظرات نارية أوقعت في نفسه الرعب:
"أنا بقول تيجي توصلني أفضل بس وحدي يا أكرم علشان في مواضيع كتير عايز أتكلم معاك فيهم."
لم يهتم لهم ريان فقد فتح الباب على مصراعيه ليتأكد من ظنونه حين وجدها ملقية على الأرض تبكي بغزارة. هرول نحوها ليهتف بتلهف:
"ملاك انتي كويسة؟"
نظرت له بوجه ممتلئ بالعبرات وأعين متوسلة تترجاه هاتفة:
"ريان أبوس إيدك خدني من هنا متسبنيش مع الراجل ده!"
همس في صوت محتقن:
"أكرم جوزك مش كده؟"
أومأت برأسها في بكاء حار. فأكمل بلهيب النيران المشتعلة في عيناه بعد أن لاحظ الكدمات التي في وجهها والدماء السائلة من فمها:
"هو اللي عامل فيكي كده؟"
كانت تومئ له للمرة الثانية في انكسار. فانتصب في وقفته ليتجه نحوه وينتزعه من بين يدي أسيد، لينهال عليه باللكمات والضربات المتتالية ويشبع بألفاظ نابية. أبعده عنه أسيد وهو يصرخ به بصوت جهوري:
"ريان انت اتجننت، في إيه!!!"
صاح بصوت يرتجف من شدة الانفعال:
"******، دلوقتي فهمت ليه مش معرف حد بجوازك علشان عارف أني لو شميت خبر بس هاخد روحك وده اللي هعمله فعلًا."
كانت نظرة أسيد الصارمة له وهو يهمس بخفوت منذر:
"ريان بلاش تعفرتني اهدى وأرسى كده!"
ما زال لم يعرف شيئًا عن أشكال معاناتها معه المختلفة، لم يعرف سوى عن الذي رآه بعينيه، فماذا إذا ببقية الأمور!
رأت ملاك نظراته المخيفة له فلجأت بريان لتقف خلفه كالأطفال احتماء به من بطش ذلك الوغد. حيث وقف على قدميه وهتف بنبرة تحمل في طياتها التهديد:
"لو مطلعتوش من البيت دلوقتي هطلب ليكم البوليس."
وهم بجذب ملاك من ذراعها فتصدر له أسيد هذه المرة متدققًا في ابتسامة مريبة:
"بقت تخصنا خلاصة."
هتفت بصوت أنثوي رقيق ومرتعش:
"طلقني يا أكرم من غير مشاكل وكل واحد فينا هيروح لحاله."
خرج صوت ريان المتحشرج قائلًا بنظرات ملتهبة:
"بعد اللي عامله فيكي ده غصب عنه هيطلقك!"
أنقض أكرم عليه ليوجه له لكمة قوية وهو يصرخ به من شدة الانفعال:
"انت مين علشان تتدخل بيني وبين مراتي!"
أظهر على أنيابه وبرزت عروق رقبته. فتمطع بعنقه للجانبين وهو يهيأ نفسه لما سيفعله به الآن. فرأى نظرة أسيد الرزينة التي تحمل بداخلها الخبث وهو يغمغم بخشونة مريبة وابتسامة أوقعت الرعب في ثنايا قلب ذلك الـ "أكرم":
"خد ملاك ياريان وسبلي أكرم بيه في كلام كتير بيني وبينه هنتفاهم أنا وهو."
تظاهر بالثبات أمامه وأعضائه ترتجف بداخله. رمق زوجته التي ما زالت تلوذ بريان وتتشبث بملابسه. فهتف أسيد بابتسامة متغطرسًا:
"متخافش عليها في إيد أمينة، يلا ياباشا بقى."
سار معه وهو يشعر بالخطر يقترب منه في كل خطوة يسيرها معه. بينما ريان وملاك فتبعوهم وكل منهم استقل في سيارته. وقبل أن يستقل أسيد بسيارته رمق ريان بنظرة وابتسامة يعلمها جيدًا، جعلته يصعد بسيارته بارتياح.
***
توقفت السيارة في مكانها المخصص ليترجل مراد منها ويسير نحو باب المنزل. ولكنه توقف عندما لمح شيئًا يقف في الظلام الدامس. تسمر بأرضه لبرهة يدقق النظر محاولًا معرفة من هذا. لوهلة ظنه لصًا حيث أسرع في خطاه نحوه متحفزًا. وعندما اقترب اتضح أنها امرأة. ببداية الأمر عجز عن تحديد هويتها ولكنه بعد ثوانٍ تمكن من معرفتها. اقترب منها أكثر وهتف بصوت رجولي صارم:
"سارة بتعملي إيه هنا دلوقتي؟"
ارتعشت وانتفضت في وقفتها حتى كاد الهاتف يسقط من يدها. فأغلقت الاتصال وأخفته خلف ظهرها لتجيبه بنظرات مرتعدة وصوت متلعثم:
"هاااا... لا مش بعمل حاجة كنت بكلم وحدة صحبتي."
نظر إلى هيئتها بنظرات شائكة ليهتف بحدة:
"ولما هي صحبتك مالك مش على بعضك كده ليه؟ وبعدين هي صحبتك ينفع تكلميها في أوضتك فوق؟ إيه اللي موقفك في الضلمة دلوقتي وفي حراس وخدم؟"
فركت كفيها ببعضهما وهي تردف بتوتر:
"أنا آسفة، أنا نزلت أتكلم عادي مكنتش أعرف!"
"طاب اطلعي على الأوضة يلا ومتكرريهاش تاني."
أسرعت تغادر من أمامه في خوف. فنظر أسفله ليرى عقدًا يأخذ شكل قلب. انحنى والتقطه يتحسسه بأصابعه. هم بفتحه لتنتشله هي من يده بسرعة هاتفة بصوت به رجفة بسيطة:
"وقعت مني، شكرًا!"
رأت عيناه المخيفة فقد أيقن أنها تخفي شيئًا ليس بهين. ولكنه اكتفى بتلك النظرات التي جعلتها تهرول إلى الداخل هاربة منه.
***
وقف أمام السيارة متشدقًا بشيء من العنف:
"إيه هتقعد في العربية ولا إيه؟"
ترجل أكرم من السيارة وتلفت حوله يحاول رؤية أي بشر في تلك البقعة الصحراوية والمهجورة لا يوجد بها سوى مخزن صغير. فنظر له وغمغم بخوف بسيط:
"جايبنا هنا ليه يا أسيد؟"
وضع قبضتي يديه في جيب سترته الجليدية ليتحرك نحوه مجيبًا في خفوت مريب:
"أصل أنا راجل حقاني أوي الصراحة يا أكرم وبحب زي ما أدّي للناس حقها آخد حقي كمان واحنا في حسبات كتير بينا محتاجين نصفيها."
بنظرات مرتبكة أردف:
"حسبات إيه يعني فلوس قصدك؟"
أجابه باسمًا بمكر:
"إيه هو أنا شكلي مادي أوي كده؟ تعالى وهقولك حسبات إيه دي يا أكرم بيه."
تقدم أكرم أمامه وتبعه أسيد، حتى دخلا إلى ذلك المخزن الصغير لينظر له أسيد هاتفًا بغضب زائف:
"ولاد الحرام مخلوش حاجة في المخزن، شايف المخزن ده كان مليان بضاعة تمنها فوق 40 مليون، معندكش فكرة مين عمل كده وسرق البضاعة؟"
أزدرد ريقه وقد تغير لون وجهه إلى الأصفر وعيناه تعكس نظرات توحي بالرعب وبدأ العرق يسيل من على جبينه. فأكمل أسيد بهدوء ما قبل العاصفة:
"شكلك معندكش فكرة تحب أقولك أنا؟"
بصوت مبحوح أجابه:
"انت عايز إيه يا أسيد؟"
شمر عن ذراعين مفتولتين وهو يتمتم بحنجرة قوية:
"أنا عايز كل خير، زي ما قولتلك هنصفي الحسابات!"
وبدون مقدمات كان ينقض عليه ليبرحه ضربًا حتى خر على الأرض أمامه كالجماد الذي لا حياة فيه. انتصب في وقفته ويطرح ذراعه لأعلى وأسفل متصنعًا الألم وهو يهتف:
"كده صفينا أول حساب، الحساب التاني بقى هتمضيلي على شيك بـ 40 مليون دلوقتي."
انحنى يجزعه للأمام ليكون قريبًا منه وتابع حديثه بصراخ هز أركان الحوائط:
"فاكر نفسك مين هتضحك على أسيد الصاوي وتغفله، كان غيرك أشطر. لا وكمان رايح تعزمنا ياااه ده انت قلبك ميت بقى، لا والغباء واصل لـ level عالي عندك يعني أنت متجوز بنت عمتنا وبتعمل فيها كده وجاي تعزم ريان اللي هو أصلًا عارفها أكتر مني بس أهو الموضوع جه في صالحي."
أخرج من جيب بنطاله "شيك" وقلم وناوله إياهم صائحًا بصوت جعله يرتجف:
"امضي يلا!"
قام بأمضاء منه على تنازل 40 مليون من أملاكه له. فجذب الشيك من يده وهو يغمغم بنظرات وضيعة واشمئزاز:
"خليك هنا لغاية ما أشوف هعمل فيك إيه وموضوع طلاق ملاك ده هنشوفه بعدين!"
وجد أحد رجاله يدخل بعدما صاح مناديًا عليهم وهو يهتف برسمية:
"أوامرك يا أسيد بيه."
هندم من ملابسه جيدًا وهو يقف شامخًا ليجيبه بغضب:
"يتكتف ويتربط وتخلوا عينكم عليه وإياكم يفلت منكم واستنوا الأوامر مني."
***
صاح بها مزمجرًا:
"كل ده يحصل معاكي ومتقوليش يا ملاك!"
همست بأعين تهيمان بالدموع وصوت مزقه الحزن:
"مقدرتش أوصلك يا ريان صدقني وأكرم مكنش بيطلعني من البيت. حاولت كتير أوصلك واستنجد بيك من اللي أنا فيه معرفتش، أنا مكنتش عايشة أصلًا كنت شبه ميتة. الإهانة والمرار اللي شفته معاه عمري ما عشته."
ضغط على شفتيه السفلى وهو يهتف بنبرة متوعدة:
"مبقاش ريان الصاوي أما خليتك تتمنى الموت ومتطلبهوش. أسيد نقذك مني بس النهاردة... وأنتي أنا حتى عمتي معرفتش أنها ماتت غير من يومين وقابلت وحدة جيرانكم بتقول أنها صاحبتك وقالتلي أن عمتي ماتت وأن أنتي اتجوزتي."
بأعين تشع بحنين الشوق هتفت:
"بجد شوفت زمردة ياريان، وحشتني أوي نفسي أشوفها ليا فترة طويلة مشوفتهاش!"
خرج صوته الرجولي وهو شاخصًا بصره عليها:
"المهم دلوقتي أنتي هتيجي معايا البلد وهتقعدي هناك وموضوع طلاقك ده أنا هظبطه متقلقيش."
انتصبت في جلستها ثائرة وهي تلقمه بهذا اللفظ حجرًا:
"انت بتتكلم من عقلك؟ أنا عندي أقعد في الشارع ولا أني أدخل البيت ده، مش هنسى الأذية اللي سببوها لماما وبابا اللي مات غدر بسببهم واولهم أبوك ياريان كان عارف باللي هيحصل ومحاولش حتى يمنع اللي عمل كده، بس أنا مستنية إيه من ناس مشفقوش على بنتهم هيشفقوا على الغريب!"
لوى فمه بعبوس وهو يزيح نظره عنها في ضيق واضح. فزفرت هي بخنق مكملة باعتذار:
"أنا آسفة ياريان مقصدتش أضايقك والله بس أنا بجد مش عايزة أي حد من العيلة دي، أنت الوحيد اللي بنسبالي كل حاجة أنت وسارة وعارف معزتك عندي وبحبك إزاي متزعلش مني أرجوك."
تنفس الصعداء باقتضاب متشدقًا بوجه متهجم:
"خلاص ياملاك طالما رافضة تيجي البيت معايا، روحي اقعدي عند أسيد مؤقتًا لغاية ما أظبط الأمور!"
بريبة تتجلى في عينيها هتفت متسائلة:
"أسيد مين ده؟"
"اللي كان معايا ياملاك ابن خالك ياسر، اقعدي معاهم مؤقتًا.. هو معاه أخته وسارة كمان قاعدة هناك الفترة دي يعني مش هتكوني لوحدك ومرات عمي كمان موجودة."
تلاطمت أفكارها وترددت مليًا لتجيبه بعدم اقتناع:
"انت مالك النهاردة ياريان، عايزاني أروح عنده وأنا أصلًا أول مرة أشوفه النهاردة ولا أعرفه ولا حاجة ولا حتى أعرف أمه ولا أخته معرفش غير سارة."
بنبرة شبه ضجرة هتف بحزم:
"مهو مش هتيجي معايا يبقى هتروحي عند أسيد ياملاك لأني مستحيل أسيبك تقعدي في شقة لوحدك، ها؟ هتختاري إيه تيجي معايا ولا تقعدي عند أسيد؟"
أشاحت بوجهها عنه معربة عن اعتراضها على الاختيارين فوجدته يهتف مقررًا بالنيابة عنها:
"تمام طالما مش هتختاري انتي هختار أنا.. هتقعدي عند أسيد."
أجرى اتصالًا به وأخبره أنه في طريقه إليه. وفور وصوله جذبه إلى أحد الأركان بعيدًا عن مسمعها ليهتف بخفوت:
"عملت إيه؟"
بصوت غلبه الوجوم أجابه:
"عملت إيه يعني، عملت الواجب معاه متقلقش قاعد تحت إيدي، إيه هتروح معاك البلد ولا لا مظنش أنها وافقت؟"
"أكيد طبعًا موافقتش أنت مش محتاج أقولك ملاك وعندها إزاي أنت عارفها كويس. قولت لها تروح تقعد عندك لغاية ما الأوضاع تتظبط."
نظر لها بأعين صارمة جعلتها ترتبك بشدة وتشيح بوجهها للجهة الأخرى لتتقي نظراته الحادة وهي تتساءل كيف ستعيش مع ذلك الرجل إذا كان ينظر لها هكذا من أول لقاء بينهم. بينما ريان فهمس له بنبرة لا تحمل نقاشًا:
"أنا أقنعتها تروح تقعد عندك بالعافية."
أومأ برأسه إيماءة بسيطة في عدم اعتراض مجيبًا:
"متقلقش أنا هعرف أتعامل معاها إزاي."
هز رأسه بالإيجاب له ثم عاد لها ليهمس بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا:
"ملاك روحي مع أسيد بقى وأنا هرجع البلد لأن ورايا شغل مش هينفع أتأخر عليه أكتر من كده متقلقيش هبقى على اتصال معاكي طول الوقت."
قبضت على يده وهي تهتف بنبرة راجية وأعين دامعة بلهجة شبه طفولية وبريئة:
"خليك معايا النهاردة ياريان علشان خاطري، أنا خايفة ما أروح مع اللي اسمه أسيد ده مشوفتش بيبصلي إزاي متسبنيش بالله عليك."
في نظرة دافئة ونبرة عاشقة تحمل الحنان والقليل من المزاح:
"مين أسيد! .. لا يمكن بيتك؟"
"أهلك؟ أصلك لسا متعرفوش متخافيش مش هيعضك ياقلبي والله.. يلا قومي ولو عاوزة حاجة خدي رقمي من أسيد ورني عليا."
كفكفت عبراتها كالأطفال وتمنت لو تتمكن من معانقته قبل مغادرته ولكن لا يجوز. فاكتفت بتوديعه بالمصافحة، ثم سارت على حرج بجوار أسيد لتستقل بالمقعد الخلفي للسيارة وهي تنظر في كل شيء عدا وجهه وكأنها تتفادى نظراته التي أنزلت الرعب في قلبها فورًا. تارة تتابع الطريق وتارة تفرك يديها ببعضهم وتنظر أسفلها. كان ينظر لها في المرآة العلوية نظرات قوية. ليخترق فقاعة الصمت طافقًا بنبرة غريبة:
"عمتي ماتت إمتى وإزاي؟"
سعلت بخفة لتزيل بحة صوتها ولكنها لم تنجح حيث أجابته بصوت يكاد لا يسمع في خوف جلي:
"آآآ... من تلات شهور كده كان عندها ورم في المخ ومقدرتش أعملها العملية في المعاد المناسب فتوفت."
أكمل بنفس نبرته السابقة:
"واتجوزتي الحيوان ده بعد موت عمتي طول؟"
أومأت بإيجاب على استحياء وهي تهرب منه بنظراتها لتهمس في صوت أنثوي رقيق:
"معلش ممكن توقف العربية قدام أي سوبر ماركت بعد إذنك عايزة أشتري أي حاجة آكلها لأني جعانة جدًا الحقيقة."
أوقف السيارة وتشدق بصرامة في لهجة غريبة:
"خليكي مكانك هنا هروح أجيب لك اللي عايزاه وأجي."
هتفت في اعتراض تام وتبرم:
"لا لو سمحت سيبني أنا أنزل متقلقش معايا فلوس يعني!"
في نبرة شبه متغطرسة وأعين ثاقبة:
"طاب كويس خليها معاكي بقى الفلوس تنفعك وقت زنقة أنا مسألتكيش معاكي ولا لا، مش عايز كلام كتير يا ملاك."
وسرعان ما استدار وسار مبتعدًا عنها لتهتف هي بأنفعال في اغتياظ:
"انت يا اخينا أنت، هو بيتكلم من منخيره كده ليه!! .. هو أنا ناقصة ياربى، من ده لده ياقلبي لا تحزن، ماشي ياريان أما أشوفك بس همسك فيك بإيدي وسناني ومش هخليك تمشي من غيري تاني!"
***
كانت كل من أسمى وليلى يجلسوا على أحد الأرائك الكبيرة في "الصالون" يتحدثون عن أمر ليس بهين حيث هتفت أسمى بنبرة شبه ضجرة:
"ماما بلاش جنان تقول لي أسيد ومراد إيه متخلينيش أندم أني قولت لك."
صاحت بها ليلى وقد تملكها الغضب بأكملها:
"ده واحد حيوان وزي ما أذاكي قبل كده هيأذيكي تاني وأنتي عارفة مكانه ومش عايزة تقوليلنا، ولا لتكوني لسا خايفة عليه ياهانم؟"
هزت رأسها نافية في اضطراب بسيط وهو تتشدق باندفاع:
"خايفة عليه إيه بس ياماما أنا لو أطول هشرب من دمه، أنا خايفة على أسيد ومراد أنا مش هعرف ولادك أكتر منك يعني، وأنتي عارفة أسيد بذات هيعمل إيه لو عرف مكانه والله يا أمي هيقتله وأدينى بحلف قدامك كفاية أنه حاول يعتدي على مريم الله يرحمها ويقتلها لو مستغنية عن ابنك روحي قوليلوا يا ليلى هانم مكان معتز في المكان الفلاني بس بعد كده متلوميش غير نفسك على اللي هيحصله."
هزت رأسها عدة مرات متتالية في عدم اقتناع وهي تتمتم بحسم:
"مهو لو مقولتش لأسيد أو مراد أنا هتصرف لأني لا يمكن أسيب البني آدم ده يعيش حياته براحة."
استقرت في عينيها نظرة ساخرة وهي تجيبها باستنكار:
"إيه هتقولي لريان ولا لجدو ولا لعمي ولا لمروان ولا لمين بالظبط علشان يكونوا في معلومك دول أنيل والله وتخيلي لو عرف أسيد أنك روحتي قولتي لواحد منهم ومقولتيش ليه هيعمل إيه، ماما ياحبيبتي افهمي ده مش حل صدقيني الحل أنك تسبيها ماشية كده وربنا هيسترها إن شاء الله."
حدجتها بأعين معترضة على ذلك الرأي ولكن لم يكن عساها شيء سوى أثر هذا الرأي حفاظًا على أبنائها من الضياع.
***
استقرت السيارة داخل قصر "ياسر الصاوي". فترجل هو من السيارة والاخيرة ظلت بالسيارة وهي تفرك يداها بتوتر. أتاها صوته الأجش عندما أحنى رأسه لينظر لها من نافذة السيارة وهو يقول:
"خير هتباتي في العربية النهاردة ولا إيه، انزلي يلا!"
فتحت الباب على مضض ونزلت فرفعت نظرها إلى ذلك القصر بذهول والتفت حول نفسها تتفحص الحديقة الضخمة والفخمة مثل المنزل. ارتفعت فوق ثغرها ابتسامة ساخرة وهي تهتف بصوت باطني "إن كان هذا هو منزل أحد أبناء محمد الصاوي فكيف هو منزل العائلة، أيعيشون في كل هذا الهناء والرخاء وأنا وأمي شهدنا جميع أشكال العذاب والإهانة.. توفيت ولم يعلم بوفاتها أحد كانت في أمس احتياجها لبعض المساعدة ولم يمد لها أحد يد العون، كيف يمكنكوا العيش بهناء بعد كل هذا، لن أسامح أي شخص منكم."
انتفضت على صوته وهو يهتف متعجبًا:
"ملاااك، سرحتي فين كده!"
ابتسمت له بسخرية هاتفة بمرارة:
"لا بس بتخيل إذا كان ده بيت ياسر الصاوي فبيت محمد الصاوي نفسه إزاي، اللي عايش حياته بكل سعادة وبنته ماتت بعد سنين بتعافر في المرض ومكنش في حد جنبها غيري، حتى جوزها قتلوه.. ما علينا ممكن تطلبلي ريان عايزة اكلمه؟"
أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا وناولها إياه وهو يدقق النظر بها في صمت تام يفكر في حديثها. فأبعدت هي عنه قليلًا لتجيب على ريان بشيء من الغضب:
"انت فين ياريان!؟"
قطب حاجبيه من نبرة صوتها وغمغم في قلق جلي:
"في الطريق رايح البلد فيه إيه ياملاك حد عملك حاجة أو ضايقك؟!!"
زفرت بخنق وخرج صوتها محتقن:
"مش عايزة أقعد في البيت ده ياريان صدقني مش هستحمل أشوف أي حد منهم، ارجوك تعالى خدني ووديني في أي مكان."
في صوت رجولي حانٍ استطرد باسمًا:
"معلش ياملاك استحملي أنا كلها يومين وهاجي تاني وآخدك!"
صاحت في صوت شبه مرتفع وهي تهتف ببكاء:
"أنا مجرد ما بصيت على البيت مقدرتش ما بالك لو دخلت جوه وشوفتهم، افهمني ياريان الناس دي هما السبب في اللي أنا فيه ده واللي عشته لو مجيتش واخدتني أنا همشي لوحدي."
وجدت من يسحب الهاتف من على أذنها بعنف ويجيب على ريان بصلابة قائلًا:
"كمل طريقك ياريان متقلقش."
ريان في شيء من الاهتمام والقلق البالغ:
"بالله عليك يا أسيد خلي بالك عليها، حاول تهديها."
أنزل الهاتف من على أذنه ووضعه في جيب بنطاله ليحدقها بنظرة مرعبة مغمغمًا:
"أولًا احنا ملناش أي دخل باللي عشتيه سواء أنتي أو عمتي عايزة تقعدي معايا يابنت الناس لغاية ما ييجي ريان أهلًا وسهلًا مش عايزة يبقى زي ما قولتي لريان همشي لوحدي وأنا مش همنعك."
سالت عبراتها الحارقة على وجنتيها وهي تحدقه بأعين بريئة كبراءة الأطفال لتصرخ به في انفعال ونشيج مسموع:
"انت بتكلمني كده ليه من ساعة ماشوفتني، لأكون قتلتلك قتيل وأنا معرفش، صحيح هكون مستنية إيه منك ماهي العيلة كلها واحد ماشاء الله.. مش عايزة أقعد ولا أدخل البيت ده أصلًا عندي أقعد في الشارع ولا أني أدخل معاك بعد اللي قولته ده."
واستدارت لترحل تاركة الأخير مستمرًا يتابعها وهي تغادر المنزل بأقصى سرعة.
رواية أشلاء القلوب الفصل الخامس 5 - بقلم ندى محمود
استدارت لترحل، تاركة الأخير مستمرًا يتابعها وهي تغادر المنزل بأقصى سرعة.
شعر برجولته تتهمه على تلك الجريمة الذي سيفعلها إن ترك تلك القطة الصغيرة تسير ليلًا وتتجول في الشوارع لتكون فريسة للكلاب. فاستغفر ربه وركض خلفها ليقبض على ذراعها ليوقفها، هاتفًا على مضض:
- مفيش خروج يا ملاك، ادخلي جوه يلا. أنا آاااا.. مكنتش أقصد، أنا بس بتعصب بسرعة اليومين دول.
ضحكت بخفة قائلة متغطرسة:
- إيه مش كنت دلوقتي؟ اتفضلي، مش همنعك. إيه اللي اتغير؟ ثانيًا، أنت مالك أنت وبصفة إيه تقول لي مفيش خروج ها؟ ثالثًا، وده الأهم، شكرًا جدًا يا أسيد بيه على التوصيلة، أنا المكان اللي هروحه قريب من هنا أصلًا، يعني وفرت عليا المشوار. ولو ريان اتصل، قول له مشيت وهو هيعرف أنا روحت فين!
لم يتمكن من التحكم في انفعالاته، فصرخ بها في غضب عارم:
- أيوه، يعني هتروحي فين في نص الليل دلوقتي؟ ادخلي، ولو عايزة تمشي ابقي امشي الصبح يلا.
انكمش جسدها من صراخه بها، وهتفت بصوت تخنقه العبرات وأعين دامعة:
- مش عايزة ادخل، وابعد عني لو سمحت!
تفهم خوفها منه وأنها كطفل صغير لا تتحمل صراخ أحدهم بها، ولا تأتي بالعنف والشدة بل بالإرضاء وإقناعها بطريقة حانية. فصر على أسنانه ومتشدقًا بصوت هادئ تمامًا:
- طيب ادخلي يلا، مش هقعد أعيد وأزيد في كلامي كتير يا ملاك، مش هاكلك أنا.. في الواقع، كان نفسي يبقى أول لقاء لطيف، بس أنت عنيدة وهتتعبيني، فبلاش عند واتفضلي.
ببكاء حار يشبه بكاء الأطفال، صاحت في صوت متشنج:
- قولت لك مش عايزة أقعد معاك، أنا قولت لريان أصلًا ميسبنيش معاك وبرضه مشي وسابني، وابعد بقى من قدامي كده يا اسمك إيه، خليني أمشي!
جملتها الأخيرة جعلت الضحكة القوية تخرج أخيرًا منه، التي لم تخرج منذ وفاة زوجته، لتعيد الجمال لوجهه مجددًا، ويجيبها ضاحكًا:
- اسمي أسيد، مكنتش متوقع إني بخوف زي كده. بعد كده هبقى آخد بالي لما أتكلم معاكي، لأنك واضح إنك حساسة زيادة عن اللزوم. على العموم، حقك عليا يلا بقى!
كما توقعها طفلة، إن كنت تريد إرضائها فتعامل معها بكل لطف. سارت معه إلى الداخل وهي تجفف عبراتها بظهر يدها، بينما هو فمسح على وجهه وشعره وهو يزفر بشيء من الضيق، حتى دخلا إلى المنزل فقابلوا كلًا من أسمى وليلى، الذين هبوا واقفين يحدقون بتلك الفتاة المجهولة في استغراب وأعين متسائلة. حين قالت ليلى بريبة شديدة:
- مين دي يا أسيد؟
كانت هي تطرق أرضًا في حياء وقلق، حتى سمعت نبرته التي مازالت تخيفها حتى الآن وتجعلها ترتعب عندما يتحدث:
- دي ملاك بنت عمتي فردوس، هتقعد معانا لفترة كده.
همت بأن تجيبه ليلى في نظرات تنم عن اعتراض واستياء منها، فأكمل هو مقاطعًا بصرامة وصوت يهتز له البدن:
- وقبل ما حد ينطق ويحرف، أنا قولت هتقعد معانا. كده الأمر صدر خلاص ومفيش مجال للنقاش.
- يعني إيه مفيش مجال للنقاش؟ واتلميت عليها فين دي؟ ولا أنت نسيت كلام عمك وجدك؟ البنت دي مش هتقعد في البيت هنا يا أسيد، أنا إيه عرفني كانت عايشة إزاي؟ مش يمكن تكون زي أمها!
رفعت نظرها بهما، ومن ثم به في أعين منكسرة وهمت بالاستدارة والرحيل، فغرز يده الفولاذية في رسغها وهو يهتف بشيء من الصياح:
- أمي.. أنا قولت اللي عندي خلاص، وعلى الله حد يضايقها. دي ضيفة هنا واحترام الضيف واجب، ولا إيه يا صاحبة الواجب؟ خوديها يا أسمى على أوضتها.
حول نظراته الهادئة لها، يشير لها بالذهاب معها، وكأنه يقول لها "لا تقلقي".
***
اصطحبتها أسمى إلى إحدى الغرف لترمقها بنظرة بغيضة مغمغمة:
- وأنتي عرفتي أسيد منين بقى؟
لم يخرج صوت منها، اكتفت بملامح وجهها المنكسرة والضعيفة وهي تحدقها بصمت. فأكملت أسمى حديثها في ابتسامة استنكار:
- هتقولي إزاي؟ ولا ليكون هدفك هو إنك تاخدي حق أمك وأبوكي؟ أحب أقول لك إنك مش هتطولي هنا، يعني مش هتلحقي تعملي حاجة. آاااا…
أتاها صوت أخيها الجهوري وهو يهتف بنظرة أوقعت الرعب في قلبها:
- أسمى! أنا قولت إيه تحت؟ اتفضلي على أوضتك يلا، وحسابي معاكي بعدين!
صرخت به لأول مرة في مرارة وسخط هادر ممزوج بصوت تخنقه العبرات:
- لا مش همشي يا أسيد! أنت نسيت إن عمتي دي هي السبب في موت بابا وعمي عزت، وأنت جايبلنا بنتها وعايزين نتعامل معاها بحب ونرحب بيها أحسن ترحيب!
جذبها من ذراعها بعنف وهو يصيح بها بانفعال:
- انزلي تحت استنيني وأنا جايلك.
استقرت نظرة شرسة منها على ملاك المتصلبة وعبراتها على وجنتيها غزيرة، ثم هبطت لأسفل كما أخبرها. فتوجه هو لها ليجدها تطفق بصوت مبحوح:
- أولًا، أنا أمي مقتلتش حد، فاهم؟ ثانيًا، أنا مش عايزة أقعد هنا، أنا هربت من أكرم ومن تعذيبه ليا علشان آجي أنيل منه.
انزفر بخنق وهو يمسح على شعره الأسود الغزير ليجيبها بشيء من الحدة:
- أكرم، هتطلقي منه زي ما وعدناكي أنا وريان، وإنك تتخيلي إني أسيبك تمشي بليل دلوقتي، فأنا بقترح إنك تفضلي تتخيلي كده، لأنه مش هيحصل. قولت لك بكرة الصبح عايزة تمشي امشي.
تكلمت عيناها بالنيابة عنها لترد باعتراضها عليه، لتقابل نظراته الثاقبة كالصقر التي لا تنم عن أي تنازل منه لما قاله. أقنعها عقلها بأن الذهاب صباحًا سيكون في صالحها أكثر. خرج صوته الخشن قائلًا:
- نامي والصباح رباح إن شاء الله. ولو عاوزة حاجة، أنا موجود في الأوضة اللي قدامك دي.
أصبح عقلها يتساءل بشدة حول ماهية هذا الرجل، لحظات تجده يعاملها بقسوة، ولحظات بحنان وهدوء. حقًا، أنه رجل غريب الأطوار، لا يستطيع أحد فهم طريقة تفكيره بسهولة. نظرت حولها باحثة عنه فلم تجده، فرجحت أنه ذهب، بينما هي تقف شاردة بأمره.
***
فتح الباب على مصراعيه لينتفضوا بفزع من هيئته المرعبة، وبالأخص أسى. ازداد رعبهم عندما صرخ في صوت مهيب:
- اللي عملتيه ده إيه معناه؟ ممكن أفهم يا أسمى هانم؟
انتصرت لها ليلى لتهتف بثبات تام:
- مغلطتش في اللي قالته. أبوك قعد يحمي عمتك دي لغاية ما مات بسببها، وأنت دلوقتي بتحمي بنتها. إيه مش هامك لا أنا ولا أخواتك؟
ضرب بقبضة يده القوية على الحائط وهو يهتف في انفعال جلي:
- أمي! كلنا عارفين كويس أوي إن عمي عزت مات ليه، انتوا اللي مش عايزين تصدقوا وبتحاولوا ترموا اللوم على عمتي. وبابا مات موتة عادية زي أي إنسان، ومش هتعرفوا أكتر مني لأني كنت معاه في اللحظة دي. لو مش عاملين احترام ليا، أنتي وبنتك، اعملوا احترام لياسر الصاوي الله يرحمه، وإنه هو السبب إني أجيب ملاك هنا البيت، وأنتم فاهميني كويس!
غارت عليه كالوحش الهائج وهي تصيح باعتراض قاطع:
- لا مش فاهمين يا أسيد، وأنا مش عايزة البنت دي تقعد في البيت هنا ومش هتقعد، زي ما جبتها، مشيها بكرة!
انتصب وقفته وهو يحدقها بشموخ وأعين ثابتة تمامًا لم تعِ أي اهتمام، هامسًا:
- مش هتمشي يا أمي، إلا بمزاجها. وأتمنى إن اللي حصل ده ميتكررش تاني، لا منك ولا من الهانم اللي وراكي.
دخل مراد في تلك اللحظة وهو يهتف باستغراب شديد:
- فيه إيه؟ صوتكم عالي كده ليه؟
وجد أمه تصرخ بأخيه قائلة:
- بتعصي أوامري يا أسيد؟ دي آخرتها يا ابن ياسر!
تصنع البرود التام وهو يهتف بحدة:
- أنا قولت اللي عندي ومعنديش حاجة أقولها تاني.
وسرعان ما استدار وغادر، تاركًا ليلى وأسمى يشتعلان من الغيظ. لتهتف ليلى بنظرات تحمل في طياتها الوعيد:
- تمشي بمزاجها؟ وأنا هخليها تمشي بمزاجها. أنا بتعصي أوامري يا أسيد، لا وبتوقف في وشي علشان البنت اللي أمها السبب في موت أبوك!
خرج صوت مراد المصدوم متشدقًا:
- هي ملاك هنا؟!
وقع نظر أسمى عليه، التي حدقته بغيظ وتمتمت باستياء:
- إيه؟ هو أنت تعرفها كمان!
صرخت ليلى متغطرسة:
- اهااا، مهو هيختلف إيه عن أخوه!
لم يعيرهم اهتمام، فقد حدق في اللاشيء بشرود يتأمل الأمر ويتساءل حول ماذا حدث حتى جعل أسيد يجلبها المنزل.
***
دلف إلى غرفته ونزع سترته عنه، ليزفر بقوة في اقتضاب. ألقى بجسده الصلب على الفراش محدقًا في سقف الغرفة، داخله أعاصير، دوامات تعافر في إزالة كل ما هو مثمر وجميل. جاهدًا هو في الصمود أمامها، وبالفعل تخطاها، ولكن بعد أن تركت أثرًا لا يمكن محوه بسهولة. تلك الأعاصير التي نشبت فور موت حبيبته وزوجته مستمرة في نشاطها حتى تحقق هدفها.
جلس منتصبًا، ثم فتح أحد الأدراج وأخرج منها عقدًا يبدو باهظ الثمن، تحسسه بأصابعه في ابتسامة مريرة يسترجع لحظات حياته السعيدة.
"ده ليا يا أسيد؟"
تقدم نحوها خطوة ليهمس بنبرة تقطر حنانًا وعشقًا:
- طبعًا ليكي يا روح أسيد، أمال لمين يعني!
تفحصت العقد جيدًا بنظرها، ثم عاودت النظر له وهي تردف برقة أشعلت نيرانه:
- بس ده باين عليه غالي أوي، ملوش لازمة. لو كنت جبت أي حاجة كانت هتعجبني، أو أساسًا مكنتش جبت حاجة، كفاية إنك معايا.
مد أصابع يده ليزيح خصلة شعرها المتمردة من على عينها ويمرر إبهامه على وجنتها بحنو، مغمغمًا بصوت رجولي جذاب:
- الغالي يلبس الغالي يا قلبي. ثم إني عندي كام مريم يعني، هي واحدة. لو طلبت نجوم السما أجبهالها.
ارتمت داخل أحضانه بعاطفة عشق جياشة وهي تهمس له بصوت أنثوي هادئ:
- ربنا يخليك ليا يا حبيبي وميحرمنيش منك.
أبعدها عنه بهدوء، ليديرها حتى أصبح ظهرها في وجهه، ولف العقد حول عنقها، ثم انحنى بجذعه للأمام ليحتضنها من الخلف، هامسًا بجانب أذنها بمكر بسيط:
- هاكل حتة منك، على الله أشوفك طالعة بيه. ده يتلبس في الأوضة هنا بس، مفهوم!
أفاق من شجونه الحزينة، فتأفف بشدة من فرط مشاعره التي تتحرق لرؤيتها مرة واحدة، ولكن هيهات، فماذا عساه أن يفعل سوى القبول بتلك الحقيقة وهي الموت. مسح على وجهه وهو يهمس بصوت خرج من صميم قلبه:
- يا الله، أنت العالم بحال عبدك، فهون عليه تلك المصائب.
***
في إحدى محافظات الصعيد...
يجلس أحدهم على مقعد فاخر وبيده كأس نبيذ، هتف وقد بدأ تأثير الكحول يظهر عليه وهو يتحدث إلى صديقه قائلًا:
- لسه مشوفتوش حاجة يا عيلة الصاوي، واحد واحد بالدور، وهبدأ براس الأفعى محمد الصاوي، وبعده ثروت، وبعده ريان أفندي اللي عامل لي فيها سبع رجالة في بعضها. وأما ياسر بقى، فاللي خلف مماتش. مراد ده مش هيملى عيني ولا يطفي ناري. خلينا في الابن الأكبر أسيد بيه.
جابه صديقه بنبرة رخيمة في احتجاج:
- قوم يا معتز، شكلك كترت العيار النهاردة.
خرجت ضحكته القوية وهو يطفق ساخرًا:
- فاكرني بهزر ولا إيه؟ لا أنا مبهزرش يا خالد. حق أبويا اللي قتلوه هاخده، بس مش هيكفيني واحد بس. يعني راس قصاد راس، لا ده أنا هنهيهم كلهم. ومش حق أبويا بس، لا حتى حق أختي ومرات أبويا المسكينة دي. اتحرمت من أختي بسببهم يا خالد، فاهم يعني إيه معرفش عنها حاجة؟ فيها بتعمل إيه؟ معرفش أي حاجة. قلبت عليها الدنيا برضه ملقتهاش. وهما اللي هيدفعوا التمن.
***
في صباح يوم مشرق...
استيقظت وهندمت من مظهرها جيدًا وهبطت إلى أسفل لكي تغادر ذلك المنزل الذي لا مكان لها فيه. أعترض طريقها حراس المنزل وهتف أحدهم:
- على فين يا هانم؟ الأوامر إن محدش يطلع من البيت من دون إذن أسيد بيه، وهو مسمحش لينا إننا نخليكي تخرجي.
انفعلت عليه ملاك صائحة لتظهر عن مخالبها:
- أسيد إيه ده؟ عديني يا أستاذ بالذوق، أنا مش ناقصة!
التفتت خلفها عندما سمعت صوت ليلى القادمة نحوها وهي تقول بلؤم بسيط:
- إيه الصوت العالي ده؟ فيه إيه؟
تجاهلتها تمامًا وهي تزفر بنفاذ صبر، لتنظر إلى الحارس قائلة بشيء من الانفعال:
- اتصلي بأسيد لو سمحت، أكلمه!
أخرج الرجل هاتفه وأجرى اتصالًا بسيده، ثم أعطاه إياها، فأجابت عليه بزمجرة:
- على أساس إن الصبح لو عايزة أمشي همشي؟ إيه؟ غيرت رأيك ولا إيه يا أسيد بيه؟
خرجت نبرة صوته الرجولية القوية قائلًا:
- لا يا ملاك، أنا عند كلمتي. أنتي عايزة تمشي دلوقتي يعني؟
هدأت ثورتها فورًا وتمتمت بخفوت بعد أن عادت لنبرتها الرقيقة:
- أيوه، والحراس مش عايزين يطلعوني. إيه معناه ده؟
تنفس الصعداء في عبوس، فقد ملت نفسه من كل شيء. أجاب بإيجاز:
- ماشي يا ملاك، ممكن تصبري لما أرجع البيت وأنا هاخدك وأوديكِ المكان اللي عايزاه، لأني دلوقتي ورايا اجتماع ومش فاضي.
كادت أن تجيبه فوجدته أنهى الاتصال، فصاحت بضجر:
- بيستهبل يعني! بقولك إيه؟ أنت هتطلعني غصب عنك، مهو أنا مش مسجونة هنا ومجبورة استنى الباشا لما يجي!
أتاها نبرة ليلى الصارمة وهي تهتف بنظرة مريبة:
- واضح إنك مش سهلة وهتتعبينا. قاله مش هتطلعي غير لما يسمح أسيد بكده، يعني مفيش خروج. عاملة غارة ليه؟ هتقعدي هنا يبقى تعيشي على عيشتنا، فاهمة؟ وبلاش الصوت العالي ده ها.
حدقتها بأعين سابحة بها العبارات، ولكنها لم يكن لديها الجرأة الكافية للإجابة عليها، سوى بقولها الضعيف:
- ومين قالك إني هقعد هنا أساسًا!
لوت فمها ليلى مبتسمة بخبث مردفة:
- يبقى أحسن برضه والله!
تركتها ملاك وسارت مسرعة إلى غرفتها وهي تحاول منع عبراتها من السقوط.
***
فتح مروان باب المنزل بوجه مشرق ليدخل وينزع حذائه عنه وهو يصيح على أمه شبه ضاحكًا:
- أنتي فين يا لولو؟ ياحلوم طيب!
خرجت من المطبخ لترمقه بنظرة تتصنع الغضب:
- حلوم في عينك. عايز إيه يا زفت!
تهجمت ملامح وجهه وأبدى الدهشة وهو يطفق بضيق:
- زفت بقى دي آخرتها يا نبع الحنان؟ طب أنا غلطان، كنت جايب لك خبر حلو.
أسرعت أحلام نحوه في نظرات شغوفة وقد تزين وجهها الجميل وهي تقول:
- أوعى يكون اللي في بالي يا مروان؟
ضحك بقوة وضمها لصدره وهو يقبل جبينها بنعومة هامسًا بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا:
- أيوه هو يا ست الكل، جهزي نفسك يلا. آخر الشهر ده هاخدك ونروح نعمل عمرة.
تلألأت العبرات في مقلتيها وضمت ابنها بشدة وهي تقبله. فهمس هو بحنان:
- خلاص بقى يا أمي، أنا معملتش كده علشان أشوف دموعك. بدل ما تعيطي ادعي لي دعوة حلوة.
قال آخر جملة له بشيء من المرح، فكفكفت دموعها وهي ترفع كفيها إلى أعلى هاتفة بصوت ينبع من صميم قلبها ودعوة صادقة:
- ربنا يكرمك يا مروان يا ابن بطني، ويبعد عنك ولاد الحرام، ويفتح في وشك أبواب رزقه يا رب.
تأفف بخنق هاتفًا في عبوس:
- مش هي دي اللي عايزها يا حاجة، ادعي كده بأيه؟ ربنا يكرمك ببنت الحلال اللي قلبك رايدها.
رفعت كفيها مجددًا تكرر ما قاله بنفس نبرتها السابقة في عدم وعي لما تقوله. وبعد انتهائها، نظرت له وهمست بلؤم وهي ترفع أحد حاجبيها:
- وهي مين دي بقى اللي قلبك رايدها يا واد؟
هتف مازحًا في ابتسامة صافية:
- وأنتي مالك أنتِ بقى؟ أنتي عليكي الدعوة بس، معليكيش غير تدعي.
ضربته بقوة على ذراعه وهي تغمغم بحنو أمومي:
- طب امشِ يلا، غير هدومك علشان أحط الغدا.
***
كان مستلقيًا على فراشه في صمت تام، يعقد كفيه خلف رأسه يحدق في اللاشيء بشرود. جزء من عقله استحوذت عليه تلك "الملاك". تمنى لو كانت معه الآن أمام عينيه، حتى يكون متفرغًا لمراقبتها وسلامتها. تلك الوردة الصغيرة التي تلمع كالجوهرة عندما تشرق وتضحك، لا تستحق سوى رجل يتقن جيدًا الاعتناء بتلك الورود. فتحت "أشجان" الباب بقوة ودخلت كالعاصفة وهي تهتف:
- أهلاً يا أستاذ ريان، ليه تاعب روحك وجاي البيت تشوف أمك وأبوك؟ خليك قاعد في القاهرة طول الوقت عند ولاد عمك، عاملين إيه ليكم؟ عايزة أفهم، حتى أختك عاجباها القعدة هنا؟
زفر بنفاذ صبر وهو يمسح على وجهه، ثم هب واقفًا على قدميه هامسًا:
- أمي، بالله عليكي أنا مش حامل كلمة، سبيني في حالي وروحي شوفي وراكي إيه!
صاحت به في اندفاع وهي تتجه نحوه:
- ليه مالك إن شاء الله؟ أنا مش مرتحالك أصلًا الفترة دي يا ريان، وروحتك كل يومين عند أسيد مش مريحاني!
تكدر صفوه همس وهو يجاهد في السيطرة على انفعاله:
- أنا مش صغير ها، مش عيل لسا عندي 10 سنين. قول لي مين هيتولى الشغل غيري أنا وأسيد؟ مروان اللي آخره يساعدنا في حاجات بسيطة، ولا مراد اللي عايش لنفسه. وخد على الوضع ده لأني هاجي يومين وأمشي تاني، وسيبيني في حالي بقى يا أمي.
قبضت على ذراعه بعنف وأدارته لها لتستقر نظرة ملتهبة منها في عينيه وهي تطفق بترقب:
- لتكون بتروح تقابل عمتك وبنتها؟ عارف جدك وأبوك لو عرفوا هيعملوا إيه. أوعى يكون صح يا ريان.
أزاح يدها عن ذراعه بنظرات متمردة وغاضبة، لينحني ويقرب وجهه من وجهها هامسًا بنبرة لا تحمل أدنى خوف أو تردد:
- ابقى روحي وقولي لجدى وأبويا إن ريان مبخافش.
ثم تركها ورحل. فجلست على الفراش وهي تضطرب بخوف:
- يامراري! هو ده اللي كنت خايفة منه. ده عمي محمد لو عرف هيقلب البيت!
***
كانت تتحدث في الهاتف بشيء من الصياح:
- ريان! أنا مليش دعوة سواء جيت أو مجيتش، أنا مش هقعد هنا ثانية واحدة.
أجابها متسائلًا بزهو:
- أيوه، أنا عايز أفهم. عايزة تمشي ليه؟ حد ضايقك؟ أسيد ضايقك يا بنت الناس؟
همست بتبرم وتمرد واضح:
- لا، أمه مشوفتهاش بتكلمني إزاي. أنت ليه سبتني ومشيت أصلًا!
صرخ بصوت رجولي في انزعاج شامل، جعلها تنتفض من نبرة صوته:
- ما قولتلك يا ملاك، تعالي معايا واقعدي هناك وملكيش دعوة بيهم. أنتي اللي قولتي مش عايزة أقعد عند الناس دول. ودلوقتي مش عايزة أقعد عند أسيد، امال عايزة تقعدي فين يعني؟ بلاش شغل العيال ده يا ملاك، استحملي يومين لغاية ما آجي. وإياكي تمشي من عند أسيد، فاهمة؟ مش هتروحي تقعدي في بيت لوحدك يا هانم!
تلألأ بؤبؤا عيناها بالعبرات ولمعت عيناها العسلية وهي تهتف بصوت يكاد لا يخرج يغلبه البكاء:
- أنت بتزعق لي ليه يا ريان؟ أنا غلطانة إني كلمتك أصلًا، وملكش دعوة بيا، أعمل اللي أنا عايزاه.
ثم ألقت بالهاتف على الفراش وهي تهز قدميها بشدة من الغيظ، وعيناها تشبه جمرتين النيران المشتعلة. ملامحها الصغيرة والبريئة كافية لجعل أي رجل ينصاع لتلك الدموع الطفولية، وهذا ما حدث عندما سمعت طرق الباب وهرولت لتفتح ظنًا منها أنها "سارة"، ولكن صدمت بأسيد الذي دقق النظر في وجهها لبرهة من الزمن هامسًا بصوت رخيم:
- مالك؟
أطرقت أرضًا كي تخفي دموعها التي تسيل كالشلال وهي تهمس بتشنج يحتوي على رجفة وصوت متقطع:
- كل.. كلت ريان وزعق لي لما قولت له إني عايزة أمشي.
استقرت نظرة ملؤها الدفء وهو يهمس بشيء من المرح:
- وده كله علشان زعقلك؟ ولا علشان مش عايزك تمشي!
التمست في نبرته السخرية، فهتفت بضجر هادر:
- أنت بتتريق صح؟ ما أنت مشوفتش الصبح م……
صمتت قبل أن تكمل كلمتها وهي تتنهد بعمق لتتابع بحدة:
- أنا لسه عند قراري وعايزة أمشي، وافتكر إنك وعدتني.
- طيب، أنا معاكي. هخليكي تمشي، وبعدين هتروحي فين ها؟
صمتت لبرهة من الوقت تفكر في حديثه، ثم هتفت بعناد شديد:
- هروح مكان ما أروح، محدش له دعوة!
أسيد بنظرة حازمة في غضب:
- مفيش حاجة اسمها محدش له دعوة. متنسيش إنك لسه متجوزة ومطلقتييش. بكتيرها بكرة أو بعده، هقولك يلا علشان ننهي الموضوع ده وتتطلقي. فتخيلي إنك تروحي تقعدي في بيت لوحدك، أكرم ممكن يعمل إيه لو عرف مكانك. علشان كده، القعاد وسطنا لصالحك. اعقلي يا ملاك وبلاش عند. لو عايزة لسه ومصممة تمشي، أنا معاكي. روحي البسي يلا.
تسمرت بأرضها تحدق به في تردد، فهي لا تخشى شيئًا سوى ذلك الحيوان "أكرم". يكفيها ما رأته منه، قلبها يسحق تحت الأسى والشجن ويمزقه الألم. وكأنه قرأ أفكارها، فهمس بخفوت في ابتسامة عذبة وهو يناولها هاتفًا يبدو باهظ الثمن:
- كويس طلعتي عاقلة. اديكي، خدي التلفون ده علشان لو عايزة. أكلمك أنا، سجلت رقمي عندك.
تورّدت وجنتاها من الخجل وطفقت تقول برقة:
- شكرًا يا أسيد، أنا آآآ……
رأت نظرة في عينيه كافية لجعلها تصمت فورًا وتأخذ الهاتف من يده وتغلق الباب بارتباك.
***
خرج مراد من باب المنزل وهو يهندم من مظهره الرجولي الجذاب، يستعد للذهاب لإنهاء بعض الأعمال وبعدها لسهرته الليلية كعادته مع تلك المرأة. لمح بعينه سارة التي تقف في أحد أركان الحديقة وتتحدث في الهاتف. اقترب منها بخطوات هادئة دون أن تشعر، فقد تعشش الشك بداخله منذ تلك الليلة. سمع صوت ضحكاتها شبه العالية وهي تهتف ببراءة:
- بتستهبل أنت يا إسلام والله!
رواية أشلاء القلوب الفصل السادس 6 - بقلم ندى محمود
رفع حاجبه اليسار للأعلى مندهشًا وهو يهمس لنفسه في زمجرة واضحة مع مزيج من الغطرسة:
_ إسلام بيستعبط، لا ملوش حق!
أسرع في خطاه نحوها بأعين ملتهبة، وبدون إنذار سحب الهاتف من على أذنها، فانتفضت هي كالذي لدغته عقرب ورمقته برعب جلي. بينما هو فوضع الهاتف على أذنه يستمع إلى هذا الوغد الذي يقول بنبرة عشق:
_ تعرفي يا سارة أنا بحمد ربنا والله إنه رزقني بيكي، مش متخيل حياتي من غيرك، أنا ممكن أموت.
خرج صوته الرجولي الخشن وهو يقول ساخرًا:
_ متخافش، هنيجي نعزي ونعمل الواجب.
الجمت الدهشة لسانه، فهمس بشيء من الخوف بعد لحظات:
_ مين معايا؟
رأت في عيناه البنيتين الأعصار المدمر وهو يصيح بها يلقنه بألفاظ تتناسب مع تلك النوعية من الرجال:
_ سارة معاك يا ******
أنزل الهاتف من على أذنه ورمقها بنظرة نفثت الرعب في قلبها، وصرخ بها باستياء:
_ إيه ده يا سارة ها؟ أنتي يطلع منك كده!
انهمرت دموعها وهتفت في توسل بنبرة مسموعة:
_ أنا آسفة يا مراد، آسفة.
أكمل صياحه المنفعل وهو يهتف:
_ لا وكلام حب ومعرفش إيه، أنا مليش كلام معاكي ولا حكم عليكي، أنا هقول لأبوكي وأخوكي وهما يتصرفوا معاكي.
أجشجت في البكاء وهي تقبض على ذراعه وتقول راجية، يكاد البكاء يشقها إلى نصفين:
_ لا متقولش لريان، أبوس إيدك يا مراد، ريان لو عرف هيقطع راسي هو وأبويا. هو وعدني إنه هييجي يتقدملي آخر الشهر ده.
صر على أسنانه ليبرز عن مخالبه المخيفة:
_ وأنتي بغبائك صدقتي طبعًا، هو لو عايزك فعلًا هيفضل يتكلم ويحب فيكي في التليفون ولا هييجي ويدخل البيت من بابه على طول. ردي عليا يا سارة.
مصراخه المرتفع جعل جميع من في المنزل ينتابهم الفضول حول ما يحدث وخرجوا ليروا سبب ذلك الصباح وصاحبه. أزدردت سارة ريقها بتوتر جلي، فوضعها لا تحسد عليه الآن. ركضت نحوها ملاك في فزع وتبعتها أسمى. أمسكت ملاك بوجهها بين كفيها لتهتف بقلق:
_ مالك يا سارة؟ بتعيطي ليه؟
ارتمت داخل أحضانها وهي تصدر شهيقًا مسموعًا، فهتف أسيد في نظرة متقدة بحرارة:
_ إيه؟ وبتزعق لبنت عمك ليه؟
رمقها مراد بنظرة أوقعت الرعب في قلبها جعلتها تدفن وجهها بين ثنايا صدر ملاك، ليجيبه بلهجة صارمة:
_ مفيش حاجة، هي عارفة كويس أنا بزعق ليه، وأظن هي عرفت غلطها دلوقتي.
حدقت ليلى بالجميع في ريبة وهتفت باستغراب:
_ طب ماتفهمنا غلطت في إيه يخلى صوتك عالي كده؟ بعدين مش شايفها مش مبطلة عياط إزاي؟
بنبرة جديدة تمامًا لم يعهدها أحدهم في المنزل وصوت مرتفع قليلًا في غضب عارم:
_ غلطت في اللي غلطت فيه، محدش ليه دعوة أنا وهي حلينا الموضوع خلاص.
تفحصت ملاك هيئته، فقد كان فارع الطول لديه نظرة توقع الرعب في أي غريب، لن يختلف عن أخيه كثيرًا. لم تعد تخشى غضب واحد فقط في هذا المنزل، بل أصبحا اثنين اليوم بعد أن رأت ذلك الوحش الكاسر المتحول. استدار وغادر، فلحق به أسيد ليصيح مناديًا عليه بصلابة، فتوقف والتفت له وهو يلوى فمه بخنق، فرأى في عيني أخيه نظرة نارية ملتهبة. ثم رفع سبابته في وجهه ليقول منذرًا:
_ أي كان اللي عملته، ملكش حق تزعقلها كده فاهم؟ ومتنساش إنها ضيفة هنا، كلها كام يوم وترجع البلد. فإذا غلطت في حاجة أبوها وأخوها لما تروح هناك يتصرفوا معاها، إحنا ملناش دعوة، هي مش اسمي على تزعق وتشخط فيها براحتك. واضح الكلام يا مراد. على الله اللي حصل ده يتكرر تاني.
أصدر تأففًا قوي وهو يحدجه ساخرًا بغيظ، ثم يتجه ويصعد بسيارته وينطلق بها. بينما هي فأصطحبها كل من أسمى وملاك إلى أعلى وهما يحاولان تهدئتها.
اقتربت ليلى من أسيد لتهتف بتبرم وهي تلوى فمها:
_ على أساس إن البتاعة اللي اسمها ملاك دي هتمشي النهاردة؟ ممشيتش ليه؟
هتف في انزعاج شامل:
_ مش هتمشي يا أمي، قاعدة. إيه يا ليلى هانم، خليكي رحيمة شوية. أخليها تمشي وتروح فين يعني؟ تقعد في الشارع وأهلها قاعدين في بيوتهم مرتاحين.
صاحت به بوحشية:
_ واحنا مالنا؟ ماتغور في أي مكان. يعني هي بقت علينا؟ إذا كان جدها مش عايزها. أنا البنت دي مش عايزها تقعد في بيتي، أنا مش عايزة مشاكل. إيه يضمني متكونش متفقة مع أخوها الحيوان ده (معتز) وعايزة تأذينا؟
تمطع بعنقه للجانبين في نفاذ صبر من هذا الشجار الذي لا ينتهي:
_ أمي، أقسم لك بالله أنا فيا اللي مكفيني، مش كل ما تشوفيني تنرفزيني كده. قلتها كلمة ومش هنيها. ملاك قاعدة هنا ومش هتمشي، ومش عايزة أسمع إنها اشتكت منك أو من أسمى. هتسألي ليه؟ هقول لك عشان دي وصية بابا قبل ما يموت، وأنا مش هكسر وصيته عشان سبب تافه زي ده.
***
خرج ريان من المرحاض وهو يدندن بأحد الأغاني الشهيرة، يلف المنشفة حول نصفه السفلى، عاري الصدر وبيده منشفة صغيرة يجفف بها شعره الغزير، ليقطع حالته المزاجية صوت رنين هاتفه فأجاب عليه هاتفًا:
_ الو. خير. عملت إيه؟
_ عيب يا ريان بيه، قولتلك يومين وهتلاقي قراره قدامك. عرفت مكانه قاعد في قرية اسمها (...) في نجع حمادي. هتروح هناك وهتسأل عليه وهو هناك أشهر من النار على العلم، هيدلوك على بيته على طول.
تلهلت أساريره وهو يتشدق:
_ عفارم عليك. هو ده الشغل ولا بلاش.
أنهى الاتصال معه وهمس لنفسه بنظرة متوعدة:
_ وقعت تحت إيدي يا معتز يا كلب. أنا هكتفي بتعذيبك بس، لكن اللي خايف منه بصراحة أسيد واللي هيعمله فيك. عشان تتعلم بعد كده متلعبش مع ولاد عيلة الصاوي.
ثم أكمل دندنته وهو يرقص بخفة ويبدأ في ارتداء ملابسه والحماس يكاد يصل إلى أعلى مراتبه لديه لكي ينال من عدوه.
***
داخل غرفة سارة.
هتفت أسمى متسائلة بقلق:
_ سارة اهدى وفهمينا إيه؟
نقلت نظرها بينها وبين ملاك لترى في عيناهما الفضول الشديد حول ما حدث، فاستجمعت ما تبقى منها وهمست بخفوت وهي ترتجف من فرط بكائها:
_ أنا أعرف واحد من بدري وبنتكلم أنا وهو، وهو بيحبني وأنا كمان بحبه، وهو واعدني إنه هييجي يتقدملي آخر الشهر. والنهردا، كنت بكلمه ومراد شافني وأخد مني الموبايل ورد عليه وهزقه، وبعدين بهدلني أنا وقالي إنه هيقول لريان وبابا وهما يتصرفوا معايا، وريان لو عرف هيقطع رقبتي.
تنفست الصعداء ملاك باقتضاب لتقول بشيء من الاندفاع:
_ تصدقي تستاهلي اللي عمله فيكي. أنتي هبلة يا بت؟ يعني قالك هييجي يتقدملك وأنتي صدقتيه بكل سهولة؟ هو لو عايزك فعلًا هيكلمك تليفون ليه! لولا إني أخاف عليكي من ريان وجنانه كنت قولتله، لكن أنا عارفاه كويس.
في هدوء تام وصوت رزين قالت أسمى:
_ متخافيش، إذا كان مرضيش يقولنا إحنا هيقول لريان وعمي. مستحيل أصلًا هو بيخوفك بس مش أكتر.
أماءت برأسها لهم بارتياح بسيط، فتشدقت ملاك بحدة بسيطة:
_ أيًاكي تكلمي الولد ده تاني فاهمة يا سارة، وإلا قسمًا بالله أنا بنفسي اللي هروح أقول لريان. إحنا إيه عرفنا؟ ممكن يأذيكي بأي شكل من الأشكال.
سارة بضيق زائف في عبوس:
_ إيه يا ملاك؟ أنتي معايا ولا عليا؟
_ معاكي بس مش مع اللي عملتيه.
استقرت نظرة ساخرة في عيني أسمى على ملاك لتردف بقسوة وهي تلقي الكلمات حجرًا:
_ واللي عملته عمتي إيه؟ وإنتي الله أعلم كنتي فين وبتعملي إيه. الأفضل إنك تفضلي إنتي بذات ساكتة.
ثبتت واقفة وهي ترفع سبابته محذرة وتهتف بغضب عارم:
_ أسمى احترمي حدودك فاهمة، ولو جبتي سيرة ماما تاني هتشوفي واحدة تانية ومش هيهمني حد.
تابعتها وهي تغادر بغطرسة، فسلطت سارة نظرها على أسمى في عينين صارمتين تلومها على ما قالته لتقول بغيظ:
_ إيه اللي قولتيه ده يا أسمى؟
بعدم اكتراث امتزج بغرور وهي تطفق:
_ مقولتش حاجة غلط.
في انزعاج شامل أجابتها سارة:
_ لا غلطانة. أنتي إيه عرفك كانت فين؟ بتتكلمي على أساس إيه؟ ملاك دي، يا بخته اللي عنده زوجة ولا أخت ولا بنت زيها تتحط كده على الجرح يطيب. وكانت متجوزة من واحد حيوان، مشوفتيش جسمها واللي عاملة فيها؟ وعمتي أنا كنت بروحلها أنا وريان. لو كنتي شوفتيها عمرك ما كنتي هتقولي اللي بتقوليه ده إنها السبب في موت عمي. وحتى أسيد ومراد يعرفوها، لكن ملاك متعرفش غيري أنا وريان، عشان كده مش عايزة تقعد هنا. متبقيش إنتي والزمن عليها كمان يا أسمى، خليكي حنينة معاها، هي ملهاش ذنب في أي حاجة، بالعكس دي هي الضحية في كل حاجة. من بداية اللي عملته عمتي، هي اللي دفعت التمن مش حد تاني.
زفرت بضيق زائف بعد أن بدأت تشفق عليها قليلًا، فهبت واقفة واستدارت لتغادر في وجه ينم عن عدم رضاها.
***
بعد مرور ساعات قليلة، ارتدت ملابسها وهبطت الدرج سائرة نحو مكتبه، لتطرق الباب عدة طرقات رقيقة فيأتيها صوته يسمح للطارق بالدخول. دلفت إلى الداخل وعقدت ذراعيها خلف ظهرها وهي تفركهما ببعضهم بقلق. كانت رشيقة العود تنضج بشرتها بالبياض والملاحة، ملابسها فضافضة لدرجة لا تظهر أي شيء من مفاتن جسدها، حجابها يصل إلى أسفل ظهرها من الخلف ومن الأمام حتى أسفل صدرها. شعرت بالدماء تصعد لوجنتيها عندما رأته يثبت نظره عليها منتظرًا منها إلقاء ما تريد قوله، فهمست بصوت يكاد لا يسمع ومضطرب:
_ أسيد، أنا كنت عايزة أروح لوحدة صحبتي، ممكن تقول للحراس يطلعوني.
قال بخفوت في هدوء:
_ فين بيتها صحبتك دي؟
_ في الشقة اللي قدام بيتنا القديم، أنا مشوفتهاش من ساعة ما اتجوزت أكرم.
أجابها بودٍ في خشوع وهو يهب واقفًا:
_ تمام، يلا. هوصلك في طريقي، أنا كده كده طالع. ولما تيجي طالعة من عندها اتصلي بيا.
قطبت حاجبيها لتتمتم بحيرة:
_ وأنت تعرف مكان بيتنا منين؟
جذب مفاتيح سيارته وهاتفه ليخرج صوته الأجش قائلاً متجاهلاً سؤالها تمامًا:
_ أنا هستناكي في العربية بره.
حدث صمته ضجيجًا في نفسها وقد هيمن عليها الفضول حول معرفة الكثير من الأشياء وقررت أن تسأله عن كل شيء اليوم ولن تتركه يرحل بدون أن تفهم منه.
***
بعد مرور ساعات قليلة حيث أستر الليل ردائه كاملًا وارتفع ضوء القمر في السماء منيرًا قلوب البعض ليبشرهم بالنور القريب الذي سينير حياتهم وبعضهم يزيد من ظلامهم. كان يجلس مراد في الظلام الدامس يحدق في النجوم الساهرة بشرود يشعر في قلبه بنغزة تكاد تقتله قتلًا لا يعرف سببها. تسللت من خلفه أسمى فأقتربت من أذنه لتهمس باسمه:
_ العاشق الولهان، سرحان في إيه؟
التفت خلفه بشيء بسيط من الفزع ليطالعها بابتسامة دافئة، فتلتف هي لتجلس على الأريكة بجانبه رامقة إياه في ريبة من أمره. ففتح لها ذراعيه داعيًا إياها للانضمام إلى أحضانه، فلبت طلبه بكل سرور. أخذت تحدق معه في السماء لدقائق ليست بقصيرة حتى قطعت ذلك الصمت المرير لتهمس بعد أن ابتعدت عنه:
_ مالك يا مراد؟ أنا ملاحظة إنك ليك كام يوم كده مدايق. أسيد وعارفين سبب ديقته وعصبيته وإنه اتغير شوية بعد موت مريم، طيب وأنت؟
أجابها باسمًا بمرارة وقد سحق تحت الأسى والشجن:
_ على الأقل أسيد عارف هو كده ليه، لكن أنا مش عارف.
أسمى بشيء من الغضب والانفعال:
_ لا أنت عارف بس بتضحك على نفسك. لسه بتفكر في الزفتة دي صح؟ بعد ده كله ولسا بتفكر فيها يا مراد؟
تأفف بقوة في خنق وتمتم في أحضان الظلام بصوت حازم:
_ قومي يا أسمى من جمبي.
صاحت به في انزعاج شامل وقد تملكها الغضب:
_ لا مش هقوم، مش هقوم يا مراد. في إيه أكتر من إنها حاولت تسرقك وراحت عند الدكتور وسقطت ابنك من غير ما تعرف، وضحكت عليك وفهمتك إنها وقعت، وعشان كده سقطت؟ وكله كوم، وخيانتها ليك كوم تاني. بعد ده كله ولسا بتفكر فيها ومش قادر تنساها؟ تعرف إني لو شفتها الحيوانة دي هشرب من دمها.
خرج صوته الجهوري وهو يصرخ بها بصوت جعل أعضائها تنتفض:
_ قولت قومي يا أسمى.
هبت واقفة ثائرة وهي تقول بامتعاض:
_ خليك كده بتضحك على نفسك بدل ما تبص لحياتك، قاعد بتفكر في القذرة دي.
همت لترحل فرأت مروان قادمًا إليهم. تملكتها الدهشة للحظات ولكن سرعان ما تحولت لابتسامة عذبة وصافية وهي تقول بمرح بسيط:
_ إيه ده؟ جيت إمتى؟ مش تقول إنك جاي طيب يا مروان، اخص عليك.
بنظرة حانية تود ضمها همس باسمًا:
_ أنا بكرة راجع تاني في شغل هخلصه سريع وهرجع.
مراد مستنكرًا:
_ ليه؟ بيجروا وراك ولا وراك الديوان عشان صد رد كده؟
ضحك بخفة، فأقتربت أسمى من مروان لتهمس له بزمجرة:
_ شوفه يا مروان، لأحسن لا أنا ولا ماما بنقدر نتكلم معاه. هو وأسيد، أظن أنت فهمتني أنا قصدي على إيه.
أماء برأسه لها بإيجاب وتفهم ليشير لها بعينه أن تذهب وأنه سيحل ذلك الأمر بطريقته الخاصة.
***
سارت نحوها وهي تحمل بيدها صينية فوقها كوب ممتلئ بمشروب طازج، فهتفت ملاك معاتبة:
_ والله أنتي بتستهبلي يازمردة، مش كفاية الأكل اللي عملاه؟ هو أنا غريبة؟
قالت بشيء من الضحك:
_ عشان تحبسي يا حبيبتي. أنا مش مصدقة إزاي يحصل كل ده معاكي ومتقوليش بأي طريقة. يا ملاك لو اتصلتي بيا وعرفتينى كنت هتصرف.
ملاك ببساطة في ابتسامة ساحرة:
_ دلوقتي مبقاش ينفع الكلام ده. قولي الحمد لله إن ربنا بعتلي ريان وأسيد، وإلا كان ممكن متلاقنيش قدامك. لو ممتش منه كنت أنا هخلص من نفسي وارتاح.
في نبرة شبه ضجر هتفت زمردة:
_ أنتي هبلة يا بت إيه الكلام ده. أنا لو أعرف إن ريان ده مش عايز يأذيكي مكنتش قولتله كده. بس أول ما عرفت إنه ريان ابن ثروت صديته على طول.
غمغمت مبتسمة في وجه مشرق وجميل:
_ أنا أصلًا مليش غيرك أنتي وريان وسارة.
ثم أكملت في نظرات أسى وشجن:
_ هتفضلوا لغاية إمتى كده يا زمردة؟ أنتي ليكي حق زي كل واحد في البيت هناك، ليه متروحيش تاخدي حقك أنتي؟
صمتت لبرهة ثم نظرت لها وهمست بعينين تهيمان بالدموع:
_ وأنتي ليه متروحيش تاخدي حقك منهم؟ مش هتردي صح؟ أقولك ليه؟ عشان إحنا الاتنين زي بعض يا ملاك. اتربينا وكبرنا من غير أب ولا عيلة، بس اتربينا على إيد عمتي فردوس وماما. وأنا مليش أم واحدة لا اتنين، أمي وعمتي فردوس الله يرحمها وأنتي كذلك. كبرنا على كده، اتعودنا على حياتنا، يمكن كنا أسعد منهم. تعرفي كده؟ على الأقل مكنش فيه حاجة في دماغنا غير إننا نلعب وناكل وننام ونستنى أمي وأمك لما يرجعوا من الشغل، وناكل وننام مرتاحين. يكفي إننا كنا بنحط راسنا على المخدة بليل واحنا مرتاحين الضمير. هما اللي مش مرتاحين.
لم تتمالك ملاك نفسها فأنخرطت تبكي معها بحرارة وهي تعانقها بشدة وتهتف بصوت مزقه الحزن:
_ صدقيني كل ده هيعدي يا زمردة وربنا هيعوضنا وهيأخدلنا حقنا من كل واحد ظلمنا.
مررت يدها لأعلى وتسفل على ظهرها بحنان وهي تهتف بصوت باكي تحاول إظهار نبرة المرح:
_ أنتي بنت نكدية والله. ابعدي يا بت جاتك القرف نكدتي عليا.
ابتعدت عنها لتطالعها مبتسمة بحب وهي تجفف عبراتها لتقول زمردة بحماس:
_ احكيلي. أنتي عاملة دلوقتي عند أسيد ده؟
بصوت يخالطه البكاء أجابتها:
_ وهو أنا من امتى برتاح يازمردة؟ لا مرات خالي ولا أسمى طايقني، عشان كده عايزة أمشي. لكن أسيد الصراحة كويس جدا معايا ومش هقدر آجي أقعد عندك لأن أكيد أكرم أول مكان هيتوقعه هو بيتكم. فلو مشيت مش عارفة هروح فين.
بجدية تامة في حدة أجابتها:
_ أيوه هتروحي فين يعني. طالما هو كويس معاكي ملكيش دعوة بأمه وأخته، ياملاك هما هيفهموكي مع الوقت صدقيني وهيحبوكي.
قطع حديثهم صوت رنين الهاتف الصاخب، فأمسكت به وأجابت بهدوء:
_ الو.
التقاها صوت تعرفه جيدًا لا تستطيع نسيانه مهما فعلت، جعلها تتعرف عليه في الحال وهو يقول:
_ لو خلصتي أنا مستنيكي تحت ياملاك.
تعثرت الكلمات في فمها لتخرج غير منتظمة وهي تقول:
_ ها؟ أنت... ماشي يا أسيد، نازلة؟
أردفت زمردة بضحك خفيف وهي تطالعها بترقب:
_ ما شاء الله بييجي على السيرة.
هبت واقفة وهي تتشدق بحنان جلي بعد أن عانقتها عناق حار مودعة إياها:
_ يلا بقى أنا همشي وبأذن الله هحاول آجي تاني. ولو مقدرتش هتصل بيكي وأوصفلك الطريق وتيجي إنتي.
أماءت لها بلطف لترافقها حتى الباب وتودعها لتهبط هي الدرج حتى تغادر المبنى تمامًا وتستقل السيارة بجواره وهي تهمس بخجل بسيط:
_ معلش تعبتك معايا.
لفظ الحروف ببطء من بين شفتيه قائلًا:
_ أظن إن أنا اللي قولتلك إني هاجي آخدك مش إنتي.
طفح الكيل من حالاته المزاجية المتغيرة هذه، فهي ليست مجبرة على تحملها. صاحت به في اندفاع:
_ ومحدش غصبك تيجي تاخدني، قولتلك هروح وآجي وحدي، أنت اللي صممت. كمان أنا الغلطانة في الآخر لما بقوله تعبتك معايا وبشكره. عارف أنت إنسان غريب والله. يعني أكيد فيك حاجة غلط، ساعة تتكلم بحنان وهدوء وساعة مش طايقني. في إيه يا أسيد؟ لو زهقت مني قولي وأنا همشي والله علطول، أنا أصلًا آآآآ…….
وجددته يضع يده على فمها مقتربًا منها ليغرس في عينها شعاع عينه الثاقب مهمهمًا بصلابة:
_ وعلشان أنا إنسان غريب بقى زي ما قولتي يا ملاك، متكتريش في الكلام معايا عشان لا أنا ولا إنتي ضامنين رد فعلي.
تسارعت نبضات قلبها واطرقت الطبول حتى كاد يسمعها. عيناه الرمادية تحولت إلى سوداء من فرط غضبه، وقلبها يكاد يدب من بين أضلعه كلما لفحت أنفاسه الملتهبة صفحة وجهها. ولكنها نجحت في السيطرة على مشاعرها حيث دفعت يده بعنف عن فمها وراحت تنوي فتح باب السيارة لتترجل منها وتذهب بمفردها، فيقبض على ذراعها ويجلسها بالسيارة عنوة صائحًا:
_ رايحة فين؟ اقعدي مكانك، مش ناقص جنان أنا.
أغامت عيناها الدمع وهي تنتزع يده من على ذراعها بشراسة ونظرات نارية. فأنطلق بالسيارة وهي تستند برأسها على زجاج السيارة تتابع الطريق في صمت حتى هتفت بخفوت في صوت مبحوح:
_ وقف العربية لو سمحت هنا.
_ ليه؟
صاحت بغضب هادر:
_ هتوقفها ولا أنزل منها وهي ماشية!
أوقف السيارة كما طلبت، ففتحت الباب ونزلت ثم ابتعدت بخطواتها تجاه الرصيف حتى جلست على مقعد خشبي عريض، ولحق هو بها ليجلس بجوارها. ثم التفت لها فاستقرت نظرة مشفقة منه عليها. وعندما نظرت له أشاحت بوجهها للجهة الأخرى فورًا باضطراب وهي تحاول التكلم بنبرة طبيعية:
_ مقولتش أنت تعرفني إزاي وعايزة أعرف كل حاجة دلوقتي.
تنهد بتذمر وطفق يقول بخفوت بعد أن جلس بارتياحية أكثر:
_ ملاك، هو أنتي فاكراني إيه؟ أنا كل حاجة عارفها عن العيلة دي، وأعرف حاجات عن كل واحد محدش يعرفها زي ما أنا عارف إن صحبتك دي اسمها زمردة وبنت عمي عزت. عمي مات قبل بابا طبعًا ووصاه على بنته ومراته دول، وكان بيروح يطمن عليهم على طول. وبالنسبة ليكم إنتي وعمتي، محدش كان يعرف مكانكم غير لما جيتوا وسكنتوا قدام زمردة. بابا طبعًا مكنش قادر يسامحها على اللي عملته، وبرغم كده مش قادر يسيبها من غير حد يكون معاها أو كده. وقتها أنا كنت عشرين سنة وريان كذلك. بعدها مات بابا ووصاني عليكم إنتوا وزمردة، فأنا بعت ريان وخليه هو اللي يتولى المهمة دي ويطمن عليكم من كل فترة لفترة، وأنا اتوليت مهمة زمردة. وطبعًا ده كله من غير ما حد يعرف، أنا وريان ومراد بس اللي كنا عارفين الموضوع ده وسارة كمان. يعني كنت عارف كل حاجة عنكم، حتى كنا حاطين ناس بيراقبكم. ولما الراجل بتاع الشقة كان عايز يمشيكم عشان مدفعتوش الإيجار وانتوا افتكرتوا إن اللي دفعه ريان، لا أنا اللي دفعت. ريان وقتها كان مسافر بره مصر. بس من وقت ما سبتوا الشقة محدش عرفلكم طريق. أظن عرفتي دلوقتي ليه اتعصبت لما قولتي لريان إن الناس دول هما السبب في اللي أنا فيه، لأنك مكنتيش تعرفي أي حاجة.
تملكتها الصدمة وهي تارة تحدق به وتارة في الماء أمامها هاتفة بعدم استيعاب:
_ مش مصدقة اللي بسمعه بجد. دلوقتي فهمت ليه لما شوفتني عند أكرم مستغربتش ولا حتى سألت ريان مين دي ودافعت عني كأنك تعرفني من سنين. كنتوا عارفين كل حاجة وسبتونا في اللي إحنا فيه. اكتفيتوا إنكم تشوفوا لو عايزين حاجة ولا لأ صح؟ هل سألتوا نفسكم في مرة ياترى محتاجين ضهر بتسندوا عليه؟ محتاجين يحسوا بالأمان والحنان؟ محتاجين عيلة يتربوا وسطهم؟ مسألتوش نفسكم صح؟ عارف ليه يا أسيد؟ عشان مكنش عندكم وقت تفكروا. كل واحد فيكم عايش حياته سعيد واحنا كان بيوصل بينا لدرجة إننا بننام أنا وزمردة وباب الباب إحنا وصغيرين معتقدين إننا هنقدر نمنع الحرامي لو جرب يدخل البيت. مجربتش طبعًا لا إنت ولا ريان ولا سارة ولا مراد تكبروا من غير أب من غير حماية. اتعودتوا إن كل اللي بتعوزوه بيجيلكم. بس العيب مش فيكم ولا في جدي ولا أمي ولا عمي. العيب فينا إحنا اللي ملناش حظ في الحياة دي اتكتب على جبيننا الشقاء.
قالت آخر جملها وهي تنخرط في موجة بكاء عنيفة. كلماتها صوبت نحو قلبه الضربة القاضية، مزقته إرباً. شعر بقلبه ينسحق تحت الأسى والشجن فهمس بصوت ينسدل الحرير ناعمًا:
_ ملاك كفاية عياط لو سمحتي، أنا مكنتش أقصد كده صدقيني. لو كان بأيدي أنا وريان حاجة كنا أخدناكم وودناكم البيت، بس مكنش عايزين المشاكل ليكم. أعتقد إنتي عارفة جدي كويس، هو ده السبب اللي خلانا منفكرش في إننا نجيبكم البيت. أنا كان قصدي أوضحلك إنكم مكنتوش وحدكم وإننا دايما كنا معاكم ومازلنا معاكي.
التقى شعاع عينيها في عينيه بدون قصد. ثوانٍ مرت كالسنين عليها. ليقطع تلك اللحظات صوت هاتفه فيخرجه من جيبه ويقول بجدية:
_ الو. يا ريان خير. متصل في آخر الليل كده ليه؟
ريان في نظرات خبيثة ومتقدة:
_ جهز نفسك معانا، طلعة بكرة لنجع حمادي، مش أي طلعة.
به واقفًا متحمسًا وهو يهتف بنبرة رجولية:
_ تبقى عملتها يا ابن ثروت. قولتلك إنه مش هيبعد عن نجع حمادي وهتلاقيه فيها أكيد. متقلقش، أنا مجهز نفسي أساسًا من زمان للحظة دي. هاخد روحه بإذن الله.
هتف ريان في لهجة لا تقبل النقاش ومحذرة:
_ أيّاك يا أسيد تقول لملاك إن الحيوان ده أخوها.
نظر لها للحظات في تردد ثم أجابه بخشونة:
_ لما أشوفك نبقى نتكلم في الموضوع ده يا ريان.
_ تمام، سلام. هتصل بيك بكرة وهنتفق هنتقابل فين وامتى.
أنزل الهاتف من على أذنه وهو يتنهد بقوة. فهمست هي بفضول بسيط:
_ أعتقد إنكم عرفتوا مكان اللي اسمه معتز ده.
عقد حاجبيه ورفع حاجبه الأيسر قائلًا بريبة:
_ وإنتي تعرفيه منين؟
_ ريان قالي على بعض المشاكل والمصايب اللي عملها لما أصرت عليه إنه يقول لي. على أي حال، خدوا بالكم. واضح إنه واحد مش سهل والله. هو الأفضل إنكم متروحوش أبدًا، لكن العيلة كلها عندها عرق العند وبتعمل اللي في دماغها دايمًا، يعني مهما قلت مش هيجيب نتيجة لا معاك ولا مع ريان.
ابتسم لها بصفاء ليتمتم بودٍ:
_ كويس إنك عارفة. مش يلا عشان نروح ولا إيه؟
أماءت برقة ساحرة بإيجاب وهي تنهض واقفة على قدميها لتتبعه إلى السيارة.
***
مع إشراقة شمس يوم جديد والسماء مزينة بقطع غيوم متقطعة. كان يجلس أسيد منتظرًا قدوم خليله حتى أتى ليصعدا بالسيارة وينطلقوا نحو منزله.
أوقف أسيد السيارة داخل أحد القرى الصغيرة حيث مكتظة بالأطفال الذين يلعبون والرجال الذين في أعمالهم ببساطة كانت تعكس مظاهر الحياة البسيطة. كان كل من يمر يرمقهم بنظرات تفحص واستغراب من تلك السيارة الفاخرة وملابسهم وهيئتهم التي تعكس رغد العيش. تقدم أسيد وتبعه ريان نحو أحد المنازل الصغيرة المتكونة من طابق أرضي. فطرق ريان بطريقة لا يمكن القول عنها سوى أنها همجية. لحظات وفتح لهم فرأوا على وجهه ابتسامة ماكرة وكأنه كان منتظر قدومهم. تلقى ضربة قاضية من أسيد أبرحته أرضًا وهو يتحسس بأنامله الدماء التي بدأت تسيل من جانب ثغره. ثم دلفا وأغلقوا الباب فأنقض عليه أسيد يكمل ما بدأه للتو وكأنه يفرغ شحنة غضبه المكتظة بداخله منذ وفاة زوجته في ذلك الوغد. استطاع ريان إفلات معتز من بين يديه بصعوبة وهو يصيح به بصوت جهوري يحمل في داخله التحذير:
_ هتدفع تمن أفعالك الـ **** دلوقتي يا معتز. مقدرتش أقتلك وقتها عشان كان عندي عيلة خايف عليها، لكن دلوقتي معنديش حاجة أخاف عليها.
خرج صوته متغطرسًا ضاحكًا:
_ ومستني إيه؟ اقتلني يلا.
هتف ريان في تلك اللحظة في نظرة تشتعل بفعل العواصف الهائجة بداخله:
_ مستعجل على موتك أوي. متخفش، هنحققلك أمنيتك بس مش قبل ما نشبع من تعذيبك.
قطع حديثهم صوت رنين ريان التي تجاهله تمامًا، فهتف معتز مبتسمًا بمكر:
_ برأيي ترد، يمكن تكون حاجة مهمة؟
صر أسيد على أسنانه فجذبه من ملابسه وهو يصرخ به بتحذير:
_ أقسم بالله لو طلع إنك أذيت حد لأكون دافنك في أرضك يا ******
أخرج ريان هاتفه ونقل نظره بين أسيد ومعتز في توتر بسيط ثم أجاب بخفوت:
_ الو.
تيقن أسيد أنه حدث شيء بالفعل عندما رأى علامات الصدمة بادية على وجهه وهو يرمقه بذهول.
رواية أشلاء القلوب الفصل السابع 7 - بقلم ندى محمود
تيقن أسيد أنه حدث شيء بالفعل عندما رأى علامات الصدمة بادية على وجه أخيه، وهو يرمقه بذهول. أنزل الهاتف من على أذنه وهو يتمتم بدهشة:
"بابا... في حد ضربه بالنار وهو في المستشفى دلوقتي؟ وبيقولوا إن الرصاصة قريبة من القلب؟"
كان معتز يقف شامخًا، مبتسمًا بانتصار وهو يقول:
"ده أول واحد بس، لسه كله بالدور!"
غار ريان عليه وهو يبرحه ضربًا. فأبعده أسيد عنه وهو يصرخ به منفعلًا:
"أرجع البلد دلوقتي ياريان، اطمن على عمي وطمني، وسيبني معاه. هخليه يتمنى الموت وميطلهوش!"
وقعت نظرة من ريان على معتز، نظرة مخيفة ولكنها لم تؤثر به. ثم استدار وغادر مهرولًا على عجالة. فسحب أسيد معتز إلى الخارج وجعله يستقل بالسيارة عنوة، وهو ما زال مبتسمًا بلؤم لا يبشر بخير.
***
لم يتمكن أحد من إخماد نيران سارة التي تحولت إلى صراخ وبكاء هستيري وهي تقول:
"أنا عايزة أروح البلد أطمن على بابا... ابعدي يا أسمى، سبيني."
هتفت ليلى بنظرات مشفقة في أسى:
"اهدّي يا سارة يا حبيبتي، مراد هييجي دلوقتي وياخدنا. اهدّي."
جثت على الأرض وهي تدخل في نوبة بكاء عنيفة وتنوح بكل ما أوتيت إليها من قوة. فرمقت أسمى ملاك الواقفة وملامح وجهها واضحة عليها الحزن، فصرخت بها في قسوة:
"صدقتي يا سارة إننا كان عندنا حق لما قولتي إنها جاية تنتقم، بس وأهو عمي في المستشفى دلوقتي. عارفة لو عمي حصله حاجة، مش هيكفيني فيكي روحك. ولو عندك ذرة دم، خدي هدومك يلا وغوري من هنا."
هتفت ليلى بخنق وفي خبث:
"لا تمشي إزاي؟ لاقية أكل وشرب ومكان تنام فيه ببلاش، هتمشي ليه؟ كفاية أخوكي اللي بيدافع عنها!"
هطلت عبراتها من تلك الكلمات الجارحة التي تلقتها للتو منهم، وكأنها خنجر طُعنت به في قلبها. وركضت إلى غرفتها وهي تبكي بحرقة. ثوانٍ وأتى مراد وأخذهم وذهب. أما هي فبدلت ملابسها، وأخذت حقيبة ملابسها الصغيرة، وغادرت المنزل فورًا. وعندما حاول الحراس منعها، تحولت إلى وحش كاسر فأفسحوا لها الطريق.
عادت مجددًا إلى التجول في الطرقات وهي ليس معها شيء سوى حقيبة ملابسها. دموعها تسيل على وجنتيها بصمت. ظلت تسير في الطرقات وهي لا تعرف إلى أين تأخذها قدماها. ومع سدول الظلام واعتكار الليل واشتداد البرد، كانت لا تشعر بأي شيء، فقط تفكر في طريقة تدبر بها تلك الليلة من حيث طعام ومكان تنام به.
حققت الأيام جميع مخاوفها، فلم يبق شيء ولم تفقده أو تذق مرارته. جميعهم مذاقهم مر، ولكن منهم من كان دواء لأمراض كثيرة، ومنهم من سبب لها المرض. توقفت فجأة عندما شعرت بضيق أنفاسها. وبعد ثوانٍ محدودة لم تتمكن من أخذ أنفاسها، فجثت على الأرض وبدأت تفتش في الحقيبة على دوائها فلم تجده. استسلمت تلك المرة واستندت على حائط إحدى البنايات وهي تعافر في التقاط بعض الأكسجين، حتى بدأت تفقد وعيها تدريجيًا.
***
كان الجميع مجتمع داخل المستشفى منتظرين استعادته لوعيه. ولم تتوقف أشجان وسارة عن البكاء. فأقترب منهم ريان هاتفًا بنظرات حادة:
"أمي، كفاية بكى. عاد مش الدكتور عمل العملية وهو كويس؟ لازم يتحط في العناية المشددة علشان يبقى تحت العناية الخاصة."
صاحت أشجان به في جنون وعدم وعي لما تقوله:
"أنت هتسيب اللي عمل كده في أبوك وتقعد ساكت؟"
تأفف بخنق وهو يهمس بنبرة تحمل في طياتها الوعيد:
"هسيبه فعلًا، بس بعد ما آخد روحه بأيدي."
خرج صوت ليلى الغاضب الذي لا يخلو من اللؤم الدفين:
"اللي عمل كده، كلنا عارفينه كويس أوي!"
استقرت نظرة مراد المنزعجة على أمه عندما فهم مقصدها. فهمت هي من نظرته أنه يأمرها بالصمت. بينما ريان، فمسح على شعره بزمجرة واضحة وهو يهمس بصلابة:
"الشخص اللي بتتكلمي عنه يا مرات عمي، ميقدرش يأذي قطة، هيحاول يقتل؟"
انضم إليهم أسيد أخيرًا وهو يسير مسرعًا نحوهم حتى وصل لهم، ووضع يده على كتف ريان هامسًا:
"أخبار عمي يا ريان؟"
غمغم براحة بسيطة في هدوء:
"كويس الحمد لله، بس في العناية المشددة. ادعي له يا أسيد."
"ربنا يقومه بالسلامة يا رب."
حنحنى على أذنه ليهمس في غضب عارم:
"متقلقش، عملت معاه الواجب وقاعد في (...). بس مش مرتاحه، حاسس إنه بيخطط لحاجة. مش معقول الهدوء اللي هو فيه ده والراحة دي."
همس ريان باسمًا:
"استنى بس، أروحله أنا وهطير الراحة من عينه!"
لوى فمه باعتراض واضح وكأنه لم يعجبه كلامه، ثم سار ليقف في أحد الأركان بعيدًا بسنتيمترات قليلة عنهم، مساندًا رأسه على الحائط خلفه ويرفع قدمًا عن الأرض ليسندها على الحائط أيضًا، عاقدًا ذراعيه أمام صدره. وعندما أغلق عينيه، عصفت بذهنه تلك اللحظة التي كان يقف هكذا منتظرًا خروج الطبيب ليبشره بسلامة زوجته وقدوم صغيره على الحياة، متذكرًا كيف كانت حالته في تلك اللحظة، كيف كان يحاول الصمود على قدميه بصعوبة. حتمًا، إن كانت أتت عاصفة أخرى، كانت ستلقي به إلى الهاوية.
انتفض جسده عندما سمع صوت رنين هاتفه في جيبه، فأنتصب في وقفته وأجاب قائلًا:
"الو... مين معايا؟"
خرج صوت رجل يبدو شيخًا قد فني وهو حي:
"ده رقم أسيد الصاوي."
أجابه أسيد بترقب في استغراب:
"أيوه، أنا... مين معايا؟"
"في بنت شابة، أكيد أنت تعرفها يا ابني. لقيتها واقعة في الشارع ومعاها شنطة. جبتها على المستشفى. ولما دورت في التليفون بتاعها، كان أنت آخر رقم تكلمه. وفي البطاقة بتاعتها مكتوب اسمها ملاك."
تلهف أسيد في دهشة وقلق شديد:
"طيب قول لي مستشفى إيه بسرعة؟!"
أخبره بعنوانها. فهم بالتحرك على عجالة من أمره، لولا ليلى التي قالت في فزع:
"مين في المستشفى يا أسيد؟"
أسيد بنظرة نارية تنم عن نفس غاضبة:
"هنبقى نتكلم في البيت يا أمي عن الموضوع ده!"
أوقفه ريان قبل أن يرحل، وهو يرمقه بنظرات دقيقة هامسًا:
"ملاك هي اللي في المستشفى، صح؟"
بخفوت ونبرة رزينة أجابه قائلًا:
"أيوه، متقلقش. هطمن عليها وأطمنك. خليك أنت هنا علشان لو عمي فاق، تكون جنبه."
ماء له بعبوس شديد في خنق مجيبًا بنبرة متهمة:
"استغفر الله العظيم. ماشي يا أسيد، ابقى طمني بالله عليك. لاحسن أنا مش حامل توتر أعصاب تاني."
رتب على كتفه بنظرة دافئة وانطلق إلى خارج المستشفى مهرولًا.
***
ساعات محدودة وكان يقف بسيارته أمام باب المستشفى، ليترجل منها ويقود خطواته السريعة نحو الداخل، متجهًا إلى الطابق التي تكمن به، بعد أن سأل عن اسمها في "الاستقبال". وضع يده على المقبض وهم بفتح الباب، فوجد الطبيب يخرج من الداخل. وقف يتحدث معه كالتالي:
"خير يا دكتور؟ طمني... أنا ابن خالة..."
بلطف جلّي وابتسامة مشرقة ممزوجة ببعض المزاح:
"اهدأ طيب، مفيش حاجة تستدعي القلق ده كله. هي كويسة أوي الحمد لله. هو حصل معاها كده بس لأنها أهملت في علاجها ومكنش معاها وقت الأزمة."
فغر مقلبتيه بذهول وهو يجيبه بعدم فهم واستيعاب:
"أزمة إيه بالظبط يا دكتور؟ معلش فهمني."
تحولت نبرة الطبيب إلى الجدية وبعض الحزن:
"واضح إنك متعرفش. هي عندها مشا مشاكل بسيطة في القلب، وبسببها بيجيلها ضيق تنفس حاد بيؤدي للإغماء. أنا معرفش لو هي متابعة مع دكتور، مقالهاش تعمل عملية ليه؟ لأنها حاجة بسيطة. لو عملية هتصلح المشاكل دي خالص ومش هتكون خطرة. وممكن يكون الدكتور قالها وهي رفضت."
أغمض عينيه بتأثر على تلك المسكينة وهو يتأفف بخنق مجيبًا:
"تمام يا دكتور، شكرًا. كده كده أنا هاخدها عند دكتور متخصص، ولو قالها في عملية أو حاجة، هخليها تعملها."
"تمام جداً. ألف سلامة عليها."
ودعه بإبتسامة شبه متصنعة، وفتح الباب ليدلف لها. كانت مستلقية في فراشها نائمة كالملاك، وقد بدأ يظهر على وجهها الشحوب مجددًا. جذب أحد المقاعد وجلس أمامها يتفحص ملامح وجهها المرتخية وأنفاسها شبه المنتظمة. ملامحها، بشرتها البيضاء، شفتيها التي برغم حالتها لم تفقد لونها الوردي الجميل. فللحظة شعر بها زوجته لشدة تشابههم في الشكل وبعض الصفات، العناد والرقة. وتلك الابتسامة التي كانت تجعله يرفرف جناحيه في السماء عندما يراها على ثغر زوجته. حساسيتها المفرطة تجاه أي شخص غريب، كطفل صغير يخشى الاقتراب من الغرباء.
بدأت تحرك جفنيها تستعيد وعيها، ثم وضعت يدها على قلبها وهي تصدر تأوهًا شديد. فهتف هو بهلع:
"ملاك... أنتي كويسة؟ ملاك؟"
فتحت جزء بسيط من عينيها لترى صورته ضبابية، وهي تلفظ أنفاسها من بين شفتيها بصعوبة. شعرت أنها ستلفظ أنفاسها الأخيرة في تلك اللحظة. وضعت يداها المرتجفة والباردة بشدة على يده هامسة بعدم وعي لم تلفظه:
"أسيد... خليك جنبي... أبوس إيدك."
نظر إلى يدها بدهشة بسيطة، وسرعان ما وضع كفة يده الأخرى فوقها وهو يرتب عليها قائلًا بلطف جميل:
"أنا جنبك يا ملاك. ثانية هروح أنده الدكتور."
ذهب وجلب الطبيب فورًا، وبعد إجراء الفحص كانت هي تعود لتنفسها بطبيعية. ليقول الطبيب باسمًا:
"ها؟ يا مدام ملاك، بقيتي كويسة دلوقتي؟"
بصوت ضعيف يكاد لا يخرج:
"الحمد لله يا دكتور. هو أنا إمتى أقدر أخرج؟"
"مستعجلة كده ليه بس؟ لو عايزة تخرجي مفيش مشكلة، بس متهمليش علاجك ياريت. وكمان شوفي الدكتور اللي متابعة معاه لو قالك على عملية، اعمليها بأقرب وقت ياريت، لأنك أنتي شايفة وضعك إيه دلوقتي."
رأت نظرة أسيد لها التي تنم عن نفس غاضبة ومتضايقة. فهتفت بتوتر بسيط:
"إن شاء الله يا دكتور. أنت عارف العملية بتحتاج فـ..."
قاطعها بصرامة ونبرة رجولية وهو يجيب الطبيب:
"متقلقش يا دكتور، لو في عملية هتعملها في أقرب وقت."
ابتسم الطبيب ثم ودعهما وانصرف. فجلس هو على الأريكة الصغيرة وهو يحدق بها بنظرات قاتلة. تحاول هي تفادي تلك النظرات المريبة بالنسبة لها، فهتفت منفعلة قائلة:
"بتبص لي كده ليه؟ مكنش قصدي على فكرة أخبي عليك أنت وريان، بس قولت ملوش لازمة أقولكم يعني. إذا كان جوزي كان بيديني فلوس العلاج بالذل والإهانة وبيرمي لي الفلوس في وشي، فم رضيتش أحس بالشفقة من ريان وخبيت الموضوع ده. مفيش حد يعرف غيري أساسًا."
صاح منفعلًا في استياء:
"وإنتي بتشبهينا بالـ **** ده يا ملاك؟ الموضوع مفهوش شفقة ولا غيره، ده موضوع مينفعش نتأخر فيه. وكل ما نتأخر فيه، هيكون فيه خطر على حياتك."
أشاحت بوجهها وهي تجيب بمرارة:
"ومين قال لك أصلًا إني فارقة معايا حياتي؟ ده الموت راحة ولله. على أي حال، أنا هشوف الدكتور، وإن شاء الله ميقوليش في عملية، وحتى لو قالي مش..."
قاطعها بنظرة نارية أرعبتها قليلاً:
"هتعمليها يا ملاك، غصب عنك. وأنا بنفسي هروح معاكي عند الدكتور علشان أتأكد."
اعتدلت في جلستها وهي تهتف بغضب في نبرة محذرة:
"بس ريان مش هيعرف يا أسيد. ولو عرف، صدقني همشي ولا أنت ولا هو هتعرفوا لي مكان ولا أي حد. كفاية أنت عرفت، أنا مكنتش عايزة أقول لحد أصلًا. لا ريان ولا زمردة ولا سارة هيعرفوا حاجة."
صمتت ثوانٍ وهو يقول بضجر:
"اممم. همشي؟ زي ما عملتي كده النهاردة... إحنا متفقين إيه يا ملاك؟ وإمبارح كنا بنتكلم، ومفيش حاجة. طلع إمتى موضوع المشيان ده في دماغك؟ أمي وأسمى قالولك إيه؟ ومن غير لف ودوران تقولي لي على طول."
بثبات تام في شموخ أجابت:
"مقالوش حاجة. أنا مشيت لوحدي. محبيتش أقعد أكتر من كده، وإلا أبقى ضيفة باردة. يعني مشيت من هناك برغبتي، محدش قالي كلمة ولا قالي امشي. واتمنى إنك تفهم رغبتي في إني مش عايزة أرجع تاني."
هب واقفًا وجذب المقعد ليجلس مقابلها مباشرًا، يهمس بمكر:
"ملاك، يمكن أنتي كنتي بتقدرى تضحكي على ريان وتقنعيه بكلامك اللي مش مقنع أساسًا. بس أنا مش ريان، ومفيش كلمة من اللي قولتيها دخلت دماغي. بس همثل إني صدقتك وهمشي على كلامك وهفهم رغبتك. بس فكريني أنا قولتلك إيه إمبارح؟ قولتلك إن انتي وزمردة وصية بابا، مش كده؟ يعني متتوقعيش مني إني هسيبك تلفي في الشوارع وأنا موجود. وكمان قولت إن دايما كنت معاكي أنا وريان، ومازلت معاكي. مفهوم الكلام؟"
حالة من السكون الجميل سادت بينهما. نشبت داخلها روح تضج بالسعادة. لم تنكر انجذابها له منذ أول يوم دخلت فيه منزله ووقف بجانبها أمام والدته. لان الصمت بينهم حتى قطعه هو مكملاً:
"ودلوقتي، لو مش عايزة تيجي البيت معايا، تمام. بس هتروحي تقعدي في بيتي. والأفضل إنك تشوفي زمردة تيجي تقعد معاكي علشان متقعديش وحدك. ده غير إني هاخدك بكرة ونروح ننهي موضوع طلاقك ده وتقضي شهور العدة في بيتي مع زمردة."
تمتمت باستغراب بعد أن فكرت مليًا:
"أسيد... هو ريان ميُعرفش إن زمردة بنت عمه، صح؟"
أومأ لها بإيجاب، ثم هب واقفًا وهو يمد يده لها قائلًا بودٍ:
"يلا قومي علشان نروح، وبليل هجيلك ونروح للدكتور. مفهوم؟"
أمسكت بيده فساعدها على النهوض وهي تجيب له في موافقة من دون مقاومة، وقد تلونت وجنتيها. حمل حقيبة ملابسها وسارت معه إلى الخارج. كانت تتبعه كقطة صغيرة تطلب الأمان.
***
في مساء ذلك اليوم...
أسرع الجميع إلى ثروت عندما أخبرهم الطبيب أنه استعاد وعيه وتحسنت حالته ويستطيعوا الدخول لها. هرولت أشجان وسارة إليه، كل واحدة من ناحية تحتضنه وهما يبكيان بشدة. فخرج صوته ضعيفًا قائلًا بمرح:
"حد قالكم إني مت بعد أكده؟ أنتي وهيا، أنا مش حامل صداع."
ابتسم الجميع بعذوبة. فأبتعدت عنه أشجان قائلة بضيق:
"اخص عليك يا ثروت."
أقترب منه ريان لينحني ويبُقّل يده قائلًا بحنو:
"حمد الله على سلامتك يا حج. صدقني، ما هسيب اللي عمل كده يتهنى يوم واحد في حياته."
ثروت بهدوء وصوت خافت:
"سيبك دلوقتي من الكلام ده يا ولدي، أنا زين الحمد لله. أنا عارف اللي عمل كده اختارني أنا بالذات ليه."
صاحت أشجان بغضب عارم:
"حسبي الله ونعم الوكيل في اللي عمل كده."
أقترب منه محمد وقال بدفء:
"حمد الله على سلامتك يا ولدي."
"الله يسلمك يا أبوي."
سادت الأحاديث بينهم والمزاح والمرح إلى ما يقارب ربع ساعة، حتى ابتعد ريان عن حشدهم، بل غادر الغرفة بأكملها ليخرج هاتفه ويجري اتصالًا بأسيد ليجيبه قائلًا:
"الو يا ريان، طمني عمي فاق؟"
"فاق الحمد لله، متقلقش يا خير. بعدين، جاهو ده اللي هطمنك يا أسيد؟ أنا قاعد من الصبح على أعصابي. مالها ملاك؟ طمني."
نظر أسيد بجواره لها فأشارت له بحزم أن لا يقول شيئًا، فأردف بجدية:
"مفيش حاجة، تعبت شوية والدكتور قالها إنيميا ومبتهتمش بصحتها اليومين دول. معرفتش أكلمك لأني بعد ما رحت لها كان معايا كام حاجة خلصتها ونسيت خالص. أنا هخلص حاجة كده وهاجي البلد عند عمي ونتكلم على رواقة."
همس بخفوت في ارتياح:
"طيب الحمد لله. كنت قلقان عليها. أول ما أفضى هكملها وأطمن عليها. يلا مستنيك، سلام!"
أنهى الاتصال معه، ثم نظر لها وهتف بزمجرة مزيفة:
"اديني كذبت عشانك ياهانم، ياريت بس يطمر وتبقي تبطلي عند."
افترت شفتاها عن ابتسامة جميلة وهي تقول برقة ممزوجة بمرح:
"لا، دي كذبة بيضاء. ربنا يجعلها في ميزان سيئاتك!!!"
ابتسم لها ثم يهتف من بين ضحكاته:
"طيب قومي يلا، شوفي لو في حاجة ناقصاكي علشان نمشي، لاحسن نتأخر على الدكتور."
بوجه مشرق وثابتة واقفة وهي تقول بصوت رقيق:
"حاضر، ثانية هاخد شنطتي وآجي."
ثوانٍ وكانت أمامه وهي جاهزة تمامًا، ففتح الباب وتبعته هي للخارج وصعدا بالسيارة، ثم رحلا.
***
في صباح اليوم التالي، يوم مشرق. أخيرًا شعرت ملاك أن الشمس ستظهر عن جزء من شعاعها بطلاقها اليوم من ذلك الحيوان الذي لا يمتلك في قلبه ذرة رحمة.
كانت تجلس هي وكلٌ من زمردة في مكتب المأذون منتظرين قدوم أسيد وريان بصحبة أكرم. وأخيرًا أتوا، فصدمت ملاك من منظره في كل جزء من وجهه توجد بقعة حمراء أثر الضرب التي تعرض له على يد أسيد ورجاله. توجه وجلس أمامها وهو يرمقها شرزًا متوعدًا لها. فشعرت ببعض الخوف، ولكن أطمأنت عندما تذكرت وجود أسيد وريان معها وأنه لا يستطيع أذيتها بوجودهم. فأظهرت القوة والثبات أمامه. أما المأذون فهتف بدهشة:
"إيه اللي عمل فيك كده بس يا ابني؟"
نظر إلى أسيد الذي كانت نظراته كالصقر الحاد أنزلت الرعب في قلبه، ثم أجاب بغضب:
"لا، دي مشكلة كبيرة حصلت وولاد الحرام عملوا كده. مش يلا نبدأ بإجراءات الطلاق؟"
حاول المأذون في البداية أن يردهم عن قرارهم بتذكيرهم أن الطلاق يهتز لعرش الرحمن وأن أبغض الحلال عند الله الطلاق، وغيرها من النصائح. فهتف ريان بشيء من الانفعال:
"متتعبش نفسك يا مولانا، مفيش حد فيهم هيتراجع عن الطلاق."
تنهد الصعداء بيأس، ثم بدأ بإجراءات الطلاق التي انتهت بسماع ذلك الوغد وهو يلقي على مسامعها "أنتي طالق". كانت في أشد سعادتها بتلك اللحظة. ونظرت إلى زمردة وهي تتنهد بارتياح وسعادة واضحة في عينيها. ثم نهضوا جميعًا وغادروا المكتب. فنظر أكرم لها وهتف منذرًا:
"لسه حسابنا مخلصش يا ملاك، وهدفعك تمن اللي عملتيه ده، وابقي قولي أكرم."
صدر له ريان وهو يتشدق بصوت رجولي مخيف:
"ده جرب كده وشوف إيه اللي هيحصلك؟"
سحبه أسيد من يده بهدوء وهو يغمغم مبتسمًا بخبث:
"سيبه يا ريان، هو عارف كويس هيحصله إيه لو فكر يعمل حاجة من اللي بيقولها. لأنه مظنش إنه هينسى اللي حصله في المخزن. صراحة، أنا هكون مستمتع جدًا لو كررتها تاني، ولا أنت إيه رأيك؟"
قال آخر جملاته وهو يغمز له بلؤم شبه ضاحكًا، فأشتعل فعيل نيرانه وهو ينصرف فورًا ويتوعد لهم جميعًا. التفت ريان إلى ملاك ليهمس بنظرة عاشقة:
"وعدتك إني هخلصك منه، وديني وفيت يا ملاك."
برقة طاغية همست:
"أنا كنت واثقة فيك يا ريان، علشان كده كنت مرتاحة."
كان يتابع أسيد حديثهم مبتسمًا، ثم أقترب من ملاك وهو يطلب منها القدوم معه بعيدًا عنهم قليلًا، فلبت طلبه وأبتعدوا عن مسمعهم، وهو يقول بنبرة لا تقبل النقاش:
"إنتي سمعتي الدكتور قال إيه امبارح صح؟ لغاية ما تخلصي شهور العدة هتحافظي على علاجك يا ملاك، فاهمة؟ علشان بعد ما تخلص نروح للدكتور ونحدد معاد العملية."
بعينان تبتسمان من الداخل لسعادتها وهي تهمس بإيجاب:
"حاضر، بس مش هو قالي أعمل تحليل وأوديه له النهاردة؟"
مسح على شعره وهو يردف بتأسف:
"اممم، تصدقي نسيت الموضوع ده. طب يلا، هنروح دلوقتى وهخلي ريان يوصل زمردة للبيت، وبعد كده أنا أرجعك البيت."
كانت نظرة ريان لهم مشتعلة، عيناه تكاد تخرج النيران منها. فقد تأججت نيران الغيرة داخله. لاحظت زمردة ذلك، فابتسمت بمكر، ولكن اختفت ابتسامتها فورًا عندما رأت نظرته النارية لها، فتصنعت أنها لا تراه وهي تحدق بالسماء باضطراب جلّي. أرغمته إياه على الابتسام وهو يتعجب على تلك الفتاة البلهاء التي تعتقد أنها كذلك ستهرب بما فعلته.
أقترب أسيد من ريان لينحني نحو أذنه ويهمس بخشونة:
"ريان، خد زمردة ووصلها للبيت. وأنا وملاك هنروح مشوار سريع ونيجي وراكم."
بغيرة مدمرة واغتياظ ممزوج بالانفعال:
"مشوار إيه اللي مينفعش تتكلموا قدامنا فيه؟ إيه هو سري للدرجة دي يا أسيد بيه؟"
أجاب باقتضاب محتجًا:
"اهاا، سري يا ريان. اعمل اللي قولتلَك عليه يا ابن العم، يلا من غير عصبية هااا."
***
كانت سارة تقف خارج غرفة والدها تتحدث عبر الهاتف مع أحد أصدقائها وتشرح لها ما حدث بخصوص حادثة والدها، والأسى يستحوذ عليها. فرأت مراد يخرج من الغرفة ليقع نظره عليها. ويرمقها متغطرسًا عندما اعتقد أنها تتحدث مع ذلك الشاب مجددًا. فأنهت الاتصال مع صديقتها فورًا وركضت خلفه وهي تنادي عليه. فتوقف والتفت لها ليهمس بجفاء:
"خير يا سارة؟"
أنزوت نظرتها عنه هامسة بتوضيح:
"أنا مكنتش بكلم إسلام على فكرة، دي واحدة صحبتي."
رأت شبح ابتسامة مستنكرة على ثغره وهو يقول بعدم اهتمام:
"أولًا، أنا مسألتكيش بتكلمي مين. ثانيًا، دي حاجة متخصنيش إذا كنتي بتكلميه أو لا."
أغمضت عيناها بالعبرات وهي تتمتم معتذرة:
"مراد، بالله عليك بلاش اللي بتعمله ده. ثم إني قطعت علاقتي بيه خلاص. ومكنش قصدي إني أعمل حاجة غلط. أنا بس قولت إن كلامنا على الفون هيبقى مؤقتًا لغاية ما ييجي يتقدملي وتبقى حاجة رسمية."
غلبه الوجوم وهو يحدق بها بصمت مرير. ذلك الصمت أحدث في نفسها ضجيجًا حيث جعل شجونها تهيج من جديد. عندما طفق يقول بقسوة:
"مؤقتًا مش مؤقتًا، أنا مليش دعوة يا سارة. أنا مش أخوكي ولا أبوكي علشان أحاسبك. والأفضل إنك تمشي دلوقتي ومتتكلميش في الموضوع ده، لأن لو حد طلع وسمعك، هتكوني في موقف أنا مش هقدر أعمل لك فيه حاجة."
قال كلمته الأخيرة وهو يستدير ويرحل، فتتصلب هي بأرضها وتسلط نظرها عليه وهو يغادر بأعين منطوية. نخر الحزن قلبها بلا هوادة. نظرة عدم الثقة وتخييب الآمال الذي في عينه تمزق قلبها إربًا بلا رحمة.
***
خرج مروان باحثًا عن أسمى في حديقة المستشفى. وتوقف للحظات يقلب نظره بين الجالسين فلم يجدها من ضمنهم. أخرج هاتفه وحاول الاتصال بها ولكن كان هاتفها خارج التغطية. شعر بنغزة بسيطة في قلبه لا يعرف سببها. فأنطلق كالمجنون يبحث عنها بكل قطعة في المستشفى. وكأن قدماه التصقت في الأرض عندما رآها فاقدة الوعي ويحملها رجل، ليدخل بها سيارة كبيرة. فضربت إشارات الإنذار في عقله ليصرخ بصوت رجولي هادر قائلًا:
"أسمى!"
ركض نحوها محاولًا اللحاق بها، ولكن كان ذلك الرجل يضعها بالسيارة وينطلق بها بسرعة البرق.
رواية أشلاء القلوب الفصل الثامن 8 - بقلم ندى محمود
ركض نحوها محاولًا اللحاق بها، ولكن كان ذلك الرجل يضعها بالسيارة وينطلق بها بسرعة البرق.
استقل بسيارته مسرعًا وأجرى اتصالًا بأسيد، فجأبه بهدوء تام:
"أيوه يا مروان، عامل إيه؟"
خرج صوته اللاهث والذي لا ينم عن خير أبدًا:
"أسمى اتخطفت يا أسيد!"
هب واقفًا ثائرًا وهو يهتف في شبه صيحة:
"إيه! اتخطفت إزاي؟ وكانت فين؟"
مروان بارتياح جلي وقلق:
"معرفش يا أسيد، كانت في المستشفى. أنا بحاول ألحق العربية اللي خطفوها دي!"
أنهى الاتصال فورًا معه، ونظر إلى ملاك التي كانت تثبت نظرها عليه باهتمام لتتأكد عندما يقول أن أسمى اختطفت، لتغمغم بخشوع في حنان:
"روح يا أسيد شوف اختك، متقلقش عليا، أنا هروح البيت وراك على طول."
في نبرة محذرة وحزم تشدق:
"متتحركيش من هنا لوحدك، أنا هبعتلك السواق ييجي ياخدك، فاهمة يا ملاك؟"
أومأت له بموافقة ونظرة مطيعة، فهرول هو مسرعًا إلى الخارج بعد أن أدرك ما سيفعله جيدًا، تاركًا إياها تحدق على أثره بشرود.
بدأت تشفق عليه بالفعل، شعور ينمو بداخلها كأنها بذرة أُلقيت في تربة خصبة وجعلت الشجر ينمو ويثمر بسرعة. باتت تشعر بالخطر لمجرد قربه منها. أصبحت عيناها تتحدث بالنيابة عنها في وجوده، وكأن الكلمات تخرج وحدها عندما تراه. ذلك الشعور يقتلها في الثانية ألف مرة.
نفضت تلك الأفكار عن عقلها بصعوبة، ثم جلست على أحد المقاعد منتظرة قدوم السائق كما أمرها.
***
ترجل أسيد من سيارته وقاد خطواته نحو ذلك المكان كالأسد الذي ينتظر الانقضاض على فريسته بفارغ الصبر حتى ينال منها ويشبع جوعه وتعطشه. توقفت سيارة مروان وترجل الأخير لاحقًا به بعد أن أخبره أسيد بأن يلحقه ولا يهدر وقته عبثًا بملاحقة تلك السيارة. فتح الباب على مصراعيه ليتجه تجاه معتز المكبل على أحد المقاعد ويحدقه ضاحكًا بخبث. أغار عليه كالوحش الهائج الذي لا يرى أمامه شيئًا وهو يبرحه ضربًا. وقف مروان يتابعه بصمت في البداية، ولكن عندما ازداد الأمر خطورة، اقترب منه وحاول إبعاده عنه، فدفع يده بوحشية ليقبض على عنقه خانقًا ذلك الوغد وهو يصرخ به بصوت لا يحمل أي شيء يدل على المزاح:
"ورب العزة يا معتز يا كلب، لو ما نطقت وقولت أسمى فين، لأخد روحك بإيدي دلوقتي. وأنت جربتني قبل كده كتير وعارف إني مش بهدد على الفاضي."
تغير لون وجهه من كتمان أنفاسه حتى كاد يلفظ أنفاسه الأخيرة بالفعل، لولا مروان الذي أزاح يد أسيد صارخًا به بحدة:
"أسيد بلاش جنان، موته مش هيفيدنا بحاجة. سيبه، خليه يعرف يتكلم. اخلص، اتكلم، أسمى فين؟"
سعل بقوة وهو يحدق بهم بصمت لئيم. ذلك الحيوان يلعب على أوتار أعصابهم بمهارة، فصرخ به أسيد بصوت جهوري تأجج في المكان:
"واضح إنك مش هامك تموت أو تعيش. أنا حذرتك، بس شكلك فاكرني بهدد بس."
أشار له بيده أن يتوقف قبل أن يقترب منه وهو يقول بمكر في نبرة فظة:
"هقولك مكان أسمى، بس عندي شرط. هتخليهم يسبوني أمشي، وإلا اختك.. يا أما مش هتشوفها تاني، يا أما هترجع مفيش أمل منها. أظن فهمتني؟"
تلك اللحظة لم يستطع مروان حجب نفسه عنه بعد آخر جملة نطقها، فهجم عليه وهو يكمل ما بدأه أسيد، حتى يصرخ به بنبرة تحمل في طياتها الوعيد:
"أقسم بالله لو حد لمس شعرة واحدة منها، ما هيكفيني فيك عيلتك كلها."
أنحى أسيد بجذعه للأمام متمتمًا بنظرات مخيفة:
"تمام، هسيبك وهتيجي معانا تورينا مكانها. بس أوعى عقلك الغبي ده يتهيأ لك إنك هتقدر تضحك علينا. ولو أي حركة منك كده أو كده، هتكون ميت في أرضك. واختي أنا هعرف أوصلها إزاي."
ابتسم له بخبث وهو يومئ إيماءة خفيفة بموافقة على الاتفاق.
***
عادت ملاك إلى المنزل ففتحت لها زمردة وهي تستقبلها بحماس قائلة بمكر:
"إيه يا سندريلا، موصلكيش أسيد بيه ليه؟"
بوجه عابس أجابتها وهي تتجه لتجلس على أحد المقاعد قائلة:
"جاله تليفون من مروان وقاله إن أسمى اتخطفت، فأضطرا يسيبوني وبعتوني مع السواق. تعرفي برغم من إن أسمى مبتحبنيش وشكلي هشوف منها بلاوي لسه، بس الصراحة اتضايقت عليها جدًا والله يا زمردة."
رتبت على كتفها بنعومة قائلة:
"إن شاء الله هيلاقوها وترجع سالمة. ابقي شوية كده اتصلي بيه واسأليه عملوا إيه."
هزت رأسها نافية وهي تقول بارتباك:
"لا، أنا هتصلك بيه شوية وأخليكي انتي تكلميه وتقولي له إني قلقت، وتعرفي منه إذا كانت أسمى كويسة ولا لأ."
رفعت حاجبها بلؤم هامسة في نبرة شبه مرحة:
"شايفة إنك أخدتي على أسيد ده قوي يا ملاك. مش مرتحالك والله."
رمقتها بتوتر جلي وقد تحول وجهها إلى ألوان الطيف فجأة وهي تنهض لتقول باضطراب:
"أنا هروح أغير هدومي."
ابتسمت لها بحنو فقد استطاعت فهمها بسهولة.
لم يتمكن أحد من إيقاف نواحها وبكائها على ابنتها، حيث كان كل من ريان ومراد وسارة بجوارها. رتبت سارة على ظهرها بحنو هامسة:
_ اهدى يامرات عمي، أسيد ومروان راحوا يجبوها.
صاحت بها كالمجنونة:
_ لا، أنا مش هطمن غير لما أشوفها قدام عيني!
أخرج ريان الكلمات من حلقه صلبة كالصخر قائلاً:
_ متقلقيش، أسيد عارف هيعمل إيه كويس، وكلها ساعة وهتلاقي أسمي قدامك يامرات عمي.
كان مراد يقف كالجماد يحدق بهم جميعًا، يتابع حديثهم، وعيناه مشتعلة كجمرتين من النيران، وبالأخص يثبت شعاع عينه على ريان. وبعد ما قاله، اندفع نحوه وجذبه من ذراعه هامسًا بنبرة رجولية ضجرة:
_ هتفهمني في إيه دلوقتي ياريان؟ ومخلتنيش أروح ورا أسيد ليه؟ واللي عمل كده في عمي هو اللي خطف أسمي، صح ولا لأ؟
زم شفتيه بضيق وهو يجيبه برزانة:
_ أيوه ياريان، معتز عمل كده، واحنا مسكناه وكنا حابسينه في المخزن لحد ما نشوف هنعمل معاه إيه بعد اللي عمله مع أبويا. بس طلع **** خطف أسمي وابتز بيها أسيد إنه يسيبه ويقوله على مكانها وإلا هيقتلها يا...
كان يصغي له باهتمام شديد، وعندما توقف هتف بترقب:
_ يا إيه ياريان؟ انطق، متختبرش صبري!
أخفض نظره أرضًا وهو يهمس بخنق واضح:
_ يا خي، يخلي رجّالته يأذوها. أعتقد أنت فهمتني، وطبعًا أسيد مكنش قدامه حل غير إنه يسيبه.
ضرب بقبضة يده على الحائط وهو يزأر زئيرًا داخليًا، ليسحب نفسه وينطلق مغادرًا وهو يكاد ينفجر في من يراه أمامه. فصاحت ليلى منادية عليه فلم يعيرها اهتمامًا. نظرت إلى ريان وهتفت:
_ قولتله إيه ياريان؟
زفر بغضب هادر ولم يجيبها، بينما اندفع هو الآخر لاحقًا بذلك البركان الذي على وشك الانفجار وتدمير الأخضر واليابس...
كانت أشجان تجلس بجوار زوجها ومحمد الصاوي، الذين كانوا يتحدثون حول أمر أسمى وهما على اتصال مستمر مع مروان. وجدت هاتفها يصدر رنينه، فنظرت إلى المتصل واضطرب وجهها قليلًا، ثم نهضت من جوارهم واتجهت نحو غرفتها وهي تتلفت حولها خشية من أن يسمعها أحد أو يراها. ثم دخلت إلى الغرفة وأغلقت الباب لتجيب قائلة:
_ أيوه، عملته إيه؟
_ البنت اللي قولتي عليها قاعدة في ( ....... ) ياهانم، وقاعدة معاها بنت خالها.
ظهرت قسمات الدهشة على وجهها وهي تهتف بتعجب:
_ بنت خالها مين دي؟ اسمها إيه؟
_ اسمها زمردة تقريبًا، أمها ماتت من سنتين.
أنهت الاتصال معه وهي تحملق في اللاشيء أمامها بذهول، وتتساءل ابنة من زمردة تلك؟ ياترى أيعقل أن تكون ابنة عزت...!!
اصطحبهم معتز إلى المكان الذي يخبئ به أسمى. كان أشبه بأحد الأماكن التي مر عليها قرون، منظره يثير الاشمئزاز حقًا...
فتح الباب فوجدوا أسمى مكبلة على الأرض من قدميها ويداها، وتطرق رأسها أرضًا، فقد فقدت قدرتها على الصراخ والاستغاثة بأحد لينقذها. بدت خائفة بل مرتعبة، هيئتها جعلت الزعر يأخذ طريقه إلى قلب أخيها ومروان. حجابها زحف للخلف ليظهر عن جزء من شعرها الأسود الحريري وملابسها غير مهندمة. اشتعلت نيران مروان ليجذبه من ملابسه وهو يصرخ به بصوت جهوري:
_ ده أنا هشرب من دمك دلوقتي! انطق، شوية ال**** بتوعك عملوا فيها إيه؟
هرول أسيد نحو شقيقته ليمسك بوجهها يهزه بخفة محاولًا إفاقتها وهو يقول بهلع بسيط:
_ أسمي ياحبيبتي، أنتي سمعاني؟
فتحت عيناها بضعف لترفع رأسها نحوه، ويخرج صوتها المبحوح وهي تبتسم بسعادة:
_ أسيد.
حاوط رأسها بيده القوية ليضمها إلى صدره، لتنفجر هي باكية بشدة حتى تسمع صوته يقول:
_ حد قربلك يا أسمي؟ قولي ياحبيبتي.
هزت رأسها نافية وهي تهتف ببكاء حار:
_ أنا كويسة يا أسيد، خدني من هنا، ابوس إيدك.
ابتعد عنها وبدأ بحل الحبال عن يدها وقدميها ليساعدها على النهوض ويعدل من حجابها ويلف ذراعيه حول كتفها، ضامًا إياها إلى أحضانه وهو يسير بجوارها. ليتوقف أمام معتز، محلقًا به بنظرة متقدة كلها ذكاء. ثم اقترب وهمس بجانب أذنه بصوت يشبه فحيح الأفعى:
_ حسابك تقل قوي معايا يل ابن سيف الدين، بداية من اللي عملته مع مريم وحتى النهاردة.
صمت لثانية ثم عاود يلفظ الكلمات من بين شفتيه ببطء:
_ أسيد الصاوي مبيتهددش. النهاردة وافقت على شرطك عشان أحمي أسمي، مش أكتر. لسا متعرفش يعني إيه أسيد يحط حد في دماغه، وأنا حطيتك خلاص. بتلعب مع الشخص الغلط صدقني، لأنك في النهاية هتطلع خسران، بس خسران حياتك. هدفعك تمن عمايلك واحدة واحدة. ونصيحة مني، ابقى لما تنام بليل خلي عينك مفتوحة، لأن ممكن تلاقيني في أي لحظة جيت واخدت روحك. هبقى واحد من مخاوفك يامعتز.
كان مروان يقف يحدق به مبتسمًا بلؤم، ليقترب هو الآخر منه هامسًا بخبث بعد أن أخذ أسيد أسمي، وهي مسلطة نظرها على معتز بعتاب وخيبة أمل لم تعهدها من قبل، حتى قبل أن يفعله اليوم كانت تدافع عنه:
_ اللعبة مخلصتش، لا دي لسا هتبدأ. واضح إن السحر انقلب على الساحر. أبدأ عد عدك التنازلي من اللحظة دي!
ثم غادر خلفهم، ليجد أسيد يقول له بخشونة:
_ مروان، خد أسمي وصلها البيت، وأنا معايا مشوار هخلصه وآجي واركم.
تنهد بعمق ليقترب ويهمس بجانب أذنه في جدية:
_ أسيد، بلاش جنان ها، متتهورش وتعمل حاجة تندم عليها بعد كده.
رتب على كتفه بنظرة دافئة مبتسمًا يطمئنه، ثم ضم أسمي ومرر يده على ظهرها وقبل جبينها ليشير لها بعينه أن تذهب بصحبة مروان. فتحدقه بأعين متوسلة، يعلم تلك النظرة جيدًا، فقابلها برزانة وهو يتجه نحو سيارته وينطلق بها، لتستدير هي وتتحرك نحو سيارة مروان وتصعد بها بجواره، وهي تبكي بحرقة. فهتف مروان بقلق:
_ مالك يا أسمي؟ أنتي كويسة؟
إماءت برأسها بإيجاب بعد أن كفكفت دموعها وهمست بصوت مزقه الحزن وأعين تهيمان بالدموع:
_ كويسة يامروان، الحمدلله. من جهة مش مصدقة إن معتز يعمل فيا كده ويستغلني، وإنه إزاي ضحك عليا واقنعني إنه بيحبني، وبعد ما عملنا الخطوبة وكنا خلاص هنعمل الفرح اكتشفنا حقيقته. ومن جهة خايفة على أسيد، هو غضبه وحش ومش عايزاه يبقى قريب من معتز بأي شكل من الأشكال لأنه ممكن يأذيه.
بصوت يقطر حنانًا ورقة همس:
_ قولي الحمدلله إن ربنا كشفه قبل ما يفوت الأوان. وأسيد متخافيش عليه، يمكن يكون متهور شوية، بس مش بيعمل أي حاجة غير لما يحسبلها ألف حساب... يلا امسحي دموعك بقى.
جففت عبراتها بعد أن أعطاها منديلًا ورقيًا ومع زجاجة ماء لتشرب وتروي ظمأها. ثم انطلق بالسيارة عائدًا إلى المنزل...
أجاب أسيد على الهاتف ليقابل ثوران أخيه البركاني وهو يصيح:
_ مبتردش ليه يا أسيد!
قابله ببرود تام قائلاً:
_ أسمي جاية في الطريق مع مروان وكويسة، متقلقوش، وأنا ورايا مشوار وهاجي وراهم.
لم يمهله الإجابة، فأغلق الاتصال وألقى بالهاتف على المقعد بجواره واستكمل طريقه. داخله نيران هامدة تتوهج أكثر فأكثر، وكلما يتذكر ما فعله ذلك الوغد تأكل جسده من الداخل كالمرض الذي ينتشر في جميع أجزاء الجسم ليقضي عليه شيئًا فشيئًا...
كانا يجلسان أمام التلفاز يشاهدون إحدى الأفلام وبيدهم صحن ممتلئ بـ (الفشار)، لتهتف زمردة بفضول وحيرة:
_ ألا قوللي، موضوع إيه ده اللي أخدك أسيد فيه على جنب واتكلمتوا فيه؟
ارتبكت قليلًا وهي تقول لها بتلعثم:
_ هااا، لا عادي بيقولي لو احتجتي حاجة اتصلي بيا وقوليلي، وبيقولي إنه هييجي ياخدني بعد شهور العدة عشان أروح أقعد عندهم.
أعتدلت في جلستها لتصبح مقابلة لها وتقول بمكر:
_ ملاك، متكدبيش عليا، لأنك أصلاً مبتعرفيش تكدبي ومكشوفة قوي. قولي اخلصي، قالك إيه؟
بأرتباك أشد وتوتر أجابت وهي تشيح بنظرها عنها:
_ وأنا هكدب ليه يعني يازمردة؟ قالي كده، ولو مش مصدقاني ابقي اسأليه!
أطالت النظر إليها في نظرات شائكة وهي تضيق عينها، ثم أردفت بمرح:
_ ماشي ياملاك. المهم، أنتي مشوفتيش ريان كان بيبصلكم إزاي لحظة، وكان هيولع في أسيد والله. وأنا لما شفته كده ابتسمت، راح بصلي بنظرة ياساتر، قمت أنا علطول عملت نفسي مش شيفاه وقعدت أبص وأتأمل في السما. بس منظري كان مسخرة والله، كل ما افتكره أضحك.
بادلتها الضحك وهي تقول من بين ضحكاتها:
_ تستاهلي، وأنتي تضحكي ليه أصلاً ياباردة!
بلهجة صارمة تحمل في داخلها اللؤم:
_ بضحك لأني فهمته من نظرة واحدة، وأنتي حمارة بيكلمك علطول ويقعد معاكي ومفهمتيش حاجة. وعارفة هتقولي إيه دلوقتي، هتقولي قصدك إيه يعني. هقولك قصدي ياغبية إن ريان بيعشقك مش بيحبك بس.
هزت رأسها بحركة نافية وهي تلتقط من الصحن وتضع في فمها قائلة بعدم اقتناع:
_ بيحبني إيه أنتي عبيطة يابت! ريان بيعتبرني زي سارة، وأنا بعتبره أخويا، يعني مفيش الكلام ده!
التقطت الأخرى أيضًا من الصحن وألقته في فمها هاتفة بسخرية في غيظ:
_ مش بقولك حمارة. اسكتي خالص كده ياملاك، أنا مش ناقصة فقعة مرارة.
ترجلت من السيارة بصحبته أمام المنزل وهو يطالعها مبتسمًا بحنو. سارت نحو الداخل بخطوات بطيئة. مازالت الصدمة مسيطرة عليها والخوف يتملكها، ولكن بمجرد ما رأت مراد أسرعت نحوه لترتمي داخل أحضانه، تحتمي به، فليس لديها أحد تحتمي به سوى أخوتها. شدد من عناقها وهو يقبل رأسها بارتياح هاتفًا:
_ أسمي، أنتي كويسة ياقلبي؟
هزت رأسها بإيجاب لتجد ليلى تهرول في خطواتها تكاد تركض لتعانق ابنتها وهي تهتف باكية:
_ أسمي حبيبتي، كنت هتجنن من الخوف عليكي يابنتي. أنتي كويسة؟
كانت لا تجيبهم، فقط تكتفي بإيماء رأسها في تأكيد سؤالهم. لتنظر نحو مراد وتهتف باكية:
_ مراد، روح ورا أسيد ابوس إيدك، شوفه. خايفة ليعمل حاجة مجنونة.
نقل نظره بين الجميع في دهشة، وهم بالفعل أن يذهب ويتصل بأخيه يعرف موقعه عندما شعر بالقلق. فأوقفه مروان بيده هاتفًا بهدوء رزين:
_ اقعد يامراد، سيبه. ممكن يكون راح مكان يرتاح شوية، مظنش إنه هيعمل حاجة. أسيد مش غبي للدرجة دي...
اصبر ساعتين كده وهنتصل بيه ونشوفه هيكون هدى شوية.
لوى مراد فمه بعد إن بدأ أنه لا يقتنع بكلامه فأقترب منه ريان قائلًا:
_ وأنا رأى كده برضوا يامراد اهدى بس أنتوا الاتنين متعصبين ولا أنت هتعرف تهديه ولا هو.
ضغط بقوة على قبضة يده وهو يصيح متوعدًا:
_ معتز ال ****** يوقع تحت ايدى وهشرب من دمه. أنا مش أسيد اللى هكتفى بتعذبيه لا أنا معنديش وقت هقتله فى لحظتها.
عادت مجددًا تلك المدعوة بليلى لتقول بأمتعاض وأنفعال:
_ كل ده من ورا عمايلك أنت واخوك. خليكم بتحموا الزفتة اللى اسمها ملاك دى اللى مشوفناش من وراها خير إذا كان اخوها كدا فهى هتكون إيه!
صاح مراد كالجمرة المتوهجة بالنيران:
_ امى سيبى البنت فى حالها لو سمحتى. ومتتكلميش وأنتى مش عارفة حاجة مش أى حاجة هتحصل هترمى بلاها على ملاك. إيه دخلها هي باللى بيحصل مش كفاية اللى شافته واللى عاشته بسبب جدى وعمى وكلهم عارفين هى حصلها إيه كويس ومحدش قلبه حن عليها. من النهردا اللى هيقول كلمة واحدة عن ملاك أنا اللى هتصدرله مش أسيد.
كانت عيناه الملتهبة كافية لتسلل الخوف إلى قلب أسمى وليلى قليلًا. حتمًا أنه يحب ملاك ولكن لا شك أنه حب اخوي يريد حمايتها كما يحمي شقيقته. مراقبته لها هو وأسيد طوال السنين الماضية ومعرفة كل شئ عنها كان سبب كافٍ لجعلهما يحبونها دون أن يعاشروها.
***
فتح خالد الباب ليتفاجئ بأسيد أمامه انتابه شعور بالخوف قليلًا وشعر ببرودة في أطراف أصابعه عندما رأه فهتف أسيد باسمًا:
_ إيه ياخالد هتيبسنى واقف على الباب كده ولا إيه!
أفسح له الطريق وهو يشير بيده أن يدخل في نظرات زائغة. فدخل أسيد وأتخذ مقعدًا له على الأريكة وهو يتفحص المنزل هاتفًا بأستنكار:
_ ماشاء الله المكان ولا الكابريهات. لا وبيدور على أخته كمان إيه هيبجبها تعيش معاه فى المخروبة دى. ولا يمكن هيخليها تخدم عليه هو واشكاله الزبالة زيه.
أزدرد خالد ريقه بتوتر ليتشدق بتردد:
_ هو أنت جيت هنا ليه يا أسيد.
وثب واقفًا وهو يبتسم بخبث وصوت أجش:
_ جيت ليه يا أسيد جيت ليه! أقولك جيت ليه يا خالد تخيل كده لما معتز يعرف أن خالد صديقه الصدوق هو اللى قتل ابوه بالاشتراك مع أشجان هيحصل إيه. والله أنا لو حبيت الحقك منه مش هلحق لأنى عقبال ما آجى هيكون قتلك. أنا عارف بلاوي كتير للاسف عن كل واحد بس ساكت وأهو عندك مثال أشجان مرات عمى اكتر وحدة عارف عنها بلاوي بس ساكت ليه علشان عمى وريان وسارة وزي ما أنا عارف أن عمتى فرودس مماتش بسبب المرض وزي ما عارف كمان أنك سبق وحاولت تقتل ملاك. ياااه بتخيل لو معتز عرف أنك عملت ده كله هيعمل فيك إيه. بس طبعًا متفتكرش أنى نسيت ده لا كله مسجل فى الحسابات وكل واحد عمل حاجة هييجى عليه الدور ويدفع تمنها بس الفكرة أنى مستنى الوقت المناسب علشان لما اصوب السهم يرشق فى الهدف.
فرت الدماء من وجهه وتسارعت نبضات قلبه برعب وهو يرمقه بأعين مرتعدة. بدأ العرق يسيل من على جبينه ليهمس بصوت مبحوح:
_ طيب أنت عايز إيه يا أسيد بظبط!
ظهرت إبتسامته اللئيمة وهو يقول بنظرة مشتعلة بفعل الانتصار:
_ كده ابتديت تفهمنى. عايزك تراقب معتز عينك متغفلش عنه وتعرف كل حاجة بيعملها يعني لو دخل الحمام تقولى شايف التفاصيل دي. وبما أنك علطول معاه فهتكون سهلة عليك. دلوقتى عايزك تراقبه بس وبعدين هقولك تعمل إيه تانى.
صمت لبرهة من الوقت وهو يحدق به بصمت متفكرًا ليجيبه وكأنه قرأ افكاره:
_ عارف بتفكر فى إيه. بتقول وأنا اساعدك ليه وأنت كده كده برضوا مش هتسيبنى من غير عقاب على اللى عملته. أنا غير أخرى هبلغ البوليس عليك وهتتحبس تاخد مؤبد بقى تتعدم دى حاجة مليش فيها أنما لما اقول لمعتز فانت هتتقل وبأبشع موتة. أنت إيه رأيك تموت ولا تدخل السجن. فكر ورد عليا واوعى لسانك يوقع بكلمة كده ولا كده مع أشجان فاهم. هستنى الرد منك بليل علشان نبدأ من بكرة.
أستدار وأنصرف تاركًا إياه يحاول أستيعاب ما يحدث كيف له أن يعرف كل هذا. وراح يجاهد فى السيطرة على انفاسه المتسارعة.
***
ترامقت النجوم الساهرة محلقة فوق الرءوس. عيناه تدوران في ذلك المنزل الصغير المطل على البحر. دائمًا زوجته تكون محتلة مركز الصدارة في عقله لا يستطيع حتى نسيانها ليوم واحد. يتذكر كيف قضى شهور وأيام بصحبتها في ذلك المنزل. الآن هو موجود به دونها. وكأنه أرض خراب لا تصلح لاستصلاحها أو زراعتها من جديد. قلبه يسحق تحت الأسى والشجن حتى املأها الدمار. لعلى أنفاس الليل الباردة تخفف من حرارة حزنه. نهض وتوجه نحو غرفة النوم لينزع حذائه عنه وسترته ويتسطح بجسده على الفراش مستسلمًا للنوم.
ساعات واخذت الظلمة ترق وتلوح بشائر النور الموعود في الأفق وترسل الشمس شعاعها رفيقًا فوق المروج الخضراء والسحب تزين الماء بقطع بيضاء. أستفاق بفزع على صوت طرق الباب القوي. ليعتدل في نومته ويمسح على وجهه وشعره بخنق وينهض ليفتح الباب ليندهش بوجود مراد وأمه امامه التى عانقته بشدة وهى تهتف ببكاء:
_ كده يا أسيد كنا هنموت من القلق عليك اليوم كله امبارح وأنت قافل تلفونك ومش هامك حد.
طالعها بإبتسامة ناعمة وهو يمسك بيدها ليقبلها بحنان هامسًا:
_ حقك عليا يالولو بس كنت محتاج أقعد وحدى شوية واريح دماغى وبعدين أنتوا قلقنين ليه مش معقول يعنى هعمل حاجة غبية. كان فى مشوار عايز اعمله وبعد كده جيت على هنا. ثم أن مين المتخلف اللى بيخبط كده أكيد أنت صح. راعى أن فى ناس نايمة جوا.
هتف مراد شبه ضاحكًا:
_ تسلم يا أبو الواجب. اخويا الكبير بقى هعمل إيه نستحمل تهزيقه!
بغضب مزيف هتف:
_ أنت إيه اللى جايبك يامراد!
دخل وجلس على الاريكة ليردف بمرح وبرود مستفز:
_ جاى اغتت عليك عندك مانع.
نظرت ليلى لأسيد وبأعين دامعة تمتمت راجية:
_ أسيد اوعى تكون بتكدب عليا وعملت حاجة.
بصوت لين ورقيق غمغم:
_ هكون عملت إيه يعنى يا أمى قتلته مثلًا. متخافيش معملتش حاجة. ويلا علشان اوصلك البيت قبل ما اروح الشغل.
صاحت في أستياء برفض قاطع ولهجة لا تقبل النقاش:
_ شغل إيه. أنا جايبة أكل معايا مش هتمشى قبل ما تفطر.
ليقول مراد مازحًا:
_ ياسلام على حنان الأم. ولما أنتى حنينة كده منشفة ريق ملاك الغلبانة ليه هااا يامفترية.
لتصرخ به وهى تلتقط أحد الاحذية من الارض وتلقيها عليه بزمجرة:
_ مفترية فى عينك قليل الأدب هقول إيه ما أنا معرفتش اربى. قوم يلا مش قولت ورايا شغل على أساس أن الشغل مقطع بعضه معاك قوم ياخويا قوم لتتأخر على الديوان بتاعك.
استطاع تفادى الحذاء وهو يضحك بشدة ناظرًا إلى اخيه الذى يشاركه الضحك قائلًا:
_ شايف مش بقول حنينة. بتحبنى أوى والله !!
همت بألتقاط الفردة الثانية من الحذاء لتلقيها عليه فنهض فورًا وامسك بيدها وهو يقبل رأسها قائلًا:
_ طاب ورحمة ياسر الغالى ما أنتى تاعبة نفسك. أسفين يا أبو صلاح!
ضربته على كتفه بقوة وهى تقول بضجر زائف وعيناها تضحك بحنو امومى:
_ امشى ياواد !!
لتسدير وتتجه نحو المطبخ لتحضر لهم وجبة الأفطار. وبسرعة البرق يتحول مراد من حالة المزاح والمرح إلى الجدية وهو يسحب اخيه ليجلسوا على الأريكة هاتفًا بحدة:
_ هتقولى كل حاجة يا أسيد دلوقتى كنت فين امبارح وحصل إيه من ساعة ما كنت حابس معتز فى المخزن!
***
كانت قد ذهبت زمردة الى عملها وبقت ملاك بالمنزل بمفردها تارة تفكر فى أسيد وتتساءل ترى لماذا كان هاتفه مغلق طوال أمس هل أصابه شئ حتى ريان كان لا يجيب على هاتفه. جوجدت هاتفها يصدر رنينه فوثبت واقفة وهى تركض لعله يكون هو. لكنه كان رقم مجهول. فأجابت بعد إن ظنت أن المتصل قد يكون سارة وتريد الاطمئنان عليها ولكن وقفت الكلمات فى حلقها والرعب تسلل إلى كل جزء فى جسدها عندما سمعت صوت المتحدث.
رواية أشلاء القلوب الفصل التاسع 9 - بقلم ندى محمود
الكلمات وقفت في حلقها والرعب تسلل إلى كل جزء في جسدها عندما سمعت صوت المتحدث، وكأن دلو من الماء البارد سكب فوق رأسها وسط حالة الصقيع تلك الأيام.
سمعته يردف بثقة:
_ عاملة إيه ياملاكى وحشتينى أوى والله، أنا حبيت أتصل بيكى وأقولك بس أنك دايما هتلاقينى معاكى يعنى ممكن تبصى وراكى تلاقينى واقف.
تلقائية في رعب التفتت خلفها تتأكد من عدم وجوده ليستطرد بوعيد مخيف:
_ اوعى تفتكرى أنك كده هربتى مني، اصبري ياملاك في الوقت المناسب هدفعك تمن اللي عملتيه فيا، أنا أكرم المناوي يحصل فيا كده بسببك.. اهاا وبالمناسبة حلوة البيجامة الخضرا اللي لابساها دي!
ألقت بالهاتف على الفراش وهي تلهث أنفاسها بسرعة وتتلفت حولها تكاد تفقد عقلها. كيف عرف ماذا ترتدي؟
أسرعت وأغلقت جميع النوافذ حتى أعتم المنزل تمامًا لتجثي على الأرض، واضعة رأسها بين قدميها وتجهش بالبكاء الحارق والمرير.
***
خرجت زمردة من مكان عملها وقد ذهبت لشراء بعض مستلزمات المنزل وكانت في طريق عودتها إلى المنزل، حيث أعطى هاتفها إشارة رنينه فأجابت على الرقم المجهول بصرامة:
_ الو مين معايا؟
هاتف ريان بنبرة رجولية معتذرًا:
_ آسف يا آنسة زمردة لو أزعجتك، هو أنتي في البيت؟
ارتبكت قليلًا وهمست على استحياء:
_ لا أنا برا البيت الحقيقة ليه هو حصل حاجة؟
_ أصلي برن على موبايل ملاك مقفول، أنتي متأكدة أنك لما سبتيها كانت كويسة؟
اقمست وجهها تحولت فورًا إلى الفزع وقد بدأت الوساوس تأخذ طريقها إلى قلبها وهي تجيبه بإيجاز:
_ أيوه كانت كويسة، أنا على العموم رايحة البيت دلوقتي وهشوفها وأتصل بيك أطمنك.
أجابها برفض قاطع ونبرة مهتمة:
_ قوليلى أنتي فين وأنا هاجي أخدك وأروح معاكي البيت لأن حتى أنا مش مطمن.
التفتت حولها تبحث عن أي شيء تصف له المكان الذي تقف به من خلاله حتى وجدته وأخبرته العنوان. دقائق وكانت سيارته ترتص أمامها، ليترجل هو ويحمل عن يدها الأكياس ويضعها بمقعد السيارة الخلفي ثم يفتح باب المقعد المجاور له وهو يحثها على الصعود لتهمهم هي بنبرة مهذبة في حياء:
_ لا أنا هركب ورا شكرًا.
مط شفتيه للأمام بعدم حيلة وأغلق الباب وهو يهتف:
_ على راحتك!
التف وصعد بمقعده الخاص به وصعدت بالمقعد الخلفي لتسمعه يقول بجدية:
_ اتصلي بيها تاني يمكن تكون فتحت تليفونها.
أومأت له في موافقة وهي تخرج هاتفها محاولة الاتصال به وهو ينظر لها بترقب يراقب تعابير وجهها ففهم أن الخط مازال خارج التغطية عندما وجدها تزم شفتيها بيأس في قلق مماثل له. فيحرك هو محرك السيارة وينطلق بها كالسهم.
***
فتح الباب بحذر بعد أن سمحت للطارق بالدخول وحين وقع نظرها على أخيها صاحت بسعادة غامرة:
_ أسيد!
ليدخل ويغلق الباب، ثم يسير نحوها ويجلس بجانبها متمتمًا بنعومة:
_ عاملة إيه دلوقتي يا أسمى؟
قابل نفورها وانزعاجها منه وهي تشيح بوجهها للجهة الأخرى في تمرد بإبتسامة عذبة لينكزها في كتفها متشدقًا بمزاح:
_ إيه هي سوكة زعلانة مني ولا إيه!
اشتعلت نيران الغيظ لديها وهي تصيح:
_ أسيد قولتلك مليون مرة متقولش سوكة دي متنرفزنيش.
ضم شفتيه محاولًا عدم ظهور ابتسامته وهو يقول ببرود:
_ وهو أنا قولت حاجة غلط ما أنتي كنتي سوكة فعلًا يا أسمى تحبي أفكرك لما كنتي تضربي الولاد في المدرسة وييجوا أهلهم يشتكوا اللي هو المفروض العكس الواد بيضرب البنت وأهل البنت هما اللي يروحوا يشتكوا بس أنتي مختلفة عن الآخرين طبعًا، أفكرك طيب عملتي إيه في مروان لما اتريق عليكي في مرة.
صرخت به بعد أن أصبحت كجمرة نيران مشتعلة وتنفث دخان من فمها بدلًا من ثاني أكسيد الكربون:
_ اطلع بره يا أسيد ومتكلمنيش تاني لشهرين قدام!
ضحك بشدة مردفًا من بين ضحكاته:
_ أنتي مدايقة ليه عايزة أفهم!
تجمعت الدموع في عيناها وهي تصيح به في عتاب شديد:
_ مدايقة ليه، اليوم كله امبارح قافل تليفونك من ساعة ما طلعنا من عند معتز ووقتها كنت متعصب اللي هو إحنا اتأكدنا أنك حصلك حاجة وحشة، لو كان حصلك حاجة مكنتش هسامح نفسي، لا وبعد ده كله جاي بتغلس عليا كمان!
ضمها إلى صدره ليطبع قبلات متتالية على شعرها ويخلل أصابعه بين خصلات شعرها وباليد الأخرى يمررها على ظهرها نزولًا من أعلى إلى أسفل وهو يهمس بصوت يقطر حنانًا وحبًا:
_ إيه ياناس العسل اللي بتخاف على أخوها دي أكتر من نفسها، متخافيش ياروحى مش هقتله يعني.. هدفع تمن اللي عمله بس على طريقة أسيد الصاوي.
أبعدها عنه ليمسح دموعها بأناملها ويلصق شفتيه بجبينها في قبلة أخوية دافئة دامت للحظات ليقول بشيء من الحدة:
_ مش عايز أشوف دموعك تاني يا أسمى فاهمة.
أومأت بحب لتكف عن البكاء وتهتف بنبرة مقتضبة:
_ هي اللي اسمها ملاك دي فين يا أسيد؟
تحولت نظراته إلى الخنق ليجيبها بلهجة حازمة لا تقبل النقاش:
_ شيء ميخصكيش هي فين يا أسمى، كنتوا مدايقين أنتي وأمك من قعدتها هنا وأهي مشيت ولو سمعت أنك أنتي أو ماما حاولتوا تدايقوها بأي شكل من الأشكال هيكون في تصرف تاني مني كفاية اللي عملتوه معاها يوم الحادث اللي حصل مع عمي!
لينهض ويرحل تاركًا إياها تجلس على فراشها وهي تلوح بيدها في الهواء بطريقة استهزاء في اغتياظ عندما تذكرتها.
***
وصلا إلى المنزل فتحت زمردة الباب فدهشت بأن المنزل في ظلام هكذا. التفتت إلى ريان الذي بادلها الدهشة في نظراته لتركض إلى غرفتها وهي تصيح باسمها ويقف الأخير وقلبه يكاد يدب من بين أضلعه على حبيبته التي لا يستطيع حتى رؤيتها يتحرق قلقًا لرؤيتها والأطمئنان عليها.
وجدتها جالسة على الأرض ومنخرطة في نوبة بكاء عنيفة. رفعت نظرها لها وحاولت نطق اسمها من بين شفتيها متقطعة:
_ زم..ردة.
جثث على ركبتيها أمامها وعانقتها بشدة وهي تقول بهلع:
_ مالك يا ملاك في إيه حصل إيه، وعاملة في نفسك كده ليه!
خرج صوتها المتقطع بنشيج مسموع:
_ تعبت يازمردة تعبت، هو أنا مليش نفس أعيش يومين مرتاحة، هلاقيها من أكرم ولا مرات خالي وأسمى ولا من الدنيا وحياتي كلها.. أنا بجد مش قادرة خلاص من ساعة ما جيت على الدنيا وأنا بتعذب ومازال العذاب مستمر وهيفضل ملاحقني لغاية ما أموت.
أغمضت عيناها بالعبرات لتشدد من احتضانها وهي تملس على شعرها هامسة بصوت تخنقه العبرات:
_ ياهبلة ده ربنا بيختبرك، أن بعد العسر يسر ياملاك ياحبيبتي اصبري عشان تنولي أفضل ما عنده صدقيني كله هيعدي والله، أنتي قوليلي حصل إيه بس خلاكي كده؟
شعرت بنغزة بسيطة في قلبها فهدأت من روعها قليلًا وتوقفت عن البكاء حين أخذت تستنشق أنفاسها بصعوبة فتابعت بصوت حانٍ:
_ طيب لو مش هتتكلمي قومي اغسلي وشك كده ولما تهدى نبقى نتكلم.
هزت رأسها بالموافقة لتضغط على قدمها وتنهض سائرة نحو المرحاض ببطء شديد. فتجفف زمردة عبراتها جيدًا وتعود إلى ريان الذي تطلع إليها بتفحص عيناها المتلألئة واللامعة جعلته يسألها بتلقائية:
_ في إيه، ملاك كويسة؟
أومأت إيماءة خفيفة في إيجاز وهي تهمس بصوت مبحوح:
_ احم.. هي كويسة متقلقش بس لقيتها مدايقة شوية يمكن عشان كده مهتمتش تفتح تليفونها أو تشوفه لو فاصل شحن تحطه على الشاحن.
في خفوت ونبرة دقيقة:
_ متأكدة أنها كويسة يعني لو في حاجة قولي متخبيش عني؟
هزت كتفيها لأعلى في عدم حيلة قائلة:
_ ولو في حاجة هخبى عليك ليه ياريان.. أقصد يا أستاذ ريان، هي زي الفل والله متخاف.
تفرس وجهها بنظراته القاتلة ليردف بضيق:
_ ماشي لو احتاجتوا حاجة رني عليا من الرقم اللي رنيت عليكي بيه أو قولي للرجالة اللي بره.. وابقي سلميلي على ملاك.
ابتسمت له بودٍ متصنع وهي تومئ بموافقة. بدأت تسأم من أسئلته تلك ونظراته لها كأنها تعمل لديه ماهذا المتعجرف، لا تستوعب أنه ابن عمها أصبحت تتساءل ما سبب حب ملاك وتعلقها به إلى تلك الدرجة، فقررت أن تثير جنونه وتهتف ببرود مستفز مثبتة نظرها على وجهه تراقب أثر وقع كلماتها عليه:
_ حاضر هتصل بيك مع أنه أسيد مش بيخلينا محتاجين حاجة وبالأخص ملاك.
فهم ما ترمي إليه تلك الوقحة، تلعب على أوتار أعصابه سريعة الاشتعال ليقترب منها ويهمس بكلمات نزلت على قلبها كالصاعقة وكأنه يلقنها درس على ما قالته الذي لم يكن بنية بريئة تمامًا:
_ قصدك لو ملاك محتاجة حاجة مش محتاجين، أصلًا أنتي مين عشان سواء أنا أو أسيد نهتم بيكي، قبل ما تقولي أي حاجة احسبيها الأول لأني فهمت كويس أوي قصدك إيه باللي قولتيه ده.
ليستدير وينصرف، تاركًا خلفه تلك المسكينة متسمرة بأرضها طعنها في وسط قلبها بكلماتها الجارحة، لولا وجود ملاك لكانت تركت ذلك المنزل على الفور وعادت إلى منزلها حيث تكون بعيدة عن تلك العائلة بقدر الإمكان ولكن لا تستطيع ترك ملاك بمفردها.
***
خرجت أسمى إلى حديقة المنزل لتستنشق بعض الهواء الصافي لتنصدم بوجود مروان الذي كان يتحدث عبر الهاتف بعصبية. كانت تحمل بيدها فنجان قهوة صغير فأقتربت منه وهي تتفحص قسمات وجهه بتدقيق إلى حين اتضح أنه يتحدث مع مراد. وقفت أمامه لتبتسم في وجهه بصفاء فيبادلها الابتسامة ويستمر في حديثه إلى حين انتهى وتفرغ لها ليتشدق بحب دفين:
_ عاملة إيه دلوقتي يا أسمى؟
أجابته بعذوبة في مرح:
_ كويسة أوي ولو مكنتش كويسة مكنتش هتلاقيني عاملة فنجان القهوة ده.
اتسعت ابتسامته المشاكسة وهو يأخذه من يدها هاتفًا بجدية وهو يرتشف منه:
_ عملاه ليا يعني، حاسة بيا والله أخوكي رملي دماغي شكرًا جدًا يا أسمى!
تهجم وجهها وهي تهتف بغيظ طفولي:
_ ومين قالك أني عملاه ليك، هات فنجان القهوة يا مروان بالذوق!
بحدة مزيفة أجابها وهو يرفع أحد حاجبيه لأعلى:
_ إيه النتانة دي، مدام أنتي مزاجك حلو أوي كده روحي اعملي واحد غيره واستعجلي أسيد اللي ساعتين بيستحمى ده، امشي يابت يلا.
صرت على أسنانها باغتياظ وهي تهتف محذرة بينما الأخير جلس على المقعد وهو يرتشف القهوة بأستمتاع وكأنه كان في حاجة ماسة له:
_ مروان متبقاش غلس اخلص مش قادرة أعمل واحد تاني والله.. مرووووان الفنجان هيخلص.
أخرجه من فمه وهو يضحك بعد أن وقفت القهوة في حلقه وأخذ يسعل بقوة لتقول هي بشماتة مبتسمة:
_ أحسن عشان تحترم نفسك بعد كده ومتخدش حاجة من إيدي تاني.
رفع نظره لها ليصيح بها بصوت مبحوح من أثر السعال:
_ امشي هاتلي ميه كله ده عشان فنجان قهوة مش عايز حاجة من وشك يا أسمى.
قهقهت بشدة لتجيبه من بين ضحكاتها:
_ اشرب قهوة تاني يمكن الكحة تروح لغاية ما أجيبلك ميه.
لتستدير وتهرول إلى الداخل لتجلب له كوب ماء أما هو فأسند الفنجان بجانبه ومازال السعال لم يتركه.
***
مرت الأيام كالسنين على بعضهم وبالأخص ملاك، التي قضت شهور عدتها في رعب مستمر من ذلك الوغد "أكرم" الذي كان يرسل لها الرسائل باستمرار. منها من كانت رسائل وعيد وتهديد ومنها من كانت لإخافتها، تحول الأمر حتى كادت تصبح مجنونة بسببه أصبحت تتخيل أشياء غريبة في المنزل كالمجانين. ظنت أن المنزل مسكون بالأشباح ولكن أيقنت أنه بسبب ما يزرعه في قلبها من الرعب حول أذيتها وأذية كل من بجانبها بداية بأسيد ويتبعه ريان ثم زمردة التي لاحظت حالتها الغريبة تلك، يصيبها الفزع من أقل صوت، توتر دائم، خوف من شيء مجهول، بكاء مستمر بدون سبب. حققت الأيام مخاوفها بالنسبة لها، تلك الزهرة المتفتحة والجميلة قد ذبلت وهزلت نظرًا للظروف القاسية التي نموت بها، صحراء قاسية لا يوجد بها سوى الحيوانات المفترسة، جميعهم يتسابقون لقطف تلك الزهرة وأكلها، تحاول البحث عن أي شيء يشبهها في تلك الصحراء لينقذها ولكن بقيت أخيرًا وحيدة والآن عندما يأتون لقطفها سيجدونها هزلت وذبلت. بريق عيناها الجميل انطفأ تحولت إلى مجرد جسد يعيش بدون روح. حاولت زمردة إخبار أي من أسيد أو ريان بحالتها ولكنه كانت تكرر تهديدها بأنها إن أخبرت أي منهم فستذهب ولن تعود أبدًا، لا تريد إلحاق الأذى بهم أكثر من ذلك هي مازالت تفكر في طريقة تحذرهم من بطش أكرم الذي سيلحقهم بسببها.
أما مراد وسارة فمازالت الحالة بينهم على النحو الذي كان عليه سابقًا تحاول مرارًا وتكرارًا التماس أي شيء يشعرها بأنه سامحها على ما فعلته فتستقبل أملها بخيبة أمل جديدة، حتمًا خيبت آماله بها لم يكن يظن أنها تفعل شيئًا كهذا من دون علم أحد دومًا كان يحميها من كل شيء يحبها بالقدر الذي يحب به شقيقته.
زمردة وريان تعقدت علاقتهم بشدة خاصة بعد ما ألقاه على مسامعها تلك المسكينة بدون وعي لما يقوله كم هو قاسي عليها وهو لا يعلم أي شيء عنها حتى لا يعرف من هي.
قضى أسيد تلك الشهور ما بين عمله وبين ملاحقة المدعو بمعتز ومراقبة تحركاته بالتفصيل التردد على ملاك باستمرار ليتأكد من سلامتهم وعدم احتياجهم لشيء طبعًا دون أن يرى حالتها المزرية التي تخفيها عنهم وهي مريضة.
***
كان يجلس في المنزل الصغير بالتحديد في شرفته مستلقيًا على أرضية الشرفة يحدق بالسماء بصمت وبيده سيجارته يدخلها إلى فمه ويخرجها مصاحبة نفيث شرس ممتلئ بالدخان. لينهض من على الأرض ويدخل ليسكب كأسًا من الخمر ويشربه دفعة واحدة كأنه يحاول بهذا نسيان ما فعلته به زوجته. تذكرها عندما اكتشف خيانتها وقتلها لطفلهم الذي لا يتعدى الشهرين في أحشائها.
"مراد أبوس إيدك اسمعني ده كدب أنا معملتش كده ومستحيل أعمل كده معقول يعني هقتل ابني؟"
جذبها من خصلات شعرها بعنف وهو يصرخ بها بوحشية:
"كدب وخيانتك ليا كدب ياروان، حظك أني اكتشفت كل عمايلك القذرة دفعة واحدة، أنا بستغرب على نفسي إزاي كنت مغفل للدرجة دي واستغليتي حبي ليكي وضحكتي عليا."
هتفت متوسلة إياه وهي تجهش بالبكاء:
"طيب اديني فرصة أشرحلك بس يامراد عشان خاطري."
بصوت ساخر مرير أجابها وهو يهمس بغضب:
"إيه هو أنا راجل وحش أوي ياروان للدرجة اللي تخليكي مش عايزة مني عيال، أنتي اتجوزتيني ليه عشان الفلوس خوديها الفلوس وغوري بيها لا عايزك ولا عايز وشك لو كنتي قولتي كده من البداية كنا هننهي الموضوع ده ببساطة وبمجرد ما تولدي هطلقك واديكي اللي عايزاه، لكن إيه ذنبه الروح اللي قتلتيها دي هااا!"
أنهال عليها بالصفعات لتسقط أرضًا وهي تصرخ باكية لا تستطيع التقاط أنفاسها حتى لينحني ويلقي على مسامعها لفظه بدون أن يرف له جفن بقسوة وجفاء هادرين:
"انتي طالق!"
استفاق من بحر شجونه الثائرة على صوت طرق الباب ليسير نحوه ويفتحه فيقابل تلك المدعوة بـ "ميار" أمامه فيترك الباب مفتوح ويسير نحو الأريكة ليلقي بجسده المرهق عليها قائلًا:
"خير يا ميار إيه اللي جابك."
لفت وأغلقت الباب لتتشدق بدلال أنوثي ومكر:
"ده بدل ما تقولى وحشتينى ياميار أي حاجة كده اخص عليك يابيبى."
طالعها ببرود تام وهو يشير لها بعينه الثاقبة:
"ميار أتمنى أنك متنسيش مقامك، ثم إن إيه اللي جابك أنا اتصلت بيكي وقولتلك تعالي.. لا صح، يبقى زي الشاطرة كده تلفي وترجعي من مكان ما جيتي عشان أنا مش في mood خالص ومش مستعد لأي حركة غبية دلوقتي ممكن أعملها معاكي."
قطبت حاجبيها بذهول وهي تقول بسخط:
"إيه ده أنت بتكلمني كده ليه يامراد."
هب واقفًا ليقترب منها بخطوات واثبة كالوحش الكاسر الذي يوشك على التحول:
"حاجة تاني نسيتها اسمي مراد بيه، ويلا غوري من وشي بقى أنا مش فايقلك."
قال جملته الأخيرة وهو يلوح لها بيده بعدم اهتمام فقابلتها هي بنيران متوهجة وأعين نارية متحدثة إليه بوعيد ظاهر:
"ماشي يامراد بيه، بس أنا عارفة مين اللي خلتك كده معايا ومش هسيبها صدقني!"
لم يكترث لحديثها الفارغ بالنسبة له فليس هناك واحدة أو أخرى في حياته، حياته كما ترون خالية من أي شيء.
***
كالعادة كل صباح تذهب زمردة إلى عملها وتترك ملاك وحيدة. هدأت ثورتها الداخلية قليلًا وغطت الطمأنينة قلبها بعض الشيء، ولكن مستمرة الهلاوس في ملاحقتها، تتجاوز كل شيء كما تجاوزته قديمًا. اطمأنت نفسها وهدأت خاصة بعد أن انتهت عدتها ورأت ريان ليلة أمس كانت في حاجة ماسة لرؤيته ليبث في نفسها شعور الأمان من جديد كما اعتاد دومًا. تتناطح الأفكار والتساؤلات في عقلها كالآتي: "تُرىَ ما سبب عدم مجيء أسيد إلى حتى الآن هل حدث معه شيء؟"..."هل ما قالته زمردة حول أمر ريان صحيح؟ أصبحت تشك به بالفعل بالأخص عندما سألته أمس عن أسيد رأيت كيف تهجمت ملامحه وتحولت عيناه الحانية إلى حادة كنظرة صقر أسود اللون".
واقفة في المطبخ منتظرة غليان المياه لسكبها في كوب الشاي الخاص بها سابحة في حرب أفكارها ومشاعرها التي لا تنتهي لم تفق سوى على صوت فرقعات المياه تعطي الإشارة لغليانها فـ أطفأت النيران وإذا بها تسكب الماء. صدى سمعها مجددًا تلك الأصوات التي تسمعها يوميًا، أصوات صنبور ماء يفتح منبعث من الحمام فتركض إليها وكالعادة ولا تجد شيئًا، فيخالطها عقلها بأنه حتمًا شبحًا يعيش بذلك المنزل وإلا من سيفعل كل هذا. أزدردت ريقها برعب لتستدير خلفها وتعود إلى المطبخ، فتجد ذلك الشبح الذي يخالطه عقلها عنه أمامها لا تستطيع القول عنه سوى أنه شبح خاص بإخافتها هي.
رواية أشلاء القلوب الفصل العاشر 10 - بقلم ندى محمود
فتحت عيناها ببطء وعندما سمعت همهمات خفيفة بجانبها، وثبت جالسة وهى ترمقهم بنظرة مرتعدة لتجد زمردة تهتف بقلق وهى تنهض لتجلس بجوارها:
اهدئى ياملاك ياحبيبتى، قوليلنا حصل ايه معاكى.
وقع نظرها على أُسيد الذى حدقها بنظرة دافئة بها شيء من الانزعاج. لم تراه منذ أكثر من ثلاث أشهر. بدا لها مختلفًا عن آخر مرة رأته فيها، لحيته نمت الضعفين وشعره الأسود الكثيف المنظم كأنه ذهب لمصفف الشعر للتو. بدا أكثر جاذبية ووقارًا، لحيته تلك أظهرت رجولته الطاغية أكثر. لا يوجد إنكار أنها اشتاقت له ولصوته الذي كان يخيفها، لنبرته الغاضبة منها عندما تتمرد عليه، لنظرته الدافئة وابتسامته.
رأته وهو يشير لزمردة بالخروج ليتحدث معها على انفراد. توترت في البداية ولكن تحول ذلك التوتر إلى خوف عندما وجدته ينهض ويسير نحو النافذة يحدق بالخارج لثوانٍ. تلك الثواني مرت كساعات مشحونة بجو من التوتر. أحدث صمته اضطرابًا بداخلها وأدركت أنه لا يبشر بخير أبدًا. حدث ما توقعت عندما رأته يستدير لها ويصيح بعصبية:
على كده لو مكنتش زمردة النهاردة قالتلي على موضوع أكرم كنتي هتفضلي لغاية امتى مخبية عني؟!
أنزوت نظرها عنه في أسف، فأقترب منها وهو يكمل صياحه منفعلًا. منظرها يثير جنونه، عيناها المنتفخة من أثر البكاء والهالات السوداء أسفل عينيها من عدم النوم، وجهها الذي ذهب بريقه ولمعانه. حقًا كانت في حالة مزرية:
مش شايفة شكلك إزاي، واكيد طبعًا مش منتظمة في علاجك ده إذا كنتي بتاخديه أساسًا. فهميني ياملاك واديني سبب واحد يخليكي تخبي عني حاجة زي كده لمدة أكتر من تلات شهور لغاية ما توصل حالتك للمنظر ده. اتكلمي ومتقعديش ساكتة كده لأن سكاتك ده بيعفرتني أكتر!!
هطلت عبراتها لتقول بصوت مرتعش ونبرة لا تحمل الندم:
ولو كانت زمردة مقالتش ليك مكنتش هقولك يا أُسيد لا أنت ولا ريان. كفاية أذى اللي حصلكم بسببى. ودلوقتي أكرم بيهددني وبيقولي أنه هيأذيكم وبذات أنت. يعني أنا حتى لو فكرت وحبيت أقول لحد فهيكون ريان مش أنت. أنا طبيعي قلقانة وخايفة يعملك حاجة فعلًا، فـ هروح أقولك علشان أزيد الطينة بلة!
قاد خطواته نحوها ليهمس أمام وجهها بنظرة أرعبتها:
ومنظرك ده عاجبك؟ ده لو الوضع ده كان استمر لأسبوع تاني كنت هلاقيكي ميتة. أنتي يمكن مش مدركة أنك مريضة قلب وأقل حاجة بتأثر عليكي. أنتي مجنونة وهتجننيني معاكي. ملاك علشان نبقى على نور مع بعض يابنت العمة من هنا ورايح مفيش حاجة تخبيها عني أو عن ريان وبذات أنا. ودلوقتي هتقوليلى كل حاجة حصلت معاكي من البداية بالتفصيل. عايز اسمع منك تاني بالتفصيل نهاية باللي حصل معاكي النهاردة ده.
ترددت كثيرًا قبل أن تتكلم، ولكنه أرغمها على الحديث بنظراته الملتهبة التي لم تعهدها من قبل، لتبدأ بسرد له كل شيء بأدق التفاصيل من البداية نهاية بقدومه إلى المنزل اليوم وتهديده المباشر لها.
نظراته ازدادت حقدًا وغلًا. يعقد وثيقة معه تعلن قدوم الحرب لا محالة. ذلك الوغد يجرؤ على تهديده وتحديه في أنه لن ينجح في حماية ابنة عمته منه. من الواضح أنه عقد الوثيقة مع الشخص الخطأ. أعلن تحديه السخيف أمام من سيسحقه هو وتحديه ووثيقته وتهديده. كانت تراقب وقع كلماتها على وجهه الذي تحول إلى شعلة نيران متوهجة. استحوذ عليه الصمت لدقائق طويلة يفكر في شيء عجزت عن توقعه، حتى همست بريبة:
ساكت ليه يا أُسيد؟
هب واقفًا ليجيبها بحزم:
قومي خدي دش وفوقي وبعدين جهزي شنطتك وأنا شوية كده هاجي آخدك أنتي وزمردة.
لم يعطها الفرصة لتتحدث حين وجدته انصرف من أمامها كالبرق. إلى ماذا يخطط ياترى؟ ماذا سيفعل؟ بماذا يفكر؟ كلها أسئلة دارت في حلقة واحدة داخل ذهنها تبحث عن إجابة، حلقة حلزونية متصلة ببعضها وكل الأسئلة تؤدي إلى نفس الطريق وهو أنه حتمًا ما يفكر به ليس بأمر هين.
كان واقفًا أمام المرآة يصفف شعره مبتسمًا بجاذبية سارحًا في ملكوته الخاص. اقتحمت ذلك الملكوت كالعادة أشجان وهي تدلف له وتهتف مبتسمة بخبث:
خير مبسوط إكده ليه؟
نظر إلى انعكاس صورتها في المرآة وهمس بنبرة هادئة:
حرام اتبسط يعنى يا أمى؟
سارت نحوه وهي تغمغم بنعومة وصوت رقيق يحمل الاهتمام:
لا طبعًا وهو أنا أطول لما أشوف ولدي مبسوط، بس مش ناوي تتجوز عاد ياريان أنت خلاص بقيت 30 سنة يا ولدي هتقعد لغاية امتى تاني!
ترك الفرشاة من يده وادار جسده ليكون في مواجهته وقد لاحت على ثغره ابتسامة ماكرة وهو يتمتم:
هتجوز يا أمي أنا كده كده كنت ناوي لما أرجع القاهرة كمان يومين أظبط الموضوع ده، بس مظنش أن اللي هتجوزها هتكوني مبسوطة بيها، أو هتوافقوا عليها أساسًا لأنها ملاك.
رأى الصدمة احتلت وجهها بعد أن نطق اسمها، رامقته بصمت وكأنها لا تصدق ما تسمعه أذناها الآن. لم يمهلها الفرصة للاستيعاب من تلك الصدمة حين ألقمها بصاعقة أشد منها:
سواء وافقتوا أو رفضتوا فأنا هتجوزها.
تسارعت أنفاسها واضطربت نفسها. إن جاءت تلك الفتاة إلى ذلك المنزل ورأتها ستفضح كل شيء، فهي تعرف شكلها جيدًا عندما حاولت قتلها.
كان قد حل المساء واعتم الليل وهي منتظرة قدومه كما قال لها. أراح تفكيرها المستمر به عندما اتصل بها وأجابت عليه بتلهف:
إيه يا أُسيد أنا من بدري أوي جاهزة ومستنياك، ليه اتأخرت كده؟
أتاها صوته صارمًا وصلبًا وهو يقول:
انزلي ياملاك أنا في مستنيكي في العربية تحت بس من غير شنطتك!
ضيقت عيناها وأصابتها الحيرة لتجيبه بالموافقة وتترك الهاتف وتهبط له. صعدت بالسيارة بجواره مسلطة أنظارها عليه بحيرة تطلب منه التحدث بسرعة قبل أن يقتلها الفضول، فتنفس هو الصعداء ماسحًا على وجهه وهو يزفر بتردد بسيط ومن ثم طفق يقول بصوته الرجولي القوي:
أنا فكرت في الموضوع ده من الصبح وحاولت ألاقي حل غيره ملقيتش. ملاك أنا عايز أحميكي بأي شكل من الأشكال بجد ومش لاقي طريقة أقدر أحميكي بيها وأنك تكوني قدام عيني دايمًا غير أننا نتجوز. القرار يرجعلك طبعًا وافقتي أو لا دي حاجة ترجعلك أنت. أنا عرضت عليكي حل مؤقت وأنتي عليكي تقرري.
ما قاله جعلها تفقد حاسة التكلم. انعقدت الألسن وسبحت الأفكار في محيط لا نهاية له. تركها في نصفه تنظر من كل اتجاه فلا ترى إلا الماء. سعادتها بطلب الزواج مُحيت فورًا من الخوف الذي تملكها، خوف من كل شيء. دائمًا تحاول الهروب من تلك العائلة، تجاهد قدر الإمكان أن تكون بعيدة عنهم وهو يطلب منها الزواج يعني هذا أنها سترتبط بهم للأبد.
رأت نظراته المترقبة وكأنه ينتظر الإجابة منها، فإذا بها تجيبه بسؤال آخر في ريبة:
هو أنت بتعمل معايا كده ليه بجد عايزة أفهم مش معقول كله ده بسبب وصية عمي اكيد في حاجة تاني!
هز رأسه بالإيجاب بالنظر لها مثبتًا نظره في عينيها قائلًا بهمس جميل:
عايز تعرفي بعمل كده ليه، لأني بحمل نفسى الذنب في موت عمتي مقدرتش أحافظ على الأمانة اللي أمنني بابا عليها، ضيعت واحدة مش عايز أضيع الأمانة التانية ياملاك. يمكن أنتي مكنتيش تعرفي مدى حبي لعمتي إزاي يعني أنتي آخر حاجة بقالي منها. وعشان أبقى صريح معاكي أكتر أنتي من زمان ياملاك غالية عندي أوي ويمكن بخاف عليكي زي اسمي وأكتر ما بخاف على نفسي. بمعنى أصح أنتي مكانتك في قلبي متختلفش عن مكانة أسمي في حاجة. عرفتي أنا بعمل معاكي كده ليه. دلوقتي هسيبك تطلعي تفكري في الموضوع لغاية بكرة الصبح وهتصل بيكي اعرف قرارك إيه وسلميلي على زمردة!
تواثب قلبها بشدة يطرق طبوله ويعلن الاحتفالات بعد أن بدأ يعتقد أنه يعشقها ولكن هيهات فقد أنهى حديثه بشيء يوضح مكانتها بوضوح. أومأت بهدوء في خجل جلي بعد أن تورّدت وجنتاها وترجّلت من السيارة فورًا لتسرع في خطاها إلى المنزل في ارتباك.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب لتجيب على المتصل بضيق:
ايوة يا أسلام عايز إيه؟
وصل لهدفه الأول عندما استجابت لاتصاله الملّح ليجيبها بعشق مزيف ولكنه استطاع تمثيله بمهارة لإيقاعها في شباكه كالفريسة الخرقاء:
أنا مش عارف هما قالولك إيه خلوكي كده وبذات ابن عمك ده، بس اللي عايزك تعرفيه أن أنا فعلًا بحبك ياسارة وأنتي عارفة كده وصدقيني بعمل كل ما بوسعي علشان لما أجي أتقدملك أهلك يلاقوني مناسب ليكي ويقبلوني.
بجفاء تام وغضب:
لو بتحبني بجد اثبتلي ده يا أسلام تعالى واتقدملي أنت إيه عرفك يمكن يقبلوك، ولغاية ما تيجي وتتقدملي ملناش كلام مع بعض!
بإلحاح شديد في لؤم دفين أردف:
طب حتى خلينا نتقابل مرة، ارجوكِ يا سارة.
زفرت بامتعاض في نفاذ صبر لتجيبها ببرود مشاعر:
أنا في البلد في يا أسلام مش هقدر أقابلك. لما أروح القاهرة نبقى نشوف الموضوع ده. وسلام بقى!
ألقت بالهاتف على الفراش وهي تتأفف بخنق جلي، انتابها شعور دامٍ داخلها يعاتبها أنها حادثته. ما زالت تلح على مراد لتجعل مشاعره تلين بعض الشيء تجاهها. موجة غضبه العاتية دمرت كل شيء وعندما ذهبت لم تترك أي شيء كما كان. رسبت العواطف في الأعماق بينهم. كانت علاقتهم تتعدى حاجز القرابة لم تكن قرابة فقط بل كانت صداقة بُنيت على أعمدة إن انهارت انهار معها كل شيء.
فتحت الباب ودخلت لتغلقه بقوة وتستند بظهرها عليه، صدرها يعلو ويهبط كالذي يركض لساعات بدون توقف. تتذكر كلماته، همسه الجميل له، نظراته الدافئة، عرضه الذي نزل عليها كالبرق الذي يحرق الأخضر واليابس. رأتها زمردة بذلك الوضع فهرولت نحوها وهي تردف بفزع:
بت ياملاك مالك في ايه؟
لفظت حروف اسمه من بين شفتيها بارتجاف:
أُسـ..يـ..د!
صاحت في ريبة شديدة:
ماله أُسيد؟
ثبتت نظرها في عينها وهي تهمس بتوتر:
عرض عليا الجواز!
سمعت صيحتها المنصدمة وهي تقول بعدم تصديق:
جواز إيه، أُسيد قالك كده مش معقول لا! منظره ميحيش أنه ليه في الحاجات دي!
اندفعت تصيح بها في نفاذ صبر:
حاجات إيه! أنتي متخلفة يازمردة، هو أنا بقولك عرض عليا نتجوز عرفي!
قهقهت بشدة لتسحبها وتجلسها على المقعد الوثير وهي تهتف بفضول كاد يقتلها:
لا ده أنتي تحكيلي كل حاجة من طقطق لسلام عليكم، يلا بسرعة اخلصي لاحسن هتشل مكاني من الفضول اخلصي.
علا وجه ملاك البريء ابتسامة دافئة عليها لتبدأ بسرد لها ما حدث كما يريح فضولها هذا. فتصمت زمردة لبضعة من الوقت ومن ثم تجيبها بعد أن فكرت مليًا:
إن جيتِ للحق فهو عنده حق. مفيش حل أنك تبقي في أمان من أكرم الحيوان ده غير لما تبقي معاه دايما وقدام عينه. لكن كده هو مهما عمل أنتي برضه اسمك عايشة وحدك وده بيدي فرصة لأكرم أكبر أنه يأذيكي بسهولة.
همست متبرمة في عبوس وضيق:
ماشي أنا معاكي في الموضوع ده يازمردة، بس بجد مش عايزة يحصله حاجة وحشة بسببى سواء هو أو ريان. عايزاهم يبقوا بعاد خالص عن موضوع أكرم ده. ده غير تخيلي أنه يدخل على أمه وأخته اللي بيكرهوني سم ويقولهم أنا وملاك هنتجوز. أنا مش مستعدة للوضع ده أبدًا يازمردة.
انتصبت في جلستها بوجه مبتهج لتجيبها بعد أن أخذت شهيقًا قويًا وأخرجته زفيرًا على تمهل، طارحة سؤالها الجريء في جدية:
هسألك سؤال وتجاوبي عليه، انتي عايزة أُسيد ولا لا؟
رمقتها بطرف عينها في اضطراب. بدأت الآن تحس بأن حبها يهفو إليه من تحت غشاء القلق. لا تعرف بماذا تجيبها ولكنها حتمًا آثرت الصراحة حيث أومأت لها بهدوء في حياء بسيط. فأردفت هي متشجعة بحرارة الحديث:
بس ملكيش دعوة بقى بمرات عمي أو أسمي أنتي هتتجوزي أسيد مش هما. وبصراحة ده في صالحك ياملاك لأنك كده هتكوني في أمان أكتر. ورغم كده فكري برضه مع نفسك وردي عليه بكرة.
مطت شفتيها مضمومتين بعدم حيلة من أمرها وجهلها بماذا تفعل. أ توافق أم ترفض. تلاقي كل من السلاحين في حرب قادية، حرب شهدت اجتماع كل من العقل الذي يؤمن بالابتعاد عنهم تمامًا ورفض ذلك العرض السخيف، والقلب الذي يريد قرب معشوقه يريد أن يشعر بالأمان الذي يبحث عنه في صحراء الظلم منذ سنوات يريد ملاذًا يبني عشه تحت ظله. شدة الثورة التي تعصف بين ضلوعها تكاد تكسرهم إلى أشلاء مثلما تمزق قلبها.
تحدثت عبر الهاتف وهي تصيح بمن تحدثه في لهجة لا تقبل النقاش، نبرة لا تحمل مثقال ذرة من المزح:
خالد أنت هتجبلي قرار ملاك ده بالتفصيل. عايشة فين ومع مين وبتعمل إيه؟
عارضها بهدوء في خوف:
مابلاش يا أشجان هانم أنا بفضل أننا نخلينا بعاد عن ملاك الفترة دي.
ثارت به كالبركان وهي تصيح بقسوة:
ومالك خايف إكده ليه، متنساش أنك مشترك معايا في كل حاجة من البداية يعني خلاص طريقنا بقى واحد ومجبور تكمل معايا وأنا مش هسيب بنت فردوس دي تخربلي جوازي وتكره ولدي فيا. هتعرفلي مكانها يا خالد وهتقولي وخلال اليومين الجايين فاهم.
مسح على شعره وهو يهتف بخوف جلي في سخط:
يا أشجان هانم افهميني أرجوكي مهو لو ملاك دي حصلها حاجة أنا وأنتي هنروح في داهية مش لوحدي يعني، فخلينا بعيد عنها أفضل لينا صدقيني!
حسمت أمرها لتجيبه بثقة ممزوجة بلهيب الانتقام:
اعمل اللي قولتلك عليه أحسنلك وملكش دعوة يا خالد، أنا مقولتلش هقلتها أنا عايزة عنوانها بس!
لم تمنحه حلًا آخر سوى القبول بما تريده ليهتف مغلوبًا على أمره منها:
تمام يا هانم هعرف وأقولك!
تتحسس تلك العلبة الحمراء الصغيرة، تتساءل أن كان منظر العلبة هكذا فماذا ستحمل بداخلها. وبالفعل فتحتها ولم تخطئ، فقد كان خاتم مرصع بقطع ألماس صغيرة ذو لون ذهبي، هادئ، كلاسيكي، من اشتراه لديه ذوق خاص في اختيار الأشياء. تحسسته بأناملها في ابتسامة خبيثة، ثم وضعته في الوسطى وهي تحرك يدها في الهواء تراقب لمعان الألماظ مع الضوء، وكأن الخاتم ازداد جمالًا في إصبعها. ريبة تتجلى في عينها حين مضت فترة ذهول وهي تفكر "هل يخطط للتقدم لخطبة فتاة وذلك الخاتم لها، ترى من تلك الفتاة التي تجعله يشتري خاتمًا باهظ الثمن هكذا؟". أمسكت بهاتفها وأجرت اتصالًا به فيأتيها صوته الناعس قائلًا:
الو يا أسمه في إيه؟
هتفت بصوت أشبه بالضحك في مكر وهي تحرك إصبعها أمامه تتفحص الخاتم:
حلو أوي الخاتم ده يامروان، تعرف شكله حلو أوي على إيدي.. جايبه لمين بقى يا لئيم؟
وثبت من فراشه واقفًا وفتح الأدراج يبحث عنه فلم يجده. ضرب على رأسه وهو يلعن ويسب نفسه فيجيبها بمضض:
أخدتي الخاتم إزاي يا أسمه؟
مبتسمة في لؤم همست باستمتاع:
لما كنا بنتكلم في الجنينة تحت أنت نسيته ومشيت، بس إيه ده طلعت مريش يامروان لا وكمان زوقك حلو لتكون ناوي تخطب!
اتسعت ابتسامته التلقائية ليجلس على الفراش ويردف بنعومة:
طب كويس أنه عجبك، طالما عجبك يبقى هيعجب اللي اشتريته ليها طبعًا أصلها زيك مبيجبهاش العجب.
في براءة هتفت ضاحكة:
طب ما تقولى مين دي والخطوبة امتى علشان أجهز نفسي.
هتف بنعومة:
هتعرفي متستعجليش على رزقك وهتجهزي نفسك كمان اصبري بس، المهم دلوقتي تشيلي الخاتم ده علشان لما آجي أخده.
انتصبت جالسة وهي تضع ساق فوق الأخرى وتجيبه بغرور:
تدفع كام وأديهولك!
طفق يقول في تهديد واضح يحمل القليل من المرح:
أسمه بلاش تتنصحي عليا بدل ما أقلع اللي في رجلي وأديكي بيه، يا نتنة ياللي مستخسرة فيا فنجان القهوة.
هاجت بركانيها وثارت لتهتف في وعيد مغتاظة:
أنا نتنة، ماشي يامروان ابقي شوف مين هيديك الخاتم بقى علشان تديه لحبيبة القلب ده أنا هذلك ذل عليه اصبر علي.
لم تمهله ثانية حتى ليجيبها فأنزل الهاتف من على أذنه وهو يضيق عينيه بدهشة، فترتسم الابتسامة على ثغره في عشق.
استيقظت من نومها في صباح يحمل الفرج، يحمل كل شيء جميل بالنسبة لها. في كل مرة تقول ستشرق الشمس ولكن يخيب ظنها في الأخير ولكن هذه المرة تشعر وأن الشمس ستشرق من جديد بالفعل. ستعيد النور إلى داخلها المظلم وقلبها الهالك على أيدي الحيوانات المفترسة. سئمت العيش من كونها ضعيفة دائمًا تضحي بما تحبه لأجل الآخرين أو بسبب خوفها منهم. قررت وحسمت القرار أنها ستوافق على عرضه. تريد قربه، تريد أن تشعر به بجانبها دومًا. عندما تلوذ يكون هو أول من تلوذ له، يكون سندها، عمودها الصامد التي تستند عليه في أوقات انهيارها. إن كان ترددها لسبب فسيكون لخوفها عليه وليس للخوف من أحد.
نهضت من فراشها وذهبت إلى المرحاض لتأخذ حمامًا دافئًا تترك المياه تنهمر على جسدها وتنعشها وتزيل أرقها وتعبها.
وعند خروجها كان الهاتف يعلن اتصال صاحب الحديث اليوم لتجيبه بخفوت:
ايوة يا أُسيد!
بصفاء وعذوبة تمتم:
صباح الخير.
هتفت:
صباح النور.
تحولت نبرته إلى الجدية البسيطة مغمغمًا بتساؤل:
فكرتي في اللي قولتهولك امبارح بليل؟
أومأت برأسها وهي تجيبه بحسم امتزج ببعض الاستحياء:
ايوة فكرت، مـ.. احم، موافقة يا أُسيد!
ارتفعت الابتسامة إلى ثغره وكأنه كان على ثقة أنها ستوافق وأجابها بصوت رجولي قوي:
تمام جهزي نفسك يلا علشان هاجي آخدك ونروح نكتب الكتاب وخلي زمردة كمان تجهز.
صاحت بصدمة في توتر:
كتب كتاب بسرعة كده يا أُسيد، وبعدين هو مش موضوع سهل لازم يكون فيه شهود وموضوع كبير.
بخشوع تام وابتسامة التمستها في صوته:
ولا كبير ولا حاجة ياملاك، أنا مجهز كل حاجة وبعدين إننا نسرع ده في صالحنا لأني مش ضامن ممكن يعمل إيه أكرم ده تاني لو اتأخرنا أكتر.
هزت رأسها بالموافقة وهي تجيب مجبرة على الموافقة على ذلك الزواج السريع. ما زالت لم تهيء نفسها لمقابلة كل من أسمي وزوجة عمها.
تمام يا أُسيد هجهز نفسي وأرن عليك!
ضمت كفيها إلى صدرها، تقيس نبضات قلبها المتسارعة. أحيانًا كثيرة يستشعرها عقلها الباطن أنها داخل دوامة حلم لا ينتهي حتى يهلكها. والآن تحس أن هذا الحلم غير مساره من اليسار إلى اليمين، من كابوس تحول إلى حلم تتجسد فيه كل أشكال السعادة والطمأنينة التي ستحظى بها بقربه. لا تريد استباق الأحداث قبل حدوثها، تود أن تُفاجأ بكل حدث جميل سيقابلها فيما بعد. في تلك اللحظات لا يمكنها فعل شيء سوى التضرع إلى الله ودعائه. فلبت ما أمرها به عقلها ورفعت يدها تتضرع بالدعاء إلى الله في نفس مطمئنة تدعو من صميم قلبها وثقة تامة في استجابة خالقها.
"يالهي إن كان هذا الزواج شرًا لي فأصرفني عنه وإن كان خيرًا فأجعل لي منه نصيبًا، أمرتنا بالدعاء ووعدتنا بالاستجابة ولدي ثقة تامة في استجابتك، أخرجني من هذا الوحل الذي تلطخت به منذ سنين، كن معي ولا تتركني بمفردي، أنك أنت العليم بذات الصدور وما تخفيه الأنفس في جوفها."
بدأت بالفعل في ارتداء ملابسها الفضفاضة وتجهيز حقيبة ملابسها وإذا بها تذهب إلى زمردة في غرفتها فتوقظها من نومها بحرص وحذر، فتلوح بيدها بخنق طالبة أن تتركها وشأنها وتجعلها تكمل نومتها ولكنها وثبت واقفة كالذي لدغته عقرب عندما صكت سمعها كلماتها وهي تقول بهدوء تام:
أسيد اتصل بيا وأنا قولته موافقة وقالي هنكتب كتب الكتاب دلوقتي وأنا لبست وجهزت نفسي وأنتي قومي يلا جهزي نفسك لأني مستحيل أسيبك وحدك مضمنش أكرم ممكن يعمل إيه؟
فركت عيناها بعدم استيعاب هاتفة بذهول:
دلوقتي علطول يعني، لا لا أُسيد ده مستحيل يكون طبيعي، ماشي أنتي وافقتي وتمام بس مش بالسرعة دي!
يلا البسي يازمردة مش وقته الكلام ده، هو يمكن يكون على وصول أساسًا.
هزت رأسها مرات متتابعة بحماس يكاد يصيبها بالجنون وهي تندفع نحو المرحاض لتجهز نفسها وتخرج ترتدي ملابسها، فتسدير ملاك وتعود إلى غرفتها. منهم من يصيبه الحماس لحد الجنون ومنهم من أدركه التوتر والإرباك واستدرجها إلى متاهة عجزت عن الخروج منها. عقلها الصغير ذو العقلية الطفولية التف حوله التوتر والخجل والارتباك في لفيف من القيود التي تمنعها عن التفكير بأي شيء وتوقفه عن العمل.
ما يقارب الساعة حتى أمرها بالنزول وأنه في انتظارهم بالأسفل. فعلت ما أمرها به في طاعة. استقلت بالسيارة بجواره واتخذت زمردة مقعدًا لها في الجزء الخلفي للسيارة. ثم انطلق إلى مكتب المأذون الذي سيعقد زواجهم. كان بإنتظارهم هناك مراد يبدو أنه سيكون أحد الشاهدين على الزواج. وسرعان ما بدأوا بأجراءات الزواج وانتهى كل شيء على سنة الله ونبيه وكما يرضيه لينتهي بقول المأذون مبتسمًا بصفاء:
بارك الله لكم وجمع بينكم في خير.
وتلقوا المباركات من المأذون بصدر رحب ثم خرجا. ود مراد أن يبارك لأخيه على زواجه ولكنه يعلم أنه ليس سعيد بهذا الزواج فقد قام به فقط حتى تكون في حمايته ولا يستطيع أحد أذيتها. ما زال لم يتقبل وفاة رفيقة دربه قلبه يزرف الدماء لفراقها كيف له أن يتزوج ويعيش حياة سعيدة. عكس ما ظهر على وجه ملاك من معالم السعادة التي تحاول إخفائها تحت قناع أن ذلك الزواج لم يكن سوى لحمايتها وأنه سينتهي قريبًا.
سحب مراد أُسيد من يده إلى زاوية بعيدًا عن مسامعهم ليقول بجدية طاغية:
مش شايف أن جوازك من غير ما ماما تعرف هيصعب الموضوع وأنك تحطها تحت الأمر الواقع هيعقد الأمور أكتر. أنا الصراحة مش صعبان عليا غير المسكينة ملاك اللي هتتاخد في الرجلين وسط أمك وأسمي.
ربت على كتف أخيه بنظرات هادئة وناعمة وهو يقول بنظرة كلها ثقة:
متقلقش أنا حاسب حساب كل ده، ثم إني مش متجوز ملاك عشان أبهدلها معايا.
طالعت بعدم حيلة امتزجت بابتسامة دافئة. كانوا الفتيات يراقبوا حديثهم وبالأخص زمردة التي كالعادة كانت مراقبتها لهم بدافع الفضول. أما ملاك فكان حديثهم المنفرد يزيدها توتر وخوف من القادم. أعادها إلى الواقع صوته وهو يقول مشيرًا لهم بيده:
يلا عشان نمشي؟
تحركت نحوه بخطوات بطيئة، استحوذ على قسمات وجهها البريئة حالة من الزعر والخوف. تغير لون وجهها إلى الاصفرار فجأة وبدأت الرؤية تصبح ضبابية أمامها. دوار شديد داهمها لولا استنادها بيدها على الحائط لكانت في الأرض. يحاولون إفاقتها. أخفضت رأسها أرضًا مغمضة عينيها، ساكنة تمامًا ثابتة في أرضها منتظرة تحررها من تلك الدوامة التي سببت لها الدوار والأرق. فتحت عينيها بضعف على صوته التي التمست فيها نبرة القلق:
مالك ياملاك أنتي كويسة، أخدك ونروح للدكتور!
هزت رأسها بنفي قاطع مجيبة بصوت مبحوح:
لا أنا كويسة بس دوخت شوية!
أتاها صوت زمردة الذي لا يختلف عن أسيد زيادة عنه ببعض الغضب:
لازم تدوخي مش نايمة على الفجر ومأكلتيش حاجة من امبارح، اقعدي وهروح أجيبلك حاجة تاكليها.
أحست زمردة بقرصة منها في ذراعها تحسها على الصمت رامقة إياها بنظرة نارية ترغمها على الصمت فقد فتحت عليها أعاصير غضبه الآن بمعرفته عن امتناعها عن الأكل وبالتالي عن تناول الدواء. رأت في عينيه نظرة متقدة ملتهبة تعرفها جيدًا شعرت بحلقها أصبح مرًا كالعلقم وهي تبتلع ريقها. أخيرًا تحدث الأخير بصوت أجش:
امشي ياملاك وفي البيت نشوف موضوع الأكل ده!
دقات قلبها تسارعت بخوف من براكينه وبطشه ولكنه لم يمهلها الوقت لتتفرغ إلى نفسها وتشعر بالخوف أكثر، فانتفض جسدها وكأنها لمستها كهرباء وهي واقفة في وسط الماء حين أحاطها بذراعيه من كتفيها يساعدها على السير. سارت معه على استحياء تخطف نظرة سريعة إليه في حب من آن إلى آن حتى توقفا أمام السيارة فنظرت إلى زمردة قائلة:
أنتي مجبتيش شنطتك ليه يا زمردة مش هتيجي معانا!
هزت رأسها نافية باعتذار مهذب:
لا ياملاك مش هاجي.. آجي ليه أصلًا أنا هروح البيت آخد شنطتي وهرجع بيتنا!
ألقت نظرة إلى زوجها نظرة ساخطة وهي تقول له منفعلة:
اتكلم معاها أنت علشان لو أنا اتكلمت هبهدلها في الشارع.
خرج صوته الرجولي في حزم:
مينفعش يازمردة تقعدي لوحدك في الوقت ده بذات قبل كده أنتي كنتي بتقعدي لوحدك لأن مفيش حاجة ممكن تأذيكي لكن دلوقتي فيه.
هزت كتفيها لأعلى في عبوس قائلة:
عارفة يا أُسيد بس صدقني مش هرتاح لو قعدت هناك الأفضل أني أقعد في بيتنا متقلقوش عليا.
تحدث مراد إليهم في نبرة رزينة مغمغمًا:
خلاص متضغطوش عليها أنا هشدد الحراسة قدام بيتهم ومفيش حاجة هتحصل.
اندفعت تصيح ملاك بنبرة شبه مرتفعة في استياء:
مهو كان فيه حراسة برضوا يامراد لما دخل أكرم البيت وهددني، أكرم أنا عارفة كويس أنه مش أنا هدفه يعني مش عايز يأذيني أنا عايز يأذي ريان وأُسيد وزمردة.
همس لها أُسيد بصرامة في نظرة مشتعلة أوقعت بقلبها:
وطي صوتك ياملاك إحنا مش في البيت.
أخذت تغرز الأرض بكعب حذائها والنيران تجعل كل خلية في جسدها تغلي فيزداد غليانها حين وجدته يهتف إلى مراد قائلًا:
خدها وصلها البيت يامراد واعمل اللي قولتك عليه.
فيشير لها مراد بيده نحو السيارة مبتسمًا فتلبى طلبه في طاعة وتصعد بالمقعد المجاور له فيستقل هو بجوارها وينطلق بها كالسهم يخترق الحشود. رمقته ملاك شرزًا لتنفجر به في عصبية:
إزاي تخليها تمشي لوحديها على أساس أنك غصبت عليا ومخلتنيش أقعد في بيتنا لوحدي سبتها ليه ولا هي عادي تحصلها حاجة لكن أنا لأ.
رأت بعينيه نظرة استقرت مخيفة بل مرعبة فتوقعت سببها من تلك الطريقة التي تحدثه بها. التزمت الصمت جاهدة في عدم إظهار ارتياعها ليهمس هو بصلابة:
مسبتهاش لما تهدى هكلمها وأشوف حل معاها، واخر مرة تتكلمي بالطريقة دي اركبي يلا العربية!
صاحب الحالة المزاجية عاد من جديد، عادت طريقته التي تجعله شخصًا تخشاه كأنها ترى وحشًا أمامه. بدأت تتفهمه قليلًا وعرفت أيضًا أنه في الوقت الذي يحادثها فيه بجفاء يكون هناك ما عكر صفوه قبل أن يقابلها فتلتمس له العذر بعض الشيء وتبتعد عنه حتى لا ترى بركانًا يخرج حممه لتدمر الأخضر واليابس. صعدت بالسيارة بدون أن تتفوه ببنت شفة.
ترجلت من السيارة أمام منزلها الجديد الذي لن يكون ذا اختلاف عن سابقه فيزداد توترها ورعبها أكثر. ودت لو تقبض على يده وتتشبت بملابسه تسلب منه بعض القوة، تمنت عناقًا دافئًا منه يعيد لها شجاعتها المسلوبة ولكن خجلها كان حاجزًا كحاجز الماء والنار يمنعها عنه أو بالكاد هو الذي يصنع ذلك الحاجز. خطت عتبة المنزل ودخلت لتقابل أسمي وزوجة عمها كأول مرة قابلتهم بها على تلك العتبة وكأن الأيام تعيد نفسها ولكن بظروف أصعب وأكثر قسوة. اتضح ذلك عندما وقفت ليلى تقول مستنكرة:
إيه هي الضيفة جات تاني ولا إيه!
بثبات وصوت قوي استطرد:
مبقتش ضيفة يا أمي بقت صاحبة بيت يعني بقى بيتها!
عادت لسخريتها وهي تقول مبتسمة:
إيه لتكون كتبتلها البيت من غير ما نعرف كمان يا أُسيد!
اخترق صوته مسامعهم كالرعد، ولكن الكلمات كان وقعها أكثر كالصاعقة التي أحرقهم في أرضهم، أو أشبه بوقف الزمن!
لا بقت مراتي!