تحميل رواية «أشلاء القلوب» PDF
بقلم ندى محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ها بفزع ونظرات مُرتعدة عندما رأت زوجها يقف امام وجهها كالوحش الكاسر ويصرخ بها قائلًا :_ الساعة 11 ياهانم هنفطر على العصر أن شاء الله ولا إيه !؟جلست على الفراش بخوف وهى تطالعه بنظرة مُنكسرة هامسة بضعف :_ حاضر يا أكرم هقوم احضر الفطار !أنفجر بها كالغول وهو يجذبها من ذراعها صائحا بصوت جهورى ، ليدفعها بوحشية للأمام يجبرها على التحرك :_ حاضر من مكانك يعنى ، قومى اخلصى يلا على المطبخ هتصحى نيرة تكونى خلصتى الاكل مفهوومتلألأت العبرات فى عينى تلك المسكينة واجابته فى خفوت بصوت يعطى بحة مريرة :_ حاضر !! ،...
رواية أشلاء القلوب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندى محمود
اخترق صوته مسامعهم كالرعد، ولكن الكلمات كان وقعها أكثر كالصاعقة التي احرقتهم في أرضهم، أو أشبه بوقف الزمن.
"لا بقت مراتى!"
لحظات من الصمت هيمنت على الجميع، تهجمت ملامح ليلى وأسمى واختلطت الصدمة بالثوران الهائج وهو يستمعون إلى كلمة "مراتى". أذانهم تحاول تكذيب ما يُلقى عليها. أصبحت ليلى كجمرة نار متوجهة، وأسمى اكتفت بتعابير وجهها الثورانية.
وكان السبق لليلى في الصياح قائلة: "مراتك ده إيه! انت بتهزر صح؟ لا مهو مش معقول توصل معاك لكده يا أسيد. هو ده اللي كنت خايفة منه؟ دلوقتي وضحت نيتها كويس أوي. الله أعلم قالتلك إيه واقنعتك بده، مهي حرباية ليها كذا شكل ولون وبتمثل دور الغلبانة والبريئة."
غامت عيني ملاك بالعبرات الحارقة، فتلك الكلمات ثقيلة على القلب. إلى متى ستظل في هذا العذاب؟ فرت هي من بطش نيرة وأكرم لتقابل زوجة خالها وابنتها. سمعت صوته الرقيق هامسًا بجانب أذنها: "اطلعي على أوضتي فوق، انتي عرفاها."
أومأت بموافقة في عينيها الدامعة وهرولت مسرعة إلى أعلى وسط نظراتهم النارية التي تكاد تحرقها أرضًا. فتعود مجددًا ليلى لصياحها الغاضب: "مش واضح زعلك على مراتك، رايح تتجوز وهي مكملتش لسا ست شهور. لا ورايح تتجوز مين؟"
صرخ بصوت جهوري اهتزت له أركان المنزل، أيقظت البركان الخامد بداخله بذكرها زوجته، جعلهم يقتلعون عن الكلام فورًا في خوف.
"جوازى من ملاك ملوش أي علاقة بحزني على مريم. ده حاجة وده حاجة. قسمًا بالله اللي هيدايق ملاك بحاجة هتشوفوا أسيد اللي انتوا عارفينه. والكلام بذات ليكي يا أسمى هانم. ملاك بقت مراتى خلاص، واللي هيوجه أي إهانة ليها كأنه بيهيني أنا. يا رب اللي حصل دلوقتي ده ميتكررش تاني."
سمعت صوته في الغرفة، ارتعدت أوصالها وفقدت القدرة على التحرك. كان هذا آخر شيء تود حدوثه أن يرفع صوته على والدته وأخته. ستفتر العلاقة بينهم بسببها. عاتبت نفسها وأنبها ضميرها. أين كان عقلها حين وافقت على هذا الزواج الذي لن يجدي نفعًا لأي من أطراف البيت وبالأخص هي. كان بإمكانها أن تطلب منه المساعدة في تخليصها من هذا العذاب ولكن عن طريق ترك البلاد، ترك كل شيء خلفها تعيش في مكان جديد بحياة أفضل، لعلها تجد في تلك البلد الشخص المناسب لها الذي يخرجها من الظلمات. تكاد الشجون تشق صدرها وتقسم أضلعها. خالطتها فكرة مجنونة وهي أن تطلب منه الطلاق بمجرد قدومه.
بالأسفل، تقدمت ليلى ناحية ابنها تتطلع إليه بخيبة أمل وأسف لتهتف بصوت يخالطه البكاء: "هتعمل إيه يعني يا ابن ياسر لو زعلت ست الحسن؟ لتكون هتمد إيدك عليا، مهو ده اللي ناقص. فاضل إيه بعد ما تعلي صوتك وتهددني؟ روح خليها تنفعك اللي بتعصي أمك عشانها دي."
تسدرت وتتجه نحو غرفتها والعبرات تنهار على وجنتيها. لترمق أسمى أخيها بنظرة غاضبة ولا تختلف كثيرًا عن نظرة والدتها. ثم ركضت تلحق بها. وكذلك هو صعد إلى غرفته ليفتح الباب على مصراعيه ويدفعه بعنف مصدرًا صوتًا اهتزت له أركان الغرفة ومعها جسدها الذي ارتجف رعبًا من هيئته المخيفة وعيناه التي تحولت إلى كتلة دماء أوشكت على الانفجار.
راقبه وهو ينزع سترته عنه ويلقيها بعنف على الفراش بجانبها. ثم يتجه ليجلس على الأريكة الوثيرة دافنًا وجهه بين ثنايا قبضتي يديه. ساد الصمت لدقائق طويلة بينهم حتى خرج صوتها المبحوح الذي يغالبه البكاء.
"كل ده بسببى. صدقني لو كنت أعرف أن الأمور هتوصل لكده مكنتش وافقت على الجواز ده نهائي. أنا توقعت أنها هتتعصب فعلًا وهتحصل مشكلة بس مش للدرجة دي!"
ظل على وضعيته كما هو، لم ينبث ببنت شفة أو يرفع نظره لها حتى طغى البكاء عليها مردفة بنشيج مسموع: "روح صالح أمك يا أسيد وبوس على إيدها وراسها. متخليهاش تغضب عليك بسببى. أمك مش هتتعوض، لكن أنا هروح وهتيجي ألف وحدة غيري. ولو طلبت منك تطلقني متقولهاش لأ!"
رفع رأسه أخيرًا متأملًا وجهها الذي امتلأ عبارات. رأى الطيبة الناطقة في وجهها. لم يخطئ عندما شبهها بطفل صغير يستطيع نسيان من أحزنه في ظرف لحظات. طفل لا يحمل في ثنايا قلبه حقدًا أو كره تجاه أحد. صافي القلب كصفاء المطر.
أكملت بصوت مرير: "هي عندها حق في كل حاجة بتعملها. أنا لو مكانها هعمل كده. يعني هي مقتنعة أن ماما كانت السبب في موت جوزها طبيعي، هتكرهني وهتكون معاملتها ليا كده. وعلشان كده أنا مش برد عليها وبستحمل كلامها وبسكت. أنا مش زعلانة والله غير أني اتعودت على كده. كمان أنا عارفة أنه هييجي يوم وهتعرف لوحدها أنها ظلمتني والأمور هتتحسن."
نهض من مقعده ليسير ويجلس بجانبها هامسًا بنبرة تفيض حنانًا: "انتي ملكيش ذنب في حاجة يا ملاك!"
هتفت ببكاء مرير وقد سيطرت عليها موجة بكاء عنيفة: "لا ليا. متقولش مليش ذنب. أنت حملتني أكبر ذنب دلوقتي وهو أنك بتعصي أمك وتتعصب عليها بسببى. عندهم حق، أنا من ساعة ما جيت مجبتش الخير وجات المشاكل معايا."
أحاط وجهها بكفيه متشدقًا بعينان تبتسمان وصوت ينسدل كالحرير ناعمًا: "معندهمش حق طبعًا. هو في ملاك بيجيب الشر والمشاكل لما يدخل البيت؟ يلا اهدى وامسحي دموعك كده."
دفعت كفيه بعنف صائحة به لأول مرة في انفعال جلي: "مش هـهدى يا أسيد غير لما تروح تصالح أمك وتعمل اللي تطلبه منك. متحملنيش ذنب زي ده ارجوك. قوم يالا."
هز رأسه بالموافقة في هدوء وهب واقفًا متحفزًا. ثم انصرف متوجهًا نحو غرفة أمه.
***
أشار للنادل بيده وثوانٍ وكان أمامهم وهو يقول له بنبرة رسمية ممزوجة بابتسامة عذبة: "طلبات حضرتك إيه؟"
علق نظره على زمردة مجيبًا بخفوت رجولي: "هتشربي إيه؟"
تنهدت بعمق زامة شفتيها بضيق زائف، فقد أجبرها على القدوم معه. وبعد سؤاله الآن أبت أن تتحدث لولا نظراته الصارمة يأمرها بالإجابة. فهتفت باقتضاب: "عصير مانجا!!"
انتصب في جلسته وأردف محدثًا النادل بخشونة: "اثنين عصير مانجا!"
أرخت ظهرها على المقعد غارزة طرف حذائها في الأرض بعصبية وترمقه شرزًا. وأخيرًا تحدثت بانزعاج: "عايزة إيه يا مراد ها؟ اخلص."
اشتعلت دماؤه في عروقه ليهتف بسخط زائف: "في إيه يا بت ما تتعدلي بدل ما أعدلك!!"
استقرت في عينيها نظرة ملؤها الكبر والاستعلاء. فتأففت بخنق وهي تهتف بغيظ: "هتعملي إيه يعني؟ أنا معرفش انتو شايفين نفسكم على إيه. اخلص قول عايز إيه علشان أنا واصلة معايا لهنا."
قالت آخر جملاتها وهي تشير إلى رقبتها. فمد يده بكوب الماء متمتمًا بابتسامة مستفزة: "طب خدي اشربي ونزليها لتكتُم على نفسك!!"
أشاحت للجهة الأخرى مستغفرة ربها مرارًا وتكرارًا تجاهد في إخفاء الضحكة التي تنشب الحروب لخروجها. نظرت له وهمست بوجوم ولكن العيون تبتسم: "مش وقت هزارك البايخ ده على فكرة!"
ضحكة صامتة ظهرت على محياه. فأستطرد مبتهجًا: "طيب سيبك دلوقتي من الهزار ولمي لسانك الطويل ده أحسن لك، وقوليلي مش عايزة تقولي لمروان ليه إنك أخته."
تنفست الصعداء بامتعاض لتجيبه بمرارة: "أنا مرتاحة كده يا مراد. أنت شايف اللي حاصل لملاك من ساعة ما دخلت العيلة. صدقني كنا عايشين مرتاحين ط... ثم إن ملاك عملوا معاها كده، ولسه كمان جدي وعمي لما يعرفوا إنها وأسيد اتجوزوا هيعملوا إيه؟ يبقى أنا هيعملوا إيه معايا."
تكأ بساعديه على سطح الطاولة مغمغمًا بنبرة لا تحمل أي من المزح. نبرة تحمل من الجدية والزمجرة ما يكفي لإخضاعها: "ملاك وضعها مختلف يا زمردة. وجدي وعمي فاكرين إنها بنت مش شرعية عشان كده محدش قابل وجودها. لكن أنتي وضعك مختلف ومينفعش تقعدي وحدك وسط الظروف دي. من جهة معتز ومن جهة أكرم. متعانديش واسمعي الكلام. وأنتي بذات وضعك أصعب من ملاك وأنتي عارفة أنا قصدي كويس إيه."
اعتدلت في جلستها وتهمس برعب جلي: "اوعى تكون قلت حاجة لحد يا مراد."
بنبرة كلها ثقة وثبات هتف: "اطمني محدش يعرف حاجة. بس عشان محدش يعرف حاجة لغاية ما أنا أحل الموضوع ده، تبطلي عند كده وتوافقي إننا نقول لمروان."
أغمضت عينيها بعبوس تكره ضعفها الذي يضطرها لقبول تلك الأمور. لا تريد أثر ذلك الرأي الذي يقترحه عليها ولكنها مجبرة حتى تستمر في إخفاء الحقيقة التي تحاول هي ومراد في إخفائها عن الجميع. تابع بنبرة مهتمة: "زمردة أنا خايف عليكي. عايزك تبقي جمب أخوكي عشان لو حصل أي حاجة واتكشف الموضوع تبقي في أمان."
رفعت يدها في وجهه متشدقة بضجر، تخرج الكلمات من فمها بصعوبة. كان هذا آخر شيء تود حدوثه: "خلاص يا مراد خلاص. قوله هعمل إيه يعني. أما نشوف هيحصل إيه كمان لما يعرف هو وأمه وبقية البيت."
***
تجلس أسمى بجانب أمها تحاول تهدئتها. لم تتوقف عن البكاء منذ ما سمعته من فم ابنها. "تلك الشمطاء ستقضي علينا جميعًا. أقنعته بالزواج منها بحيلة ماهرة لم تعرفها وأوقعته في شباكها." نعم، لقبتها بـ "شمطاء". ذلك الملاك الذي لا يحمل في قلبه سوى الحب والود والعطف يلقب بـ "شمطاء".
تتوعد مرارًا وتكرارًا وتخبر ابنتها بأنها لن تترك ابنها لها. ترىَ ماذا سترى المسكينة ملاك على أيدي هذه المرأة القاسية التي جهزت عدتها لخوض حرب عزمت من البداية على الخروج منها بانتصار عظيم وسحقها كالجراد!
دخل أسيد غرفة والدته وعندما رأى وضعها المزرى أشار بعينه إلى شقيقته بالخروج. فتطلعت إليه بنظرة متمردة ساخطة ورحلت. أغلق الباب وتوجه جالسًا أمام والدته. هم بإلتقاط يدها لتقبيلها فسحبتها بعنف بعيدًا عنه في نبرة تنم عن عدم رضى. أصدر تنهيدة حارة في خنق ليهمس بحنو: "حقك عليا يا ست الكل. مكنتش أقصد صدقيني. أنا آسف!"
أشاحت بوجهها للجهة الأخرى معبرة عن نفورها وغضبها المستمر. فاعتدل في جلسته أكثر وقرب رأسها من شفتيه طابعًا قبلة حانية على جبينها متمتمًا: "أنا مستحملش أشوفك زعلانة مني. ده أنا ماشي في الدنيا دي برضاكي. متزعليش مني يا أمي. قوليلى أنتي عايزة إيه بس واللي يخليكي راضية عني وأنا أعمله."
لمعت عيناها ببريق خبيث لتنظر له هاتفة بجفاء: "تطلق الحرباية اللي اسمها ملاك دي!"
تأفف بقوة ليجيبها بشيء من الزمجرة: "أطلق إيه يا أمي. ده إحنا مكملناش كام ساعة متجوزين. أنتي مش عايزاني مبسوط؟ أنا مبسوط بجوازي خلاص بقى عايزة إيه تاني."
أثار نيرانها فأشتعلت وتوهجت. الجميع يعرف أنه لن يكون سعيد بهذا الزواج قط. الكل يعي جيدًا حقيقة أنه ما زال لم يتخلص من ذكريات زوجته الباقية بعد رحيلها. ولن يستطيع التخلص منها ولو بعد حين. إذًا لماذا يحاول إقناعهم أنه سعيد هكذا وهو العكس؟ صاحت به منفعلة: "أنت بتضحك على مين؟ علينا ولا على نفسك؟ مبسوط إيه؟ لا واضح السعادة الصراحة في عينك. أسيد أنت اتجوزت البنت دي لسبب إحنا منعرفهوش وأنت مش مضطر تعمل كده. الجواز مش سهل ولو مطلقتهاش دلوقتي هتطلقها بعدين. كنت قادر تصبر لغاية ما تلاقي الواحدة اللي تعوضك شوية عن فقدان مريم وتعوضك عن خسارة ابنك وتجبلك العيال اللي نفسك فيهم. حرام عليك يا ابني بتعمل في نفسك كده ليه؟"
قامت بإلقاء الملح على جرحه الذي لم يلتئم بعد. هاجت شجونه وعصفت الأعاصير بقلبه الممزق خاصة عند ذكرها الأطفال. فهو أكثر ما يشتهيه الآن طفل يحمل اسمه انتظره لسنوات وفي النهاية لم يأتِ. تناثرت أجزاء قلبه في كل جزء يحاول جمعهم من جديد ولكنه يفشل في كل مرة. صعد العبوس والمرار إلى سحنته وظهرت في عيناه التي كانت ملجأ لتلك الشجون. وأخيرًا همس بابتسامة مريرة: "ومعنديش نية إني اتجوز جواز حقيقي تاني يا أمي. فعلًا يمكن يكون نفسي في ابن بس واضح إنني هكمل حياتي وحيد كده. فـ أرجوكي احترمي قراري واقبلي بملاك مرات ابن ليكِ على الأقل لفترة معينة زي ما قلتي لغاية ما نطلق. عامليه كويس لو مش عشانها عشانى يا أمى احترامًا ليا. هي دلوقتي مراتي يعني كل كلمة موجهة ليها كأنها موجهة ليا أنا. أهم حاجة دلوقتي بس متكونيش لسا زعلانة مني."
أثرت كلماته في داخلها وتحركت عاطفة الأمومة بداخلها عندما رأت الحزن والشجن بعينه. وأشفقت على زهرة قلبها البكرية الذي ألقته الظروف القاسية في محيط يمتد لطول النظر من جميع الجهات وحتمت عليه الموت غرقًا أو جوعًا أو من البرودة أو الأشد ألمًا عن طريق أسماك المحيط المتوحشة!! مدت يدها وملست على لحيته الكثيفة بأعين دامعة هامسة بصوت باكي: "ربنا مبينساش حد يا حبيبي وهيكرمك صدقني ويعوضك مش عن مريم بس لا على طيبة قلبك وحنيتك كمان. وبخصوص اللي اسمها ملاك دي عشان خاطرك بس هحاول أتعامل معاها كويس. هحاول يعني مش أكيد لغاية ما تطلقها."
ظهرت ابتسامته الساحرة ليرفع يدها إلى فمه ويقبلها بدفء وكذلك يتجه إلى جبينها. ثم نهض من جوارها بعد أن أخبرها بأنه سيذهب لمباشرة أعماله.
***
استل الليل ردائه كاملًا. قضت ملاك يومها وحيدة بعد رحيل أسيد. اعتكفت في غرفتها بمفردها لم تخرج حتى لتناول الطعام خشية من أن تتلقى ما لا يرضيها من أفواههم. أدركت أنه إذا علم أنها لم تتناول الطعام طوال اليوم ولم تأخذ دوائها سيكون لها من بطشه نصيب. فقد أكد عليها قبل الرحيل أن تأخذ دوائها وتتناول الطعام. ولكن ماذا عساها أن تفعل؟ ليس لديها الجرأة الكافية للخروج أمامهم. رغم أنها لم ترتكب ذنبًا لتخشاهم ولكن نفسها الطفولية تمنعها من الاشتباك معهم. شعرت بأنها أخطأت في أمر الزواج ظنًا منها أنها ستتمكن من خضوع قلبه لها وتجعله عاشقًا ولهانًا لها كما أصبحت هي الآن. ذلك الشعور يعتصر قلبها أن تكون عاشقة له وتنتظر نظرة منه ترى فيها رغبته بها وحبه الجنوني وهو غير مبالٍ لها. فقط يريد مساعدتها وحمايتها زارعًا في عقلها أنه يحبها ولديها جزء في قلبه تحتله وحدها ولكن ضمن محتويات العائلة "شبيهة بمكانة شقيقته". وهو في الحقيقة لم يكن شعوره تجاهها سوى شفقة منه ورأفة بحالها. رياح باردة اقتحمت الغرفة معها أمواج تحمل أصوات نباح الكلاب المرتفع وكأنهم شيء أخافهم أو يتشاجرون حول شيء.
على الجانب الآخر كان ريان قد وصل القاهرة بعد سفر دام لساعات في سيارته. وكان أول مكان نزل من سيارته أمامه هو منزل أسيد الذي تكمن به ملاك، أو الذي كانت. أصابته حالة من التوتر والقلق حين لم يجد الرجال أمام المنزل. سار نحوه وهم بطرق الباب فإذا به يجد زمردة تفتح الباب ويفاجئ بحقيبة ملابسها التي في يدها وتستعد للخروج. وقعت نظرتها عليه لتقرأ في عينه التساؤلات والدهشة. فتقابل نظراته ببرود ونظرة استحقار مجيبة إياه مستنكرة: "طبعًا جاي تسأل على ملاك، بس زي ما أنت شايف ملاك مش موجودة وأنا راجعة بيتي دلوقتي."
ضم حاجبيه على بعضهم مردفًا باستغراب: "مش موجودة إزاي يعني، راحت فين؟"
استقرت نظرة منها عليه ملؤها الحقد والغضب. ما زالت لن تنسى الإهانة التي ألقاها كسهم مسموم في تجاه قلبها غابرًا مباليًا لذلك القلب الصغير. لم تسيء معاملته قط ولكنه فعل كأنها نكرة لا تساوي شيئًا. والآن يقف أمامها وكأن لا شيء حدث. أطالت النظر في وجهه تكاد تنفجر به وتكسر أضلعه ولكن حتمًا لن تخرج من الحرب منهزمة دون أن تصنع خسائر في العدو. وستستخدم أشد الأسلحة ألمًا تكاد تكون الهزيمة الحقيقية له!!
تقدمت خطوة نحوه وهي تقول مبتسمة بمكر وتتصنع الصدمة: "إيه ده معقول ريان بيه ميعرفش ملاك فين؟ تؤتؤتؤ ملهاش حق ملاك متقولكش هي وأسيد. أصل الصبح كنا عند المأذون عقبالك كده إن شاء الله، وكان كتب كتاب أسيد وملاك، وهي دلوقتي في بيت جوزها!!"
ضغطت على كل حرف في آخر كلمة مستقصدة إشعال نيرانه أكثر بكلمة زوجها. وقفت تتابع تقلبات وجهه التي أخذت جميع ألوان الطيف لتستقر على اللون الأحمر الداكن. فوجدته يهتف وهو يجاهد في ضبط انفعاله: "إذا كنتي حابة تهزري فده مش وقت هزار خالص لأني مش في مزاج للهزار ده. وقولي ملاك فين."
قهقهت بصوت مرتفع وهي تضرب كفًا بكف واستطردت بنظرة وضيعة: "وأنت مين أصلًا عشان أهزر معاك؟ ملاك في بيت جوزها اللي هو أسيد. ولو مش مصدقني روح واتأكد بنفسك."
رأت نظرة في عينه أرعبتها حقًا. لا تعرف أهي بسبب ما سمعه منها أو بسبب طريقتها في الحديث معه ولكن لا يهم. الأهم الآن أنها نجحت في تحقيق مبتغاها. باغتها بحركة فجائية منه وهو يسحبها من ذراعها إليه هامسًا لها بخفوت مرعب: "عارفة لو طلعتي بتكذبي هندمك على اليوم اللي شوفتيني فيه. أما طريقتك في الكلام دي فهدفعك تمنها بطريقتي."
دفعت يده بوحشية عنها رامقة إياه شرزًا. ثم دلفت إلى المنزل وأغلقت الباب وتركت العنان لدمعة حبست في مقلتيها بمجرد تذكرها لما قاله لها في المنزل هنا منذ ثلاث أشهر. أخرجت هاتفها وأجرت اتصالًا بمراد تعرف منه لماذا تأخر هكذا وهي تنتظره منذ وقت. فأخبرها أنه في طريقه إليها.
***
فتح باب الغرفة ودخل بعد يوم شاق ومرهق. نزع سترته عنه كما يفعل دومًا متنهدًا بإرهاق. وإذا به يصدم بملاك النائمة على الأرضية. متكورة حول نفسها كالجنِين في بطن أمه. لا يوجد ما يغطي جسدها الضئيل ويدفيه في ذلك البرد. انحنى إليها وهتف بصوت قوي بعض الشيء يحمل بداخله السخط: "ملاك.. ملااااك!"
فتحت عينيها دفعة واحدة وانتفضت جالسة عندما رأته وهمست له بخفوت مترقب في صوت يبدو ناعسًا: "نعم!"
بنظرات دقيقة تفحصها قائلًا: "نايمة على الأرض ليه؟"
ابتعلت ريقها باضطراب بسيط مغمغمة بتوضيح بسيط: "يعني أصل أنا نمت على الكنبة ولقيتها مش مريحة أوي فنمت على الأرض."
"والسرير ده بيعمل إيه؟"
أوضحت أكثر بخجل أشد وهي تهز كتفيها لأعلى لتظهر جهلها قائلة: "معرفش. بس قولت يمكن أنت مش حابب حد ينام عليه أو جنبك بالذات."
جثى على ركبتيه أمامها. تلك الملاك تتفنن في كل مرة وتجعله مجبورًا على معاملتها برقة وحنان. كمان ينبغي أن تعامل. عفويتها وبراءتها الطفولية لا يستطيع المقاومة أمامهم. تشدق مبتسمًا: "وأنتي بأي حق بتقرري بالنيابة عني؟ ثم إن أنتي مبقتيش حد يا ملاك. أنتي حاليًا مراتى ومينفعش أنام على السرير وأنتي على الأرض أو الكنبة. عيب يعني. عايزك تتعاملي بعفوية يا ملاك ده بيتك خلاص. قومي يلا كملي نومك على السرير وأنا هاخد دش وأنام زيك. بس قبل ما تنامي أكلتي وأخدتي علاجك ولا قاعدة من الصبح مكالتش حاجة؟"
ازدردت ريقها بخوف وهزت رأسها بنفي وإيجاب في آن واحد بنظرات طفولية مرتعشة. ولكنها لم تنفعها كثيرًا حيث اندفع بها يردف بغضب: "وبعدين يعني؟ أنتي طفلة صغيرة يا ملاك؟ هقعد فوق راسك عشان تاكلي؟ مش عارفة مصلحتك يعني. مصممة تعصبيني عليكي في كل مرة بسبب عندك ده وحركاتك الطفولية. مانعين الأكل عنك يكونش وأنا معرفش."
أطرقت أرضًا بأسى متمتمة: "مقدرتش أطلع يا أسيد. بصراحة مكنتش مستعدة لأي كلمة من مامتك أو أختك. ففضلت القعاد في الأوضة لغاية ما تيجي."
مسح على شعره زافرًا بخنق. ثم تشدق: "طب أنا كل يوم هطلع وهاجي آخر اليوم. هتقعدي كل يوم من غير أكل لغاية ما أجي مثلًا؟ مينفعش اللي بتعمليه ده. أنا مش عايز أتعصب عليكي بس أنتي بتجبريني على كده."
ابتسمت بمرارة وصوت مرير وعابس أجابته: "أنت دايما متعصب عليا يا أسيد. نادر لما بشوفك بتضحك في وشي أو تكون هادي."
تتهمه بقسوته معها بالرغم من أنه يجاهد ويدوس على نفسه محاولًا أن يظهر لها حبه العفوي لها وأنه لا يريد أحزانها. ولكنها تتعمد إشعال نيران غضبه بما تفعله من عناد. لم يكن لديه نية بإخافتها. خرج صوته الحاني الذي بدأت تعتاد عليه رويدًا رويدًا: "أنا لما بتعصب عليكي بيبقى بسبب خوفي عليكي. لو بصيتي وعديتي المرات اللي اتعصبت عليكي فيها هتلاقيها بسبب عندك أو غيره. متعانديش معايا واسمعي الكلام ومش هتشوفي مني غير حنية."
اصطبغ وجهها بحمرة خفيفة. يخدش حياؤها بكلامته المعسولة ونبرته التي تحتضنها. ما هذا الرجل كيف له أن يكون شخصين في آن واحد؟ يتقن التحول من غضبه إلى طبيعته الهادئة والساكنة. لا يمكنها القول سوى أنه جذاب لدرجة كافية لجعل أي فتاة تفتن به من أول نظرة. رجل بما تحمل الكلمة من معنى. صدره الواسع وطوله باله. هدوءه، حكمته، غضبه، ابتسامته الساحرة. يكفي أنها ترى كل هذه الصفات يوميًا. أن سُئلت الآن من هي فستجيب:
أنا التائهة في صحراء على امتداد البصر لا أعرف مفر منها!
أنا التي نخر الحزن قلبها بلا هوادة!
أنا فتاة شبت وتموت وحيدة تغذت على الألم، حتى أصبحت ذات مناعة قوية ضد الصدمات..!
أنا العاشقة لرجل لست بقلبه ولا يفكر في أن يحتل جزء صغير من عقله حتى!
رجل لا يسمح لها باختراق حواجزه. بيننا سد كسد يأجوج ومأجوج كلما تهدم منه جزء عاد بناؤه مجددًا.
أخيرًا تحدثت بعد أن أظهرت عن صف اللؤلؤ بين شفتيها بمكر: "أنا ممكن آكل بس بشرط. أنا سمعت طراطيش كلام كده الصبح من مرات خالى بتقول إنك ليك فترة طويلة مش بتاكل كويس أو مش بتاكل أصلًا لسبب مجهول ليا حتى الآن والنهاردة من الصبح مكالتش حاجة. فـ أنا هاكل لو أكلت معايا."
استقرت نظرة لئيمة منه وابتسم متمتمًا: "أنتي بتساوميني يعني؟ أنا لو عايزك تأكلي هتأكلي غصب عنك يا ملاك ومن غير ما آكل. فـ زي الشاطرة كده قومي اعملي أكل وملكيش دعوة بيا أنا مش جعان أساسًا!!"
رفعت كتفيها لأعلى مردفة بنظرة متحدية: "أنا قولت اللي عندي. هاكل لما تاكل معايا. أنت بتقول عني عنيدة وأنت مشوفتش حاجة من عنادي لسه."
احتلت على ثغره ابتسامة واسعة ليغمغم بغضب مزيف: "وأنتي مالك أنتي بيا أنا مش عايز أكل!"
حدقته بطرف عينيها في استنكار قائلة ببرود: "خلاص طالما أنا مالي أنت كمان مالك بيا أنا مش جعانة. أنت خسران إيه لما تاكل. أنا لو حصلي حاجة دلوقتي ومتُ هيبقى بسببك."
قهقه بخفة من تلك القطة الصغيرة التي تساومه معتقدة أنها ستنتصر عليه. ولكنه سيتقن دور المهزوم ويخضع لما تريد قائلًا: "ماشي روحي حضري الأكل وهناكل مع بعض!!"
تهللت أساريرها كطفلة صغيرة ووثبت واقفة وهي تقول بحماس شديد. أن دقق النظر في عينيها فسيرى وميض الحب في عينيها يلمع كنجم في وسط السماء السوداء: "في الواقع عندي شرط تاني كمان. تيجي تحضره معايا."
أظهر الدهشة المزيفة ليهتف بخبث بسيط: "ماشي يا ملاك هانم همشي وراكي للنهاية. اسبقيني على المطبخ وهغير هدومي والحقك!"
أومأت له بسعادة طفولية وهرولت مغادرة الغرفة متجهة نحو المطبخ. ومن حسن الحظ أن الجميع كان غارقًا في ثبات عميق. بدأت بالتفتيش في أغراض المطبخ لا تعرف ماذا تحضر للعشاء. دقائق وهلّ وهو مرتديًا بنطال أسود اللون أعلاه كذلك جاكيت من نفس اللون. أقترب ووقف بجانبها ثم استطرد: "هتعملي إيه؟"
افترت شفتاها عن ابتسامة ساحرة مجيبة بعفوية: "معرفش أنت حابب تاكل إيه!!"
"أي حاجة من إيدك حلوة. أنا مش بتفرق معايا."
قالها بعفوية تامة لم يكن له نية واضحة فيما قاله فقط قالها بغرض إظهار الود والحنو. ولكن قلبها ترفرف كطير حديث الولادة انطلق في الهواء يرفرف بجناحيه بحرية. رفعت نظرها إلى أحد الأرفف العلوية وحاولت فتحها فتولى المهمة وفتحها بكل سهولة لطول جسده ونظر لها قائلًا: "عايزة إيه؟"
أخبرته بما تريده وجلبه لها. بدأت بالتحضير بمساعدته القليلة لها. كانت تختطف نظرات له بعينان تضحك. شعورها وهو يقف بجوارها ويبادلها الحديث ويمازحها بتلقائية. تارة يضحك بصوته المرتفع وتارة يكتفي بابتسامة جميلة تجعلها في قمة سعادتها. قربه منها يبث في نفسها الطمأنينينة والسعادة. وحتى إن كان زواجهم لفترة معينة وسينتهي، وإن كانت تعلم أن حبها من طرف واحد ولن يشتركا في نفس القلب. سيكفيها أن تعيش اللحظة بقربه. أن تكون بجانبه وتسمع صوته وترى ابتسامته الساحرة. أن يحتضنها ويضمها إلى صدره حتى وإن كان ذلك بدافع شفقته عليها. فهي قابلة بكل شيء مقابل أن تكون معه. انتهيا من تحضير الطعام وهموا بتناوله ولكن قطع ذلك صوت رنين هاتفه الذي أجاب عليه في استغراب: "خير يا ريان في إيه؟ حصلت حاجة ولا إيه؟"
أتاه صوته المنفعل قائلًا: "انزل يا أسيد أنا في الجنينة بره مستنيك."
أجابه بصدمة متسائلًا: "في الجنينة؟ أنت أمتى جيت أساسًا يابني؟ طيب نازلك دلوقتي."
توترت ملاك بشدة فأيقنت أنه علم بزواجهم من زمردة وحتمًا هو بالأسفل يشتعل بالنيران من فرط غيرته. غادر أسيد الغرفة فورًا فتوجهت هي ووقفت تنظر إليه من الشرفة. وعندما وقع نظره عليها في غرفته تأكد مما قالته زمردة. أنا ريان غفور رؤيته لأسيد وهو يسير نحوه اندفع إليه كالثور الهائج.
رواية أشلاء القلوب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندى محمود
رأى أسيد يسير نحوه، فأندفع نحوه كالثور الهائج ليقف أمامه ويتمتم مبتسمًا بسخرية، وتحمل عيناه وميضًا مخيفًا.
"يعني اللي سمعته صح، اتجوزت ملاك!"
تعجب من غضبه المبالغ فيه والمجهول سببه، ليجيب بهدوء:
"أيوه كتبنا الكتاب الصبح، اضطريت أعمل كده، مكنش في طريقة تاني أحميها بيها من أكرم.. أنت متعصب كده ليه!؟"
مسح على شعره وهو يشيح بنظره عنه، ضاحكًا كالذي فقد عقله، ثم يعود بنظره إليه مجددًا في صراخ هادر:
"لا برافو عليك الصراحة، فكرة ممتازة، سبقتني إزاي؟ أنا مفكرتش في كده من زمان، ده أنا طلعت غبي أوي على كده!!"
ثار عليه منفعلًا بعض الشيء في استياء، متشدقًا:
"في إيه يا ريان مالك بتتكلم كده ليه، وبتزعق ليه!؟"
ازداد صياحه أكثر، صارخًا به:
"بزعق ليه! أقولك ليه، اللي اتجوزتها دي سنين وأنا بحبها، مستني الوقت المناسب علشان أعرض عليها الجواز، بس ما شاء الله أنت مضيعتش وقت.. اللي أنا قعدت سنين بحاول فيه، أنت بكل سهولة في شهور عملته!!"
اندهش مما سمعه، بل أوشك على أن يكذب أذنيه. احتلته الصدمة، فهو لم يكن لديه علم بهذا ولم يخطر على باله أنه يحب "ملاك" أو زوجته حاليًا. سمعه يتابع وهو رافعًا سبابته في وجهه، محذرًا بنظرة ملتهبة لا تنم عن خير أبدًا، أن لم ينفذ أوامره:
"هتطلقها يا أسيد وفى أقرب وقت، أنا مش حابب أخسرك يا ابن العم، فأنت هتجيبها من قصيرها وتطلقها بأسرع وقت ممكن."
أدركت ملاك أن الخطر قد وصل إلى ذروته، وإن لم تحاول إنقاذ الموقف، فوقعا معًا في الخطر. هرولت راكضة إليهم في الأسفل.
لم يعجبه، بل لم يبتلعه في حلقه مطلقًا. أكثر ما يكره لهجة التهديد، يأمره بأن يطلق زوجته منه، هو ليأمره بشيء كهذا، حتى وإن كان زواجهم ليس حقيقيًا وسينتهي بالفعل، ولكن وحده هو من يقرر إن كان سيستمر أم لا، وإن كان سينتهي، فهو وحده أيضًا سيقرر متى سينتهي. اشتدت الحرب وازدادت اشتعالًا حتى وصلت إلى أكثر نقطة مثيرة، وهو همسه غير المبالي، الذي يعبر عن نفس غاضبة:
"مش أنت اللي هتقولي يا ريان أطلق مراتي إمتى وإمتى لا، وعلشان يكون في معلومك بقى، مش هطلقها أبدًا!"
نبض اشتد في رأسه وكأنه يضع ذبذبات كهربائية. تلك ما فعلته به جملته الأخيرة، التي جعلت منه وحشًا كاسرًا بالفعل. وصل به الغضب إلى ذروته، ولم يشعر بنفسه سوى وهو يوجه له لكمة قوية كادت تطيح به أرضًا. فتشهق "ملاك" بفزع وتركض نحو زوجها، لتسمع تهديد "ريان" الواضح:
"هتطلقها.. هتطلقها، ولو مش بمزاجك هيبقى غصب عنك يا أسيد."
مقتته ملاك بذهول. متى أصبح بهذه الوحشية؟ هل وصل حبه لها إلى هذا الحد؟ ليتها تكن له في ثنايا قلبها مشاعرًا له، ولكنها لا ترى فيه سوى أخًا وسند. همت بالركض خلفه صائحة:
"ريان استنى.. رياااان!"
يد فولاذية قبضت على رسغها، تكاد تقتلع جلدها، وهو يصرخ بها بوجه. أن قالت أخافها فقط، فستكون كاذبة، بل قذف الرعب في قلبها كالحجارة النارية. وعيناه المتشعلة أوشكت على الاشتعال وحرقها بنيرانها:
"ادخلي جوة."
رغم رعبها، همت بأن تجيب في اعتراض متوسلة، ليباغتها بصرخة أشد، انتفضت في أرضها على أثرها:
"قولت ادخلي جوة."
أمتثلت لأمره في نفس الوقت، متضايقة، فوجدته يسرع خلف ريان المندفع نحو سيارته، وبراكينه جميعها تُطلق الحمم البركانية لتدمر كل شيء. غرز أصابعه في ذراعه وجذبه معه، ثم فتح باب سيارته وقال في غضب:
"اركب واستناني، هروح أجيب المفاتيح وآجي."
حدقه بنظرة تنم عن اعتراضه الساخط، فيصرخ به في صوت جهوري:
"ريان قولتلك أركب، متختبرش صبري أكتر من كده."
ثم استدار وأسرع في خطاه نحو غرفته ليجلب المفاتيح ويذهب دون أن يغير ملابسه حتى. شعرت في ثنايا قلبها بالذنب. عادت من جديد تلوم نفسها على موافقتها على هذا الزواج. هي متيقنة أنه إن كان يعرف بحب ريان لها، لم يكن ليعرض ذلك الزواج عليها قط، وكان سيجد حلًا آخر، حتى وإن كان هذا الحل هو الزواج من ريان حتى يكون كما يقال (ضرب عصفورين بحجر واحد). لم تتأذى وهي معه، وفي ذات الوقت لن يحرق روح صديقه وابن عمه. يالها من أنانية، لم تفكر قط في ريان كيف سيكون وضعه حين يعرف، تعرف بحبه لها ومع ذلك آثرت نفسها. آثرت من لا يحبها ولن يحبها، وتركت العاشق الولهان لها. ربما الأمر كان سينجح أن أعطت فرصة لنفسها وحاولت أن تنظر إلى ريان بنظرة مختلفة عن سابقها. تتذكر جيدًا عندما آثرت أكرم وتركت من كان يريدها بحق. أخطأت، بل ارتكبت أكبر خطأ في حياتها بآثرها لذلك الحقير. وكان سبب قرارها هذا هو شيء واحد، أنها رأت فيه الرجل المناسب لها وأحبته. والآن تخشى أن يتكرر هذا مجددًا. أصبح قلبها ينزف دمًا كلما تتذكر نظرته لها للتو، نظرة عتاب، أعين عاشقة فقدت أشد ما تحب النظر إليه. عيناه تحدثت وكأنه يقول "لماذا فعلتِ هذا وأنتِ تعرفين جيدًا بحبي لكِ؟ كان بإمكاني أن أعوضك عن كل شيء وأنتِ معي". ضاقت أنفاسها من الألم وغامت عيناها بالعبرات، لتجلس على الأرض وتضم قدميها إلى صدرها محتضنة إياها، وتهتف باكية بحرقة:
"سامحني يا ريان، أنا آسفة.. أنا آسفة!"
اقتحمت الغرفة أسمى التي دخلت لها وهي تصيح بها في زمجرة:
"يارب تكوني مبسوطة دلوقتي يا ملاك هانم باللي شوفتيه تحت ده!"
لم ترد ولم تنظر ولم تعيرها اهتمامًا، ولكن تلك القاسية استفزتها بقولها الصارخ:
"أسيد وريان عمرهم ما اتخانقوا ولا وصل بيهم الوضع أن واحد فيهم يضرب الثاني، دايمًا مع بعض في كل حاجة.. والنهاردة بسببك هيخسروا بعض، ولسا ياما هنشوف منك، تعرفي أنك معندكيش دم ولا إحساس، وافقتي تتجوزي أسيد وأنتِ عارفة أن مفيش حد بيحبك ولا عايزك في العيلة كلها.. والمشاكل ما شاء الله نازلة ترف علينا من ساعة ما شفنا وشك، أنتي عايزة إيه بالظبط منينا هااا، أنتي مش ملاحظة أنك اتطردتي مليون مرة من البيت وبرضوا رجعتي تاني بكل برود.. بس خلي في معلومك مش معنى أن أنا وماما سمحنالك تدخلي البيت يبقى هتعيشي مرتاحة، لا ده أنتي هتشوفي أسود أيام حياتك هنا!"
خرجها صوتها الصارخ في تشنج:
"اطلعي برا يا أسمى.. برا."
ابتسمت بغطرسة وتمتمت ساخرة:
"طبعًا تطرديني، متطردنيش ليه، خلاص بقيتي ست البيت!"
ولتها ظهرها وغادرت. تلك المسكينة لن ينتهي عذابها، تعرف هذا. أصبحت كالمريض الذي ينتظر لحظة وفاته ليرتاح. بالفعل مريضة وستترك نفسها بدون علاج حتى تلفظ أنفاسها وتخرج روحها إلى خالقها. لم ترتكب ذنبًا لتعيش كل هذا. سئمت العيش وبغضت جميع الناس، لا تريد أحدًا، يكفيها البقاء بمفردها في راحة بال. تلك الزهرة التي كانت متفتحة تبهر كل من يراها، ذبلت وهلكت. لم تشرق الشمس عليها، ومنذ سنين لم ترى النور سوى أيامًا معدودة. طائر صغير فتح عينيه لم يجد حوله سوى حشائش، أسفله أرض صلبة لم يتحملها جسده الناعم الرقيق. وأعلاه سماء التحليق بل الحرية. حاول وعافر وأصر على الطيران، ولكن كيف لطائر مسلوب الجناحين الطيران؟ حتم عليه الأمر أمرين.. إما البقاء في مكانه، أو الصياح ليأتي أحد وينقذه. وفي كلتا الحالتين فسيكون مصيره الموت على يد صقر أو غيره.
نهضت وبدلت ملابسها وجذبت حقيبتها التي كما هي منذ الصباح. لم يكن تلك المرة هروبًا من واقعها، بل كان إنقاذًا لحياتها التي أمرتها بيئتها أن تعيش نفس الظروف القاسية وتتأقلم معها. حسمت، بل قررت منذ تلك اللحظة أنها لن تسمح لأحد بإحزانها، ومن سيحاول ستحرقه، بل ستمزقه إلى أشلاء مثلما فعلوا بها. ستترك تلك الملاك خلفها وتصبح شيطانًا لا يهمه سوى مصالحه ونفسه. ستدعس على قلبها مثلما فعل الجميع، حتى وإن كان سيؤلمها هذا ببداية الأمر، ولكن لا يوجد شيء يؤلم إلا وكانت نتيجته النهائية الشفاء.
سحبت حقيبتها خلفها وغادرت، وعزمت على عدم دخول ذلك المنزل مجددًا. لن تتحمل الإهانة أكثر من ذلك، قضت سنين حياتها تتحملها، يكفي، لقد اكتفت وشبعت منها.
***
كان الاثنان يقفان في مكان لا يعلمه أحد سواه، لطالما قضوا طفولتهم به. فيعيد ريان تهديده من جديد وثورته لم تهدأ بعد:
"هتطلقها يا أسيد."
أجابه في سخرية واضحة:
"وبعد ما أطلقها هيحصل إيه؟ ملاك لو كانت عايزاك مكنتش هتوافق عليا يا ريان.. وعلى حسب ما أنا شايف إنها مش شايفة فيك غير أخ ليها."
انفعل كالمجنون يصيح:
"وأنت كنت عارف ورغم كده عرضت عليها الجواز؟"
مثله الأخير في صياحه وانفعاله قائلًا:
"قولتلك مكنتش أعرف حاجة عن الموضوع ده نهائي، اللي عايز أقولهولك أن حتى لو أنا وهي اتطلقنا، مظنش أن ملاك هتكون ليك يا ريان، ف الأحسن إنك تطلعها من راسك."
تحرك خطوتين للأمام، ماسحًا على شعره ووجهه، يطلب منه نسيان حب دام لسنوات، تعشش في ثناياه كالمرض، استحوذ على تفكيره، بات يحلم باللحظة التي ستكون في منزله وداخل أحضانه، والآن كأنه يطلب منه قتل نفسه وليس حبه. ألتفت له وغمغم بمرارة:
"أسيد، أنا مهما أحاول أفهمك مش هتفهمني، أنت بكل سهولة بتطلب مني أنساها. بقولك إيه، الأحسن منتكلمش في الموضوع ده دلوقتي أساسًا، كفاية اللي حصل."
أجابه مبتسمًا في استنكار ممزوج ببعض المرح:
"اهاا كفاية أوي، قول الحمد لله أني مخلتكش تقول حق برقبتي على اللي عملته في البيت معايا، لو واحد غيرك كان زمانه في العناية دلوقتي."
أظهر أخيرًا عن ابتسامته مردفًا باعتذار صادق:
"حقك عليا يا ابن العم، مكنتش شايف قدامي."
استدار وسار نحو السيارة هاتفًا بجدية تامة:
"طيب يلا أركب علشان أنا تعبان وعايز أروح أنام."
***
تحاول الاتصال به منذ أيام، وفي كل مرة يرفض اتصالها. هل اتخذ موقفًا قاسيًا منها إلى هذا الحد؟ لم تقصد إغضابه إلى هذا الحد. كيف تصلح ذلك الكسر ياترى؟ كيف تجعله يصدق إنها نادمة على ما فعلته ولن تكرره مجددًا؟ تود أن تعود علاقتهما كما كانت، يسودها الحب والتفاهم والمرح، وقليل من المشاكسة التي لم يخلُ منها أي حديث بينهما. ستحاول ولن تيأس حتى تصلح ما أفسدته وتعود المياه لمجاريها.
فتحت أشجان الباب ودخلت لتجدها جالسة على فراشها تحملق أمامها في اللاشيء بشرود. أصابها بعض من التعجب، ظهر حين قالت:
"بنتي يا سارة مالك كده سرحانة في إيه؟"
انتفضت على صوت والدتها، فاعتدلت في جلستها فورًا مجيبة بتوتر بسيط:
"لا عادي، كنت بفكر في حاجة كده."
وجدت ونيس تشاركه خوفها وبغضها، فجلست مقابلتها واستطردت بحقد واضح:
"شايفة أخوكي بيقولي إيه من يومين، قال هتجوز ملاك وغصب عنكم."
أختارت الونيس الخطأ لتشاركه بغضها، فهذا الونيس يكمن الحب والود لملاك في داخله. فأجابتها بأعين متقدة:
"ومالها ملاك يا أمي.. هو إحنا هناخدها بذنب عمتي؟ هي ملهاش ذنب في أي حاجة، وأنا متأكدة إنك لو عرفتيها هتحبيها جدًا، بس أنتوا اللي مش عايزين تتعبوا نفسكم.. وأنا شايفة أن ريان وملاك هيكونوا ثنائي رائع، وخصوصًا أن ريان بيحبها ومش بعيد تكون هي كمان كده!"
استقرت نظرة ملؤها الغضب والغل منها على ابنتها، وتشدقت في شبه صيحة:
"ثنائي رائع ده إيه؟ هو أنا هلاقيها منك ولا من أخوكي المجنون ده!"
لم تكن في مزاج لتتجادل معها حول أمر هي مقتنعة كل الاقتناع فيه برأيها، ولن تسمح لأحد أن يجعلها ترى عكس الحقيقة التي تراها، وهي أن ملاك لم تكن سوى ملاك بالفعل تجسد في هيئة إنسان. قالت بنفاذ صبر:
"ماما، أنا عارفة مهما أكلمك مش هتفهمي، الأفضل بقى أننا منتكلمش في الموضوع ده خالص، لا دلوقتي ولا بعدين."
ستفعل كل ما بوسعها حتى لا تجعل تلك الفتاة تدخل منزلها وتكشف أمرها، حتى وإن كلفها الأمر قتلها كما حاولت سابقًا وفشلت. ستفعل مجددًا. قضت سنين تحاول إخفاء كل تلك الخفايا، والآن ستأتي شمطاء صغيرة تهدم كل ما سعت في بنائه. بالتأكيد لن تسمح بهذا، حتى وإن اضطرت أن تلحقها بنفس قدر أمها. هبت واقفة ثائرة وهي تقول بنبرة تحمل في طياتها الثقة والتحدي:
"وأنا مستحيل أسمح أن بنت فردوس دي تدخل البيت.. أنا ما صدقت ما خلصت من أمها تيجيلي هيا كمان، وحتى لو دخلت هتبقى دخلت لعذابها برجليها.. الصراحة أنا كنت عايزاها تيجي بس دلوقتي الوضع اتغير قوي."
حركت رأسها حركة نافرة بامتعاض، معبرة عن سخطها لما تتفوه به أمها، والتزمت الصمت حتى خرجت وتركتها بمفردها من جديد.
***
قضت الطريق كله سيرًا على الأقدام. لاول مرة لم تشعر ببرودة الجو والهواء البارد الذي يلفح صفحتها البيضاء الجميلة. عيناها منطفئة، ولكن بداخلها بريق مختلف، بريق القوة. ولكن هيهات، فصاحب القلب النقي النظيف والنفس النقية لن يتحول إلى شيطانًا، وحتى أن فعل فيكون هذا قناعًا يحاول إقناع الناس به. لم تطلب شيئًا من الله سوى العيش براحة، مطمئنة سعيدة. وأدركت مؤخرًا أن السعادة ستتمثل في الابتعاد عن تلك العائلة التي لطالما بغضتها. ذهبت وتركت قطعة من قلبها خلفها، بل تركته كله. تسمع أنين قلبها المستمر وهو يترجاها أن لا تفعل، يطلب منها العودة وأن تبقى بجواره وكل شيء سيكون جيدًا. لا يجب عليها الاستسلام بسهولة وأن تتخلى عنه كما تتخلى عن كل شيء من أجل الناس. فتجيبه قائلة: لم أتخلى عنه من أجل الناس.. أتخلى من أجلي.. أتخلى من أجل سلامة من أحبهم.. لأني متيقنة أن قربي منهم لن يجلب لهم سوى الأذى، ولأني لا أجد طريقة أحتج بها عن العالم سوى العزلة والابتعاد. أتخلى لأني أحبهم!
وحين يمرض القلب يسألون صاحبه لماذا فعلت هذا بنفسك؟ لماذا لم تهتم بنفسك؟ لم يسألوا أنفسهم لماذا فعلنا هذا به؟ لماذا مزقنا ذلك القلب الذي في حجم قبضة اليد ولم نبالي لحاله بعد ذلك؟ ألا يحق لذلك القلب الذي ينبض أن يحتج عنهم ويعلن هزيمته ومرضه؟ ألا يحق له أن يتوقف عن العمل إلى الأبد؟ وهذا ما يفعله الآن. يحتج عن الجميع حتى عن نفسه.
وصلت أخيرًا إلى منزلهم. فكرت في أن تطرق على منزل زمردة وتطمئن عليها، ولكنها رجحت أنها نائمة الآن. ففتحت باب منزلهم بعد وقت طويل مر ودخلت، ثم أغلقت الباب خلفها وأسندت حقيبتها بجواره. سارت إلى الداخل وتوقفت في منتصفه تحدق به بأعين دامعة تنظر في كل جزء، كل ركن يحمل ذكرى لن تمحى مع والدتها. هنا فعلت ذاك، وهنا قالت هذا، وهنا ضحكت هكذا، وهنا أحبت وتمسكت بهذا الشكل. بدأت أنفاسها تتصاعد وتعجز عن أخذ أنفاسها، فجثيت على الأرض وهي تصرخ باكية بحرقة:
"قوليلي أنا أعمل إيه من بعدك يا ماما، تعبت والله خلاص مبقتش قادرة، كنتي دايمًا تطمنيني وتحضنيني وتقوليلي أن كل حاجة هتبقى كويسة، أينعم مكنش بيحصل حاجة بس حضنك وكلامك كان كفاية أنه يقويني ويدفع الأمل جوايا، دلوقتي أنا مش لاقية اللي يقويني كده."
شعرت بيد توضع على كتفها، فرفعت نظرها ودهشت، إذا بها تجدها أمامها بنظرتها الدافئة، لتضمها إلى حضنها كما كانت تفعل دومًا، فتنهار بين ذراعيها باكية هاتفة بصوت متشنج:
"حضنك وحشني أوي يا ماما."
ظلت على هذا الوضع دقائق عديدة، حتى انتشلها من لحظتها تلك صوت طرق الباب، فأدركت أنه لم يكن سوى خيالًا صوره عقلها الباطن لها. فنهضت وتوجهت نحو الباب بعد أن ظنت إنه زوجها، فألقت نظرة من خرم صغير في الباب، فتنصدم بأكرم. وثب قلبها من موضعه رعبًا وترددت كثيرًا قبل أن تفتح له، ولكنها قررت الدعس أيضًا على خوفها هذا. فجففت عبراتها جيدًا لتظهر بمظهر قوي وثابت، ثم فتحت له الباب هاتفة بغضب:
"انت بأي عين جاي تاني؟"
دفعها من أمامه بعنف ودخل، ثم أغلق الباب، فصاحت به بنبرة محذرة وجسدها يكاد يرتجف من الخوف:
"اطلع برا يا أكرم وإلا والله أصوت وألم عليك الجيران."
بابتسامة لئيمة ونظرات شيطانية غمغم:
"اهدي يا ملاكي، صويت إيه بس، أنا جاي أتكلم معاكي في هدوء وهمشي زي ما جيت، ها إيه رأيك؟"
صرخت به مندفعة كالمجنونة:
"مفيش كلام بينا أصلًا، واطلع برا يلا."
"لا إزاي بقى، ده إحنا بينا كلام كتير لازم نتكلم فيه، أوله جوازك من البيه أسيد!"
أكملت صراخها بأكثر انفعالًا:
"وأنت مالك أنت بجوازي؟ لتكون هتمنعني كمان؟"
قهقه باستمتاع قائلًا في مكر:
"اسمعيني بس يا حبيبتي، أنتي أكيد مش عايزة حبيبي القلب يتأذى أو حبيب القلب الثاني ريان ده يحصله حاجة، أو زمردة مثلًا، فـ إحنا هنعمل عقد اتفاق، ولو نفذتيه هبعد عنك نهائي وكل واحد هيروح لحاله ومفيش حد هيتأذى كمان."
نظرت له باهتمام وكأنها تسترسله على الحديث، فأكمل بنبرة أكثر خبثًا:
"تطلقي من أسيد، وبعدها كل حاجة ترجع زي ما كانت وكأني معرفكيش، وأنتي كذلك، ها إيه رأيك؟"
بدون تفكير أجابته، فهي بالفعل تنوي فعل هذا ولن تستمر علاقتها معه طويلًا:
"ماشي يا أكرم، هطلق منه بس خليك عند وعدك، يعني هتبعد عني نهائي وعنهم تمامًا، اتفقنا."
ازدادت نظراته اشتعالًا بوميض خبيث مردفًا:
"اتفقنا طبعًا يا حبيبتي، يلا تكير بقى وهستنى منك خبر الطلاق عشان آجي كده وأجيبلك الحلاوة معايا."
ثم غادر وتركها تفكر في حديثه، والارتعاد بدأ يتملكها. أحست أن كلماته لم تكن بدافع رغبته في أن تنفصل عن أسيد فقط، بل كانت تحمل في جوفها معانٍ كثيرة. نفضت تلك الأفكار من عقلها، فحتى وإن كان هناك نية سيئة يسعى لها، لن تمنحه الفرصة، لأنها بمجرد طلاقها ستغادر البلاد ولن تترك لها أثرًا سوى ذكراها، هذا إذا كان أحدهم يحمل لها ذكرى أساسًا. سمعت صوت هاتفها، فذهبت وأجابت على المتصل بنبرة قوية:
"نعم يا أسيد."
قابلت صياحه الهادر ونبرة صوته المخيفة:
"أنتي فين، وإزاي تطلعي من البيت من غير ما تقوليلي في الوقت ده؟!"
بهدوء تام ونبرة جاهدت في ثباتها:
"أنا في بيتنا يا أسيد، أنت عارفه طبعًا."
ولم تمهله الفرصة ليجيب، فأنهت الاتصال فورًا وذهبت إلى غرفتها وشرعت في تبديل ملابسها، لترتدي بيجامة مجردة من أي رسومات، ورفعت شعرها الحريري لأعلى بشيء تثبته، وتنتظر مجيئه لكي تواجهه بكل شيء. فلن تسمح لأحد باحتقارها بعد الآن، حتى وإن كان هو!
***
طرق كالرعد على الباب، طرق أرعبها، ولكنه أعلمها من الطارق، فتوجهت وفتحت الباب له، وطالعته ببرود متصنع، ثم استدارت وقادت خطواتها عائدة إلى الداخل، فدفع الباب بعنف وأسرع خلفها ليقبض على ذراعها بيده الفولاذية ويديرها له، لتقابل عيناه الملتهبة ببرود لم تعرف من أين أتت بكل هذه القوة لتواجه نقمه بهذا البرود وكأنها لا تخشاه مطلقًا. وازداد نقمه حين صرخ بها:
"أنتي متجوزة دلوقتي ومش أي وقت يحلالك تطلعي هتطلعي، أنتي عارفة الساعة كام دلوقتي؟"
بخفوت ونبرة جديدة تمامًا، وهي تنزع يده عن ذراعها بهدوء وتسير نحو المطبخ قائلة:
"عارفة يا أسيد.. الساعة 1، بس بنسبة لي مبقتش تفرق خلاص، هيحصلي إيه أكتر من اللي أنا فيه، وتقدر تطلقني خلاص، أكرم مش هيقدر يعملي حاجة، وحتى لو عمل عادي برضوا."
كان يسير خلفها حتى وصلا إلى المطبخ، ورآها تخرج كوبًا وتملأه ماء. همت بوضعه داخل فمها، فسحبه من يدها وألقاه على الأرض صارخًا بغضب هادر:
"أنتي في إيه مالك وبتتكلمي كده ليه، مش كفاية خبّيتي عني موضوع ريان وأنتي كنتي عارفة أنه بيحبك؟"
أطالت النظر في وجهه وهي تقول بابتسامة ساخرة تحاول إخفاء لمسة المرارة التي فيها:
"والله في الحقيقة أنا عملت فيه معروف، أنا وحدة مريضة قلب ولو متعالجتش بكتير كام شهر وهكون تحت التراب ومش هتعالج وعمليات مش هعمل، فعلشان كده ياريت بقى تسيبني أعيش آخر أيامى بالطريقة اللي أنا حابة أعيشها، أعيش براحة بعيدة عن ناس مش شايفين فيا غير أني مذنبة ومستاهلش أكون بينهم، لأني من النهاردة مش هسمح لحد أنه يهيني ويلومني على حاجة أنا معملتهاش حتى لو كان الشخص ده هو أنت يا أسيد، قولتهالك قبل كده وهقولها تاني أنا مش عايزة أي حد منكم، حتى ريان مش عايزاه، لو عايز تساعدني بجد يبقى تطلقني وتسبوني في حالي وأنا هعيش آخر أيامي بسعادة بعيد عنكم."
يرفض تصديق ما يسمعه، يستحيل أن تكون هذه ملاك التي كانت تضحك وتشاكسه منذ ساعات، ماذا حل بها ليجعلها تصل إلى تلك الحالة؟ كأنه يرى شخصًا آخر لم يعرفه، فهمس بخفوت في حنو جميل:
"ملاك اهدى وقوليلي حصل إيه خلاكي تقولي الكلام ده، ده أنتي كنتي بتهزري وتضحكي معايا قبل ما ييجي ريان، حصلك إيه؟"
صرخت به في حرقة وقد دخلت في نوبة بكاء عنيفة، فأن كتمت تلك الدموع بداخلها أكثر ستقتلها بالتأكيد:
"اديك قولت كنت، أنا تعبت خلاص بجد يا أسيد، سيبوني في حالي أبوس إيديكم، أنا متفهمة رغبتك في مساعدتي وحبك الأخوي ده ليا، وحب ريان ليا، بس كل ما أحاول أندمج بطلع الخسرانة في الآخر، ارجوكم سيبوني وابعدوا عني، أنا مش عايزة حد في حياتي، أنا زهقت، مش هفضل أجي على نفسي كده طول عمري عشان خاطر حد، كل الناس اللي أعرفهم ومعرفهمش عايزين يأذوني وخلاص.. طب هو أنا مليش نفس أعيش زي بقية الناس، على الأقل أعيش مرتاحة، أنا زهقت والله ومليت."
جثت على الأرض مستمرة في بكائها العنيف، فجثى أمامها ولم يكن عساه سوى شيء واحد وهو ضمها، لعلها تهدأ قليلًا بين ذراعيه. فتمزق قلبه عليها جعله يندم على كل مرة انفعل عليها دون أن يبالي لتلك المسكينة. وهي الآن ليست امرأة عادية بل زوجته، أي أن من أقل واجباته أن يرعى الله بها كما كان يفعل مع زوجته. هو من اختار وقرر الزواج بها، فيجب عليه أن يرعاها ويضمها إلى جناحيه، فهي في أمس الحاجة لذلك منه. ضمها إلى صدره وملس على شعرها وظهرها برقة محاولًا تهدئة روعها، فازدادت بكاءً أكثر بادئ الأمر، ثم هدأت تدريجيًا عندما بدأت تشعر بدفء أحضانه وأنفاسه الأكثر دفئًا التي تبعث في نفسها الراحة. أغمضت عيناها بتلذذ لذلك الشعور الذي ربما لن تشعره مجددًا. كان يرسل صوته على أذنها بكلمات جميلة ليهدأ من روعها، كان صوته كزقزقة العصافير وهي تغرد في الصباح.
***
فتحت عينيها بعد ساعات، ثم اعتدلت وجلست وهي تنقل نظرها في الغرفة باحثة عنه، فنهضت وغادرت الغرفة لتجده يقف في الشرفة. اقتربت منه بحرص حتى وقفت خلفه على مسافة صغيرة وهمست بنعومة:
"أسيد!"
التفت لها وتحرك نحوها ببطء متمتمًا بترقب:
"عاملة إيه دلوقتي؟"
أومأت بإيجاب برقة لتتمتم بصوت أنوثي رقيق:
"كويسة، أنت ليه واقف في البرد كده، أدخل جوة بدل ما تتعب!"
فعل ما قالته بهدوء وأغلق باب الشرفة وهو يوجه كلامه شبه الأمر قائلًا:
"ادخلي يلا، البسي هدومك عشان نروح."
صمتت لبرهة صغيرة ثم أجابت بصرامة ممتزجة بالترجي:
"مش هرجع هناك تاني يا أسيد، أنا مش هقدر أتحمل كلمات أمك وأختك، افهمني لو سمحت، لغاية ما نتطلق خليني على راحتي.. عايز أقعد هنا وحدي مفيش مشكلة، عايز تاخدني ونروح نقعد في شقتك مفيش مشكلة برضوا، بس أنا عايزة أبقى بعيدة عنهم، أرجوك متضغطش عليا."
"أسى قالتلك حاجة!؟"
هتفت بحزم في ضيق جلي:
"قالت أو مقالتش مش هتفرق، أنا وأمك وأختك مش هننفع نقعد في بيت واحد، أنا أساسًا ندمانة إني وافقت على الجواز دا!"
رفع حاجبيه بصدمة من قولها "ندمانة"، فيجيبها بعدم استيعاب:
"ندمانة ليه يا ملاك؟ أنا مغصبتكيش، قولتلك براحتك توافقي أو لا، وأنتي وافقتي، إيه لزمته الكلام ده دلوقتي!؟"
شعرت بعبراتها إنها على وشك النزول مجددًا، فهمست بصوت مبحوح:
"هو فعلًا فات الأوان على الكلام ده، أنا مش عايزك تقول أني ببعدك عن أهلك أو كده أو بغصب عليك حاجة، بس عايزك تفهمني، أنا مليت من معاملتهم ليا وأنا معملتش حاجة ليهم، مش هقدر أستحملها أكتر من كده."
اقترب منها ومرر يده على ذراعها نزولًا من أعلى لأسفل والعكس، مهمهمًا بدفء:
"فاهمك يا ملاك، وعشان مسمعكيش بتقولي ندمانة دي تاني أو الكلام اللي قولتيه قبل ما تنامي، هعمل اللي عايزاه وهنروح نقعد في شقتي، بس مش اللي كنتي قاعدة فيها، أنا متجوزكتيش عشان أهينك وأعذبك معايا، أنتي أمانة، مش أمانة بابا أو عمتي أو غيره، لا أنتي أمانة من ربنا، من ساعة ما اتجوزتك وأنتي بقيتي أمانة عندي أحافظ عليكي زي عيني وأديكي واجباتك على أكمل وجه قبل حقوقي."
ابتسمت له بحب لكلماته الرقيقة والدافئة، ثم أردفت بلطف ونعومة بسيطة:
"طيب بس ممكن ناخد الليلة والنهار هنا لأن البيت وحشني أوي ونفسي أقعد فيه؟"
هز رأسه بموافقة، وعلى ثغره شبه ابتسامة ساحرة، فتابعت ممتنة بسعادة:
"شكرًا بجد!"
قطع حديثهم صوت أذان الفجر الذي ارتفع من المؤذنين في الجوامع المجاورة، فنظر لها وتمتم ببساطة:
"يلا عشان نصلي الفجر."
رمقته بدهشة بسيطة وهي مبتسمة:
"أنت بتصلي؟!"
بادلها الابتسامة ليجيبها مازحًا:
"إيه مش باين عليا ولا إيه، بس شكلك كده بيقول إنك مبتصليش ياهانم؟"
ابتسمت ببلاهة في حياء، ثم تمتمت بضيق:
"بصلي الصراحة بس مش هكدب عليك مش منتظمة أوي!!"
طالعها بحنان دفين، وفي نبرة صلبة داخلها لهجة الأمر:
"لا مفيش مش منتظمة، أنا هشفق عليكي في أي حاجة وهزعل لو زعلتك فيها، بس عند الصلاة لا، مش هتلاقي مني شفقة، من النهاردة هتنتظمي ولو عرفت أنك قطعتي هتزعلي مني بجد، يلا روحي اتوضي عشان اتوضى بعدك."
أومأت بموافقة وامتثال لأمره، واستدارت نحو الحمام لتتوضأ وتستعد لأداء فرضها لأول مرة لها. ستقضي فرضها مع زوجها. لم يكن أكرم يصلي، بل تشك في أنه يعرف كيفية أداء الصلاة. انخرط نحو الشهوات والخمر والسهرات حتى نسي ربه ودينه. حقًا تشفق عليه في هذا الأمر. بالتأكيد إن كان يعرف ربه ودينه مثل أسيد، لم يكن ليفعل بها ما فعله. تنهدت الصعداء وباشرت في الوضوء حتى تنتهي ويأتي هو ليتوضأ خلفها.
***
مع إشراقة شمس يوم جديد يحمل المفاجآت للبعض.
طرق الباب الهادئ جعله يترك ما بيده ويسلط نظره عليه هاتفًا بصوت قوي:
"ادخل!"
دلف بهيئته الرجولية الجذابة وهو يوجه نظراته المتسائلة نحو مراد، متمتمًا:
"خير يا مراد، موضوع إيه اللي مينفعش في البيت ده وجايبني الشركة عشانه أول ما جيت القاهرة؟"
أشار له بيده أن يجلس على المقعد، ونهض الأخير ليجلس على المقعد المقابل له، يحاول إيجاد طريقة مناسبة يعرض عليه الأمر ويخبره به. تفكر مليًا في إيجاد شيء ملائم يبدأ به حديثه. وأخيرًا قال بحذر:
"الموضوع اللي هكلمك فيه مش موضوع عادي، عشان كده قولتلك تعالى الشركة."
بدأ يشعر بالقلق وظهرت قسمات الاستغراب على محياه، ليردف بفضول:
"موضوع إيه ده يا مراد؟ اخلص قول، متوترنيش!"
تنفس الصعداء وزم شفتيه باحتجاج، مجيبًا بخفوت:
"عمي عزت الله يرحمه كان متجوز على مرات عمي من زمان أوي ومعاه بنت عندها 22 سنة اسمها زمردة.. يعني أختك يا مروان!"
رأى الصدمة تحتل مركزها على وجهه. أذنيه لا تستوعب ما تسمعه. ألقى عليه الصعقات متوالية، بداية بزواج أبيه السري، ومن ثم أخته التي كان لا يعلم عنها شيئًا حتى هذه اللحظة.
***
استيقظ من نومه على صوت رنين هاتفه الصاخب، فتأفف بخنق ثم ضغط على زر الإغلاق بضجر وأكمل نومه. ولكن المتصل كان ملحًا. فقبض على الهاتف بقوة وأجاب بزمجرة:
"إيه يا أشرف عايز إيه على الصبح كده؟"
توتر بشدة وتشدق باعتذار صادق:
"أنا آسف يا أسيد بيه، بس الموضوع يخص مرات حضرتك، عشان كده اتصلت أقولك."
حول نظره إلى ملاك النائمة بجواره في ثبات عميق. نظرة شائكة، ثم نهض من الفراش وهتف بترقب:
"موضوع إيه ده؟"
أجابه بشيء من الجدية والرسمية في وضوح:
"امبارح لما مرات حضرتك سابت البيت، مشيت وراها وراقبتها زي ما حضرتك كنت قايل، وبمجرد ما طلعت البيت بعدها بخمس دقايق بالظبط لقيت أكرم طالع العمارة، قعدت أستنيته تحت لغاية ما نزل، أخد حوالي عشر دقايق فوق، وبعد ما نزل راقبته وعرفت قاعد فين."
هتف وهو مسلطًا نظرته النارية على زوجته النائمة، أخبرها أن تخبره بكل شيء متعلق بأكرم هذا، وأن حاول التحدث معها أو رؤيتها تخبره على الفور. ولكن مازالت نفسها المتمردة لم ترحل. يجاهد أن يتحكم في انفعاله معها، ولكن ماذا يفعل مع امرأة لا تعي سطوته ونقمه:
"فين مكانه يا أشرف؟"
"في (....)، أنا قولت أقولك مقدرتش أخبي عنك حاجة زي كده."
"تمام يا أشرف، كويس أنك راقبته."
أنهى الاتصال وجلس على أحد المقاعد محدقًا بها في نظرات ساخطة. تذكر كلماتها بالأمس "خلاص أكرم مش هيقدر يعملي حاجة، وحتى لو عمل عادي برضوا". تُرىَ ماذا كان يفعل معها؟ تأججت نيرانه واحمرت مقلتيه حتى أصبحت أشبه بلون الدماء، وازدادت توهجًا حين تذكر رغبتها السريعة في الطلاق بعد أن كان الأمر مستبعدًا بينهم. ظل على وضعيته هكذا حتى استيقظت وفتحت عينيها وهي تتمطى بذراعيها لأعلى، جاهلة بما ينتظرها من طوفان عاتٍ.
رواية أشلاء القلوب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندى محمود
وحتى لو عمل عادي برضه.
تُرى ماذا كان يفعل معها؟ تأججت نيرانه واحمرت مقلتيه حتى أصبحت أشبه بلون الدماء. وازدادت توهجًا حين تذكر رغبتها السريعة في الطلاق بعد أن كان الأمر مستبعدًا بينهم.
ظل على وضعيته هكذا حتى استيقظت وفتحت عينيها وهي تتمطى بذراعيها لأعلى، جاهلةً ما ينتظرها من طوفان عاتٍ.