الفصل 21 | من 25 فصل

رواية اشواك الورد الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
19
كلمة
4,069
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 84%
حجم الخط: 18

في صباح اليوم التالي، حين يشرق فجر جديد، يلوح في الأفق بتسلل هذا الإحساس بالأمان والطمأنينة التي غابت لشهور طويلة. برغم بقائها في غرفة واحدة مع شخص غريب عنها، إلا أن إحساسها بالأمان تجاهه تخلل بإحساسها بعد تصرفه معها وتداركه لخوفها ليلة الأمس.

استيقظت "ورد" تشعر بانقباض عضلاتها، تتألم لنومتها غير المريحة بهذا الفستان الضخم. دارت بعينيها لتدرك أنها ليست بالغرفة، بل انتبهت أنها مازالت بالفندق. اعتدلت بجلستها تبحث بعينيها عن "يوسف" الذي غاب تماماً عن المشهد، فالغرفة خاوية تماماً. أسدلت قدميها لتتجه نحو حقيبتها الصغيرة الموضوعة بالخزانة، لتخرج منها فستان وردي مموج باللون الأصفر الهادئ لتبدل ملابسها بعجالة قبل عودة "يوسف".

نظرت من نافذة الفندق تتابع المارة هنا وهناك، حتى استمعت لطرقات خفيفة على باب الغرفة، ثم دلف بعدها "يوسف" وهو ينحي عينيه جانباً للحظة قبل أن تسقط نظراته على تلك الياقوتة المتوهجة أمام عينيه. تطلع نحوها بتحسر، فبعض الأحيان يكون الجمال نقمه وليس نعمة. فيا ليتها كانت فتاة عادية لا تتمتع بكل هذا الحسن والبهاء. تقدم لبضع خطوات وهو يردف بتجهم واضح بنبرته المقتضبة: "يوسف: صباح الخير." "ورد: صباح الخير."

"يوسف: أنا طلبت الفطار وممكن نفطر ونروح لوالدك المستشفى نطمن إنه راح يبدأ العلاج، وبعدها أظن مفيش داعي نرجع على هنا، ممكن نروح على البيت على طول."

ضمت "ورد" شفتيها بضيق من نفسها لشعورها بالذنب لطريقتها المنفرة وخوفها المفرط بلا داعي بالأمس، فيبدو أنه يشعر بالاستياء من تصرفها الغريب. أرادت أن تعتذر منه على فهمه الخاطئ لرد فعلها، فهو لا ذنب له بتلك المعاملة الفظة منها وخوفها بلا سبب لذلك. طرفت بعينيها بحرج وهي تعتذر منه تحاول توضيح سبب ما حدث. "ورد: يوسف، أنا آسفة. أنا...

قاطعها "يوسف" فلا داعي لهذا الأسف، فحتى لو كانت لم تظن به ذلك، فلم يكن ليقدر على معاملتها بصورة أخرى بعد ما علم به من طليقها. "يوسف: مفيش داعي للأسف، ملهوش لزوم. حضري نفسك نفطر وننزل على طول." حزنه وتجهمه زاد بداخلها هذا الشعور بالذنب وأنها اقترفت خطأ جسيم للغاية، لكن ذلك كان حقاً رغماً عنها. تهدلت ملامحها بانكسار، فهي لم تكن تود أن تكون سبباً لتلك النظرة الحزينة التي تسيطر على عينيه.

تبعت "يوسف" لتناول إفطارهم أولاً قبل ذهابهم للمستشفى لزيارة والدها والتأكد من أنه سينتظم بعلاجه، فلا داعي للتأخير أكثر من ذلك. *** المستشفى... استرقت النظر من وقت لآخر تجاه "يوسف" خلال طريقهم إلى المستشفى تحاول معرفة سبب صمته الشديد. أهي أذنبت إلى هذا الحد؟ هل كان خطأها جسيم للغاية؟

دلفا إلى إحدى غرف المستشفى بعد السؤال عن والدها ليجدوه ممدداً فوق أحد الأسرة ينتظر مرور الطبيب به. تفاجأ "عبد المقصود" بـ"ورد" و"يوسف" بهذا الصباح يقفان أمامه ليرفع رقبته بدهشة متسائلاً باستغراب. "أبو ورد: إيه اللي جابكم كده من بدري؟ تفوه بالبداية "يوسف" وقد اتخذت ملامحه ارتياحية بخلاف ما كانت عليه من اقتضاب منذ قليل. "يوسف: إزاي بس يا عمي؟ لازم نطمن على حضرتك وإنك تبدأ العلاج اللي اتأخرت فيه أوي ده." "أبو

ورد: كل شيء نصيب يا ابني." كانت "ورد" تطالع "يوسف" بشرود، تؤنب نفسها بشدة على ما فعلته ليلة الأمس، حرمها من تلك النظرة الحانية التي ينظر بها لوالدها الآن. لتنتبه لسؤال والدها القلق. "أبو ورد: مالك يا ورد؟ حركت رأسها بخفة وهي تنتبه له، محاولة رسم شبح ابتسامة ضعيفة فوق ثغرها تطمئنه به قائلة: "ورد: أبدًا يا بابا. سرحت بس شوية." "أبو ورد: خدي بالك من يوسف. ده راجل ولا عمرك حتعوضيه. إوعي تزعليه يا ورد." أيوصيها به؟!

هكذا تساءلت بداخلها وهي تنظر تجاه "يوسف" بتحسر على ما سببته له بالأمس، فلو بيدها ما أغضبته ولا سببت له ضيق مطلقاً. لتعيد بصرها تجاه والدها مردفة: "ورد: حاضر يا بابا. خد بالك إنت من نفسك. مش عايزك تتعب تاني." بابتسامة أبوية حنونة أشار إليهم "عبد المقصود" للذهاب قائلاً: "أبو ورد: طيب خلاص اطمنتوا؟ يلا اتفضلوا بالسلامة على بيتكم يلا."

أومأ "يوسف" بابتسامة مجاملة لـ"عبد المقصود" وهو يودعه قبل عودتهم لبيتهم لأول مرة. اتخذا طريقهما بعد خروجهم من المستشفى تجاه بيت "يوسف"، هذا البيت الدافئ الذي أحبته "ورد" من أول زيارة لها. اختلست من وقت لآخر نظراتها تجاهه تتمنى بداخلها لو تجد طريقه للاعتذار بها عن ليلة الأمس، لكن خجلها وحرجها الشديد جعلها تصمت تماماً طوال الطريق. *** شقة يوسف.

فتح "يوسف" باب الشقة داعياً "ورد" للدخول، لتخطو "ورد" خطواتها الأولى ببيتها الجديد، ومازالت الرهبة بداخلها ممزوجة بإحساس سعيد. نعم، تشعر بذلك، هي ليست قلقة إلى هذا الحد، فتصرفه معها بالأمس جعلها تطمئن لوجودها معه. "يوسف: اتفضلي يا ورد."

دلفت إلى الداخل لتجد أم "يوسف" جالسة فوق تلك الأريكة التي تتوسط الصالة الواسعة، وتجلس "دعاء" بالمقعد المجاور إلى يسارها. انتبهتا تجاه "يوسف" و"ورد"، لكن مازال تساؤل ليلة الأمس يسبب لهما الضيق، ليظهر ذلك جلياً على ملامحهما المقتضبة دون التفوه بكلمة واحدة مرحبة بهم. ابتسمت "ورد" برقة وهي تلقي التحية بمحبة بالغة تجاههم وقت أن وقعت عيناها عليهم. "ورد: السلام عليكم."

ضيق ملامحهم كان ظاهرًا للغاية ليطغى على ردهم الجاف برد التحية، كما لو مجبرين على ردها بلا ترحيب بقدومهم. "وعليكم السلام... ردهم الجاف أثار ارتباك "ورد" لتشعر بغصة لهذا التجاهل وعدم الاهتمام بمجيئهم، لتحث نفسها على أنها لابد وقد فهمت رد فعلهم بصورة خاطئة، لتحاول التحدث بود لتتأكد أن كل شيء على ما يرام. "ورد: إزاي حضرتك يا طنط؟ زمت أم "يوسف" شفتيها بضيق واضح وهي تجيب تساؤل "ورد" بنفس الجفاء الذي شعرت به "ورد" منهم. "أم

يوسف: الحمد لله. نورتوا." لتحلقها "دعاء" بمباركتها بنبرة جافة أيضاً. "دعاء: مبروك." قلبت "ورد" نظراتها بين أم "يوسف" و"دعاء" بغصة علقت بحلقها، فشعورها بتعاملهم الجاف معها سبب ضيق بالغ بنفسها، فليست تلك المعاملة التي تعاملوا بها معها بزيارتها السابقة. لتنكس رأسها بضيق متسائلة بداخلها: "ترى ما سبب ذلك الجفاء الذي يعاملونها به؟

لاحظ "يوسف" أيضاً هذا السلوك المغاير عن طبعهم وأن هناك شيئًا ما جعلهم يتعاملون معها بتلك الصورة القاسية وغير المفهومة بالنسبة له، ليقطع صمتهم بابتسامة تجاه "ورد" قائلاً: "يوسف: تعالي يا ورد شوفي الأوضة... وارتاحي شوية لو حبيتي." بإيماءة خفيفة تبعته إلى الداخل، لتدلف لغرفتها الجديدة حين استأذن منها "يوسف" قائلاً: "يوسف: خدي راحتك. أنا هقول حاجة لماما دقايق وراجع على طول."

تركها "يوسف" بغرفتها لتضع حقيبتها الصغيرة أمامها تفرغ محتوياتها بتجهم، بينما اتجه "يوسف" لوالدته وأخته ليتفهم منهم عن سبب تلك المقابلة الجافة لـ"ورد" منذ قليل. دنا "يوسف" بالقرب منهما وهو يخفض من صوته بضيق خوفاً من أن تشعر "ورد" باستيائهم وسماع مناقشتهم. "يوسف: مالكم فيه إيه؟ متغيرين ليه كده؟ تطلعت أم "يوسف" أولاً تجاه غرفته قبل أن تعود هامسة بعتاب: "أم يوسف: إنت مقلتلناش ليه إنها مطلقة يوم فرحها؟!

هنا استطاع فهم سبب تغير معاملتهم معها وضيقهم من الأمر، ليجيب بانفعال ومازال يتحدث بتلك النبرة الهامسة حتى لا تشعر بهم "ورد". "يوسف: عشان متحكموش عليها نفس حكمكم ده دلوقتي! دي تجربة وفشلت مش حتفضل عايشة فيها العمر كله! أردفت والدته بحرج شديد، فهو بالتأكيد معه الحق. "أم يوسف: أيوة بس... استطرد "يوسف" موضحاً بانفعال وقد بدت علامات الاستياء جلية فوق محياه بقوة. "يوسف: دي حياتي يا ماما... وأنا اللي اخترت ورد...

ولا انتي مش واثقة في حكمي واختياري؟ ده كفاية إنها بنت أبو محمد! شعرت أم "يوسف" بتسرعها بإلقاء أحكام على "ورد" دون فهم، لتردف بتفاهم وانصياع لرغبة ولدها الذي تثق به وبإختياره. "أم يوسف: اللي تشوفه يا ابني طالما انت مرتاح خلاص." لينهي "يوسف" هذا النقاش بحزم شديد، فلا داعي لتلك الأحكام المسبقة دون وجه حق. "يوسف: يا ريت منفتحش الموضوع تاني." "أم يوسف: خلاص يا ابني المهم راحتك."

بعد أن أوضح كل شيء لوالدته عاد إلى "ورد" مرة أخرى وهو مازال يحدث نفسه بلوم شديد. (إيه بس يا رب الورطة اللي أنا ورطت نفسي فيها دي! أعتبرها إيه بس؟ دخلت قلبي وحبيتها. بس في نفس الوقت مقدرش أستحمل إنها تكون مراتي بعد اللي عرفته ده! ومقدرش أخون أمانة الراجل اللي جميلة مغرقني! أعمل إيه في الحيرة اللي أنا فيها دي؟!

رفعت "ورد" خصلة شعرها التي سقطت فوق عينيها وهي ترتب ملابسها، ناظرة تجاه "يوسف" الذي دلف للتو. تهدج صدرها بقوة واكتسى وجهها حمرة خجل، وقد أقفل باب الغرفة عليهما معاً. قررت الاعتذار منه عن تصرفها الغير مناسب معه ليلة الأمس، لتحث نفسها على الحديث قائلة: "ورد: يوسف... أنا... ااا...

أخرجته من تفكيره بها بصوتها الحنون وهي تهمس باسمه بتلك الرقة، لتنساب من بين عينيه تلك النظرة العاشقة. ليتدارك نفسه على الفور مغمضاً عينيه لوهلة ليستفيق من مشاعره تجاهها، حتى لا ينجرف نحوها، فهو يرفض تمامًا وجود امرأة بمثل هذه الأخلاق في حياته وتكون هذه هي زوجته وأم أولاده، ليهتف بداخله ينهرها بحدة: (فوق يا يوسف... فوق. مهما كانت ومهما حسيت نحيتها فهي في الآخر متنفعكش.) ليرتسم عدم الاكتراث والصلابة بحديثه قائلاً:

"يوسف: أيوه. عايزة حاجة؟ طريقته المختلفة وجموده الشديد أحزنها للغاية، لهذا يجب عليها الاعتذار وتوضيح سبب نفورها وخوفها بالأمس. "ورد: إنت متضايق من حاجة؟ لو عشان... قاطعها يوسف: "يوسف: لأ أبدًا مفيش حاجة. وعشان ترتاحي ومتشغليش بالك، الأوضة كبيرة. حتنامي إنتي هنا على السرير وأنا حنام على الكنبة دي."

بالتأكيد مازال مستاءً مما حدث، هكذا حدثت نفسها بضيق لتبتلع كلماتها وتومئ له بالإيجاب، تفهماً لرغبته، ليته يدرك أنها بالفعل لم تقدر أن تكون مثل أي فتاة بليلة زفافها وأن كل ما حدث كان رغماً عنها. ليته يدرك ذلك. ومع ذلك، رأت "ورد" أن تركه لها بدون ضغط سيشعرها ببعض الراحة وأن مع الوقت سيصبح الأمر أبسط بكثير لقربهم وعشرتهم سوياً. *** بعد بضعة أيام...

ظل الحال بينهما كما هو، وتجنب "يوسف" "ورد" تماماً، فمازال بقايا حديثه مع "حسام" يقبع بنفسه ويقف حائلاً بينه وبينها. تخوفت "ورد" كذلك من التعامل مع أم "يوسف" و"دعاء" بشكل كبير، فهي لم تعتد عليهم بعد وظنت أن وجودها معهم يشعرهم بالضيق بعد مقابلتهم الجافة لها، فكانت تلتزم ببقائها بغرفتها أغلب الوقت أو أن تذهب للمستشفى لزيارة والدها. *** حسام...

بعد زواج "ورد"، شعر "حسام" بالخيبة، فقد ظن أن مخطط والدته سيجعل "يوسف" يثور على "ورد" ولن يقبل إتمام زواجه منها، لكن استمراره بزواجهم أحبطه للغاية ولم يجد ما يستطيع فعله. فلابد أن كل شيء قد كُشف وظهر عجزه وفُضح أمره وأمر كذبه على "يوسف" بعد اكتشاف أنه لم يمس "ورد" بتلك الليلة، فقضى وقته يغيب بعقله باحتسائه للخمر لينسى أمر فضيحته وكشف ستره. *** شركة الأقصى.

ضرب "شريف" مكتب "يوسف" بكفه وقد اتسعت ابتسامته بغبطة هاتفًا بحماس بالغ. "شريف: بارك لي يا يوسف." "يوسف بتجهم: مبروك." عقص "شريف" أنفه باشمئزاز مازحًا من تجهم صديقه بهذا الشكل المبالغ فيه. "شريف: هو إيه اللي مبروك؟ مش تسأل على إيه طيب؟ "يوسف: ما أنا عارف، باين على وشك أهو." "شريف: هو إيه اللي باين على وشي؟ أمال "يوسف" وجهه التعيس لتعلو شفتيه ابتسامة ساخرة مردفاً بذكاء.

"يوسف: السنيوريتا بتاعتك، شكلها وافقت إنها تتجوزك." رفع "شريف" حاجبيه واتسعت عيناه باندهاش لإدراك "يوسف" ذلك بذكائه الفطري. "شريف: يا ابن الإيه؟ عرفت إزاي؟ أنا فعلًا كنت جاي أقولك إني مسافر الأسبوع الجاي عشان أخطبها رسمي." "يوسف: مش بقولك باين على وشك." بحديثه الملتف أردف "شريف" متهكمًا من حال صديقه قائلاً: "شريف: والله كل واحد فينا باين على وشه، مش أنا بس." "يوسف: قصدك إيه؟

"شريف: إنت فاكرني مش واخد بالي. إنت متغير ومهموم طول الوقت من بعد الفرح. وأنا مش راضي أسألك عشان مبقاش بتدخل. بس إنت مش طبيعي خالص. إيه... ندمت؟ أسند "يوسف" جبهته بكفه وهو يضع مرفقه فوق سطح المكتب بتعاسة حقيقية قبل أن يزفر بضيق. "يوسف: فيه حاجات مش قادر أتقبلها خالص ومش هقدر أقولك عليها." "شريف: ولو، أنا فاهم دماغك دي. بس ممكن تفكر من ناحية تانية." رفع "يوسف" وجهه باستفهام. "يوسف: إزاي يعني؟ "شريف: يعني...

إنت شايف ورد عن قرب دلوقتي؟ هل هي فعلًا زي ما أنت بتظن في دماغك ولا لقيت إن الواقع مختلف؟ يفكر لبعض الوقت أردف "يوسف". "يوسف: الصراحة اللي أنا شايفه... إنها إنسانة كويسة ومحترمة ورقيقة وجميلة. بس! "شريف: أيوة... هي بس دي؟ يا أخي إنت إيه دماغك الحجر دي؟ طالما مشفتش منها وحش بتحكم عليها ليه إنها وحشة؟ إنت ليك اللي إنت شايفه بعينيك وحاسه بقلبك. متضيعهاش من إيدك يا يوسف." "يوسف: بحاول والله."

لكن للحظة مضيئة أنارت طريقًا مظلمًا بداخله، ترائى له بحديث "شريف" حين قال (فكر من ناحية تانية) وكأنه أبصر شيئًا لم ينتبه له من قبل. كيف استطاع تصديق طليقها بأنه صادق بحديثه ولا يفترى كذبًا عليها؟ أمن المعقول أن يقول بها كلمة حق بعدما انفصلوا عن بعضهم البعض؟ ألا يمكن أن يكون هو من يفترى عليها وأنها مظلومة بادعائه وطعنها بشرفها وسلوكها؟ أما آن الأوان أن يعرف ما حدث معها وسبب طلاقها حقيقة؟

فهو الآن له الحق في ذلك فقط ليطمئن قلبه. لكن كيف يعرف؟ هل يسأل والدها في ظل حالته الصحية هذه؟ أم يسألها هي عن ذلك؟ ولكن كيف؟ أم يتناسى ذلك ويبدأ معها من جديد ببداية جديدة؟ *** شقة يوسف. وجودها بمفردها أغلب الوقت بغرفتها أشعرها بملل شديد، فقررت الخروج من قوقعتها والانغماس وسط هذه العائلة، فربما تسعد بصحبتهم ويسعدوا بصحبتها. اتجهت نحو المطبخ حين استمعت لصوت أم "يوسف" و"دعاء" بالداخل، لتقف بباب المطبخ قائلة بخجل.

"ورد: ممكن أساعدكم؟ توقعت ترحيبًا طفيفًا أو ربما تجهمًا كما كان بمقابلتها معهم بذلك اليوم، لكنها فوجئت بجذب "دعاء" لها من مرفقها وهي تخلع عنها مريول المطبخ وتلبسها إياه بطريقة مازحة شقية. "دعاء: وهو ده سؤال؟ تعالي يا أختي تعالي. المطبخ كله أهو. ابدعي." ضحكت "ورد" على مفاجأتها برد فعلها الطريف مردفة بمزاح. "ورد: على طول كده! طب امسكي فيا شوية؟ "دعاء: وأحرمك من شرف دخول المطبخ؟ لاااا."

ضحكت "ورد" حقًا من قلبها، فهذه الفتاة ظريفة للغاية. لكن أم "يوسف" نهرت "دعاء" عن ذلك قائلة. "أم يوسف: بس يا دعاء. ورد لسه عروسة." "ورد: لا يا طنط أنا بحب كده أوي. لو مش هضايقكم يعني." "أم يوسف: لا يا بنتي تضايقينا إيه. إحنا بس مش عايزين نتعبك." شعرت "ورد" براحة لعودة أسلوبهم المحبب المرحب بوجودها، لتعالى ضحكتها عندما صاحت "دعاء".

"دعاء: يا ستي سيبيها. وحلوا عني شوية بقى. خلوني أعيش طفولتي اللي معشتهاش. أخرج بقى وأتمرجح براحتي." أخرجت "ورد" ضحكتها بصوت عالٍ مسموع لأول مرة، لدرجة هي نفسها تعجبت لها، فهي لم تضحك هكذا منذ زمن طويل. اندهشت "دعاء" من ضحكات "ورد" العالية لتردف بخفة ظل. "دعاء: الله... ده إنتي بتضحكي زينا أهو. أيوة اطلعي بقى من دور الرقة والحركات المايعة دي وطلعي "جعفر" اللي جواكي."

ضحكت "ورد" مرة ثانية بقوة حتى تساقطت الدموع من عينيها من كثرة الضحك. *** يوسف...

تفكيره الشديد وذهنه الشارد جعله منهكًا تمامًا حتى أصبح غير قادر على إكمال عمله اليوم. استأذن للخروج مبكرًا والعودة للمنزل للراحة، فلا داعي لبقائه بالشركة فهو غير منتبه لعمله اليوم مطلقًا. صعد باتجاه شقتهم ليدلف إلى الداخل مغلقًا الباب من خلفه، لكن لم ينتبه لعودته أحد منهم، فقد استمع لصوت ضحكات آتية من المطبخ جعلتهم لا ينتبهون لعودته مبكرًا. اتجه نحوهم فربما تصيبه عدوى الضحك ويسعد معهم لبعض الوقت، فهو بالفعل يحتاج لتلك الضحكة.

*** المطبخ... نظرت "دعاء" بنظرة اشمئزازية مازحة عاقصة أنفها بقوة وهي تتمعن بالطبخ الذي أعدته "ورد" لطعام الغذاء، متعجبة من شكله النهائي فيبدو أن "ورد" لا خبرة لها بصنع الطعام مطلقًا. "دعاء: وأنا اللي قلت أخيرًا هرتاح وجت لنا اللي بتحب قعدة البيت! إيه ده ياما؟ لم تعد "ورد" قادرة على السيطرة على ضحكاتها مع "دعاء" التي لا تكف مطلقًا عن المزاح. نظرت نحو الطعام متعجبة من رد فعل "دعاء" حين وقعت عيناها عليه.

"ورد: ماله بس يا دودو؟ ما هو حلو أهو." "دعاء: استغفر الله العظيم. وأما ييجي الجدع من الشغل نأكله إيه بس؟ تمايلت "ورد" بدلال وهي ترقق صوتها بنعومة لا تحتاجها مطلقًا، فأصبحت شعلة للفتنة تطيح بقلوب من يسمعها تتغنج بهذا الدلال والنعومة. "ورد: مالكيش فيه يوسف حبيبي هياكله كله عشان عملته بإيدي."

كانت "دعاء" تتابع حديثها مع "ورد" وهي ترى "يوسف" يقف من خلفها بباب المطبخ يتابعهم بابتسامة عريضة وعينين عاشقتين لتلك المتدللة. أشارت دعاء بكفها تجاه باب المطبخ وهي تردف: "دعاء: طيب... أدي الجمل وأدي الجمال. اتفضل دوق أنت عمايل إيد مراتك."

بهتت "ورد" لسماعها "دعاء" تحدث "يوسف" الذي يقف خلفها، ليدق قلبها بقوة ضاربة تهدج لها صدرها وهي تشهق بصدمة. استدارت ببطء تدعو بداخلها أن تكون "دعاء" مازالت تمزح معها وأنه لم يستمع إليها تتحدث بتلك الصورة الخليعة المتغنجة للغاية. لكنها وجدته بالفعل يقف أمامها مسلطًا عينيه البراقتان نحوها بقوة، تيبست لها جسدها تمامًا وتوهجت وجنتاها بحمرة قاتمة لخجلها الشديد. تمنت بلحظة أن تنشق الأرض وتبتلعها.

كان "يوسف" يتابع حديثهم المضحك عن الطعام حتى سمع اسمه مقترنًا بكلمة "حبيبي يوسف"، خاصة وهي تتمايل بتلك النعومة والدلال، لتسقط حصونه التي ظن أنها قوية راسخة، لتتلاعب تلك الناعمة بقلبه كعازف سمفونية على أوتار قلبه. قلبه هذا الذي لم يتحمل سيطرته عليه، لينتفض بقوة معلنًا عشقه المتيم بوردته الرقيقة. نظرت "دعاء" نحو "ورد" التي احمر وجهها بقوة لتهتف ساخرة منها. "دعاء: إيه الستات اللي بتتكسف من جوازها دي!

عوض علينا يا رب. أهو جه أهو أكله بقى يا أختي." لكزت "ورد" "دعاء" بمرفقها لتصمت قليلاً، فيكفيها حرجًا ما هي فيه. "ورد: بس يا دعاء." اقترب منهم "يوسف" يطالع "ورد" بنظراته الهائمة قائلاً دون أن يثني عينيه عنها محدثًا "دعاء". "يوسف: طب إيه رأيك حاكله؟ ومن غير ما أدوق عارف إنه حيبقى تحفة." "دعاء: ربنا يهني سعيد بسعيدة. أنا رايحة أشوف ماما."

تركتهم دعاء بمفردهم، لتحاول "ورد" إيجاد مبرر لما تفوهت به منذ قليل وهي تبتلع ريقها بصعوبة واضطراب شديد. "ورد: أصل... ااا... "دعاء يعني... هي اللي بتهزر وكده." دنا منها "يوسف" أكثر حتى تلاشت المسافة الفاصلة بينهما، ومازالت عيناه مسلطتان على زرقاوتيها مستسلمًا لعشقه وقلبه الصارخ بحبها، قائلاً بهمس ذاب له قلبها وكيانها لتشعر بارتجاف جسدها بقوة. "يوسف: ومالك مكسوفة ليه كده؟ إنتي قلتي حاجة غلط؟

تحدثت بصعوبة بالغة فقد تلاشت قواها وعلا صوت ضربات قلبها المسموعة، لتجيبه بصوت هامس متقطع. "ورد: لا... بس... يعني... نظر يوسف مطولاً لعيناها الجميلتان ليحدث نفسه بعد أن انهارت قلاعه التي صنعها بداخله كحاجز بينهما. (بحبك... بجد. مش عارف عملتي فيا إيه. حتى الزعل مش قادر أزعل منك.) لكن ما تفوه به كان شيئًا آخر تمامًا حين أردف.

"يوسف: متفكريش في الكلام قبل ما تقوليه. قولى اللي إنتي عايزاه على طول. ده بيتك ودي حياتك متخليش أي حاجة تضغط عليكي. اطبخي اللي إنتي عايزاه واعملي اللي إنتي عايزاه." "ورد: مش حتضايق؟ "يوسف: لأ طبعًا." تراجعت "ورد" خطوة للخلف تخفي خجلها الشديد من قربه، لتضع بعض الطعام بأحد الأطباق قائلة. "ورد: طب دوق بقى من غير تريقة." لكنهم فجأة سمعوا صوت "دعاء" تنادي مستغيثة بهم. "دعاء: يوسف... ألحق يا يوسف."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...