في المساء... ربما عيبه الوحيد الذي يعترف به حقيقة هو عدم التجاوز. لا يستطيع تجاوز ضيق حل به أو فكرة سيطرت على عقله وتصبح هي شاغله الشاغل طوال الوقت. عاد "يوسف" بعد انتهاء عمله بالشركة إلى بيته، لكن أثر ضيقه الذي حل به ظهيرة اليوم ما زال مؤثراً به. صعد درجات السلم بتجهم تام حين سمع صوت "علا" تهتف باسمه أمام باب شقتها مرة أخرى. إضطر "يوسف" على رسم ابتسامة مجبرة على ثغره لتحيتها. يوسف: السلام عليكم.
علا: أنا حضرت الورق أهو، معلش حتعبك معايا. يوسف: تعبك راحة. تاهت كلماتها برد "يوسف" المجامل، حتى أنها أخذت تبحث عن أي سؤال يخطر ببالها، فقد تناست ما قد حضرت نفسها لقوله تماماً. علا: ااااا... أنا... أنا خريجة تجارة، يعني ممكن يكون فيه وظيفة عندكم صح؟ يوسف: إن شاء الله خير.
إستأذن "يوسف" منها صاعداً نحو شقتهم ليقابل والدته و"دعاء" ويطمئن عليهما. لتقابله "دعاء" بالباب وهي تقف تتوسط خصرها بكفيها وهي تحرك حاجبيها استفزازاً لـ"يوسف" مازحة. دعاء: أيوة يا عم ماشية معاك. شايفاك واقف مع "علا". أنهت عبارتها وهي تغمز بعينها مازحة معه، لكنه لم يتقبل دعابتها ككل مرة وأردف بنبرة مختنقة. يوسف: بقولك إيه يا "دعاء"، أنا مش فاضي لك. دي كانت عايزاني أقدم لها على شغل في الشركة.
رد "يوسف" المقتضب وعدم تحمله لمزاحها الثقيل جعلها تعقب بجدية لشعورها بأن هناك أمر ما يضيق نفسه. دعاء: هو أنا قلت حاجة؟ أنا كنت بهزر معاك، مقصدش أزعلك. أحس "يوسف" أنه زادها بحدته غير المبررة، وأن "دعاء" لا ذنب لها بضيقه الذي لا يستطيع تجاوزها منذ الصباح، ليردف معتذراً. يوسف: معلش يا "دعاء"، كنت مضغوط في الشغل أوي النهارده عشان سفر يوم الخميس.
لم تكن تنتظر منه سوى تلك الكلمات البسيطة لتنفرج شفتيها عن ابتسامة رضا وهي تستطرد. دعاء: معلش، أنا برضه زودتها شوية. بس أصل "علا" حتموت عليك بجد. لم يستسغ مزاح "دعاء" الثقيل بموضوع مثل هذا ليردف بنبرة تساؤل تحمل معنى لا يمكن ذلك. يوسف: إيه الكلام اللي انتي بتقوليه ده؟ لأ طبعاً. دعاء: طب بكرة تشوف، ده باين وباين وباين كمان. يوسف: بطلي هبل وحضريلي الغدا أحسن ما أكلتش حاجة من الصبح. دعاء: ثواني.
تبع "يوسف" أخته نحو الداخل وهو يحدث نفسه باستغراب مما قالته منذ قليل. يوسف: مجنونة دي ولا إيه؟ "علا"... بتحبني أنا؟ بعد تناول طعامه وخلوه بنفسه بغرفته، تناسى تماماً "علا" وما قالته "دعاء" عنها وتذكر شيئاً واحداً فقط. تلك الفاتنة ذات العيون الزرقاء. أخذ يؤنب نفسه على إحساسه اليوم وانتظاره لرؤيتها مرة أخرى. وماذا لو رآها؟ ما الذي سيتغير؟ فما زال عقله يرفض تقبل ما مرت به. لما ذهب من الأساس للبحث عنها؟
وكيف سيطرت على تفكيره على الرغم من رؤيتها لمرة واحدة فقط. لما يريد رؤيتها ثانية إذا كان يرفضها؟ شعر بأنه يسير في متاهة ويجب أن يخرج منها بعقله مثلما اعتاد دائماً، وعليه ألا ينساق وراء طريق لا يرضاه ولا يتقبله. *** أسبوع آخر يمر تلتئم به الجروح ويتناسى به الألم.
إستطاعت "ورد" بتلك الأيام التعود على حركتها بمفردها مستخدمة عكازها تتكئ عليه، لكنها بداخلها تتوق لموعدها بالمستشفى لإزالة تلك الجبيرة المتبقية وتتحرر تماماً من تلك القيود التي سجنت بها لوقت طويل. ولم يكن موعدها فقط هو ما تنتظره، بل اليوم أيضاً ستتقابل مع "سماح" بجلسة جديدة، فما زال بداخلها حديث تود لو أن تخرجه من داخلها وتتحدث به عن أشياء تشعر بها تتمنى لو تشاركها مع أحدهم، ولن تجد أفضل من "سماح" لذلك. ***
عانى "عبد المقصود" من بعض النوبات المؤلمة وما زال يخفي مرضه عن الجميع. فلا يشغل فكره سوى "ورد" وحياتها من بعده، فقد أدرك أن الموت قادم قريباً لا محالة. لم يستطع ذلك إقصاء الصغير "محمد" عن البيت حتى بعد تأكده أنه ليس ولده، فهذا الصغير لا ذنب له. ***
تهربت "ناهد" من بقائها مع "حسام" بمكان واحد، فقامت بإستئجار إحدى الشقق المفروشة بالقرب من سكن "حسام" حتى تستطيع المرور به من وقت لآخر، يخططان ويدبران للتمكن من "ورد"، لكنهم بإنتظار تماثلها للشفاء أولاً لينفذوا مخططهم الشيطاني. قضى "حسام" معظم وقته مغيباً بإدمانه للخمور والمخدرات التي إكتسحت حياته منذ زمن طويل. ***
حاول "يوسف" التركيز بعمله فقط، مقصياً تلك الأفكار التي تعصف به من وقت لآخر بتمنيه للقاء آخر، ثم يعود معنفاً نفسه على ذلك. فعليه تحديد طريقه بعيداً عن تلك الأفكار الغريبة. حاول كذلك مساعدة "علا" بتقديم أوراقها بالشركة، لكن لم تتاح فرصة بعد لها، فجميع الوظائف مشغولة. إستعدا "يوسف" و"شريف" للسفر إلى إيطاليا للانتهاء من مراجعة تلك العقود الخاصة بالشركة بسفرتهم القصيرة. *** شقة يوسف.
وقف "يوسف" بباب الشقة مودعاً والدته وأخته قبل التوجه للمطار صباح اليوم. لم يستطع إيقاف انهمار دموع والدته الحارة وهي تبكي مودعة إياه. أم يوسف: خلي بالك من نفسك يا ابني. يوسف: كفاية بقى يا ماما، دول يا دوب كام يوم. أم يوسف: أصل دي أول مرة تبعد عني كده. رفعت "دعاء" حاجبيها باندهاش من تلك المشاعر الجياشة والتأثر المبالغ فيه من قبل والدتها، فـ"يوسف" لن يغيب أكثر من أسبوع واحد. دعاء: أمال حتعملي إيه لما يتجوز؟
أم يوسف: يتجوز معانا هنا. دي شقتنا كبيرة أوي الحمد لله، دي خمس أوض. دي هي دي اللي طلعنا بيها من الدنيا. دعاء: الشقة هنا قديمة أوي يا ماما، دي بتاعة جدي الله يرحمه. أم يوسف: ولو. وشقة "يوسف" بعد كده، حيتجوز معانا هنا. ضحك "يوسف" على مشادتهما الظريفة وهو يضرب كفيه بعضهما البعض. يوسف: إحنا في إيه ولا في إيه بس! خلينا في السفر. أنا نازل، خدوا بالكم من نفسكم، وأنتي يا "دعاء" خدي بالك من ماما كويس.
دعاء: متخافش يا "يوسف"، خد بالك إنت من نفسك. يوسف: لا إله إلا الله... محمد رسول الله.
تركهم "يوسف" متجهاً نحو المطار لمقابلة "شريف" واستقلال طائرتهم المتجهة اليوم إلى إيطاليا. ورغم حزنه لفراق أهله لأول مرة، إلا أنه سعيد لخوض تجربة السفر، فطالما أراد ذلك، لكن التزامه مع أهله جعله دوماً يتراجع. وربما تكون فرصة جيدة للابتعاد بتفكيره بتلك الحسناء رغماً عنه، تلك الناعمة التي سيطرت عليه منذ لحظة وقوع عينيه عليها. فمنذ ذلك اليوم يبحث عنها دون قصد منه يومياً حين يحين موعد تناول الطعام وذهابهم إلى المطعم. وكلما ذهب يبحث عنها لكنه يشعر بخيبة حين لا يجدها. لكن ما أقلقه حقاً هو غياب والدها كثيراً بصلاة الفجر كما اعتاد، لهذا قرر حين عودته السؤال عنه، فهو لا ينقطع أبداً عن المسجد ولابد أن شيئاً عظيماً سبب ذلك.
قابل "شريف" صديقه "يوسف" مرحباً به. شريف: حبيبي، تعالى تعالى. يوسف: إنت هنا من بدري ولا إيه؟ شريف: لا لسه واصل، يلا بينا. بدأ "يوسف" و"شريف" إجراءات سفرهم استعداداً للإقلاع، مع انبهار يوسف بالطائرة وحجمها عن قرب. جلس إلى شريف مستمتعاً بتلك الأجواء الجديدة عليه. *** بيت عبد المقصود العالي.
بحماس مفرط خرجت "ورد" ترتدي فستان طويل أسود اللون به زهور وردية كبيرة لاقت لها كثيراً. إستندت على عصاها لآخر يوم، فبعد قليل ستتحرر من تلك الجبيرة التي تقيدها، ستعود كما كانت كالعصفورة الطليقة محلقة بخفة. إحساس العافية مبهج للنفس، لا يشعر به سوى العليل، فكم من نعمة نفيض بها لكننا غافلون عنها. أعادت خصلة شعرها الذهبي للخلف وهي تردف بنعومة. ورد: أنا جاهزة يا بابا.
أبو ورد: يلا يا بنتي، نادى السواق الجديد يحضر العربية لأني مش قادر أسوق خالص. قلبت شفتيها استياءً بحالة والدها الذي يرفض أن يخضع لفحص الطبيب لمعرفة مما يعاني. ورد: أنا مش عارفة يا بابا مالك بجد اليومين دول! ما تيجي نكشف طالما حنبقى في المستشفى. أبو ورد: ده حاجة متستاهلش، الضغط عالي بس اليومين دول، متشغليش إنتِ بالك. ورد: طيب يا بابا اللي تشوفه.
إستقلا السيارة متجهين نحو المستشفى برفقة السائق الجديد. دلفت إلى المستشفى للمرور بالطبيب المعالج لها ليزيل تلك الجبيرة أولاً. الطبيب: حمد الله على سلامتك. ورد: أنا مش مصدقة إني حقدر أمشي على رجلي من تاني، الحمد لله. الطبيب: بس يا ريت مترهقيش نفسك. ورد: إن شاء الله. رسم "عبد المقصود" ابتسامة مرهقة للغاية سعيداً بعودة "ورد" لطبيعتها حين أخبرته بحماس طفلة. ورد: شفت يا بابا، الحمد لله.
أبو ورد: الحمد لله يا بنتي. روحي إنتِ معادك مع الدكتورة "سماح" وأنا حستناكي في الاستقبال. ورد: حاضر يا بابا. سارت بخطوات ثقيلة تجاه مكتب "سماح"، فما زالت تشعر ببعض الثقل الخفيف بساقها، لكنها سعيدة للغاية لأنها تخطو خطواتها دون مساعدة. طرقت الباب بخفة لتستمع لصوت "سماح" الشجي من خلف الباب تسمح للطارق بالدخول. سماح: ادخل. طلت "ورد" بوجهها المبتسم وطلتها المريحة للنفس قائلة ببهجة. ورد: أنا جيت. سماح: "ورد"!
إيه ده ما شاء الله، إنتِ فكيتي الجبس أخيراً. ورد: أيوه، الدكتور قالي أني خلاص مش محتاجة الجبس ده، بقى ما أنا بقالي شهر أهو. بملامة خفيفة استطردت "سماح" حديثها وهي تدعو "ورد" للجلوس مشيرة لها بكفها. سماح: وحشتيني على فكرة. إيه مش بتتصلي بيا ليه؟ أجابتها "ورد" ساخرة من نفسها.
ورد: أصل انتي متعرفينيش، أنا مش النوع بتاع الموبايلات ده خالص ودايماً بنساه. عارفة، ده أنا حتى كالعادة افتكرته لما دخلنا المستشفى ونسيته برضو في البيت. سماح: ماشي يا ستي. احكيلي بقى على كل حاجة بالتفصيل. جلست "ورد" جلسة أقرب لجلسات الأصدقاء مع "سماح" لتتحدث معها عن طلاق والدها من "ناهد" الذي لم تعلم سببه حتى الآن، كذلك عن مقابلتها لـ"يوسف" في المطعم هذا اليوم. سماح: إنتِ قلتي لي اسمه إيه؟
ورد: "يوسف". مش عارفة ليه حاسة زي ما أكون عارفاه من زمان. سماح: ما تسمعي عن حاجة اسمها الأرواح بتتلاقى. باندهاش تساءلت "ورد" عن ذلك المصطلح الغريب تستفسر عن مقصدها به. ورد: الأرواح بتتلاقى؟ سماح: أيوه ليه لأ. هي لم تدرِ بعد إن كانت تخطت ما حدث مع "حسام" أم لا، لكنها تدرك تماماً أنها وصمت بلقب لم تختاره (مطلقة) . لتردف بنبرة تعسة للغاية. ورد: متنسيش أني دلوقتي مطلقة. إيه اللي حيخلي واحد زي ده ممكن يفكر في واحد زيي؟
سماح: اسمحي لي يا "ورد"، اللي يفكر بالتفكير ده يبقى راجعي. يعني إيه يحكم على واحدة من مجرد تجربة فاشلة مرت بيها؟ وبعدين إنتي جميلة ومتعلمة ورقيقة أوي. أي حد يتمنى فعلاً إنسانة جميلة زيك. خليكي واثقة من نفسك. ورد: أنا بحاول فعلاً. نظرت "ورد" لساعة يدها قبل أن تعتذر من "سماح" للعودة لوالدها منتظراً بالأسفل. ورد: معلش بقى أستأذن أنا عشان بابا مستنيني تحت. سماح: ماشي، بس ابقي افتكري الموبايل وكلميني.
ورد ضاحكة: حاضر، إن شاء الله. *** إيطاليا. هبطت الطائرة مطار روما الإيطالي وسط إعجاب الرفيقين بتلك المدينة الرائعة، وربما زاد إعجابهم بها أنها سفرتهم الأولى وكل ما بها مبهج للغاية. إستقلا إحدى سيارات الأجرة نحو الفندق الذي تم حجزه لهما ليستريحا قليلاً من السفر قبل بدء عملهم. دارت عينا "شريف" بالغرفة من حوله، ثم جلس بالمقعد الوثير بقرب النافذة وهو يتحدث بإعجاب واضح بتلك البلدة.
شريف: حلوة إيطاليا. نخلص بقى بكرة شغلنا ونلف أنا وإنت نتفرج عليها. قلق "يوسف" من تركه لوالدته المريضة وأخته الصغرى بمفردهما وشعوره بالمسؤولية تجاههم جعله يشعر بأنه لا يجب عليه سوى العمل فقط للعودة بأسرع ما يمكن لهم. يوسف: إنت جاي سياحة؟ خلينا نخلص شغلنا ونرجع. شريف: يا عم إنت متبقاش فقرى بقى. حد يبقى في إيطاليا... وما يتفسحش. يوسف: اصبر بس نخلص العقود بكرة ونشوف. بتلميح غير مفهوم أردف "شريف" غامزاً بعينه تجاه "يوسف".
شريف: ماشي. تاكل معايا ولا حتدور على حد تاني في المطاعم هنا برضه؟ ضيق "يوسف" عيناه بعدم فهم مقصده حقيقة تلك المرة. يوسف: قصدك إيه؟ إستدار "شريف" بكامل جسده لينحني تجاه صديقه وقد دنا منه بصورة كبيرة مسنداً كفيه بذراعي مقعد "يوسف" ليخبره أنه يفهم تماماً ما يعتمل بداخله. شريف: إنت فاكرني إني مش واخد بالي إنك كنت بتدور على القمر كل يوم. يوسف: قمر؟ قمر إيه؟ بابتسامة شقية وغمزة كاشفة لشعور "يوسف" المستتر.
شريف: بنت الحاج أبو "محمد"! ده إنت من ساعة ما شفتها في المطعم وأنت كل يوم بتستنى تيجي تاني مع أبوها. دفع "يوسف" بـ"شريف" مبعداً إياه عنه وهو ينهض من مقعده باضطراب غريب هاتفاً بحدة غير مبررة لهذا الانفعال وكأنما ألصقت به تهمة ما وعليه تبرئة نفسه منها. يوسف: هو إيه الكلام ده! أنت دماغك باظت ولا إيه؟ زم "شريف" شفتيه بابتسامة جانبية وهو يلتف بمقابلة "يوسف" مواجهاً إياه يكشف له عما يواريه من مشاعر إعجاب بتلك الجميلة.
شريف: لا يا سيدي. إنت عجبتك، متنكرش. من أول نظرة زي ما قلت لك. بس دماغك دي هي اللي عاملة فيك كده. لوح "يوسف" بإصبعه محذراً بوجه "شريف" وقد تهدجت أنفاسه المتلاحقة بتوتر. يوسف: "شريف"! احترم نفسك، وأنا لا بفكر فيها ولا حاجة. متخترعش حاجة محصلتش. شريف: حنشوف. يوسف: نقطنا بقى بسكاتك وروح كل في أي حتة. حمل "شريف" جاكيته الملقى فوق ظهر المقعد وهو ينصح رفيقه قبل مغادرة الغرفة.
شريف: فك من الأفكار اللي في دماغك دي، وامشي ورا قلبك حتكسب. سلام. مع نهاية عبارته رفع "شريف" إصبعيه السبابة والوسطى ملقياً التحية تاركاً إياه يسبح في بحور حيرته. فهل فعلاً دق قلبه لها؟ وأعجب بها من أول نظرة كما يقول؟ أم أن العقل ما زال هو المسيطر عليه وعلى اختياراته. *** ورد. بعد خروجها من المستشفى برفقة والدها وقبل أن يستقلا سيارتهما تساءل والدها بحنو. أبو ورد: ها عايزة نروح ولا تحبي حاجة من هنا؟
دق قلبها بقوة لتكتسي وجنتيها بحمرة طبيعية وهي تنكس رأسها خجلاً تحاول طلب ذلك من والدها لتخرج كلماتها على استحياء شديد. ورد: هو يعني لو ممكن، ومش حتعبك. نروح نتغدى في المطعم اللي إنت ودتني فيه المرة اللي فاتت. ربت "عبد المقصود" بخفة على ظهرها وهو يردف بحنو بالغ. أبو ورد: بس كده، يلا بينا. تراقص قلبها فرحاً وقد رسم بخيالها لقاء ثانٍ من نوع آخر. ترى هل يمكن ذلك؟
ولم لا. فهم تقريباً بنفس الموعد الذي رأته به في المرة الأولى. جلسوا بإحدى الطاولات وطلب لهما "عبد المقصود" الطعام وسط تعلق عيناها بمدخل المطعم. مر الوقت ببطء وملل. ولم يظهر هو أو صديقه "شريف". شعرت باختناق بقلبها لتلتزم الصمت طوال فترة تناولهما الطعام. شعرت أنها تحبس دموعها المختنقة بمقلتيها دون أن تعلم سببها، فلقد كانت منذ قليل في منتهى السعادة. ماذا حدث؟ أكل ذلك فقط لأنه لم يأت؟
طلبت "ورد" من والدها المغادرة والعودة لبيتهم ليلبي "عبد المقصود" رغبة ابنته، وكان هو أيضاً بحاجة لتلك الراحة. *** دعاء. إستمرت "دعاء" بالإستمتاع بمكالمات "مرزوق" اليومية في الخفاء. فلقد أحبت بالفعل اهتمامه بها. وبدأت هي أيضاً بالاتصال به والسؤال عنه. لكنها اكتفت بتلك المكالمات ولم يتطرق الأمر لمقابلة مطلقاً كما اتفقا. *** شقة حسام.
بسخط شديد أخذت "ناهد" توبخ "حسام" حتى ينتبه لها، فعينيه زائغتان بقوة إثر تلك المغيبات للعقل التي يتناولها. أم حسام: "حساااااام"! فوق معايا كده. أوووف. حسام: والله فايق. قولي بس عايزاني أعمل إيه وأنا أعمله. زفرت "ناهد" بحنق وهي تردف بخبث شديد. أم حسام: أنا عرفت من "نجاح" إن "ورد" فكت الجبس النهارده. حنستنى كام يوم كده يكون أبوها مش في البيت ونكلمها تيجي هنا. بتملل من تلك الخطط والانتظار أردف "حسام" بلسان ثقيل للغاية.
حسام: طيب ما نكلمها على طول. أم حسام: لأ. لما أتأكد الأول "عبد المقصود" قالها إيه بالظبط. أحسن يكون حكى لها كل حاجة وساعتها حتخاف تيجي. حسام: أه صح. طيب حتعرفي منين؟ بابتسامة تهكمية أردفت "ناهد" بثقة. أم حسام: من "نجاح" طبعاً. ما هي بتقول لي كل أخبارهم أول بأول. حسام: هو لسه مخلي "محمد" هناك بعد اللي عرفه ليه؟ أم حسام: مش بقولك طيب ويتضحك عليه. وبنته زيه بالضبط. تلاقي الواد صعب عليه يرميه في الشارع.
حسام بضحك وهو يتناول زجاجة المسكر مرة أخرى ساخراً من سذاجة هذا الرجل. حسام: لا فيه الخير. أم حسام: "حسام". الشقة بقت زي الزفت، خلى حد ينضفها. أنا مش مستحملة الحاجات اللي مرمية والأزاز دي كلها. صرخ بها "حسام" بعصبية، فـ يكفيها تحكم به وبتصرفاته بهذا الشكل. حسام: الله يا ماما! مش أنتي قاعدة في شقتك! مالكيش دعوة بشقتي بقى، أنا حر عجبتني كده. أم حسام: إنت حر. وتبقى للأحداث بقية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!