الفصل 16 | من 25 فصل

رواية اشواك الورد الفصل السادس عشر 16 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
24
كلمة
3,885
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 64%
حجم الخط: 18

ترجلت "ورد" من السيارة وهي ترفع بصرها للأعلى تنظر تجاه تلك الشقة بانقباض قلبها. شعرت بثقل يجثم فوق صدرها وهي تتقدم بخطوة بطيئة نحو البناية الهادئة للغايه. رغماً عنها تساقطت دموعها الحارة تشتعل فوق وجنتيها الممتلئتين وضاق صدرها حتى أصبحت تتنفس بصعوبة بالغة. وقفت للحظة تحث نفسها على التقدم، فكل ذلك لأجل أخيها الصغير. خطت أولى خطواتها إلى داخل البناية بارتِعاب شديد وكأنها تعيد ذكرياتها المقيته مرة أخرى.

وقبل أن تخطو خطوتها التالية شعرت بقبضة قوية تمسكها من ذراعها أشعرتها بالرعب الشديد. كاد أن يتوقف قلبها معها. استدارت فجأة وقد علت عيناها نظرات مرتعِبة لتتنفس الصعداء برؤية وجهه الطيب المريح للنفس، ثم دفعت بالهواء دفعة واحدة قائلة: ورد: بابا! *** منذ قليل، عاد "عبد المقصود" إلى البيت بعد انتهائه من تسجيل بيع المصنع بالشهر العقاري. باحثاً عن غاليته أولاً فلم يجدها. أسرع منادياً "نجاح" بنبرة قلقة للغاية.

أبو ورد: نجااااح. تقدمت "نجاح" نحوه ملبية نداءه. نجاح: أيوه يا بيه. أبو ورد: فين ورد؟ ادعت "نجاح" عدم معرفتها بالمرة عن مكانها. نجاح: معرفش يا بيه، هي خرجت من شوية ومقالتش رايحة فين. اعتراه قلق شديد، فليس من عادتها الخروج من المنزل دون إخباره بمكانها. توجس قلبه بغيابها المفاجئ، فهو يعلم ما تخطط له هذه الحرباء للإيقاع بابنته في شراكها مع ابنها. تغاضى تماماً عن هذا الألم، فلا شيء يساوي حماية "ورد".

اتجه نحو غرفتها مرة أخرى ليلفت نظره هاتفها الملقى بإهمال فوق الفراش. أمسك به على الفور يقلب بمحتوياته فوجد بسجل المكالمات ما خشي بالفعل، فقد هاتفتها تلك الخبيثة منذ قليل. أسرع نحو الخارج بدون تأخير طالباً من السائق إيصاله لبيت "حسام"، فبالتأكيد هي هناك، فليس لدى "ناهد" مكان آخر تستطيع تنفيذ به مخططاتها الشيطانية.

وبسرعة فائقة استطاع "عبد المقصود" الوصول للحَي الذي يقطن به "حسام" لينتبه لـ "ورد" التي خطت خطواتها المترددة إلى داخل البناية. ترجل من السيارة على الفور ليلحق بها قبل صعودها إليهم ووقوعها بشباكهم. لم تنتبه له "ورد" على الإطلاق، بينما تلاشت أنفاسه المتلاحقة إثر ركضه نحوها فأقبض بكفه بقوة على ذراعها فقد تملكه الخوف من أن تتقدم أكثر من ذلك. تساءلت باستراب شديد لوجود والدها بهذا المكان، فكيف علم أنها هنا.

ورد: أنت إيه اللي جابك هنا يا بابا؟ مال "عبد المقصود" بجذعه للأمام قليلاً محاولاً التنفس بهدوء، فأنفاسه لاهثة للغاية ليردف بإنهاك. أبو ورد: جيت ألحقك، والحمد لله إني لحقتك قبل ما تطلعي. ورد: مين اللي قالك إني جايه هنا يا بابا؟ بنظرات ملامة لوجودها بجحر الثعابين بإرادتها، كيف استطاعت "ناهد" خداع تلك البريئة بمكرها وخبثها لتدفعها بالمجيء إليها. لكن ما يهم الآن أنه لحق بها وعليه تحذيرها من تلك المرأة الخبيثة.

أبو ورد: دي حكاية طويلة، بس اللي عايز أفهمهولك أوعي تصدقي الست دي أو ابنها تاني أبداً. دول كانوا عايزين يوقعوكي ويضحكوا عليكي. بساعدة مخيفة حاولت "ورد" تصحيح ما يعرفه والدها. ورد: دي طنط ناهد لوحدها يا بابا، حسام سافر. أبو ورد: متخوفينيش عليكي أكتر من كده، كفاية طيبتك الزايدة دي! دي ست عقربة كدابة! وابنها معاها فوق، أكيد كانوا مدبرين لك حاجة عشان يوقعوكي فيها وترجعي لـ حسام تاني.

تراجعت "ورد" خطوة للخلف وقد علت عيناها نظرات مذعورة للغاية. ورد بذعر: إيه؟ لأ، لأ، أرجع له تاني لأ. أبو ورد: طيب يلا بينا من المكان ده. ورد: أه، يلا يا بابا، أنا حاسة إني مخنوقة أوي، حاسة إني مش قادرة أتنفس. استقلا السيارة مع السائق الذي توجه بهما عائدًا إلى البيت وسط شعور "عبد المقصود" بالراحة والقلق معاً. فمن جانب ارتاح قلبه للحاق بـ "ورد"، لكنه كان قلقاً متوجساً للغاية من نوايا "ناهد" و"حسام" الغادرة.

نظرت "ورد" من زجاج النافذة بصمت بعدما تخيلت لو لا قدر الله لم يستطع والدها اللحاق بها لكان الزمن أعاد نفسه مرة أخرى ووجدت نفسها مع "حسام" ووقتها لن ينقذها أحدهم من بين يديه هذه المرة. *** اليوم التالي. فتح "عبد المقصود" علبة الأقراص المسكنة ليتناول أحدها، فلن يترك "ورد" بمفردها مهما حدث وعليه الذهاب معها بجلستها اليوم بالمستشفى كما حددت "سماح" لها.

ارتدى ملابسه على عجل لإصطحاب غاليته، فلن يتركها للحظة تستطيع بها "ناهد" التفرد بها. مر بغرفة "ورد" مردفاً بإعياء واضح بنبرة مهتزة حانية للغاية. أبو ورد: صباح الخير يا وردتي. أجابته "ورد" بتجهم واضح على ملامحها التعيسة. ورد: صباح الخير يا بابا. أبو ورد: مالك حبيبتي؟ لم تشأ أن تقلق والدها على حالها، لكنها كانت خائفة مرتعِبة للغاية، تتساءل بينها وبين نفسها لم صدقتها؟ لم هي دوماً ضعيفة بهذا الشكل؟

رسمت ابتسامة كاذبة على ثغرها وهي تردف مطمئنة والدها. ورد: مفيش حاجة يا بابا أنا كويسة، هو بس يمكن من الخضة اللي اتخضيتها امبارح. أبو ورد: أدينا رايحين للدكتورة سماح، هي بتريحك أوي. ورد: أيوه فعلاً، أنا محتاجة أروح لها أوي. *** شركة الأقصى. زفر "يوسف" بقوة متمللاً من هذا الانتظار ليهتف بقله صبر. يوسف: يا أخي سيب الموبايل من إيدك وتعالى خلينا نخلص الشغل ده.

طقطق "شريف" بأصابعه على شاشة الهاتف وقد رُسمت ابتسامة بلهاء على محياه أثناء استكماله محادثته بالهاتف ليجيب "يوسف" دون النظر نحوه منشغلاً للغاية بهاتفه. شريف: ثواني بس، أخلص معاها وأجيلك. يوسف: وهو أنت راضي تخلص؟ من الصبح رغي وفويسات لما صدعتوني. شريف: يا أخي اصبر، يعني لو القمر بتاعك هو اللي بيبعتلك كنت أنا اتكلمت. ضرب "يوسف" المكتب بكفه محاولاً التحلي بالصبر على تصرفات "شريف" وهراءاته معاً. يوسف: اللهم طولك يا روح.

شريف: خلاص أهو، بعتلها إن فيه واحد رخم مصمم نخلص الشغل الأول. بتهكم شديد هتف به "يوسف" بضيق متحلي ببعض المزاح وهو يقلد "شريف" قائلاً. يوسف: لا يا شيخ، قوم يلا، ما أنت يا دوب حتخلص مع السنيوريتا بتاعتك دي وحتروح طالع لي... جعااااان. بذات اللحظة نظر "شريف" نحو ساعته منتبهاً لموعد الغذاء. شريف: أه والله فكرتني يا أخي، باقي قد إيه على البريك؟ وضع "يوسف" كفاه فوق رأسه استسلاماً لأفعال "شريف" الغير محتملة.

يوسف: لالالا، كده كتير عليا أوي. *** المستشفى. نحتاج حقيقة لأن نكون حقيقيين بالفعل نخرج مشاعرنا بأريحية دون تكلف، نتحدث دون تفكير أو قيود لما سوف يحدث، نتحدث دون حساب لغضب أو ضيق أو انفعال. فقط نتحدث بحرية ونطلق عنان مكنونات القلب، نتحرر من الشوك ونحلق بسماء الراحة والسكون. ولم تريد "ورد" غير ذلك لتجد غايتها بطبيبة وصديقة وكاتمة أسرار أرسلها لها الله بوقت تحتاجها به حقاً.

سردت "ورد" كل ما حدث بالأمس لـ "سماح" بكل تفاصيله، وربما استطاعت "سماح" أيضاً إخراج كل ما بداخلها من مشاعر سلبية وخوف أصابها بتلك التجربة القاسية. سماح: وروحتي لحد البيت؟ ورد: أنا لسه حاسة إني تعبانة من امبارح، أنا مش عارفة ليه الناس كده! وليه أنا بصدقهم كده؟ سماح: إنتي طيبة، وربنا بيحبك، مش عيب نكون طيبين، لكن العيب إننا نسمح لحد باستغلالنا بالصورة دي. "ورد"، الناس دي مش سهلة، اسمعي كلام باباكي.

بِتلك المرحلة الواجب على "ورد" أن تنصاع حرفياً لوالدها حتى تطمئن أنها بعيدة عن منال سيئي النفوس، وعليها بعد ذلك الاستقلال بشخصيتها وتحكيم عقلها أكثر من ذلك، فيكفيها اعتماد على والدها فقط، وعليها أن تغير من نفسها ولكن ليس الآن، فهناك من يتربص بها وعليها تجاوز تلك الأزمة أولاً، لهذا كانت نصيحة "سماح" لها أن تنصاع لوالدها فهو أكثر دراية وأكثر حكمة. ورد: أنتي بتقولي فيها، أنا اللي حيقولي عليه حعمله وأنا مغمضة خلاص.

سماح: الحمد لله ربنا ستر. زاغت عينا "ورد" قليلاً ليظهر الارتباك جلياً على ملامحها الناعمة واكتست وجنتيها بحمرة خجل وهي تستطرد بنبرة خفيضة. ورد: فيه حاجة كمان. سماح: إيه هي؟ ورد: "يوسف" اللي كنت حكيت لك عليه. ابتسمت "سماح" لخجلها وهي تسألها برفق محاولة اكتشاف ما بداخل خبايا قلبها. سماح: إيه، اتقابلتم تاني؟

ورد: لأ، أنا لما كنت عندك الأسبوع اللي فات ونزلت من هنا رحت المطعم وقعدت كتير أوي أستناه مع بابا، بس مجاش، حسيت إني مخنوقة وزعلانة أوي مش عارفة ليه. سماح: إنتي بس كان عندك أمل تقابليه تاني، ولما مشوفتيهوش زعلتي. ورد: ممكن. بعد انتهاء الجلسة قررت "سماح" أن "ورد" لا تحتاج إلى جلسات أخرى للإرشاد النفسي إلا إذا أرادت "ورد" ذلك بجلسات إضافية، لكن بالوقت الحالي لم تعد بحاجة لتلك الجلسات العلاجية. ***

كم هو مريح للنفس التخلص من كل تلك المشاعر السلبية وكأنما ولد المرء من جديد. انتظر "عبد المقصود" ابنته أمام مكتب "سماح" مباشرة، فعليه ملازمتها بشدة حتى يستكمل كل ما يفكر به للاطمئنان عليها، فقد ضاق الوقت كثيراً. أبو ورد: كده بقى أقدر أقولك حمد الله على السلامة، خلاص دي آخر جلسة في المستشفى. ورد: الحمد لله يا بابا. سيخرجها من كل تلك الضغوط، سيساعدها على التجاوز، سيغمرها بحنانه الذي ستحرم منه، فلم يبق سوى بعضهم البعض.

أبو ورد: ها، نتغدى زي كل مرة، ولا عايزة تغيري؟ بِتلهف غريب على نفسها هتفت بحماس. ورد: لا لا، زي كل مرة. اصطحبها والدها إلى المطعم بعدما قام السائق بإيصالهم إلى هناك وتركهما ليصف السيارة بعيداً عن المطعم فالزحام كان شديد للغاية. دَلفت "ورد" تتجول بعينيها بأرجاء المطعم أولاً لا إرادياً، فربما تجده اليوم لكنه لم يظهر بعد. اختارت نفس الطاولة ونفس المقعد تريد أن تبقى لها ذكرى ثابتة به كمن يضع ذكريات جديدة جميلة بحياتها.

*** شركة الأقصى. أغلق "شريف" الحاسوب وهو ينظر تجاه "يوسف" قائلاً. شريف: أنا خلصت، يلا نتغدى بقى؟ يوسف: ماشي، تمام، أنا كمان خلصت. انتظر "شريف" أن يحفظ "يوسف" الملف بحاسوبه قبل أن يغلقه ويتوجهان للمطعم لتناول غذائهما. ما أن اقترب "يوسف" من المطعم ورأى خيال "عبد المقصود" جالساً من بعيد شعر بقلبه يخفق بسرعة ونظر بعينيه باحثاً عنها.

سهم برؤيتها وتيبست خطواته وهو يتمعن بتلك الناعمة التي تجلس إلى جوار والدها بسحرها المتألق كأنها قطعة من الياقوت المتوهج. أيقونة للرقة والجمال تسبح في بحور زرقاء كفستانها السماوي الناعم، كشفت ابتسامتها عن جمال من نوع خاص، جمال يخطف القلوب ويسلب العقول كعقله تماماً الذي محى كل منطقيته فور أن وقعت عيناه على ابتسامتها الخجولة التي جعلته لا إرادياً يبتسم هو الآخر دون أن يدرك ذلك.

توقف للحظات بمكانه يتابعها وهي مشغولة تماماً بقراءة تلك القائمة التي تقلبها بين كفيها الصغيرين. رفعت رأسها لتبعد تلك الخصلة الناعمة عن وجهها مع تحرك زرقاويتيها بحركة عفوية حتى توقفت نحوه كأنما كانت تبحث عنه. دق قلبه بعنف حتى كاد يشق صدره من قوته، فها هي تنظر إليه وتشرق ابتسامتها نحوه بخجل. ليقطع تلك اللحظة الحالمة صوت هذا المزعج "شريف". شريف: أخينا! الله يكرمك امشِ بقى أنا جعت.

هيام صديقه وتيبس أطرافه جعله يتابع اتجاه أنظاره ليبتسم ساخراً بنبرة مازحة. شريف: ما قلنا كده، قلنا دوبنا من نظرة العيون الزرقاء دي محدش صدقنا. لكزة "يوسف" بخفة يحثه على الصمت بحديثه الثرثار المزعج. يوسف: بس بقى! ليتحرك "يوسف" صوب "عبد المقصود" وابنته يتبعه "شريف" بصمت وابتسامة شقية. ورد... لم تصدق عيناها، ها هو أتى مرة أخرى، ها هو ينظر إليها نفس النظرة التي أسرتها منذ أول وهلة.

دقات قلبها المتسارعة وبرودة أطرافها جعلتها بحالة فريدة لا تشعر بها إلا في وجوده هو فقط. ماذا يحدث لها برؤيته؟ لم تشعر بالسعادة بحضوره؟ لم يخفق قلبها بتلك القوة والشدة عند رؤيته؟ تقدم "يوسف" صوب "عبد المقصود" متسائلاً بقلق. يوسف: أبو محمد، أخبار حضرتك إيه؟ أبو ورد: يوسف! أهلاً يا ابني اتفضل. تعلقت عيناه بها لوهلة ثم نظر تجاه والدها مستكملاً حديثه وهو يتخذ مقعده بمقابله.

يوسف: أصلي قلقت عليك لما بقيت تغيب عن الصلاة في المسجد. أبو ورد: أصل اليومين دول فيه دوا للضغط، لما بأخده بنام مش بحس بالدنيا وبيفوتني المعاد. يوسف: ربنا يديك الصحة، هو الأسبوع اللي فات بس أنا كنت مسافر وكنت حاجي أزور حضرتك وأطمن عليك. أبو ورد: أنا بخير يا ابني الحمد لله.

اتخذ الحديث مجرى رسمياً للغاية ليفكر "شريف" بحيلة ليبعد "عبد المقصود" قليلاً ليفسح المجال لصديقه مع تلك الجميلة، فربما تتغير أفكاره المتحجرة تجاهها. شريف: أبو محمد أظن العربية بتاعت حضرتك سحبها الونش بره. انتفض "عبد المقصود" من مكانه بقلق قائلاً. أبو ورد: ده أنا قايل لـ مصطفى السواق ميسبش العربية لأن فيه زحمة كتير بره. لا حول ولا قوة إلا بالله. مال شريف على أذن "يوسف" هامساً.

شريف: أي خدمة، اتحلحل بكلمتين بقى قبل ما أبوها ييجي. ثم اعتدل "شريف" غامزاً لصديقه الذي اتسعت عيناه اندهاشاً من تصرفه، هتف "شريف" بـ "عبد المقصود" لاحقاً به ليبحث عن سيارته معه. شريف: أبو محمد أنا جاي معاك، لحظة. لحق "شريف" بـ "عبد المقصود" ليعطي الفرصة لـ "يوسف" و "ورد" بالتعرف إلى بعضهما البعض. *** علا.

كما اتفقت مع صديقتها "لمياء" ذهبت لمقر شركة الأقصى التي يعمل بها "يوسف" للبحث عنه وإيجاد فرصة للتحدث معه، فربما يشعر بعشقها المتيم له. تجولت بتلك الأروقة باحثة عن "يوسف" ليخبرها أحدهم أن هذا وقت الاستراحة وربما تجده بالمطعم المقابل للشركة يتناول طعامه مع صديقه "شريف".

ابتسمت في داخلها، فربما الصدفة تلعب معها لعبة الحظ السعيد، فمقابلتها له بالمطعم ستكون أفضل بكثير عن مقابلتها له بالمكتب وربما تتاح لها الفرصة بالتحدث معه وقضاء بعض الوقت، فهذه فرصة عظيمة عليها اقتناصها. *** المطعم. بعد صمت دام للحظات نكست بها "ورد" عينيها بخجل مصطنعة الانشغال بحقيبتها البيضاء تعبث بها باضطراب. استجمع "يوسف" نفسه ليبدأ بسؤالها. يوسف: أنتي خريجة إيه؟

رفعت عينيها المتوهجتان به ليغرق ببحورهما مشدوهاً وهو يستمع لنبرتها الرقيقة وهي تجيبه خجلاً. ورد: إدارة أعمال. ابتلع ريقه مستكملاً حديثه بقوة يستجمع بها شتات نفسه المبعثرة. يوسف: بجد؟ أنتي مجالك كده قريب من مجالي جداً. ورد: والله! بس أنا مش بشتغل، مش حابة أشتغل. يوسف: ليه؟ أهو تتسلي. تجاوبت معه "ورد" بتلقائيتها وعفويتها المعتادة ليتابع "يوسف" حديثها باستمتاع حقيقي، فهي رقيقة ناعمة للغاية لم يقابل فتاة مثلها من قبل.

ورد: لا أنا مش بيفرق معايا خالص الجو ده، والشغل وتحقيق الذات والكلام ده. أنا بحب البيت وقعدة البيت. يوسف: غريبة، مع إني مشفتش حد بيحب قعدة البيت دي أبداً. تجهمت بخفة وهي تتساءل بفضول. ورد: وده ضايقك؟ يوسف: لا بالعكس، أنا بس مبحبش أقول كده للناس تفتكرني راجعى شوية. اتسعت ابتسامة "ورد" لتتسع ابتسامته أيضاً إثرها، فكم لها من سحر جعلته مشدوهاً بها، انفصل تماماً عن الواقع وكأن العالم قد خلا تماماً من كل ما يحيط بهم.

كانت تتحدث ويجيبها كأن لو كان بحلم غير موجود بالواقع ليهيم بها متسائلاً بداخله. كم هي رقيقة ساحرة مميزة بكل شيء. أفاق فجأة على صوت أنثوي شجي ينادي باسمه ليلتفت نحو مصدره باندهاش. علا: إزيك يا يوسف؟ تعجب لرؤيتها هنا بالمطعم لينهض من جلسته باستراب. يوسف: علا! ا.أأ... أهلاً. نظر نحو "ورد" كما لو يعتذر نيابة عن "علا" لمقاطعة حديثها.

حدقت "علا" "ورد" بنظرات نارية متفحصة قبل أن تنحي عينيها عنها مستكملة وكأنها لا تراها بالمرة. علا: أنا... ااا... كنت معدية من هنا بالصدفة شوفتك، قلت أسلم عليك. بغيظ شديد من مقاطعة "علا" لجلسته مع "ورد" أرسم ابتسامة مختنقة على وجهه ثم أردف مجاملاً. يوسف: أه، أهلاً وسهلاً، اتفضلي. أعادت "علا" نظراتها المغتاظة تجاه "ورد" ثم وجهت حديثها لـ "يوسف" تتغنج بدلال كأن لو أن بينهما رابط ما تكيد به "ورد" التي تتابعهم باهتمام.

علا: لأ معلش بقى مرة تانية، أنا بس كنت عايزة أسألك، أخبار موضوعنا إيه؟ بِاندهاش شديد رفع "يوسف" حاجبيه وقد عقّد وجهه بعدم فهم. يوسف: موضوعنا؟ علا: أه اللي قلت لك عليه. يوسف متذكراً: آآه، والله لسه يا علا، أول ما حد يبلغني حاجة حقولك على طول. علا: مش عارفة أشكرك إزاي يا يوسف بجد. يوسف: لا شكر على واجب، اقعدي بس اشربي حاجة.

استكملت "علا" دلالها الغير مبرر وقد تعالت ضحكتها بصورة مستفزة، فيبدو أن وجود "ورد" أثار غيرتها وحنقها للغاية لتخرج شخصية غريبة حتى على نفسها. علا: يبقى لك عندي كوباية شاي، ومتقلقش، حتاخدها حتاخدها. أجابها "يوسف" بعفوية فهو لا يحبذ الشاي مطلقاً. يوسف: شاي؟ بلاش الشاي. علا: ده مفيش أحلى من الشاي، مسيري حدوقهولك من إيدي وأنت تعرف.

أنهت عبارتها وهي تنظر بتقزز تجاه "ورد" تتعمد إغاظتها، لينهي "يوسف" هذا اللقاء الذي قطع حديثه مع "ورد" غير عابئ بما أصاب "علا" اليوم. يوسف: آه آه، إن شاء الله. علا: سلام. يوسف: مع السلامه. عاد "يوسف" إلى مقعده وهو يبرر من هي تلك التي اقتحمت جلستهم بتلك الصورة دون إدراك لم عليه إيضاح ذلك ليبرر بارتباك. يوسف: دي اااا.... "علا"... جارتنا.

أومأت "ورد" رأسها بخفة لكن ملامحها كانت تحمل ضيق شديد لا تدري لم شعرت به بمجرد رؤية تلك الفتاة تتحدث مع "يوسف" بهذا الدلال وكأن بينهما شيئاً ما يخفيانه سوياً لتردف "ورد" بحنق. ورد: بس شكلها أكتر من مجرد جارة. بِنفي قاطع وإصرار على إظهار ذلك لها. يوسف: لأ، طبعاً، دي جارتنا وبس. كانت عايزاني أتوسط لها في شغل عندنا في الشركة.

دفعت "ورد" بكتفها بلا مبالاة كما لو أصابتها الغيرة من تلك الجارة لتردف بنبرة متهكمة زادتها نعومة ودلال. ورد: عموماً متفوتش كوباية الشاي! أنا مش عارفة اللي بيشربوا الشاي دول بيحبوا فيه إيه، هو فيه زي القهوة وجمالها؟ حتى بتهكمها كانت لطيفة لذيذة للغاية، ابتسم "يوسف" لمحبتها لمعشوقته السمراء ليهتف بابتهاج. يوسف: إنتي بتحبي القهوة؟ أنا مدمن قهوة بصراحة. ورد: أنا كمان مقدرش أتخيل يومي من غيرها. *** عبد المقصود.

بعد بحث كثير عن السيارة برفقة "شريف" فـ "مصطفى" السائق قد اختفى بالفعل مما أثار دهشة "شريف" الذي لم يكن يدرك ذلك وكان الأمر كله حيلة من خياله، وجدا السائق بأحد المقاهي بانتظارهم حتى ينتهوا من تناول طعامهم. عادا مرة أخرى إلى المطعم وقد أُنهك "عبد المقصود" للغاية. وفور أن دنا من الطاولة التي يجلس عليها "ورد" و "يوسف" شعر بألم شديد وانعدام فجائي في الرؤية وسقط مغشياً عليه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...