استشاطت “ناهد” غضباً بعد معرفتها بسفر “ورد” و”عبد المقصود” دون علم أي أحد بمكانهما. والأدهى هو تصرف “عبد المقصود” الغريب بترك سيارته والسائق “مصطفى” الذي ينقل إليها كل تحركاته. أخذت تبحث بكل السبل لمعرفة إلى أين ذهبوا، لكن كل سبلها ضاعت هباء ولم تتوصل لمكانهما بعد. شعرت بقله حيلتها وأن “عبد المقصود” استطاع أن يغلبها، وقد ذهبت خططهم سدى وعادوا إلى نقطة الصفر مرة أخرى. وقفت تعض شفتيها بغيظ وقد احتلت بإنفعال.
“أكيد أكيد فهم إحنا عايزين إيه ومش حيرجعها إلا لما العدة تخلص. صحيح “عبد المقصود” ده مطلعش سهل أبداً.” “والله ما سيبهاله. مش حخليه يتهنى بيها.” أمسكت “ناهد” بذراع “حسام” المنفعل قبل أن يتصرف أياً من تصرفاته الحمقاء وتخسر برعونته كل ما خططت له. “إستنى هنا متتهورش. لازم نفكر كويس حنعمل إيه بالظبط. المهم دلوقتى نحاول نعرف هم راحوا فين.” “أنا مش حصبر ده كله. شوفيلك حل.” “حشوف. لازم ألاقي حل ونعرف هم راحوا فين.” ***
الإسكندرية. تمدد “عبد المقصود” بإنهاك فوق الفراش، بينما ظلت “ورد” تنظر من نافذة الغرفة تجاه أمواج البحر المتلاطمة بمنظر طبيعي أخاذ للعقول. اشتمت هواء البحر المنعش الذي ضربت رياحه شعرها الذهبي وهي تهتف ببهجة. “البحر شكله جميل قوي يا بابا.” أردف والدها بإعياء شديد وقد اهتزت نبرات صوته المتعبة. “انزلي يا بنتي وافرحي.” استدارت “ورد” نحو والدها ترفض ذلك بصورة قاطعة. “لأ طبعاً مش هقدر أسيبك أنت تعبان قوي.”
أصر “عبد المقصود” بشدة أن تخرج “ورد” للحياة وتعيش كزهرة يانعة ببستان الزهور، لن تظل حبيسة الفندق رفيقة لمرضه فقط. “لا متقلقيش عليا. أنا هاخد الدوا اللي كاتبه الدكتور ده. وأنام ولو عزتي حاجة هبقى أتصل عليكي. انتي بس خلي التليفون على طول في إيدك.” ابتسمت “ورد” ساخرة من نفسها، فهي دوماً ما تنسى هذا الهاتف ولا تهتم به على الإطلاق. “طيب. هحاول حاضر.”
اطمأنت على والدها أولاً، ثم خرجت بهدوء شديد لتجلس بهذا المقهى الكبير بأسفل الفندق. نظرت باتجاه البحر تتمتع بنسمة الهواء الصافية بهدوء وراحة. شعرت بالسكينة والانتعاش الذي تبحث عنهما بالفعل، وابتسمت في نفسها، فأخيراً بدأت الدنيا تضحك لها والسعادة بدأت تشرق وتدق بابها. *** بعد عدة أيام. الإسكندرية. مرافقتها لوالدها بتلك الأيام هو ما تود فعله فقط. هي تخشى عليه من مرضه ومعاناته التي أصبحت تتكرر كثيراً.
لكن “عبد المقصود” كان دوماً ما يصر عليها ألا تسجن نفسها معه ويطالبها بالخروج والتنفيس عن نفسها. كانت بالفعل تنصاع له، لكن بعد أن يخلد للنوم بعد تناول علاجه الذي يسبب له الوهن والنعاس أكثر. فتستغل “ورد” تلك الفرصة لقضاء وقتها بالأسفل بالمقهى الكبير تنظر للبحر عشقها المتيم. جلست “ورد” ككل يوم تنظر إلى أمواج البحر المتلاطمة تصفى ذهنها تماماً بهدوء وهي تتابع الأجواء من حولها.
اقتربت منها إحدى السائحات لتتحدث معها وكأنها تسأل عن شئ ما. “صباح الخير. هل يمكنك أن تدليني كيف يمكنني الذهاب إلى قلعة قايتباي.” تحفزت إحدى الفتيات بالطاولة المجاورة بالاستدارة نحوهم وهي تشير بإصبعها تحاول وصف المكان الذي تريد تلك السائحة الذهاب إليه. لكن “ورد” كانت أسرع بالإجابة عن سؤالها لتردف بفرنسية طليقة.
“يجب عليك أن تسيري بمحاذاة الشاطئ إلى أن تصلي إلى هناك، لكنك يجب أن تستقلي إحدى هذه السيارات لأن المسافة بعيدة سيرًا.” سعدت السائحة للغاية، فقد كانت مرشدة لها بدلاً من أن تضل طريقها ببلد غريب عنها. لتشكرها بابتسامة. “شكراً جزيلاً لكِ.” “لا عليكِ.” بإعجاب شديد لما أبدته “ورد” من حديث بلغة فرنسية صحيحة للغاية لم تكن لتتوقعها خارج فرنسا كما اعتادت، خاصة هنا بمصر.
تقدمت نحو “ورد” وقد ارتسمت ابتسامة إعجاب واضحة وهي تلقي تحية الصباح على تلك الفتاة الجميلة. “صباح الخير.” “صباح الخير.” مدت الفتاة بيدها معرفة نفسها أولاً لـ”ورد” قائلة. “أنا لامار. ممكن أقعد معاكي شوية.” وهذا ما يميز تلك الفتاة السمراء ذات الجاذبية والرقي أنها تتمتع بروح اجتماعية مبادرة وجرأة في إنشاء العلاقات بينها وبين الآخرين. اندهشت “ورد” من تقدمها والتعرف عليها دون معرفة مسبقة بينهم.
لكنها تجاوبت معها لما أظهرته من بسمة ودودة طلت بمحياها المريح للنفس. “أنا ورد. اتفضلي اقعدي.” بدأت “لامار” حديثها بما استرعى انتباهها من “ورد” قائلة بتساؤل محبب. “الصراحة مقدرتش أمنع نفسي أني أسألك. انتي إزاي بتتكلمي فرنساوي بالشكل المتقن ده.” “بسيطة. لأن أنا أصلاً تعليمي كله كان في مدارس فرنسوي عشان كده بحب اللغة دي جداً وبتكلمها كويس.”
“ااااه. جميل قوي. أصل أنا عايشة في فرنسا مع بابا وماما. وبشتغل هناك كمان ولفت نظري قوي وانتي بتتكلمي بطلاقة كده.” خيال “ورد” المحدود هيأ إليها أنه مثلها والعديد من الفتيات يبقون هنا ولا يسافرون ويغامرون ببلدان جديدة. بل وينتهي طموحهم بزوج وبيت وأولاد ترعاهم. لكن مقابلتها لفتاة تعيش وتعمل ببلد كفرنسا هو ضرب من الخيال والجنون ربما. لكنها ما كانت دوماً تحلم بزيارة تلك البلد التي قرأت عنها بالعديد من الكتب والمجلات.
لتهتف بإنبهار ظهر جلياً على ملامحها الشفافة التي لا تخبئ ما تشعر به مطلقاً. “بجد عايشة هناك؟!!!!!! كان نفسي أروحها بس مقدرش أسافر لوحدي.” لم تستطع “لامار” تلك الفتاة المنفتحة والتي تعمل وتسافر أكثر مما تجلس بيتها مع أسرتها أن تدرك لم لا تقدر تلك الفتاة أن تسافر بمفردها. لتتساءل بإندهاش وعدم فهم السبب وراء ذلك. “ليه متقدريش تسافري لوحدك. مش فاهمه.” “دايماً بخاف من أي حاجة جديدة.” “انتي دارسة إيه.” “إدارة أعمال.”
عادت “لامار” بجزعها للخلف وقد اتسعت عيناها اندهاشاً مرة أخرى لإهدار تلك الفتاة كل تلك الإمكانيات التي تمتلكها ببقائها هنا. “كمان!!!! لااااا. انتي لازم تسافري معايا بقى. أنا عندي شركة هناك ومحتاجة حد معايا يكون فاهم إدارة أعمال.” ضحكت “ورد” بخفة وهي ترى مجاملة “لامار” اللطيفة لها من زاوية أخرى. فمحادثة “لامار” اللطيفة والمتحمسة معها لم تتكرر بحياتها كثيراً.
فهي دوماً بعيدة منبوذة ممن حولها، لا يتقرب منها أحد أو يبادر بحديث لطيف كهذا معها. “شكراً ليكي على المجاملة دي. بس أنا طبعاً ورايا هنا حاجات كتير قوي أهم من الشغل. أنا مش بحب الشغل قوي.” تهدلت ملامح “لامار” بصدمة من أن فتاة بعمرها والتي يجب أن تتحلى بالحماس للعمل وتحقيق الذات تكون تلك أفكارها ببساطة. “معقول ده.” “أه والله. أمال انتي هنا أجازة بقى ولا إيه.”
“أه. نزلنا كلنا نطمن على جدي وجدتي يعني أسبوعين كده ونسافر تاني.” “إن شاء الله.” طريقة “ورد” الهادئة الغير معتادة بالنسبة لـ”لامار” كذلك تفردها عن فتيات كثير تعاملت معهم جذب انتباهها للغاية لمعرفة شخصية تتمتع بأفكار بسيطة للغاية ومختلفة تماماً عن آرائها. لتستكمل حديثها الشيق معها وتكتشف خبايا تلك الشخصية الناعمة الرقيقة للغاية التي تحملها “ورد”.
وبحكم طبع “لامار” الاجتماعي المميز تعرفت كثيراً إلى “ورد” وكانت جلستهم ودودة بالفعل واتفقتا أن تقضيا معظم الوقت معاً خلال وجودهم بالإسكندرية. فقد جذبت “ورد” بطبعها الرقيق الهادئ إعجاب “لامار” لتطمئن إليها وتقترب منها أكثر وأكثر. بينما أعجبت “ورد” بقوة شخصية “لامار” واستقلالها بذاتها الذي طالما حلمت أن تكون بمثل هذه القوة لكنها لم تستطع. *** مرت الأيام سريعاً.
توطدت علاقة “ورد” و “لامار” بصورة قوية خلال الأسابيع الماضية للقائهم الدائم الذي قرب بينهما بصورة قوية. التمست به كل منهما بالأخرى صديقة وأخت، فالاثنتان وحيدتان ووجدت كل منهما بالأخرى حقيقة محبة غير مزيفة إطلاقاً. تقربت “لامار” بطبعها المقدام بصورة أكبر على “ورد” ووالدها أيضاً بعد إصرارها على زيارته عدة مرات بغرفته للاطمئنان عليه.
كما شعرت “ورد” أخيراً بإحساس مختلف لوجود صديقة من عمرها بحياتها تستطيع تفهمها والحديث معها بأريحية وود. حتى عندما قصت “ورد” لصديقتها “لامار” عما حدث لها وزواجها من “حسام” ومأساتها معه وكذلك إقدامها على زواج آخر بعد أسبوع. كانت تشعر بإحساس مختلف عن حديثها مع “سماح”. فكانت تخرج ما بصدرها لصديقتها بتعبير مختلف، فمهما كانت “سماح” تتعامل معها بجانب مهني إلى حد كبير خشية من أن تؤثر بضغط سلبي عليها.
لكن استماع “لامار” لها كان ودوداً للغاية مريحاً للنفس بدون تكليف. بل كانت تستمتع بتعبيراتها المندهشة والمصدومة والحزينة وأيضاً بلعنها لـ”حسام” وأمه بطريقة ساخرة للغاية. تحضرت “لامار” لسفرها القريب، لكن كان عليها لقاء صديقتها أولاً لقضاء بعض الوقت معها قبل سفرها. حين أردفت “لامار” بحماس مفرط. “أنا كان نفسي قوي قوي أحضر الفرح وأشوفك وانتي مبسوطة بعد كل اللي حكيتيه لي عنه ده.”
“ما انتي مش راضية تطولي أجازتك شوية ومصممة تسافري بكرة.” “ظروف شغل بابا. والشركة بتاعتي مقدرش أغيب أكتر من كده. بس طبعاً هنتواصل مع بعض بالتليفون والنت.” تطلعت بها “ورد” بأعين حزينة، فهي بالفعل ستفتقدها للغاية. “طبعاً يا لامار. أنا بجد مش هقدر أخسر صديقة زيك بعد ما لقيتك. أنا طول عمري لوحدي.” “لأ خلاص انتي دلوقتي مش لوحدك وأنا معاكي في كل حاجة. ولو احتاجتيني في أي وقت حجيلك لحد عندك متقلقيش.” “بجد.”
زمت “لامار” شفاهها معاتبة “ورد” التي مازالت لم تعرفها حق المعرفة لتؤكد عليها ذلك حقاً، فهي تعنيه بكل ما يحمل من معنى. “طبعاً بجد. انتي لسه هتعرفيني كويس وتعرفي إن أنا قد كلمتي.” “أنا واثقة في كده طبعاً.” عقدت “لامار” ذراعيها أمام صدرها وهي تردف بمشاكسة لصديقتها الخجولة بنبرة مرحة ذات مغزى. “وبعدين ده هو باقي أسبوع على فرحك يا جميل وتبقى مش فاضية لحد خااااالص.”
تورّدت وجنتا “ورد” بقوة لشدة خجلها لتردف بتهرب كما لو أنها لم تفهم قصدها الشقي. “ااا. لأ طبعاً. أنا ما صدقت لقيت صديقة تفهمني زيك.” “لولا موضوع جوازك ده مكنتش سبتك أبداً تقعدي هنا وأصرت تيجي ونشتغل سوا.” “قلتلك موضوع الشغل ده مش في بالي خالص. أنا بحب البيت وقعدته.” بإستياء واضح من سلبية وبساطة شخصية “ورد” المستكينة للظروف من حولها أردفت “لامار” بإمتعاض.
“أهو ده اللي مش عاجبني فيكي. استسلامك كده وإنك تعيشي وخلاص. فين انتي وفين ذاتك.” بتبرير شديد لمعتقداتها وأفكارها البسيطة. “مش معنى إني أقعد في البيت يبقى أكنى ماليش ذات ولا تفكير. بس بحب يبقى مجهودي ده للي بحبهم حواليا. وهو ده اللي بحقق فيه ذاتي بجد.” “ربنا يوفقك يا حبيبتي. وبرضه لو حبيتي تشتغلي شركتي موجودة. فكري بس.” “ماشي يا ستي.” *** شركة الأقصى. بلقاءاتهم القليلة لم يكن يظن أنه قد تعلق بها بهذا القدر.
بل ظن أن لطلب والدها عامل كبير بتفكيره به وتجهيزه للزفاف بعد أيام قليلة. لكنه بالفعل اشتاق إليها. تلهف قلبه لرؤيتها وهي تتسلل لداخل أعماقه دون حول منه ولا قوة. ملكته بنعومتها التي سيطرت على قلبه ومشاعره لم يتأكد منها إلا بعد غيابها. تمنى أن تنقضي الأيام سريعاً حتى يجتمعا معاً. لكن مازال بقلبه بعض التخوف الذي جعل ذهنه شارداً طوال الوقت بلا تركيز. اقترب “شريف” من “يوسف” بود شديد يطمئن على تجهيزه لزفافه القريب.
“ها إيه الأخبار جهزت الدنيا.” أجابه “يوسف” بإقتضاب ومازال ذهنه شارداً للغاية. “أه تمام. خلصنا توضيب الأوضة وبكرة هنزل أشتري أوضة نوم جديدة.” بتوجس شديد أردف “شريف” متخوفاً من هذا الاقتضاب الظاهر على محيا “يوسف” ليتساءل بتخوف. “انت ليه مش شايفك فرحان كده.” حمل كبير يجثو على صدره يود بالفعل مشاركته معه. ليردف مخرجاً ما بداخله حقيقة. “حاسس زي ما أكون قلقان.” “انت حاسس إنك اتسرعت.”
قالها “شريف” ظناً منه أنه مازال يفكر بوضع “ورد” مرة أخرى وبدأ يرفض تقبل أنها كانت متزوجة من قبل. حين أجابه “يوسف” برفض تام. “لا بالعكس. أنا بدأت أرتاح للـ فكرة. هي مسألة الجواز جت فجأة صحيح. بس نفسي بدأت تهدأ من ناحيتها. وكمان فكرت في كلامك كويس وإن “ورد” لازم تنسى تجربتها اللي فاتت وأنا كمان. لازم أنسى ده.” “بس مش عارف ليه حاسس إنك مخبي عليا حاجة.” أعاد “يوسف” جزعه للخلف وهو يزفر بقوة يريد الخلاص مما يثقل قلبه.
يريد من يتحدث معه ويخبره ما بداخله. يريد من يرشده للصواب ويريح قلبه. لهذا استرسل “يوسف” بالحديث فربما يشعر بالراحة. “عارف يا شريف أنا مكنتش عايز أتكلم في الموضوع ده. بس أنت زي أخويا بالظبط وبقالنا مع بعض سنين أهو.” شعر “شريف” أن “يوسف” يخفي أمراً بالفعل ليتساءل بإستراب. “إيه المقدمة الطويلة دي. فيه إيه قلقتني.”
“الصراحة. أبو “ورد” لما عرف إنه تعبان وممكن يموت هو اللي طلب مني أتجوز “ورد”. واعتبرها أمانة في رقبتي وأنا طبعاً وافقت. الراجل ده أفضاله عليا كتير وجـميله في رقبتي. مقدرش أرفض له طلب.” وقف “شريف” منتفضاً بحدة ينبه صديقه عما يقدم إليه دون أن يشعر. ليهتف بإنفعال. “طلب؟!!!! ده مش طلب. !!! ده عمر وعشرة وجواز. !!!
“هو لما طلب مني أنا وافقت. بس لما راجعت نفسي ارتحت للـ فكرة. وقلت يمكن أنا عمري ما كنت أفكر بالارتباط بيها لأسباب كتير قوي وقلت لك عليها قبل كده. لكن كده ربنا قربها مني وحطني في سكتها.” تذكر “شريف” حديث “يوسف” بالفرق الاجتماعي الكبير بينهم. فكيف لمن بمستواه التفكير بالزواج بفتاة غنية كـ “ورد”. ليتساءل محاولاً التأكد من فهمه الصحيح. “انت بتتكلم إنها أغنى منك وكده. صح.” “طبعاً. هي فين وأنا فين.”
“أنا الصراحة شايف إن ده مش سبب نهائي كان يمنع ارتباطك بيها.” “على الأقل عمري ما كنت أتجرأ وأطلب ايدها وأكيد وقتها كانوا هيرفضوني. إيه اللي يخلي والدها يرضى بواحد على قده حيسكنها مع أمه وأخته في نفس البيت. وهي كمان. كان إيه اللي هيخليها ترضى بيا. عشان كده بقولك إن اللي حصل ده كله بس. عشان أنا وهي نعرف بعض ونتجوز.” فكر “شريف” لبعض الوقت متيقناً من ذلك، فلكل شيء سبب.
فلولا مرض والدها ما كان ليعرض على “يوسف” الزواج منها وما كان لـ”يوسف” أن يطلبها أيضاً خشية رفضهم له. ليهتف بتصديق لإرادة الله بأمورنا. “تصدق صح!!! طب بيني وبينك بقى. الموضوع ده بقى. وطلب والدها بس هو اللي مخليك تكمل. ولا فيه حاجة تانية.” دقات قلبه كانت تعلنها قبل لسانه ليردف براحة. “الصراحة لأ. أنا ببقى مرتاح قوي وأنا جنبها. بحس إني مبسوط ومش عايز أسيبها.” “يعني حبيتها.” هي تلك الكلمة التي لن يهرب منها.
تلك الكلمة التي أسعدته بإدراكها. إنه يحبها. نعم. يحبها حقاً غير عابئ بطلب والدها أو بظروف مرت بها. لقد امتلكت قلبه وسلبت فؤاده. أجابه “يوسف” صراحة ببهجة محببة. “أه. حبيتها. أنا محستش كده إلا لما سافرت مع والدها. حاسس إني عايز أشوفها وأكون قريب منها. حابب أكون معاها.” “طب وهى.” “مش عارف.” بس ابتسامتها وإحنا مع بعض محسساني إنها هي كمان مبسوطة لوجودي. “وهي عارفه إن والدها طلب منك كده.” “لأ طبعاً.”
قفز “شريف” بإنفعال انتفض له “يوسف” لرد فعله المفاجئ وهو يهتف. “بس يا باشا. باينة أهي. أمال يعني هتكون وافقت عليك ليه.” “تفتكر.” “طبعاً لازم بتحبك. ربنا يتمم لك على خير يا عريس.” اتسعت ابتسامة “يوسف” حين تخيل موافقة “ورد” وهي تشعر مثله بحب يولد بقلبيهما وليس فرضاً عليها. *** يوم الزفاف. بعد أيام طوال يأتي اليوم الموعود بانتظار متلهف وقلوب متنفضة.
تجهز “عبد المقصود” وابنته للسفر اليوم عائدين إلى القاهرة لإتمام زواج “ورد” و”يوسف”. نظر “عبد المقصود” لحقائبهم المغلقة وهو يسأل “ورد” قبل مغادرتهم. “إيه يا ورد جاهزة خلاص.” “أيوة يا بابا. بس اوعدني. من بكرة بقى تروح المستشفى وتبتدي العلاج.” “اطمن عليكي النهاردة ونكتب الكتاب. وبكره إن شاء الله أنا هروح بنفسي للمستشفى لأن أنا فعلاً تعبت.” “ربنا ما يحرمنيش منك أبدا يا بابا.”
بالرغم من إعياءه إلا أنه قد رتب كل شيء على ما يجب. ليخبر “عبد المقصود” ابنته بما سيفعلونه الآن ليوضح لها ذلك. “إحنا هنروح على البيت تجهزي من هناك ونروح الفندق تمام.” دق بقلبها توتر خفي ورهبة من تكرار نفس اليوم. يوم الزفاف. شعرت بخوف حاولت ألا تنساق خلفه. لتخفي هواجسها خلف ابتسامة كاذبة وهي تومئ بالإيجاب. “إن شاء الله يا بابا.” استقلا مرة أخرى إحدى سيارة الأجرة ليعودا بها إلى القاهرة استعداداً لحفل الزفاف اليوم. ***
شقة حسام. انتبه “حسام” لتلك المكالمة المنتظرة حين دق هاتف والدته برقم المربية “نجاح” التي تخبر والدته بكل أخبار “عبد المقصود” وابنته. “أيوه يا نجاح إيه الأخبار.” “محمد كويس خالص متقلقيش عليه يا ست أم حسام. والله أنا بحب محمد كأنه ابني اللي مجبتوش وأكتر والله.” زفرت “ناهد” بتملل وهي تنهر “نجاح” عن تلك الوصلة المسترسلة باهتمامها بهذا الطفل. لتزمجر بقوة. “إخلصي يا نجاح. ها. “عبد المقصود” رجع هو و”ورد” ولا لسه.”
“جايين في الطريق عشان فرحها النهارده. هو لسه مبلغنا عشان نجهز البيت.” “ماشي يا نجاح حبقى أكلمك تاني. سلام.” أغلقت الهاتف بغيظ وهي تقضم شفاهها بقوة. “ده مستناش يوم واحد. دي العدة لسه خالصة إمبارح. يقوم يجوزها النهارده.” “دوخنا وراه ومعرفناش نوصل له. اتفضلي حليهالي دلوقتي هنعمل إيه بقى.” “الجوازة دي لا يمكن تتم. لا يمكن.” “أيوة هنعمل إيه يعني.”
بعد تفكير لمعت في رأسها فكرة جديدة لتخرب هذه الليلة المشؤمة المسماة بليلة الزفاف. لتجيبه بخبث. “أنا هقولك تعمل إيه.”
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!