القت ورد كلماتها عليه كلمة تلو الأخرى لتنغرز بداخله. وقف مذهولاً من تحول تلك الجميلة، كانت فرسة جامحة لتعود لتصبح وردة رقيقة ذابلة، كان ذلك فوق استيعابه. أين تلك التي كانت تناطحه من تلك المقتولة؟ لهذه الدرجة معذبة؟ أحس بوجع وكلماتها تنغرز بداخله: "شوف حالك واتجوز بت عمك واسعد". والجملة تتكرر في داخله تمزعه. ليحس بالجنون كلما أعاد كلماتها. تطلب منه أن يتزوج ويعتبرها ميتة لا وجود لها.
أحس بالرهبة بداخله من كلامها وقراراتها التي تبعده عنها بشدة وتريده أن يعيش حياته، أو أن رغب يطلقها. كان ذلك فوق احتماله. ليجلس على السرير واضعاً رأسه بين يديه وأحس أنها لم تكن ليلة بل سنين عدت عليه في تلك الحجرة تطحنه. كانت مشاعره تطفح بداخله يتذكرها وهي بين يديه ليشتعل: "إيه اللي حصل بيناتنا ده يا عزيز؟ إيه الولعة اللي شبطت فيك دي؟ وهيا كيف الملاك أكده؟ ويتذكر وقوفها لتبعده لينقهر: "إيه ده؟ ما يعيش تتسمالي ست؟
إزاي كيف أكده؟ ده أنا مش عارف ألم على جثتي. دي عايزاني أتجوز وأسيبها؟ هي اتحولت كيف أكده؟ فين اللي كانت بتنطح فينا؟ كيف بقت رقيقة كيف النسمة؟ هتبعد عنك بعد ما ولعت في جثتك يا عزيز؟ عايزاني أهملها؟ دفنتها ولا أطولهاش؟ عايزاني أعتبرها كرسي ولا كنبة وأنا جثتي الفوران هيخلص عليا؟ إيه ده؟ طب إيه؟ البت جفلت على نفسها وهتنزوي وتبعد عني؟ آه ما خلاص اللي عزته خدته وتروح بقه وأنت تاكل بعضك؟ ما تتسامليش ست؟ كيف يا حزنك يا عزيز؟
البت عيشتك ليلة ما هتنسهاش وأصل وتجولك هملني. أهملها كيف؟ دي تتساب كيف؟ ده أنا جثتي بتحرجني لسه من ساعتها. هيا كيف أكده كلياتها؟ مالهاش وصف. جمر مضوي خلاني مش حاسس بروحي وكت هموت في يدها. أنا عزيز كت هخلص من رعشتي معاها. طب أعمل إيه دلوك؟ هأملها إزاي؟ أنت طور وما سبتش حاجة عفشة إلا وجولتها وهيا كيف الملاك خدت مني العفش كله وانزوت؟ ما تريدش تجرب مني. هتجرب إزاي وأنا كنت كيف الوحش ما رحمتهاش؟
البت خلعت جلبي وشعللت جثتي وراحت." وتذكر وقوفها على الشباك تنتظر روحها لتعود إليها. ليهتف: "إيه ده؟ ماشفتش واصل. كيف عاشت أكده؟ كيف اتظلمت أكده؟ كيف اتحملت؟ والآخر كيف؟ ووقفت وناطحت الكل؟ وكيف رجعت متل الملاك الرقيق؟ إيه ده يا عزيز اللي أنت عيشته ده؟ ولا كانه كابوس دخلت فيه. طب إيه دلوك؟ هعمل إيه؟ وهتخرج من جوا؟ هتعمل إيه؟ أنت ما سبتش حاجة إلا وسبتها بيها واستبحت جسدها يا عزيز؟ إيه الجرف ده؟
جالتلك هتتحاسب على ظنك بيها؟ جالتلك هتقعد تحكم بين الناس؟ كيف يا عزيز وأنت بتشينها من غير دليل؟ أنا ما أعرفش مالي ولا جرالي إيه. لا وبتجلك عملتلها جميلة بعد ده كله؟ عليا ليها جمايل. ده إيه اللي اتحطيت فيه ده؟
محروق أبو الثأر للي عايز ياخدوه. اللي يذل بنته أكده ويمرط نفسها يبقى مالوش عيشة ويا البني آدمين. أنا عارف إن خلاص هيا نهت حياتها من ساعة ما نولت شرفها. كانت عايشة عشان أكده ووقفت تناطحنا عشان كده. اتحولت كيف المهره عشان أكده. وأول ما خدته خلاص سلمت حياتها لدنيا هتعيش فيها لوحدها. كيف الملاك يا ربي." كان يشعر بالوجع عليها لما مرت به من ظلم.
أما هي، فكان حالها حال. لتدخل أخيراً لتطلق لنفسها العنان، فقد انهارت من هول ما مرت به من أول طفحان أمها لحبسها لنعتها بعاهرة لجوازها من ذلك الجاحد ليقهرها ويخرج روحها لبشاعة تلك الليلة وتحملها وعرض نفسها عليه كانثى لياخذ حقه. فذلك مزقها تمزيقاً، فهي كانت لا تقوى أن ترفع عينها في عين رجل من الحياء وهجومه عليها واستباحة جسدها إلى أن أنهى عليها تماماً. وكان كل ذلك في مقابل أن تصل لتلك اللحظة لتصبح ورد أخيراً ورد النجع والنجوع، زوجة عزيز الذي أرجع لها حقها، فتلك هي الخدمة الوحيدة التي صنعها لها في حياتها.
كانت تبكي وتنتحب ولا يتوقف النحيب. "جلبي هيموتني يا رب خدني يا رب ما عدت مستحملة. حد يستحمل كل ده كيف؟ عيبي السنين طالتني والذل والهوان والخدمة وجعتني. وجوازه جهر وحزن وتخليص حق صابتني. وراجل قادر وما سابش حاجة إلا عملها عيب وسب وذل. حد يستحمل أكده؟
أحط معرية حالي ولا أخجل وأجوله خد حقك. أعرض حالي على راجلي أكده. يا مرطت نفسي وذلي اللي شفته. العروسة جوزها يدلعها ويهننها وأنا أعرض حالي على راجل لاه وجرفان كمان مش عايز؟ آه يا قهري وحزني! دي كانت ليلة الدبح والموت. موتوني كلهم منهم لله. عملت إيه يا رب عشان يجرالي أكده؟ عملت إيه عشان أقف لده أتذلله ياخد جثتي؟ جلبي هيوجف من الوجع. ليه يا ترى يا أماي؟ عايشة ومبسوطة؟
ولا كملتي حزن أسود زي بتك ما مكملة. بس يا ورد بس خلاص شرفك رجعلك على الأقل فيه حاجة خيرة حصلت. أنت متي ميتة أساساً. كلي موت من سكات." كانت منهارة من البكاء على أيام بشعة عاشتها وأيام أبشع تنتظرها. لتاخذ حمامها وتلبس بيجامتها وتلم شعرها وتربطه جيداً وتشحذ نفسها وتهتف: "خلاص يا ورد دنيتك خلصت لحد أهني. عيشي وارضي بالمقسوم." خرجت ورد جميلة رقيقة كيف النسمة، لا ترفع بصرها ووجهها أحمر ويبدو عليها آثار البكاء.
وهو واقف بعيداً يتأملها منتظراً ليرى ردة فعلها. ليجدها تتجه إلى الفراش بهدوء وصمت وتنام على الوسادة وتغمض عينها ووجهها يقطر ألماً. ليمُر بعض الوقت وهو لا يحيد بنظره عنها، ليجد ملامحها ترتخي وأحس أنها نامت. ليقترب منها وينظر إليها ويجلس بجوارها من الناحية الأخرى يتأملها ويتأمل جمالها. ولم يعرف ما الذي دفعه ليمد يده ويفك رباط شعرها ويفردها على المخده. ليظل فترة ينظر إليها لا يحيد وجهه عنها، ليهتف: "هو فيه أكده."
كانت بين الحين والآخر تنتفض وهو لا يحيد نظره عنها. كانت نائمة تتوجع. ليتنهد ويمد يده ويأخذها في أحضانه وبدأ يمسد على جسدها بحنان لتهدأ هي لا شعورياً. ليتنهد بغلب: "إنت إيه اللي جالك يا عزيز؟ إيه اللي حط عليك ده؟ كان يحتضنها بشدة يتذكر ما حدث بينهما ولا يخرج من باله. وبين الحين والآخر يحس بانتفاضتها ليتلمسها بحنان. ويهمس: "أهدي خلاص خلصت الليلة وخلصت عليا وعليكي." "هي عملت فيا إيه؟ وراجعة تجول مهتسماش ست؟ كيف أكده؟
ده أنا اتجلبت ولعة ورايد أتجلب ألف مرة وأرجع الليلة دي. عايزة إيه دي دلوك؟ طب أنام كيف بناري دي؟ والله أنت في جهر يا عزيز. بت دخلت عيشتك خلتك جايد نار هتموت وتعاودها وتيجي تجولك هملني كيف الكنبة؟ يا حزنك يا عزيز؟ البت ووقفت جلبك وخرجتك براتها ونامت ولا كأنها عملت حاجة؟ نايمة كيف الملاك وأنا بطحن بعضي وهاكل روحي. نهار أسود. ده أنا عزيز."
ليغمض عينه ليسترجع تلك الليلة الطاحنة ليشدد عليها لا إرادياً ويداه تجول جسدها بحنان. ليتنهد ويطبق عليها أكثر كأنها ستهرب منه. والشريط يعود أمامه لينتفض: "يا مري أنا هعيش أكده؟ ليشدد عليها: "البت في حضني هتخلص عليا وما ريداش. طب أعمل إيه دلوك؟ ولا أروح فين أنام كيف طيب؟ أروح أنجهر في أنهي موطرح وأهملها؟ لاه لاه أتهبب. هتروح فين؟ أهي في حضنك يا حزين." ونظر إليها وبدأ يتلمس وجهها شفتيها لتتململ وتئن ليهمس: "هو فيه أكده؟
ما قادرش أبعد." لينحني ويقبل شفتيها بنعومة ويتلمس خدها ورقبتها لتتململ ويحس أنها ستستفيق. ليبتعد ويغمض عينيه: "أهدي يا عزيز وأتنفس وأتخمد. الله يحرجك أكتر ما أنت محروج." ليمُر بعض الوقت وهو يحتضنها وظل يمسدها بحنان ليهدأ أخيراً وينام من التعب بعد أن مر بيوم طاحن ولا يعلم أيامه القادمة ماذا سيحدث فيها.
كان البيت قد بدأ يستفيق وتضج به الروح. ليجتمع النساء في المطبخ. الحاجة سعيدة وزوجة عاصم وابنتها جميلة ومريم ابنتها الأخرى. لتهتف مريم: "فكانت طيبة ليست كأمها وأختها. شفتي يا مرت عمي ورد طلع لها حق عند البلد كلها؟ أنا ما شفتهاش بس حبيتها. والله الظلم وحش جوي جوي. نفسي أشوفها. إلا يا مرت عمي حلوة وجمر وكيف الجشطة؟ لتخبطها أمها وتقول: "وانت مالك بيها يا بت؟ كنت هتصاحبيها إياك؟
مالكيش صالح بيها. إحنا واخدينها تخليص حق. يبقى تتلمي بلا تشوفيها بلا قلة حيا." لتهتف جميلة: "آخرسي يا بت! أتهبلتي إياك؟ إيه اللي جمر وجشطة دي؟ كيف السحلية حرباية. ما حدش من عند الهلالية يجي زين. اجفلي خاشمك ده وبلاها حديث ماسخ. مالكيش صالح بيها وكيف ما أمي قالت جوازة شؤم وتخليص حق." كانت سعيدة جالسة صامتة بين حالين. سعادتها لأن ابنها تزوج من فتاة أثبتت شرفها كيف الجمر وقوية، وبين كرهها لتلك العائلة بأكملها.
لتهتف: "بطلو حديث فاضي ورط وشوفو شغلكو. حضري الأكل يا فوزية وطلعيه للعرايس." لتنظر مرات عاصم زينات: "ودي هنخدموها كمان إياك؟ ما عادش إلا بت الهلالي اللي نخدمها." عند ورد. استيقظت ورد لتجد نفسها في أحضان عزيز وهو مكلبش فيها. لتتنهد. كانت تنام على صدره العاري وتضع يدها على صدره، فأحست بقشعريرة تجتاحها مما هي فيه.
ورفعت وجهها لتتأمله قليلاً. كان ساكناً هادئاً وسيماً عن حق. كان مسترخياً وملامحه ساكنة ليبدو أكثر نعومة من ذي قبل. كان عزيز وسيماً عن حق وذا طلة تأخذ القلب. لتحاول أن تبعد يده. كان محتضنها بشدة. لتبعد يده بهدوء. ليعاود مرة أخرى احتضانها واعتصارها بين يديه ووضع يده على جسدها ووضع رأسه في عنقها. "يا مري هجوم إزاي أكده؟ هو جافش فيا ليه أكده؟ يا رب إيه ده؟ ما عدت متحملة."
لتتنهد: "أهدي أهدي عشان ما يصحاش. مش ناقصة حرجة أعصاب أنا." لتنتظر قليلاً لتمد يدها وتبعد يده بهدوء. حاولت أن تفك نفسها ولكنه أحس بها. لم يكن نام جيداً. ليشدها مرة أخرى ويهمس: "ما تهملنيش واصل. ما تبعديش ده عن يدي." ويشد جسدها مرة أخرى ويقبل رقبتها ويعتصرها ويأخذها في أحضانه. لترتجف مما فعل. لتحاول أن تهدأ. لتتنهد: "ده غلب إيه ده؟ هو إيه اللي ما أهملنيش واصل؟ ده حزن إيه عالصبح؟ هو مخبول ولا شارب حاجة؟
لتنتظر حتى غاص في النوم. لتنسل بهدوء من بين يديه. لتقوم وتغتسل. لتخرج عباءة بيتية جميلة وتضع وشاحاً جميلاً. كانت رائعة الجمال. لتنظر لزوجها لفترة وتتنهد وتنزل بالأسفل لتبدأ حياتها كفرد يخدم نفسه لا تنتظر من أحد شيئاً. لتدخل وتسَمع كلام زينات. ل تتقدم بهدوء وتقول: "لاه يا مرت عمي أنا هخدم نفسي وأخدم اللي يطلب مني." لتشهق سعيدة وتنظر لتجد زوجة ابنها تقف هادئة وجميلة. ولتقترب منها وتقبل رأسها: "كيفك يا أماي؟
كانت سعيدة تنظر إليها ببلاهة. فهي فتاة مختلفة عن تلك المتوحشة ليلة أمس. كانت رقيقة، صوتها خفيف يشبه الهمسات. أحست بحنية تجاهها ولكنها نفضتها. لتقول بقسوة: "إيه اللي نزلك من مجعدك يا بت الهلالي وسايبة جوزك؟ لتهتف ورد بهدوء: "يا حاجة سعيدة أنت امبارح خابرة زين اللي حصل. وإن زوجي اللي بتجولي عليه أكده لا هو رايد ولا عايز. ليه تجهريه يا أم عزيز؟ استني. مين يا حاجة؟
هو لا رايد استناه ولا طايج أصلاً وجودي هنا. خليني أخدم معكم من سكات وخلي أيامنا تعدي. ما هأذي حد واصل. واللي تأمري بيه يا أماي هنفذه. لحد ما ابنك يا حاجة يتجوز اللي يريده. ما هي دي عنده جوازة الشؤم. الله يخليكي يا حاجة اجفلي على الحديث ده كله. بلا زوجي بلا زوجته. فكري في ابنك يا حاجة وازاي تسعديه. وسيبيني أهو ما هأضايقش حد."
كانت سعيدة تنظر ببلاهة لتلك الطفلة التي تقف أمامها ولا تعلم ما هذا التحول وما هذا التصالح. فهي زوجة منذ الأمس وتنتظر من زوجها أن يتزوج عن طيب خاطر. لتشعر ناحيتها بالشفقة وأنها فتاة جيدة. ولكن طردت تلك المشاعر سريعاً.
لتهتف زينات: "أيوه يا بنت الهلالي عندك حق. والله عزيز مغصوب غصب على الجوازة دي والجهرة في جلبه. والمفروض يتجوز بتي جميلة. يبقى خلاص كيف ما جلتِ تخدمي هنا كيفك كيف الكل وابعدي عن عزيز. إلا الجهرة حسرة يا جلب أمه." لتنظر جميلة إلى ورد بغضب: "أيوه أكده اعرفي حالك كويس واعرفي أن عزيز مجبور عشان الثأر. أوعي تحطي في بالك حاجة أكده ولا أكده. هو ماهيبصش للي زيك." لتحس ورد بالقهر وتتجلد.
لتتحول نظرات ورد لجميلة: "مبروك مقدماً يا جميلة. أنا عارفة زين اللي أنا فيه. ما تقلقيش. ما هتلاجينيش في سكتكم واصل." واستدارت والجميع ينظر إليها ببلاهة من تلك الفتاة. لتنفعل الأم مما تحسه فتقول: "يلا طيب حضري الفطور للعيلة كلها. حطيه على السفرة وبعديها اطلعي صحي زوجك عشان ياكل. يلا انجزي."
لتمتثل ورد بهدوء وتبدأ في تحضير فطور رائع وتزينه وتضع لمساتها. فهي تحب الطبخ وتحضير الطعام. وتضعه على السفرة وأنهت لوازم الغسيل ونظفت المطبخ. وسعيدة لا تحيد نظرها عنها. وحاولت مريم أن تساعدها فوكزتها أمها وأجلستها عنوة. وجميلة تجلس تلعب في تليفونها بغرور وتهمس لأمها ويضحكان. وورد تكتم بداخلها.
وتحس وتهتف لنفسها: "تفرج. إيه زينات وجميلة عن جليلة وبدور. ويفرح إيه عزيز عن صابر. الحمد لله. ما هأقول غير أكده. أنت حنين يا رب." لتدخل الحمام لكي تغتسل وتزيل رائحة الطعام عن يدها ووجهها. كان عزيز قد استيقظ ولم يفق بعد وتنهد. ليلتفت حتى يرى تلك الجميلة التي نام على وجهها. لينتفض فجأة ولم يجدها. ليجد بيجامتها الحريرية موضوعة على الكرسي: "دي راحت فين عالصبح أكده؟
ظل جالساً سارحاً لفترة وليلتها معها لا تخرج من باله ويتذكر تفاصيلها. ليقوم ويتلمس بيجامتها ويضعها على أنفه ويغمض عينه لفترة وقلبه يرجف. لينفض أفكاره ليقوم فوراً ويغتسل ويلبس جلبابه لينزل وعيناه تجوب المكان بحثاً عنها. ولكن تصرفها أغضبه فقرر أن يتجاهلها كما فعلت. ولكنه يحترق ويحرق داخله.
وذهب إلى جده على الفطور ليجد سفرة كبيرة معدة بجميع أنواع الفطور ومزينة. ليستغرب. ليبتسم عابد لأنه علم أنها نزلت إلى المطبخ وينتظر ليرى ماذا سيحدث. فعابد يتمناها زوجة لعزيز وهو موقن أنها هي من تصلح إليه. ولكنه يعرف ولده وكبره. ولكن هيا كيف الفرسة وهو فارس وفارس شديد وهيتلاقوا لا محالة. أما هي، فخرجت من الحمام لتذهب إلى سعيدة وتقول: "تأمريني بحاجة تانية يا حاجة؟
لتهتف سعيدة: "لاه يا بتي خلاص أكده تمام. ابقي ساعة الغدا هنجولك عالأكل وأنت تعمليه. ميفو ميفو." لتبتسم وتقول: "اللي تشوفيه يا حاجة." وتستأذن وتصعد فلم تجد زوجها. فارتاحت أنه نزل. لتجلس على السرير وترخي رأسها لأن أول يوم بدأ بدون مشاكل. كانت متعبة من ليلة أمس وجسدها ما زال يؤلمها. لتركن وتسرح في حالها. هل ستصبح نعمات أخرى؟ كانت تحس بأن هناك ما يخنقها. لتقوم تتوضأ وتصلي وتدعو ربها.
أما في الأسفل، كان عزيز يجلس وتجمع الجميع ولم تأت هي. وصمت عابد ولم يتكلم وانتظر ليرى ماذا سيفعل ولده. ظل الغيظ يأكل عزيز: "هيا فين؟ لا فوق ولا تحت؟ وهسألش عنها أنا واصل. تهملني وتنزل ولا أشوفهاش عالصبح أكده وراحت فين دي؟ أنت بتاكل في نفسك ليه دلوك؟ طب يا بت الهلالي اخبطي راسك في الحيط ما هعبركيش واصل." لتتبرع مريم وتريحه لتقول: "شوفت يا جدي ورد حضرت الفطور كله لحالها. ده جميلة قوي يا جدي كيف النسمة."
لتزغدها أمها وتهتف: "ما تجفلي خاشمك الزفت ده." ليقطب عزيز حاجبيه ويقول: "أمال هيا فين دلوك؟ لتهتف: "طلعت فوق تصحيك بس أنت أهو هنا. ما أعرفش بقه هيا فوق ليه." ليظل صامتاً لفترة ثم يقوم غاضباً ويترك السفرة ويقول: "أنا رايح أشوف أشغالنا يا جدي." وخرج مسرعاً وهو لا يعلم لماذا هو غاضب من عدم رؤيتها. مرت أكثر من ساعة وهيا متراخية على السرير. لتسمع خبط على الباب. لتقوم لتجد فوزية: "ست ورد الست الكبيرة عايزاكي تحت."
لتذهب إليها. لتجدها أخرجت طيور بجميع أشكالها وقالت: "يلا يا بتي عشان تلحقي تخلصي الأكل. فوزية هتساعدك. إحنا بنحب الأكل مستوي ومتحمر والَمحشي طري. جميل فاهمة؟ وإلا مابتتعرفيش يا بت الجبالي؟ لتقول: "لاه بعرف يا حاجة اطمني." لتهتف: "آه. وما تنسيش تاكلي لقمة. ماهنموتكيش. الأكل كتير بنرميه. مش هنغلب في أكلك."
أحست بالوجع ولم ترد وذهبت لتري ماذا تفعل. لتقوم بطبخ ما أمرت به الحاجة سعيدة وتنهي المحشي وتغطيه حتى يكون سخناً وحمرت الطيور وأنهت كل شئ. لتدخل عليها زينات: "إيه خلصتي يا بت الهلالي؟ وإلا هتفضحونا." لتقترب مريم من ورد: "فيه إيه يا أماي؟ عيب أكده. ورد تعبت والأكل شكله يجنن. يبقى مالوش لازمة الحديث ده." لتدخل جميلة وتقول بغرور: "إيه ده؟ هيا ما خلصتش عاد؟ وإلا وهتجرفنا بت الهلالية." لتهتف مريم: "فيه إيه؟
ما تبس بقا. هيا خلصت كل حاجة." لتصرخ جميلة: "ما تخرسي يا بهيمة! أنت إيه ده؟ كانت من بقيت أهلك إياك؟ والله لأقوم أضربك على خاشمك ده عشان تنطقي تاني." لتغضب زينات. لتنظر إلى ورد وتقول: "مبسوطة أكده؟ أهم مسكوا في بعض بسببك يا بت الهلالي. ما جاليناش من وراك إلا الهم. امتى بقى عزيز يتجوز ونرتاح من الجرف ده؟ وأنت يلا خدي أكلك واطلعي مجعدك. مش جلتِ مالكيش صالح بزوجك." لتتنهد ورد وتستدير من سكات.
لتنهرها زينات: "استني هنا بحدتك. إياك تهمليني وتمشي." وذهبت وبحثت في وسط الأطباق عن طبق مهترئ وغرفت به بعض المحشي ووضعت عليه قطعة صغيرة من اللحم وأعطتها لها في يدها. "يلا أهو عشان ما تجوليش إننا ما بناكلكيش. إحنا بنرمي الأكل للكلاب عادي. ماهنبصش لوكلك. يلا يلا وإحنا هنكمل." لتدمع عيناها الجميلتان لتحس بالحزن ومرارة النفس. لتصعد هيا للأعلى وهي متعبه وقلبها يؤلمها. فلماذا تعاملها تلك السيدة هكذا؟
ولكنها هتفت: "أهو أحسن من الضرب يا ورد والحبس." ودخلت وقفتلت على نفسها وجلست ووضعت الطبق وذهبت لتغتسل وتلبس شيئاً نظيفاً. في ذلك الوقت كانت فوزية قد حضرت السفرة ليتجمع الجميع. وللمرة الثانية لا يجدها ليحترق. "هو فيه إيه عاد؟ البت ما أشوفهاش في يومها وإلا إيه؟ طب إيه أعمل إيه دلوك؟ أقوم أشوفها فين؟ وإلا ما عبرهاش برضك؟ ده إيه الحزن ده؟ مش عروسة إياك وأني راجلها والواجب تلزج فيا؟ ده إيه الحزن ده؟ البت دي كيف إكده عاد؟
ما أعرفش أقعد على بعضي. ده مرار أسود." "أكتم يا عزيز ولا تعبرهاش. أما نشوف آخرتها. هتشوفها امتى في يومك الطين." كل ذلك وجده يراقبه. يرى انفعالاته. لتهتف مريم: "دوق بجه وكل مراتك يابن عمي. هيا اللي عاملة الليلة دي كلها." لتزغدها جميلة: "طب والله لهوريك يا هبابة أنت." كان عابد ينظر له بخبث والغضب يرى ما في عينيه ولكنه لا ينطق. فعنفوانه وغروره لا يجعله يسأل عنها.
ليهتف قادر: "والله دي بت مالهاش وصف. دا كانت كيف الوحش. دا غير إنها جمر بيضوي. لاه وطلعت طباخة إيه؟ شفتوا جمال أكده؟ ربنا يرزجنا بحاجة أكده. ولو إن مافيش أكده." ليحس عزيز بالنار تدخل بداخله وكتم أنفاسه حتى لا يقوم ويهرس قادر. فهو مشتعل: "الحلوف ده بيقول إيه؟ هو اتخبل إياك؟ إيه اللي جمر بيضوي؟ ومافيش أكده؟ أنت مالك بيها يا حزين؟
دي مرتي بتاعتي. أقوم أهرسه بيدي. أنا ماشفتهاش عالصبح عاد. ودي بيقول جمر مضوي. جبر يلمك عيل بارد." ليكمل قادر: "حد شاف سفرة أكده ذوق ومتزينة أكده؟ دانتو مش حريم ولا شفتوا حريم واصل. ادي الحريم اللي تشرح." ليهتف عزيز بغضب وهو يغلي: "ما تتسخمط وتسكت عالصبح بلا ما تزينة بلا متهببة." ليهتف قادر: "إيه يا عزيز؟ مراتك فلة صحيح. ما عايزهاش بس الواحد يجول الحق. البت مليحة وما تتعايبش. دا كفاية طلتها اللي تخطف الحلب." لينظر
إليه عزيز بقهر ويصمت: "هيا مين اللي ما عايزهاش يا طور؟ منك لله. أنت صابح تحرجلي دمي يا جحش أنت. الواد ماسابش حاجة إلا وجالها. وأنا ما لمحتش طرفها لسه. هو ماله بيها الحلوف ده؟ وطلتها وزفتتها. الواد بحلق فيها عاد وشبع وجاي يجول أكده. وأنا جاعد آكل حالي. ما لمحتش طرفها. أقوم أخزجله عيني عاد. آه هيا حلوة وجمر وكيف الجشطة. بس إني اللي أبص وأجول الحزين ده يجول ليه؟ يا حش رجبتك. طب يا قادر بكرة أكتمك."
ليهتف أخيراً وقد تحكم في نفسه حتى لا يقلب ما في يده على قادر. ليقول: "طب هيا أكلت حاجة عشان دي روح برضك." لتهتف مريم: "أيوه يا ود عمي. أمي أديتها طبق وهيا طالعة المجعد بتاعها تاكله فوق لحالها." ليحس بالنار تشتعل فيه ويفكر: "طب طبق إيه ده؟ يعني تطبخ ده كله وتاخد طبق كيف الخدم." كان يأكل نفسه. لا ما قادرش أقعد مكتوم أكده. هفطس أكده. ليهب فجأة ليهتف ويقول: "دقيقة وجاي." وصعد يأكل السلالم من غضبه.
كانت في تلك اللحظة تجلس على الكرسي وأمامها الطبق. لم تأكل شيئاً منذ الصباح. لتمد يدها لتسمي الله وتأكل. فهي معتادة على الحبس والأكل بمفردها سنين. لتجد من يقتحم الغرفة بعنف ويرزع الباب. ليتقدم منها وهيا تنظر إليه باستغراب. فكان غاضباً ولم تعرف لماذا هو غاضب. كان كلام قادر أحرقته وهو منذ الصباح مشتعل. أنها قامت وتركته ولم يراها أيضاً منذ الصباح. كل ذلك أحرقته وهو يغلي ولا يعلم لماذا يحدث بداخله ذلك.
وما أن رأى منظر الطبق وحقارته ومنظرها وهي مستكينة تجلس وحيدة شبطت النار في قلبه حتى اهتاج واقترب وأزاحه ليرزعه على الأرض. لتهتف بخوف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!