الفصل 40 | من 42 فصل

رواية اشتد قيد الهوى الفصل الأربعون 40 - بقلم دهب عطية

المشاهدات
17
كلمة
8,631
وقت القراءة
44 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

رواية اشتد قيد الهوي الفصل الاربعون


وقفت نغم أمام باب الشقة متوترة قليلًا وهي تنظر إلى زوجها الذي ضغط على جرس الباب منتظرًا أحدًا من عائلته يفتح لهما....

"تلاقيهم نايمين الساعة سبعة الصبح يا أيوب... في حد يروح عند حد سبعة الصبح؟!"

قالتها نغم عابسة متعجبة من هذا التوقيت الغريب....

فقال أيوب مبتسمًا بحنو...

"عشان نلحق اليوم من أوله... وبعدين أنا صفصف مصحياني من الفجر أصلًا بتأكد

عليا أجي بدري."

ثم رمقها بعتاب طفيف قائلًا....

"وإيه حد دي... دا بيتنا... ودول أهلك زي ما هم أهلي.... "

ثم أحاط كتفها بذراعه مقرِّبًا إياها منه وهو يقول بملاطفة...

"عادي....فُكّي كده ومتبقيش قفشة."

قالت نغم باستياء مع ابتسامة ظريفة...

"أنا مش قافشة... أنا مستغربة توقيت الزيارة... غـريـب... "

رد عليها أيوب بهدوء...

"ما غريب اللي الشيطان... اليوم الحلو واللَّمة الحلوة لازم تاخديها من أولها... "

قالت ساخرة...

"سبعة الصبح؟!"

أومأ برأسه مؤكدًا باستفزاز...

"لو عايزة قبل كده... الزيارة الجاية متعوضة."

تبرمت نغم وهي تدير وجهها إلى الناحية الأخرى ضاحكة بينما قال أيوب بملاحظة..

"بس إيه الحلاوة دي؟!.... انتي حاطة روچ؟"

ردّت بهدوء.... "دا مُلمع بس."

تجهم أيوب وهو يبعد ذراعه عنها قائلًا

بغيرة..

"مُلمّع إيه؟.... الحاجات دي متتحطش برا أوضة النوم.... انتي عايزة صفصف تقول عليا إيه مدبحتش القِطّة؟!"

ظهر الانزعاج والتساؤل على نغم...

"قِطّة إيه؟!.... انت كذا مرة تكرر الكلمة دي ومبقاش فاهمة برضه... "

أخرج أيوب منديلاً من جيبه وهو يديرها إليه حتى تصبح أمامه وقال...

"مش لازم تفهمي...اثبتي خليني أمسحه."

رفضت نغم بدلال...

"أيوب سيبه... مش روچ قولتلك... "

نظر إليها بقوة مصمّمًا...

"اثبتي يا نغم بدل ما أمسحه بالطريقة التانية...."

مالت عليه وهي تقول بصوت مُغرٍ...

"امسحه بالطريقة التانية...أحسن من المنديل...."

جراء ردها لمعت عيناه بالعبث وابتسم بخبث

"طب ما تقولي إنك حطاه عشان كده... "

جذبها بين ذراعيه أكثر فضحكت بخفة وهي تنظر حولها فهما ما زالا أمام باب الشقة....

"هتمسحه بجد؟"

انحنى نحوها أيوب يتتبع بعينيه حركة شفتيها اللامعتين كثمرتين ناضجتين هامسًا بوقاحة مبعثرًا أنفاسه على صفحة وجهها المتوردة...

"الدنيا هادية... وشكلهم نايمين فعلًا. إيه المانع؟"

أغمضت نغم عينيها مبتسمة وهي تستقبل هذا الجنون الصباحي بروح أنثى متلهفة لكل لحظة مميزة مع حبيبها...

"إنـتـو بـتـعـمـلـوا إيــه؟!"

اخترق هذا الصوت المتهكم الهالة الوردية التي دخلا إليها فتبخر كل شيء فجأة وابتعدا عن بعضهما بحرج شديد....

كان هذا صوت صفية والدة أيوب التي فتحت الباب للتو ورأتهما على هذا التقارب الحميمي

نقلت صفية نظراتها الموبخة بينهما فقال أيوب بسرعة بديهة....

"كـنـت بـمـسـح لـهـا الروچ..."

ارتفع حاجباها للأعلى معقبة...

"إيـه؟!"

رفع المنديل أمام عينيها كمن يرفع راية السلام....

"بالمنديل."

ثم أعطى نغم المنديل قائلًا بجدية خشنة..

"خديه وامسحيه بنفسك... وبطلي دلع."

ضحكت نغم بخجل وهي تأخذ المنديل بينما اقترب أيوب من والدته فاتحًا ذراعيه لها قائلًا باشتياق....

"عاملة إيه يا صفصف وحشاني… ساعة عشان تفتحي الباب... "

أجابته صفية وهي تتبادله العناق بحرارة تستنشق رائحته بشوق خالص داعيةً الله

في سرّها ألّا يحرِمها منه أبدًا...

"حمد الله على سلامتك يا حبيبي... انت وحشتني أكتر... معلش كنت بصلي ركعتين قبل الشمس ما تطلع.... اتأخرت كده ليه؟!

أنا مكلماك من الفجر..."

رد عليها أيوب وهو يدعو نغم للدخول ويغلق الباب خلفهما...

"آه... ما على ما نغم صحت من النوم. وبعدين الساعة سبعة الصبح... اليوم لسه في أوله."

مدت نغم يدها لوالدته قائلة بتودد...

"أهلًا يا طنط... اتفضلي دي هدية بسيطة."

ناولتها حقيبة الهدايا في مبادرة لطيفة...

بادلتها صفية الترحيب بتحفظ فما زال في قلبها عتاب وغصة على ما فعلته بابنها سابقًا وعلى ارتباطها السريع برجل آخر....

الأم قد تسامح في حقها إلى ما لا نهاية أما ما يمس أبناءها فلا يُنسى ولا يُتناسَى... فالإساءة إليهم جريمة لا يُغضّ الطرف عنها.

"أهلًا يا حبيبتي... مبروك."

قالت نغم بابتسامة مهزوزة من هذا التحفظ الظاهر...

"الله يبارك فيكي... افتحيها لو تحبي. يا رب تعجبِك.... "

مدت صفية يدها داخل الحقيبة لترى علبة عطر فاخرة فقالت باستنكار واضح...

"إيه ده برفان؟!..... هو أنا محتاجة أتبرفن؟!"

مال أيوب على زوجته قائلًا من بين أسنانه...

"قولتلك جيبالها عباية..."

علت الحيرة ملامح نغم وهي تقول ببراءة...

"بس دي هدية أشيك وأرق..."

تابعت صفية استنكارها بتهكم...

"طب أنا الحاج عبد العظيم كان بيقولي ريحتِك يا صفية مسك... آه والله يقولي مفيش في نضافتك ولا في حلاوتك."

أكد أيوب الحديث بملاطفة وهو يغمز لزوجته

"طبعًا يا صفصف…حد يقدر يقول غير كده؟"

أحمر وجه نغم بالحرج وقالت بنبرة معتذرة..

"أنا مش قصدي حاجة يا طنط... أنا بحب النوع ده أوي.... فقولت أكيد هيعجبك."

رفضت صفية بأسلوب الحما الغليظ...

"لا يا حبيبتي... أنا مليش في الحاجات دي. اتبرفني انتي... "

ثم انتبهت صفية إلى عبوةٍ أخرى جاءت مع العطر كهدية مرافقة....

"هي إيه العلبة دي كمان؟!"

قالت نغم سريعًا بابتسامة بريئة...

"ده كريم تفتيح... بيساعد على النضارة وبيخفي التجاعيد.... "

اتسعت عينا المرأة بصدمة كأنها سمعت كلمة نابية فبرقت نغم مثلها دون أن تفهم ما الذي يجري أما أيوب فمسح على وجهه متوقعًا الأسوأ....

قالت صفية بضيق...

"تِـ... إيه؟!...... تجاعيد؟! أنا عندي تجاعيد يا أيوب؟!....."

وحين رمقت ابنها بحدة بادر هو بالالتفات إلى زوجته متظاهرًا بالصرامة قائلًا بمزاح...

"خسئتي يا نغم... ده أنا أمي صبية في العشرينات..."

قالت نغم بتذمّر...

"إيه خسئتي دي كمان؟!"

حرك أيوب كتفيه ببساطة...

"مش عارف... سمعتها في فيديو امبارح."

ضربته صفية في صدره بتقريع...

"إنتو بتتنقور عليا إنت ومراتك يا أيوب؟!"

اقترب منها أيوب بملاطفة وهو يناولها حقيبة هدايا أخرى كانت بيده منذ دخوله الشقة...

"والله ما نقدر يا صفصف... إحنا بنهزر معاكي. الحاجات دي نغم جايباها للبنات أصلاً الهدايا اتبدلت بس... دي هديتك يا صفصف... عباية إنما إيه أحدث موديل."

أخذت صفية منه الحقيبة وتفحصت العباءة التي نالت إعجابها وظهر ذلك جليًا على ملامحها ثم قالت بعدها بحيرة مشككة...

"طب... البرفان لحد من البنات؟.... وكريم التجاعيد لمين من إخواتك.... "

أخذ أيوب منها الحقيبة قائلًا بصبر....

"ليا أنا يا صفصف متشغليش بالك. هنبقى نرجعه ونجيب مكانه برفان...."

زمت صفية شفتيها وهي تتحرك أمامهما بينما قالت نغم بغيظ خافت...

"شايف مامتك؟!"

تأفف أيوب وهو ينظر إليها بوجوم...

"أمي برضه.... وبالنسبة لكريم التجاعيد في حد يهادي ست كبيرة كريم تجاعيد؟!"

عبست ملامح نغم أكثر وهي ترد عليه...

"ده مستورد يا أيوب... مش هتلاقي زيه هنا."

هتف أيوب بسخرية لاذعة...

"ومين قالك إن أمي بتدور عليه أصلًا... خِليه مكانه."

عقدت نغم ذراعيها أمام صدرها بحزن وقد انطفأ بريق عينيها الرماديتين... فاقترب منها أيوب يحيط كتفيها بذراعه مجددًا قائلًا بصوت أجش عذب....

"متزعليش يا كل الحب.... بكرة تفهمي دماغ صفصف وتحبيها... والله مفيش أطيب من قلبها... وأنا فهمتك ليه واخدة منك موقف... وصرحتِك بكل حاجة... "

زمت نغم شفتيها متذمرة...

"شكلها هتفضل شايلة مني..."

رد عليها أيوب بصوت حانٍ مطمئن...

"هتاخد وقتها... ومع الوقت هتعرف إننا بنحب بعض ومنقدرش نستغنى عن بعض ساعتها هتنسى اللي فات."

رفعت نغم عينيها إليه بشك...

"تفتكر يا أيوب؟!"

أومأ أيوب برأسه مؤكدًا بمداعبة...

"أفتكر أوي... يا روح أيوب متفكريش في حاجة وأنا جنبِك."

ثم استرسل بمناغشة...

"وبالنسبة للهدايا... أهي حاجة تعلمك يعني لو عايزة تهادي صفصف حاجة بعد كده هديها هدية تعيش معاها عباية طرحة طقم سرير... كل ما تفرشه تفتكرك..... حاجات زي كده."

أضاف بعد لحظة تفكير...

"إنتي عارفة... لو دخلتي عليها بكيلو لِفْت

كيلو لِفت تخلله هتشيلك من على الأرض شيل... "

عقدت نغم حاجبيها بتساؤل

"لِفْت؟!....... يعني إيه لفت؟!"

رفع أيوب عينيه للأعلى متنهدًا بتعبٍ حقيقي فالمشوار طويل على ابنة الذوات وتكيفها معه ومع عائلته لن يكون يسيرًا....لكن ما يطمئنه هو حبّها الصادق له وحرصها على من يَعنونه وطيبة قلبها ورحمتها...صفات كفيلة بأن تجعل وصال الود يمتد بين الجميع وكل شيء يأتي مع مرور الوقت !.....

دلف أيوب إلى غرفة التوأم لإيقاظهما بينما دخلت نغم إلى المطبخ لتساعد والدته في محاولة منها للتقرب إليها أكثر وتحسين صورتها ولو قليلًا....

عندما دخلت المطبخ وجدت صفية تقف أمام الموقد أمام المقلاة التي اشتعلت فجأة فور وضعها لأصابع البطاطا....

"حسبي يا طنط..."

قالتها نغم مفزوعة وهي تبعد صفية عن المقلاة... ابتعدت صفية خطوة معها ليس لأجل النار التي هبت فجأة ولكن لظهور نغم أمامها....

وحين عادت النار إلى هدوئها نظرت إليها صفية بطرف عينيها قائلة ببرود...

"خايفة من إيه؟.... دي البطاطس بتتحمّر."

قالت نغم بملامح مشدوهة...

"بتتحمر كده؟..... دا خطر جدًا.. "

تحدثت صفية بأسلوب اللامبالاة...

"متكبّريش الموضوع...المية اللي في البطاطس خلت الزيت يطرطش فالنار ولعت."

زمت نغم شفتيها وهي تنظر إلى المقلاة...

"حضرتِك كده مش بطمنيني... إنتي بتقلقيني أكتر.... "

سألتها صفية بفضول...

"هو إنتي ما بتقليش بطاطس في بيتك...

دا حتى أيوب بيحبها أوي."

أجابتها نغم بصراحة مطلقة....

"هو حقيقي أنا لسه ماقلتش حاجة... بس عندي الأير فراير.... "

تبرمت صفية...

"ويطلع إيه ده كمان؟!"

أجابتها نغم بهدوء....

"دي قلاية برضه يا طنط... بس بالكهربا... بتقلي من غير زيت غزير... وحاجة صحية."

تنهدت صفية بضيق وهي تقول بأسلوب الحماة...

"حاجة صحية....هي البطاطس المحمرة تبقى بطاطس غير وهي غرقانة في الزيت؟!.... ما بلاش أكل العيانين ده..غذي جوزِك دا شقيان وتعبان ليل ونهار.... "

غيّرت نغم مجرى الحديث قائلة...

"اللي تشوفيه يا طنط... تحبي أساعدك في حاجة؟"

رفضت صفية دون النظر إليها...

"بلاش تتعبي نفسك... روحي ارتاحي...

إنتي لسه عروسة."

قالت نغم بأسلوب لبق...

"بس أنا حابة أساعدك... ما ينفعش أقعد وحضرتِك في المطبخ."

رفعت صفية عينيها عليها قليلًا وحين رأتها مُصرّة ومنتظرة قالت على مضض...

"خلاص... قطعي طماطم للجبنة. هتلاقي كل حاجة في التلاجة."

نفذت نغم ما أمرتها به بمنتهى الهدوء والتفاني والدقة.... أخرجت الطماطم وغسلتها جيدًا ثم بدأت بتقطيعها على القطاعة بحرص وهدوء لا يخلو من الأناقة...

أناقة تتحدث عن ابنة الذوات تلك التي نادرًا ما تدلف إلى مطبخ وتُعِدُّ وجبة وإن حدث يصبح حدثًا تاريخيًا لا يتكرر إلا مرة كل

عام.

هزت صفية رأسها مبتسمة بحزن وهي تتأمل وقفة نغم تلك عن قرب فهي كانت تتمنى لابنها امرأةً تشبههم في المستوى والتفكير... لكن النصيب يضع كلمته الأخيرة والقلوب ليس عليها سلطان....

رق قلبها كأم تجاه الفتاة فسألتها عن والدها..

"وأبوكي عامل إيه يا نغم؟..... بخير؟"

أجابتها نغم وعيناها مركزتان على الثمرة والسكين بين يديها....

"الحمد لله... كنت عنده إمبارح وقضيت اليوم معاه لحد ما أيوب رجع من الشغل وخدني."

قالت صفية بشفقة...

"ربنا يشفهولِك يا بنتي... هو اللي عنده ده حادثة؟"

نمت الغصة في حلق نغم وهي تقول بحزن..

"لأ... نفسية بعد موت ماما صحته بدأت تتدهور لحد ما تعب بالشكل ده."

لانت نظرات صفية بالحزن والتأثر...

"ربنا يرحمها... يعني ملكيش إخوات؟"

أجابتها نغم وهي تضع قطع الطماطم في

طبق الجبنة...

"مليش حد غير بابا...حتى قريبنا علاقتنا بيهم سطحية مش بنشوفهم غير في المناسبات."

قالت صفية بعتاب...

"يعني إحنا روحنا فين...ما إحنا برضه زي أهلك... "

ابتسمت نغم وهي تنظر إليها بمحبة...

"مش زي... إنتوا أهلي فعلًا يا طنط أهل

أيوب هم أهلي كمان."

قالت صفية بمناغشة...

"طب ما بلاش طنط دي... ومشيها يا صفصف زي ما عيالي بينادوني."

ضحكت نغم وهي ترفع طبق الجبنة بين يديها فخورة بهذا الإنجاز...

"طب كده تمام يا صفصف..."

قالت صفية بمحبة ترفع من معنوياتها أكثر...

"تسلم إيدِك... يلا اغسلي الخيار كمان وقطعيه لحد ما الهوانم يصحوا."

ردت نغم بانصياع...

"حاضر... من عنياا يا صفصف."

عادت صفية إلى المقلاة لتتابع ما تفعله متنهدة باستسلام في سرها...

(شكلي هحبك يا بنت الأكابر... وشكل ابني كان عنده حق...)

شعرت ندى بالماء البارد ينزل فوق وجهها دون مقدمات فضاقت أنفاسها فجأة وهي تستيقظ صارخة بهلع...

سمعت ضحكاتٍ غليظة مستمتعة فجزّت على أسنانها بغيظ ومسحت على وجهها بيدها مستغفرة وهي تقول بضيق...

"إنت إيه اللي جابك عندنا يا بوب؟..إنت مش بقا ليك بيت وست مسؤول منها... جاي عندنا ليه؟"

تبرم أيوب قائلًا...

"إيه المقبلة اللي زي وشّك دي؟!... وكأنك بتشوفيني كل يوم... "

تململت ندى باستنكار...

"ما لحقتش توحشني بصراحة... أمك مش مقصرة ليل ونهار في سيرتك...وكإنك هجرت مش اتجوزت... "

ألقت ندى جسدها مجددًا على الفراش وسحبت الغطاء فوق وجهها فانتزع أيوب الغطاء عنها وهو يقول بذهول...

"إنتي هتنامي تاني؟!... ده أنا مخلّص عليكي لتر ونص مية..."

قالت ندى بعناد وهي تفتح عينيها نصف فتحة....

"والله لو حطيتني في المحيط هنام يعني هنام... ده يوم إجازتي... "

ضرب أيوب كتفها بغلاظة الأخ...

"قومي يا بت.... عشان تفطريني."

قالت ندى بغيظ...

"ومراتك ما تفطركش ليه قبل ما تيجي؟"

ابتسم أيوب بسماجة...

"لا... ما أنا وهي جايين نفطر هنا.. "

نهضت ندى جالسة على الفراش ثم لوحت بيدها في ضجر...

"هي المشرحة ناقصة قتلى يا عم بدل ما كنا بنفطرك إنت بس... هنفطرك إنت ومراتك..."

رمقها أيوب بقرف...

"وإنتي زعلانة ليه؟.... بناكل من لحمِك؟"

دخلت نهاد إلى الغرفة وهي تجفف وجهها بالمنشفة قائلة من بين أسنانها بتحذير

لأختها...

"وطي صوتك يا بنتي... نغم مع ماما في المطبخ."

سألتها ندى بتعجب معاتبة...

"إنتي صحيتي إمتى يا نهاد وسيباه يحميني بالمية... "

قالت نهاد بتهكم وهي تبدأ في تمشيط شعرها

"استحميت قبلك والله...وكنت في الحمام. يلا قومي ادخلي غيري هدومك...عندنا ضيفة."

عقب أيوب بجدية....

"نغم مش ضيفة... نغم مرات أخوكم وأختكم ولازم تعاملوها على الأساس ده."

قالت ندى بلؤم وهي تُبعد الغطاء عنها

وتنهض....

"مفهوم مفهوم يا بوب... قولي بقى جبتلي إيه معاك من شهر العسل؟"

نظر إليها أيوب بوجوم...

"ندى يا حبيبتي... أنا ما كنتش في المالديف. أنا كنت في فندق *** في إسكندرية برضه.. "

مطّت شفتيها بإحباط...

"يعني ما جبتليش هدية بمناسبة جوازك؟"

هزت نهاد راسها بقنوط....

"مين يجيب لمين هدية يا استغلالية؟!"

قالت ندى بتجهم....

"اسكتي إنتي... ها يا بوب فين هديتي؟"

زفر أيوب بقلة صبر وهو يضع يده في جيبه وأخرج مبلغًا ماليًا ووضعه في يدها...

"خدي دول... وابقَي انزلي اشتري بيهم الهدية اللي تعجبك."

تهللت أسارير ندى وهي تبدأ في عدّ المال بسعادة عارمة...

"حبيبي يا بوب.... من يد ما نعدمها.. "

بينما نظر أيوب نحو نهاد سائلًا بمناغشة...

"مش عايزة هدية إنت كمان يا مارد وشوشني؟"

ضحكت نهاد بخجل وبرقة وقالت...

"مش هتنسى أبدًا... بس أنا مش محتاجة حاجة....كفاية إني شوفتك وطمنت عليك."

لكز أيوب كتف ندى قائلًا بمناكفة....

"شايفة الناس الحسّاسة؟"

لوت ندى شفتيها بسخط...

"بس الإحساس ما بيأكلش عيش اليومين دول..."

قالت نهاد وهي تتأمل أخاها بمحبة...

"عيني عليك باردة يا أيوب... رجّعت الفرحة لعينيك من تاني.... "

أضافت ندى بمشاكسة..

"ووشك نور... كده ما بقاش محتاج مسك القهوة ولا الكركديه... "

قالت نهاد بشقاوة...

"نغم سرها باتع يا ندوش."

أكدت الأخرى بخبث...

"بركاتِك يا بنت الأكابر... "

نقل أيوب عينَيه بينهما بضيق وهو يهمّ بالخروج قائلا بتباهٍ....

"إنتو هتتسلوا عليا ولا إيه يلا بينا نفطر... أنا ميت من الجوع.... أما أشوف مراتي عاملالنا فطار إيه... "

قالت ندى من خلفه بصيحة شقيّة....

"إنت هتحور علينا...فطار إيه اللي هتعمله.. ما إحنا عارفين إن ضُفرها أغلى حاجة عندها...."

عاد أيوب وألقى في وجهها الوسادة ثم غادر فضحكت الفتاتان معًا...

اجتمعت العائلة حول سفرة الإفطار. جلست نغم بجوار زوجها والتوأم والأم في الجهة الأخرى...

قال أيوب وهو ينظر إلى الإفطار بشهية مفتوحة...

"هو ده الفطار مش تقوليلي أكل الفندق التعبان ده..."

ثم نظر إلى أمه وأثنى قائلًا...

"مافيش أحسن من أكل البيت... وأكل صفصف."

ربّتت أمه على كتفه مبتسمة بمحبة...

"بالف هنا يا حبيبي..."

بينما قالت نغم بودٍّ ووئام....

"عندك حق... الفطار معاكم ليه طعم تاني

بجد كفاية لمتكم..."

عقبت نهاد بحفاوة...

"ربنا يديم لمتنا دايمًا... نورتينا بجد يا نغم."

ردت عليها نغم بتودد...

"بنورِك يا دكتورة... لِسه بدري على تخرجك."

ضحكت نهاد قائلة...

"يدينا ويديكي طولة العمر... لسه المشوار طويل أوي."

تدخلت ندى في الحوار بشقاوتها المعهودة..

"أنا بقى فاضلي سنتين... سنتين وأخلص من الجامعة وقرفها...."

اندمجت نغم معها في الحديث قائلة...

"على فكرة... لما تجربي سوق العمل هتعرفي إن الجامعة كانت أرحم."

قالت ندى باستهجان...

"ماعتقدش إن في حاجة أَنيل من شوية الكفار اللي بيدرسولنا..."

همست لها نهاد بتحفظ...

"يا بنتي مش بنقول كده..."

قالت ندى بعدم اكتراث...

"أنا بقول أَنيل من كده في سِري..."

هزت نهاد رأسها بسأم...

"طب خليها في سرك أحسن..."

صمت الجميع لثوانٍ ثم قطع الصمتَ أيوب مستلذًا بطعم الجبن سائلًا بلؤم...

"الطماطم بالجبنة دي حلوة أوي... مين عملها؟"

كان يعلم جيدًا كيف تقطع والدته الطماطم على الجبنة ويعرف أن تلك القطع الصغيرة خرجت من بين يدين صغيرتين حريصتين

في التقطيع...

قالت نغم بخجل...

"أنا يا حبيبي... عجبتك؟"

لمعت عينا أيوب بالحب وهو يتمعن النظر إليها قائلًا على مسمع الجميع...

"عجبتني بس؟!... دي مش جبنة... دي قشطة قشطة بالكرز..."

احمرّت وجنتاها خجلًا وتسارع نبض قلبها بوله ونظرات أيوب تداعبها...

بينما زمت ندى شفتيها وهي تنظر إلى طبق الجبنة بشك قائلة لأختها همسًا...

"فين القشطة دي؟... أنا شايفاها جبنة بطماطم عادي يعني..."

همست لها الأخرى ساخرة...

"الحب بقى وكده..."

قالت نغم ببراءة...

"كمان قطعت الخيار شرايح..."

تنهد أيوب ونظراته تلتهمها وهو يقول

بمداعبة...

"والله مافي حد متقطع شرايح غير قلبي..."

صاحت الفتاتان معًا بملل واضح وقد ارتسم الضجر على ملامحهما...

"سلامة قلبك... ممكن نفطر بقى؟ كفاية تلزيق... "

رمقهما أيوب بغضب متوعدًا ثم قال لزوجته همسًا...

"عدوين الفرح... ريا وسكينة..."

ضحكت نغم بخجل وهي تتابع تناول طعامها فقال أيوب بعد لحظات...

"ومين اللي عامل الفلافل؟"

قالت والدته بحدة...

"أنـا... إيـه مـش عـاجـبـاك؟"

اخذ أيوب قضمة منها قائلًا بارتياع...

"لا يا صفصف... دي بُفتيك تسلم إيدِك..."

ابتسمت والدته وهي تهز رأسها ملتزمة الصمت وأكمل الجميع طعامهم وسط جوٍّ عائلي دافئ يملؤه الحب والترابط الأسري...

..............................................................

دلفت إلى الغرفة فداهم أنفَها عطرُه المميز ورغم عدم مبيته فيها لأكثر من أسبوع إلا أنها ما تزال تحمل رائحته وتدل عليه في كل ركنٍ منها....

غرفةٌ رجوليةٌ بحتة بسيطة مرتبة ونظيفة. لم تكن المرة الأولى التي تراها فيها لكن دخولها الآن بصفتها زوجته كان شعورًا مختلفًا يغمرها بالدفء وبعض الغرور....

ارتجفت تلقائيًا مذعورة وتوقفت الشهقة في حلقها بعد أن وجدته يعتقل خصرها من الخلف بذراعَيه القويتين....

ضحكت نغم بعدها مسترخية بين ذراعيه مسندةً ظهرها إلى صدره مغمضةً عينيها بنعومة واستمتاعٍ أنثوي بهذا القرب العاطفي....

حتى هو ظل على تلك الوضعية لدقيقتين يضُمها إليه من الخلف مستشعرًا دفئها وجسدها الغض بين يديه... هشة كالبسكويت ناعمة كالكريمة ورائحتها شهية كالحلوى...

وعند تلك الخاطرة راودته رغبة لا تُقاوَم فوجد نفسه يدنو منها تلقائيًا حتى التقط من عنقها قَضمةً شغوفة.....

انكمشت نغم على نفسها متأوهة بضيق وهي تدفعه بعيدًا عنها متحسّسةً عنقها ثم رمقته بملامح معاتبة وقالت برقتها المعهودة...

"إنت إيه حكايتك بالظبط يا أيوب.... ليه كده... "

ردّ عليها أيوب وعيناه تلتهمانها...

"مش عارف... كل ما بشوفِك حاجة لا إرادية بتقولي البت دي طَعْمَة أوي....خُد حتة منها.."

ضحكت نغم وهزت رأسها باستياء لذيذ ثم وقفت أمام المرآة لترى العلامة الحمراء التي ظهرت سريعًا على بشرتها البيضاء...

"بجد حرام عليك..... إنت عضاض"

وقف خلفها وصورته تنعكس معها على المرآة وهو يقول بصوت شغوف....

"دي محبة على فكرة... "

زمت شفتيها بدلالٍ متذمرة....

"مـحـبـة؟!..... أشـك... "

قال مازحًا....

"بطلي تحلوي وأنا هبطل أعضك…"

عقبت بزهوٍ أنثوي لائق بها....

"في دي بقى مقدرش أوعدك... "

ضحك أيوب مبتعدًا نحو الفراش الواسع الجديد وجلس عليه ثم سألها بمناكفة....

"آه يا واد يا واثق… انتي إيه اللي دخلك أوضتي صحيح؟"

أجابته نغم بنبرة رقيقة...

"اليوم لسه في أوله.... قولت أدخل أرتاح شوية... وطبعًا أقرب أوضة ليا ولقلبي أوضة مين؟..... جوزي حبيبي.... "

ومض العشق في عينيه وهو يربّت على المكان الفارغ بجواره مناديًا عليها بشوق...

"وجوزِك حبيبِك بيقولك تعالي في حضنه... عشان هو كمان فاصل وعايز يريح ساعتين.."

سألته وهي تقترب منه...

"ومامتك مش هتضايق؟!"

رد بصوتٍ أجش...

"هي اللي قالتلي ادخلوا ارتاحوا شوية... وعلى العصر هتصحينا على الغدا... شوفتي كرم صفصف؟"

حين وصلت إليه تراجعت خطوة للخلف وقالت بتفكير...

"لأ طبعًا مينفعش... لازم أروح أساعدها…"

أمسك أيوب ذراعها قبل أن تبتعد أكثر ثم أجلسها على حافة الفراش بجواره...

"تعالي هنا.... انتي بتعرفي تطبخي أصلًا؟"

أجابته ببديهية...

"عادي هساعدها زي الفطار.... مانا عملت جبنة بالطماطم وعجبتك.... "

قطّب أيوب حاجبيه عابسًا.....

"الجبنة بالطماطم مش مؤهل يخليكي تطبخي بط وفراخ وتحشي ورق عنب…"

اتسعت عيناها قليلًا....

"مامتك هتعمل كل ده على الغدا لوحدها؟!"

أومأ برأسه....

"إن شاء الله البنات معاها…"

وضعت يدها على بطنها المسطحة مصدومة

من تلك الوليمة التي تعد على شرفهما....

"أنا لو كلت الأكل ده يا أيوب... الدايت اللي عاملاه هيبوظ... "

اجتاحها أيوب بنظرةٍ عابثة وهو يدنو منها قائلًا بمغازلة....

"دايت مين صلي على النبي... إحنا عيلة مش بنعتمد الحاجات دي... أنا عايزك بطة...وزة

فاهماني؟"

تورّدت وجنتاها وهي تهرب من نظراته قائلة بدلال...

"طب ابعد شوية.... إنت مقرب كده ليه؟"

مال عليها أكثر مبعثرًا أنفاسه الساخنة على وجهها وهمس بخفوت....

"مفيهاش حاجة لما أقرب.... أنا جوزِك على فكرة... "

رفرفت نغم بأهدابها وهي تنظر اليه

بخجل....

"أيوب.... إنت عايز إيه بالظبط؟"

حاصرها بين ذراعَيه وشفتيه تعرفان طريقهما إلى حلوته المفضلة وهو يقول برغبةٍ جامحة

"موضوع يطول شرحه... وأنا أحسن واحد يشرح.... "

وفجأة سمعا صوت شيءٍ ينكسر أسفلهما كتحطّم الخشب ثم هوى بهما الفراش دفعة واحدة.... اتسعت عينا نغم وهي تتشبث بعنقه صارخةً بفزع...

"أيـوب.... إيه ده؟!"

نظر أيوب الى السرير النائمين عليه وقال

عابسًا....

"السرير الجديد اتكسر…"

قالت نغم مذهولة....

"مامتك هتقول علينا إيه دلوقتي؟!"

وقبل أن يجيب جاءتهم طرقات على الباب وصوت نهاد القلق...

"أيوب إيه اللي هبد عندكوا ده.....إنتوا كويسين؟!"

تبادل مع نغم النظرات للحظة ثم اجاب اخته

بصوت مرتفع قليلا....

"مش عندنا يا دكتورة.... ده فوق عند الجيران... "

لم يسمع ردًّا آخر من نهاد فقد ابتعدت سريعًا عن باب الغرفة بينما هو نظر الى نومتهما فوق الفراش الذي بدا وكأنه انهار من تحتهم فجأة...

ثم انفجر ضاحكًا ما جعل حاجبي نغم يرتفعان

في ضجر منه....

"بتضحك بجد.... عاجبك كده؟! هننام إزاي دلوقتي؟!"

قال وهو يمد ذراعه لها....

"هنام عادي إحنا بيهمنا.. تعالي في حضني... "

سحبها بين ذراعيه غير مبالٍ بالوضعية العجيبة واستراح على الفراش المائل وجعلها تتوسد صدره مستلقية فوق بطنه...

"أيــوب... "

نادته نغم وعلى ثغرها بسمة هيام…

رد بهمهمة هادئة فقالت بتساؤل...

"بتحبني؟"

أجاب بغلاظة....

"مش عارف بصراحة.... "

ضربته في صدره...

"متهزرش... "

ضحك وهو يضمّها أكثر....

"ما انتي عليكي أسئلة غريبة... بعد ده كله بتسألي؟"

قالت بدلال...

"عشان عايزة أسمعها منك على طول... "

قبّل قمة شعرها دافنًا أنفه فيه كأنه أكسير حياة وقال بتوله....

"أنـا بـمـوت فـيـكـي يـا نـغـم انـتـي حـب حـيـاتـي....وكـل حـيـاتـي.... وكـل الَحـب…"

تمرغت على صدره كقطةٍ شقية وهي تهمس بنعومة...

"وانـت قـلـبـي وعـيـونـي…"

شاكسها أيوب قائلًا...

"بمناسبة العيون… دي عينِك بجد ولا عدسات؟"

اتسعت ابتسامتها وهي تتثاءب بنعاس...

"عدسات.... تصبح على خير…"

ضمها إليه أكثر ثم أرخى جفنيه وأنفاسُه تهدأ وتنتظم... فوجودها فوق صدره يكفيه ويغنيه عن العالم أجمع....

...........................................................

استمع أيوب إلى حديث ليان بتركيز وكانت تجلس في الجهة المقابلة من المكتب...

بينما كان هناك سلامة يجلس في آخر الغرفة وبين يديه ورقة وقلم يحسب بهما بعض الأمور المتعلقة بالطلبيات والبضائع....

إن كان سلامة بارع في شيء يخص التعليم

ولا يدرك ذلك فهو الحساب....هو ماهرٌ في الحساب من ضربٍ وقسمة وغيرها وهي مهارة اكتسبها تدريجيًّا من عمله مع أيوب في السوق حتى أتقنها مع السنوات وأصبح بارعًا فيها...

تبقى القراءة معلّقة في ذهنه حتى هذا الوقت فهو يريد أن يتعلم القراءة منذ أن بدأ العمل الجديد مع أيوب.....

يشعر بحاجة شديدة إليها.....إلى أن يتعلم القراءة والكتابة فقط لا لشيء آخر.

ولهذا قرر قبل أيام قليلة أن يلتحق بمركزٍ لمحو الأمّية ليتقن القراءة والكتابة ويملأ هذا النقص الذي طالما أثقل قلبه بغصة مريرة....

فإنّ العمل مع أيوب لا يحتاج فقط إلى التفاني والمهارة في الحساب....بل يحتاج أيضًا للقراءة والكتابة ففي بعض الأحيان يكلفه أيوب بالمسؤولية كاملة

فيضطر للاستعانة بأحد العمال الذي ينقل البضائع الى الشاحنة ليقرأ له ما في الدفتر

كي يسجل عدد الطلبيات وثمنها....

وأكثر من مرة تكرر الموقف وشعر بالغضب والغيظ والعجز من نفسه فالرجل البسيط الذي يعمل حامِلًا يجيد القراءة أكثر منه بينما هو يشغل منصبًا أعلى ويحتاج لمن يقرأ له.....

كانت تلك المواقف رغم مرارتها دافعًا قويًّا

له ليتخذ خطوة حقيقية نحو التعلم ومحو الأمّيّة لتعلم الأساسيات التي لا يستغني عنها الإنسان في حياته....

وربما كان يسخر فيما مضى من الشهادة التي كانت نهاد تدفعه للحصول عليها لكنه اليوم يتوق بشدة إلى أن يتعلم ما يعينه على العيش بكرامة وسط المجتمع فالعمل وحده لا يكفي. فكيف لورقة الراتب التي يتسلمها ولا يعرف ما كُتب فيها من كلمات أن تكون ذات معنى...قد

تكون مصدر للسخرية منه ومن جهلة؟!...

أطلق سلامة تنهيدةً طويلة مُتعبة ووضع يده على رقبته بإرهاق فالحسابات تتداخل بعضها في بعض كلما شرد ولو قليلًا فيضطر إلى البدء من جديد في كل مرة....

أما على المكتب فكان الحوار يطول بين أيوب وليان حول العمل والعلامة التجارية التي سيتم إطلاقها في عالم الموضة خلال الفترة القادمة ليكون ظهورهما بمثابة انطلاقة تُحدث صداها في هذا المجال ويتّسع عملهما ويزدهر أكثر من ذي قبل....

أيوب يسير بخطى ثابتة وينطلق بسرعة

البرق لكنه لا يريد ظهورٍ محليًا فقط بل يريد انتشارًا واسعًا لا يقتصر على بضعة محلات

أو مصانع ومسابقات صغيرة....يريد صعودًا أكبر أن يكشف عن موهبته ويكتشف عنها

أكثر فكلما كبر الحلم اتسعت الموهبة وتعمقت جذورها ممتدةً نحو آفاق أبعد....

"بس دا طالب مبلغ كبير اوي ياليان...."

قالت ليان بصبر موضحة اهمية الأمر....

"انت عارف ان اي موديل دلوقتي عنده صفحة على الانستا ومحقق عدد فولورز

كبير هو مكسب لأي براند يا أيوب لأنه

ا Influencer بيعمل ترويج جامد للتصاميم اللي هيتصور بيها....وليه تأثير على المتابعين

.... "

تململ أيوب بضيق قائلا بتذمر...

"دا طالب بالدولار....انتي عارفه الدولار بكام

وبعدين ليه المبلغ دا كله....إحنا لسه بنقول ياهادي مش مكتسحين يعني...."

قالت ليان بهدوء....

"ما عشان احنا في البداية طلب أقل حاجة.."

تشنج أيوب قائلا بتهكم.....

"كل ده وأقل حاجة انتي معايا ولا معاه...."

تجلى الضيق على وجه ليان وهي تقول

بجدية....

"أيوب احنا لازم نرصا على حد دا عاشر واحد نكلمه ونكنسل معاه....."

رد عليها أيوب بتجهم.....

"عشان طماعين.....دا هما كام صورة بكام طقم وبدله......لزوم الترويج والشغل بتاعنا...."

حكت ليان في راسها بتعب حقيقي وهي

تقول ببعض الصبر.....

"الشغل كله كده يا أيوب لو عايز أقل من اللي سمعناه تبقى بتحلم.....دا على كده الحمدلله اننا رصينا على موديل بنت ورضيت بالمبلغ

اللي طلبته....."

اجابها أيوب باسلوب سلسل.....

"عشان هتصور باغلب التصاميم اللي عملتها ودول اكتر من عشرة.....لكن التصاميم الرجالي

هما أربعة مفيش غيرهم ممكن نصور اتنين ونكتفي بيهم كترويج للبراند لان الاعتماد الاكتر على التصاميم التانية وهي دي اللي هتلاقي صدى عند الستات....."

سألته ليان بقنوط.....

"يعني الموديل دا كمان مرفوض....."

اوما برأسه مؤكدًا دون ادنى شك...

"أكيد مرفوض....انا عايز اكسب مش اخسر..

مش هرمي فلوسي في الأرض....."

سألته ليان بتريث......

"يعني مش هتروج للتصاميم الرجالي..."

نظر اليها ايوب قليلا مفكرًا.....

"هشوف اي حد... اصورهم عليه...."

اغتاظت ليان من هذا الرد فقالت

باحتجاج....

"اي حد مين يا أيوب....انت بتهزر...."

نظر أيوب نحو صديقه مقترحًا بصوت

عال.....

"بتكلم بجد سلامة موجود....وهيعمل أحلى

ترويج....."

رفعت ليان حاجبيها للأعلى بدهشة قائلة

بغضب مكتوم.....

"سلامة معندوش حساب على الانستا...."

رد عليها بتروي...... "نعمله سهله...."

قالت بحدة.....

"وبنسبة للفولورز هتعملهم إزاي....."

رد بهدوء يثير غضبها......

"نشتري شوية وشوية يجيبوا شوية....

والصفحة تكبر....."

نهضت ليان معترضة بشدة.....

"انت بجد كده بتهزر....هو احنا عندنا وقت..وبعدين سلامة مينفعش...."

رسخت الفكرة في عقل أيوب أكثر وهو

يقول بجدية....

"وليه بقا....ناقص إيه هو عن الواد المعضم اللي عايز ***دولار.....دا حتى سلامة عنده

قبول عنه....."

تدخل سلامة ليُنهي ذلك الحوار الشائك بينهما قائلاً بلهجةٍ جادة مؤيد ليان في الرأي....

"ليان عندها حق يابو الصحاب....قدي العيش لخبازة....مش شغلتي دي انت كده هتفشل من قبل ما تبدأ....."

ارتسم الاستهجان على ملامح أيوب ناظرًا

الى هذا الغبي الذي يأبى أن يسلك طريقًا جديدًا في حياته....

الغبي لا يدرك أنه يمتلك مقوّماتٍ مدهشة

تجعل منه عارضَ أزياءٍ لافتًا....حتى هيئته المائلة إلى الاجرام ونظرته الثاقبة تُشبه الى

حد كبير عارضي الأزياء الغربيين....

لا يعلم أن هذا المسار قد يكون غنيمةً عظيمة له....وربما للعلامة التجارية إن أصاب الهدف.

"يعني لما تلبس اي تصميم من اللي عملته وتصور بيهم صورتين ونزلهم على صفحة

البراند كده هنخسر...."

قالت ليان بحنق معترضة.....

"مش بالبساطه دي يا أيوب الواقفة قدام الكاميرا شغل ومش اي حد يعرف يخطف

الكاميرا....سوري ياسلامة... "

حانت منها نظرة إلى سلامة معتذرة فهزّ رأسه مؤيّدًا رأيها.....

"لا أنا رأيي من رأيك... أنا أصلًا بطلع وحش في الصور..."

هتف أيوب بوجوم مصرًّا

"الصور بيتعمل عليها ألف تعديل وألف برنامج... وفي ناس شغلتها كده وده بيتعمل على أشهر وأجمل عارضي الأزياء في العالم... يعني كلها فلاتر في الآخر..."

حركت ليان رأسها بسأم....

"بجد مش عارفة أنت بتفكر إزاي..."

رد عليها أيوب بلهجة جادّة متّزنة...

"بفكر بالعقل... سلامة يتصور بكام تصميم وننزلهم على صفحة البراند ونركز أكتر على التصاميم الحريمي لأن الشغل كله فيها...

وكده كده البنت اللي اتفقنا معاها جاهزة

الأيام الجاية... يبقى مفيش مشكلة.... اتحلّت."

لملمت ليان دفاترها وهي تهم بالرحيل من المكتب قائلة بنزق...

"طالما أنت شايف إنها اتحلت... تبقى اتحلت."

ثم غادرت بملامح متجهمة غير راضية عن تلك النتيجة... والتي تراهن على فشلها الذريع.

تحدث أيوب بعد أن أغلقت الباب خلفها...

"جهز نفسك بقى عشان نخلص من الحوار ده..."

اقترب منه سلامة وتحدث بأريحية بعدما أصبحا بمفردهما...

"إنت بتكلم جد يا بو الصحاب؟... هتشغلني موديل على آخر الزمن؟"

التوى فم أيوب مستنكرًا وهو يقول ببرود...

"هو أنا همسكك صاجات... مالُه عارض أزياء؟ دي شغلانة تكسب دهب... بس يكش انت تصد بس في الكام صورة اللي هتتصوّرهم."

قال سلامة بتردد...

"انا مش هنفع.... دور على غيري."

أردف أيوب بأسلوب مقنع...

"وغيرك ليه وانت موجود؟ يا عم يا صابت يا خابت.... مش فارقة كتير. وبعدين أنت عارف الكام تصميم اللي نفّذتهم.... دول حاجة كده تِسَند مع التصاميم التانية لزوم التنوع.. يعني لو متشافوش مش هتزعلني."

أسبل سلامة جفنيه وقال باستسلام كئيب..

"مش عارف أقولك إيه...بس اللي تشوفه يا صاحبي معاك."

تمعّن أيوب بالنظر إليه سائلاً باهتمام...

"شكلك مش عاجبني.... مالك؟"

ردّ باختصار...

"بخير يا بو الصحاب."

عاد أيوب يستفسر بإلحاح...

"مش باين....محتاجين نقعد قعدة مع بعض. بقانا كتير مقعدناش سوا."

ابتسم سلامة ابتسامة لم تصل لعينيه وهو يقول بمزاح....

"ده عشان عريس جديد بقى... والمدام واخداك مننا.... "

أطلق أيوب تنهيدة عميقة وهو يقول بنبرة خاصة...

"واخداني من نفسي.... مش منكم بس."

زادت ابتسامة سلامة عمقًا وألمًا وهو يسأل صديقه بنبرة خافتة...

"حلو الجواز من حب عمرك يا صاحبي... مش كده؟!"

جاءت إجابة أيوب الصادقة الحارة كدفعة مباغتة نحوه الى الهاوية....

"مش محتاجة سؤال.... كأنك دخلت الجنة."

ثم استأنف أيوب سائلاً بشك....

"بس ليه السؤال ده أنت مش مبسوط مع عزة؟...."

ظلّت بقايا البسمة على محياه ميتة كمشاعره نحو الحياة والحب....

"مبسوط... أو عامل مبسوط... المشكلة مش فيها... المشكلة فيا أنا... أنا اللي كلي كلكيع وبطلعها عليها وهي مالهاش ذنب."

لم يعجب أيوب هذا الرد ولا ذلك البؤس المتسرب من كلمات صديقه فقال بنبرة

خشنة...

"وهتفضل كده لحد إمتى مش ناوي ترمي ورا ضهرك بقى وتبص قدامك؟"

ضرب سلامة صدره بقبضة متشنّجة وهو يقول بصوت يقطر ألمًا....

"بحاول يا صاحبي... أقسم بالله بحاول... بس في حاجة جوايا وجعاني... مش عارف أنساها..."

تساءل أيوب بدهشة...

"هي مين... البنت اللي أنت بتحبها؟!"

أومأ الآخر برأسه مؤكدًا فقال أيوب عابسًا

"طب وعزة ذنبها إيه يا سلامة؟!"

اندفع سلامة يقول بغضب...

"وأنا ذنبي إيه؟!.... وحبيبتي اللي كرهتني كان ذنبها إيه؟!"

صمت أيوب قليلًا يدقق النظر في صديقه البائس الضائع في دهاليز الحب الأول رافض للخروج وليست لديه النية للنسيان...

وحين وجد أيوب الكلام المناسب ألقاه دون تراجع كمن يلقي بالكرة في ملعبه...

"إنت عارف ذنبك يا سلامة... ويمكن كمان حبيبتك عرفت ذنبها... بس مراتك إيه ذنبها وهي متعرفش حاجة عن كل ده؟"

رفع سلامة عينيه إلى صديقه وقد شحب وجهه للحظة ظنّ أن أيوب يعرف تفاصيل الحكاية يعرف جبنه وعدم صموده... يعرف

أنه لم يفِ بوعوده لأخته...

تابع أيوب بملامح شديدة الصلابة والجدية..

"بطل تدور على حبيبتك في مراتك... الأحسن تدور على نفسك فيها."

عقب سلامة بمرارة متذكرًا تلك الجملة القاسية التي سمعها يوم الزفاف....

"تعرف... هي كمان قالتلي كده..."

ظهر الإعجاب في عيني أيوب من قوة الفتاة ونصيحتها الصائبة فقال برجاحة عقل

"تبقى بتحبك بجد... وعايزاك تستقر في حياتك وتبقى سعيد."

قال سلامة بسخط مرير...

"وعشان تعرف تنساني... وتستقر هي كمان في حياتها..."

جاء رد أيوب قاسيًا....

"من حقها... ولو لومتها تبقى أناني."

هو أنانيًّا بالفعل آذى قلبها وقلب زوجته وما زال واقفًا في المنتصف يتخبط بين امرأتين يبحث عن الحب مع أخرى فلا يجد إلا شيئًا من الراحة والونس....وكلما أقنع نفسه بأن ذلك كافيًا يكتشف أن قلبه جائعًا للحب يريد

الدكتورة دون سواها....

قد لعنته يومًا دعت عليه بحرقة قائلة إنه لن يجد الراحة مع غيرها وإنه سيبحث عنها في كل وجه ولن يجدها.... وبالفعل حتى اليوم

يدور في فلك تلك الدعوة يعيش لعناتها

حتى هذا الحين ؟!....

..............................................................

تعالى نبضُ قلبها وثقلت أنفاسُها مضطربة وهي تسمع صوت باب الشقة يُفتح ثم يُغلق بعدها....

صوت خطواته تقترب منها وهي خلف باب غرفتها تضع يدها على مقبض الباب بتردد تريد الظهور أمامه لكنها تخشى ردة فعله بعد كل ما حدث بينهما...

منذ عودتهما إلى البيت وحتى تلك اللحظة لم يتحدث إليها... يعود من العمل ليلًا ويقضي ما تبقى من الليل في الصالة على الأريكة وأوقات ينام هناك حتى أذان الفجر ثم يخرج ولا يعود إلا في اليوم التالي ليلًا…

يتجاهلها ويتجاهل وجودها تمامًا...

الشيخ يعرف كيف يقسو دون كلمة وكيف يجرحها دون أن يمسّها... تكفي نظرة من عينيه لتُشعل صدرها بالحسرة فتلتاع على نيران بُعده وخصامه....

تمر الأيام بسرعة كبيرة حتى مر أسبوع كامل بدون ابنتها...كل ما وصلت إليه من معلومات في هذا اليوم أنّ ابنتها تحت رحمة زوجها السابق يستغلها كآلة للضغط عليها...

أبعدت يدها المرتجفة عن مقبض الباب كما فعل هو على الجهة الأخرى دون أن تدرك ذلك....

تراجع صالح عن الدخول إليها وضع السبحة السوداء على الطاولة ثم نزع عنه سترته وألقى بجسده المُنهك على الأريكة…

أسبوع كامل يقضيه في الشارع وبالأخص في منطقة ذلك الوغد.... منذ الصباح حتى المساء أصبح شغله الشاغل وجود الفتاة كما وعد أمها وعاهد نفسه على إيجادها لكنه لا يصل إلى شيء…

لمدة أسبوع كامل لا يخرج هذا الوغد من بيته إلا لشراء أشياء بسيطة من المحل المجاور للمنزل كالسجائر والمياه الغازية…

الوضع أصبح يثير التساؤلات في داخله فإن كان لا يخرج من البيت لرؤية الفتاة أو لزيارة أحد فربما يخرج بطريقة خبيثة تجعله يتغافل عنه ولا يلاحظ غيابه…

مسح صالح وجهه بعصبية وغيظ فهو لا يصدق أن كل هذا الوقت يُهدر هباءً في المراقبة الفارغة وربما هذا الوغد يتلاعب

به بأسلوب ماكر كالأفعى…

نهض صالح من مكانه متجهًا نحو المطبخ ليُحضر شيئًا يأكله آخر مرة تناول فيها الطعام كانت البارحة تقريبًا في نفس التوقيت وإن لم يتناول شيئًا لن يقدر على المتابعة والصمود…

سمع خطواتها المترددة تقترب منه فأغمض عينيه بضيق والغضب يجتاح جسده المتشنّج الذي توقف عما يفعله فور وصولها المطبخ…

جاء صوتها الحاني المتردد...

"أنا عاملة أكل... هحطلك منه.... بلاش السندوتشات مش هتسندك بعد اليوم

الطويل ده... "

دون النظر إليها قال بجفاء....

"شكراً… مش عايز… أنا بعمل لنفسي."

قالت شروق بضيق....

"وهو الأكل ماله ومال زعلنا؟"

رد صالح بامتناع حاد...

"طالما انتي اللي عاملاه… يبقى مش هاكله."

ارتسمت الصدمة الموجعة على وجهها وهي تحدق فيه فرفع عينيه إليها ليذبحها بكلماته المُسنّنة....

"لا أكل ولا شرب عايز من إيدك حتى هدومي أنا اللي هغسلها بنفسي.... وده النظام من هنا ورايح.... "

أوغر صدرها بالغيظ فقالت بعنفوان

ونزق...

"يا سلام طالما مش طايقني أوي كده

طلقني وريح نفسك... "

نظرة نارية قاتمة منه كانت كفيلة بجعلها ترتعد للخلف مخفضة جفنيها أرضًا برهبة منه…

خرج صالح من المطبخ ثم عاد وجلس على الأريكة فتبعته شروق بتردد مدافعة عن نفسها بلوعة...

"صالح أنا مغلطتش دي بنتي… أي حد مكاني كان هيعمل كده…"

بملامح جامدة ونظرة ثاقبة نحوها أكّد الأمر قائلًا بجمود...

"أي حد مكانك محترم وعارف الأصول وعارف دينه كويس… مش هيعمل اللي انتي عملتيه."

دبت الأرض بقدمها بقلة حيلة قائلة بعذاب..

"حرام عليك بلاش تقسى عليا اكتر من كده

أنا محتاجاك جنبي… متبقاش انت والدنيا عليا…"

لم تلِن نظرات صالح ولم يتغير موقفه الراسخ وهو يقول بخشونة....

"كلامك مش هيغير حاجة يا شروق... أنا مش مسامح ولا قابل باللي عملتيه... والموقف اللي اتحطيت فيه بسبب قلة احترامك ليا…"

سألته ببلاهة....

"قصدك إيه.... إني مش محترمة؟"

جاء الرد منه سريعًا جارحًا ومهينًا..

"أزيدِك من الشعر بيت… وأقولك إنك محتاجة إعادة تربية... وده هعمله إن شاء الله... بس ترجع بنتِك لحضنك… ساعتها لينا كلام تاني."

ازدردت ريقها بصعوبة وهي تسأله بحرقة

الأم...

"على كده… وصلت لحاجة؟"

أخفض نظراته عنها مجيبًا بقنوط...

"ادعي.... ربنا يعطّرني فيها…"

قالت شروق ببعض التردد...

"يعني... إيه رأيك لو.... لو كلّمناه تاني؟"

رفع عينيه عليها بحدة كرصاصتين قاتلتين يخترقان جسدها وهو يسألها بهدوء مريب

"مين يكلمه؟… انتي؟… ولا أنا؟"

قالت بسرعة...

"إنت طبعًا…"

التوى فكه بتشنج ساخرًا...

"وطبعًا دي… مكنتش موجودة ليه قبل كده؟"

نطقت اسمه بعذاب...

"صـالـح…"

تأفّف صالح قائلًا بحدة خشنة....

"مش هتكلم مع حد... وخرجي نفسك من الموضوع ده... بنتك هترجع لحضنك… بالصبر… إن الله مع الصابرين."

نظرت أرضًا صامتة فقال هو بعد لحظات باهتمام....

"خدتي علاجك؟… وكلتي؟"

القليل القليل فقط رحمة منها على صغارها لكن لو عليها لتركَت نفسها زاهدة الحياة بأشكالها حتى تعود ابنتها إليها…

تحسّست بطنها وهي تومئ برأسها مؤكدة اهتمامها بهما رغم كل ما تختبره…

هزّ صالح رأسه برضا طفيف وهو يقول

بجفاء...

"حافظي عليهم… هما كمان ليهم حق عليكي."

لمعت عيناها بالحزن وهي تزدرد ريقها بوجع ثم أخذت تتراجع عائدة إلى غرفتها مغلقة الباب عليها بينما هو بقي في مكانه على الأريكة يفكر ويفكر لساعات أخرى حتى

غلبه النعاس ونام بملابسه من شدة الإرهاق والتعب…

خرجت شروق بعد لحظات وفي يديها الغطاء اقتربت منه ثم دثّرته به جيدًا بحرص وحنان عدلت رأسه على الوسادة وبعدها جثت على رُكبتيها أرضًا بالقرب منه... لم تقدر على العودة إلى غرفتها شيء كبّلها للجلوس هنا بقُربه والنظر إليه وهو نائم هكذا… ملامحه هادئة مرتخية بعيدًا عن تجهمه وغضبه السائد منذ أن تخاصما…

تعشقه بجنون وتخشى على حياتهما المهددة بالسقوط ففي حياتها لم تحلم برجل مثله… حتى في غضبه وخصامه رحيم بها…

تستحق غضبه وعتابه وقسوته تعلم خطأها

ولا تنكره لكن عنوة عنها تحركت وفق الأمومة ودوافعها لاغية العقل والمنطق

وها هي تدفع ثمن بُعده عنها في أكثر لحظاتها ضعفًا واحتياجًا له…

"شـــروق…"

مالت شفتيها في ابتسامة حزينة الشيخ يناديها في أحلامه… ويرفضها في يقظته…

مدت يدها تُداعب لحيته الكثيفة بأناملها الرقيقة بينما هو ضائع معها في منامه يقتنص منها حقه بها واشتياقه لها… رغم الغضب والخصام تظل شروق حكاية استثنائية أتت لتجعل من الشيخ الوقور عاشقًا متيمًا بها…

لم تُقاوم رغبتها في تقبيله دنت إليه بشوق طابِعة القبل على خده ثم شفتيه… ففتح صالح عينيه عابسًا غير مدرك تمامًا ما تفعل…

حتى رآها… وأدرك ما يحدث…

"بـتـعـمـلـي إيـه هـنـا؟"

توترت ونهضت بسرعة قائلة بارتباك:

"كـنـت بـغـطـيك… الـجـو بـرد…"

قطّب جبينه مُشككًا في الأمر فمنذ ثوانٍ فقط كانت أنفاسها تتسلل إليه لتملأ رئتَيه…

"بتغـطيني؟!"

أومأت برأسها فارتسم التجهم أكثر على محيّاه وهو يُبعد الغطاء عنه ناهضًا بتشنج...

"المفروض أعيد كلامي مرتين يعني...أنا مش قولتلك إني مش عايز أي حاجة منك... قدّري إني مش موجود معاكي…"

تبادلت معه النظرات بضعف والحزن والاحتياج يسكن ملامحها وعينيها

نحوه…

سقطت عبراتها فجأة أمام عينيه الغاضبتين فاشاح هو بوجهه عنها بضيق ثم ابتعد صوب الحمام بينما هي استندت على الحائط منهارة في بكاء صامت مرير…

..............................................................

كانت عيناه المتربصتان معلقتين على باب البناية التي يقطنها ذلك الوغد غير أنّه لم يخرج بعد وقد أوشكت الساعة على الرابعة عصرًا وهذا ليس من عادته…

لفتَ انتباهَ صالح وهو جالس في سيارته يراقب تلك المرأة المنتقبة التي تخرج يوميًّا في التوقيت نفسه كأن موعد خروجها شيءٍ مقدس لا يتغير...

كانت هيئتها معروفة من النظرة الأولى قصيرة القامة ممتلئة الجسد قد تكررت رؤيتها أمامه حتى باتت مألوفة لديه لذلك يشيح بوجهه عنها كلّما رآها أمامه....

لكنّ الأمر اختلف تلك المرة لم يغض بصره

كما اعتاد بعد أن لاحظ شيئًا مريبًا....فالبنطال الجينز الظاهر أسفل العباءة لا يوحي بكونها امرأة بل حتى الحذاء الرجالي الرخيص كان يؤكّد شكَّه.....

ثم إنّ بُنية جسدها تشبه إلى حد كبير جسد ذلك الخرتيت حنش... ربما كان هو نفسه وهذا يفسر عدم ابتعاده عن المكان طوال تلك المدة.

كان يخرج أمام عينيه كل يوم في هيئة امرأة منتقبة بينما يبقى هو في مكانه يراقب البناية إلى أن يعود صاحبها؟!

مسح صالح على وجهه بعصبية وانطلق بسيارته خلفه بعدما رآه يستقلّ وسيلة النقل المعروفة بـ«التوك توك» وكان السائق حينها ينتظره على بُعد خطوات من البناية…

مطت المرأة شفتيها وهي تضع الأطباق بعصبية على الطاولة الأرضية (الطبلية)

ثم جلست في وسط أولادها الأربعة ترمق زوجها بغضب ثم تنظر نحو تلك الفتاة الصغيرة التي تجلس بعيدًا عنهم تمتنع عن الأكل ولا تتناول إلا القليل حتى أصبحت هيكلًا عظميًا من قلّة الطعام وكثرة البكاء والصراخ مناديةً على أمها...

"مالك يا سميحة في إيه على المسا ؟!..."

رفعت شفتيها إلى أعلى باستهجان قائلة بضجر...

"في إيه؟!.. وبتسأل كمان يا سبع الرجال البِت بقالها أسبوع عندنا لا أبوها جه خدها... ولا راحت لأمها.... وبعدها لك..."

لعق زوجها الطعام بفمه ثم لوّح بيده بغير اكتراث....

"يا ستي ما تخليها قاعده هي بتاكل من لحمك؟"

زمجرت سميحة بغيظ مكتوم...

"البِت هتموت يا راجل دي قِطعة الزاد والماية بتاكل بالعافية... إنت عايز تجيب لنا مصيبة وتشَرِّد عيالك من بعدنا؟"

تململ الزوج منها قائلًا بمهاودة...

"الصبر يا سميحة... المصلحة دي سُقْع وهتجيب لنا قرشين حلوين... حنش قالي كده..."

نظرت سميحة للأعلى قائلة بكراهية...

"حنش؟!.... اللهي حنش ياكله البعيد دا اللي ناوي يوديك في ستين داهية ويسلّمك تاني للبرش اللي جيت منه... إحنا مالنا ومال حواراته مع طليقته مش خلعته وهو في السجن وخلصنا؟"

أجابها زوجها....

"عايز يرجع لها تاني... بيحبها."

مصمصت شفتيها ساخرة وهي تقول بتهكّم

"حبه بُرص... هو اللي من نوعيتكم ده بيعرف يحب حد غير نفسه؟ ما كان مطفحها المُرّ على كلامك... إيه احلوت فجأة في عينه لما شافت مصلحتها واتجوزت سيد سِيده؟"

ضرب الزوج على الطاولة بضيق بالغ...

"جرالك إيه يا بت؟ اللي يسمعك يقول نفسك تعملي زيها..."

قالت سميحة بشفاه ملوية...

"وهي يا خويا اللي تعشرك تفكر في راجل تاني؟"

أثنى الزوج مبتسمًا....

"أصيلة من يومك يا سميحة..."

قالت من بين أسنانها موضحة ببغض...

"مش محبة فيك... دا قرف منك ومن عيشتك إنت وعيالك..."

رمقها بغيظ قائلًا....

"واطية من يومك يا سميحة..."

لوحت بيدها بلا اهتمام وهي تساعد أصغر أولادها في تناول الطعام....

بينما نظر الزوج إلى الصغيرة وقال برفق

"تعالي يا ملك يا حبيبتي كُلِّي لقمة مع إخواتك..."

رفضت ملك وهي تنكمش على نفسها في تلك الجلسة البائسة...

"أنا ماليش إخوات غير أبرار..."

عقدت سميحة حاجبيها سائلةً زوجها بفضول

"أبرار مين دي كمان؟.... انت مش قولت إن أمها ما جابتش غيرها منه"

سألها الزوج...

"مين بَربَره دي يا ملوكه؟"

قالت الصغيرة بعفوية حزينة...

"بنت عمو صالح... جوز ماما... أنا عايزة أروح عند ماما.... إنت مش قولتلي هتوديني عندها بكرة؟"

توترت ملامح الزوج وهو يتبادل النظرات مع زوجته ثم قال مبتسمًا...

"ها..... اه ما أنا هوديكي بكرة فعلًا..."

زمت الصغيرة فمها بحزن وهي تقول

بعصبية....

"إنت كل يوم بتقول كده وبتضحك عليا حرام عليك ياعمو..... يا طنط سميحة خليه يوديني عند ماما بالله عليكي..."

مضغت سميحة اللقمة بعصبية وهي تنظر بطرف عينها إلى زوجها بحدة...

"حكم القوي على الضعيف يا حبيبتي... بحاول....بحاول معاه والله..."

ابتعدت الصغيرة عنهما إلى الغرفة التي تقضي بها أغلب وقتها في البكاء منذ أن أتت إلى هنا.

قالت سميحة من بين أسنانها بحنق شديد...

"البِت دي لو رجعت لأمها أنا وإنت هنروح في الرجلين... دي عارفة أسامينا يا راجل... يعني هتفتن علينا للحكومة ونروح في الحديد..."

تكور الأكل في فم زوجها وهو يقول بلا

مبالاة...

"لا حديد ولا بلاستيك... بنت واحد صاحبي وكان بيجيبها تقضي اليوم مع عيالي عشان شغله... محلولة..."

تبرمَت سميحة بسخط...

"آه منك ومن صاحبك اللي منه لله... عملّك غسيل مخ... "

تأفف الزوج وهو يرمقها بضيق...

"اخرسي بقى يا ولية... خلننا ناكل اللقمة... "

وقبل أن ترد سميحة سمعا معًا طرقات على الباب فقالت وهي تلكزه بعنف...

"قوم افتح يا خويا... تلقيه الزفت صاحبك.."

نهض الزوج متجهًا نحو الباب وهو يأمرها بحمائية...

"غطي شعرك طيب..."

فتح الباب وظهر ممدوح بهيئة عادية حتى لا يثير الريبة في صدورهم فهو يتعمد نزع هذا الرداء النسائي في مدخل البناية قبل الصعود إلى هنا....

حيلة جيدة يستخدمها الكثيرون من الخارجين عن القانون والهاربين منه.....

رحب به صديقه قائلاً بحفاوة...

"ادخل يا حنش..... حماتك بتحبك."

هتف ممدوح بوجه مكفهر وهو يبحث عن الصغيرة....

"الله يلعن أبوها هي وبنتها… البِت فين؟"

رد صديقه وهو يشير إلى باب الغرفة....

"في الأوضة....مش عايزة تاكل بس متقلقش هدخل سميحة ليها كمان شوية تطيب خاطرها....."

زاد عبوس وجهه ونظرة عينيه القاسية بالفطرة وهو يقول بجفاء...

"وهي المفعوصة دي بقا ليها خاطر؟! سيبك منها.... دي مدلعة زي اللي جابتها."

تحرك ممدوح نحو الغرفة التي أشار عليها صديقه فجاء صوت سميحة من خلفه قميئًا وهي تقول بسخط...

"قعدت بنتك طولت عندنا يا أبو ملك… وأنا بدأت أتوغوش...."

صاح الزوج فيها بنظرة حادة محذرة...

"اخرسي يا سميحة... "

لوّحت بيدها غير مهتمة بتحذيره فيما قال ممدوح وهو يدس يده في جيبه مخرجًا القليل من الأوراق المالية....

"هانت يا أم إيهاب.... خد دول يطمنوا قلب مراتك.... وقريب أوي هتاخد المبلغ اللي اتفقنا عليه.... في مصلحة سقع هنط عليها الأيام الجاية.... وهجبلك أكتر منهم."

أخذ الآخر منه المال وبدأ يعده بجذل وهو يسأله بتوجس....

"سرقة تاني يا حنش؟...."

رد ممدوح ببرود...

"وهو أنا ليا شغلة غيرها؟"

رفع الآخر عينيه عليه وقال بقلق...

"ما بلاش يا صاحبي.... انت لسه خارج من السجن.... هَدّي أمورك شوية..."

ربت ممدوح على كتف صديقه باستهانة

قائلاً....

"يا عم يا صابت يا خابت.... هدخل أشوف البِت...."

حين غادر ممدوح إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه وجد الزوج يدًا أشبه بخطاف تسرق

منه الأموال.

نظر بغضب إلى زوجته التي شرعت في عد الأموال بسرعة ثم وضعتهما في صدرها في حركة شعبية أصيلة وهي تربت على مكانهما كأنها تغلق الخزينة.....

"إيه يا ولية؟! انتي مقشفراني كده أول بأول؟! هاتي مية جنيه حتى أجيب علبتين سجاير."

لوَت سميحة فمها وهي تتحرك نحو الطاولة لتكمل طعامها وسط صغارها...

"علبتين بحَالهم؟!....عيالك أولى بفلوسهم. هبقى أبعت الواد إيهاب يجيبلك فرط."

تبرم الزوج وبملامح مقتضبة صاح....

"فرط !.... حسبي الله ونعم الوكيل فيكي ده القعدة في السجن أرحم من القعدة جنبك... "

"مكلتيش معاهم برا ليه؟!"

وجه ممدوح هذا السؤال إلى ابنته التي كانت تقف على بعد خطوات منه في منطقة أمان من وجهة نظرها وهي تجيب بضيق....

"مش عايزة.... أنا عايزة أروح لماما."

تشبه أمها إلى حد كبير فرغم ارتجافها ووقفتها البعيدة عنه تتحداه بعينيها

وبنبرتها المرتفعة أنها لا تهابه.... ولا تهاب

شيئًا....

رد ممدوح عليها بجفاف....

"مفيش ماما.... فيه بابا. ينفع ولا قعدتي مبقتش جاية على هواكي؟"

تسلحت الصغيرة بشجاعتها رغم خوفها من تلك النظرات الموحشة بالقسوة وقالت

بجرأة....

"بس أنا عايزة ماما... مش عايزة أقعد معاك. عمو صالح أحسن منك.... "

توسعت عينا ممدوح واحمرت مقلتاه بغضب أسود رفع يده في اللحظة التالية وهَوَى على خدها الرقيق بصفعة قاسية جعلتها تسقط أرضًا متأوهة باكية....

"أحسن مني عشان انتي جعانة زي أمك عايزين ميغة تشبعوا فيها.....لكن أنا…"

تابع بوجه محتقن بالغضب والحقد...

"أنا أجي إيه جنب شيخ المنصر اللي عنده محلات ومصنع وعماير؟!.... لازم يبقى أحسن مني وأمك تمسك فيه بإيديها وسنانها... ما هي كلبة فلوس.... وانتي بكرة تبقي زيها.. "

لم ترفع الصغيرة رأسها وظلت منحنية تبكي وترتعش بخوف بينما تابع هو بحرقة يقنع نفسه بأن الجميع سيئون ويتبعون أهواءهم

مثله.....

"بس هو حرامي برضه....بس حرامي على كبير حرامي بدقنه وسبحته... بيضحك على الناس بيهم عشان يبان إنه تقي... تاجر تقي قابلت زيه كتير في السجن...."

هتفت ملك بدفاع حار....

"عمو صالح مش كده....ده طيب وحنين وبيحبني....."

لمعت عينا ممدوح بالقسوة وهو يقول بنبرة صارمة....

"محدش هيحبك زي أبوكي ده بيستغلك عشان يفضل مع أمك.... وبكرة تكبَري وتحلوي في عينه.... ساعتها هيبدل بينكم..."

انعقد حاجبا الصغيرة بعدم فهم وهي تزرف الدمع بلا توقف فأضاف ممدوح بمقت...

"غبية ومش فاهمة... بس بكرة تفهمي وتعرفي إني عندي حق.... "

انكمشت ملك على نفسها فور اقترابه منها

وقد غطّت وجهها بيدها لكنه رفع رأسها بعنف متمعنًا بالنظر إلى الأقراط الذهبية في أذنيها بطمع....

"الحلق ده دهب.... مين جابهولِك؟"

قالت ملك بارتجاف...

"عمو صالح....انت بتعمل إيه يا بابا.... اااه ودني.... "

صرخت بتألم حين نزعه عنها بطريقة همجية عنيفة....

"مزنوق في قرشين... وده يدوب يفك الزنقة."

وضعت يدها على أذنيها منتحبة بعد أن جرحها دون أن يبالي...

قال ممدوح بابتسامة لئيمة وهو ينظر إلى القطعة الذهبية...

"متزعليش كده... هجبلك الأحسن منه بس

من فلوسي أنا...."

قالت ملك وهي تبكي بشكل موجع...

"أنا مش عايزة حاجة... أنا عايزة ماما

وديني عند ماما..."

دفعها ممدوح بعيدًا عنه بجحود...

"يوووه.... متبقيش مقرفة وزنانه بقى زي

اللي جابتك... "

خرج ممدوح من الغرفة فأتى عليه صديقه فقال محذرًا...

"أنا ماشي.... خد بالك من البِت. مش هوصيك عليها.... أوعى تروح كده ولا كده."

رد الآخر وهو يشير إلى عينيه...

"في عينيا يا خويا... متقلقش سميحة معاها طول الوقت.... اطمن."

قال ممدوح وهو يفتح باب الشقة...

"أنا مش هطول عليكم... بكرة ولا بعده هاجي أبص عليها..... "

رحّب الآخر قائلاً بمحبة... بينما زوجته تلوي شفتيها يمينًا ويسارًا مكفهرة مغتاظة....

"بيتك ومطرحك.... البِت وسط العيال زيهم تمام.... "

.............................................................

كانت ملك قد خرجت بعد ان انصراف والدها جلست قرب أولاد سميحة تتابع التلفاز معهم في محاولة بريئة للتوقف عن البكاء بعد أن تفاقم الصداع في رأسها وبدا عليها الإرهاق

والتعب....

وما هي إلا لحظات حتى سمع الجميع طرقات على باب الشقة فنهضت سميحة وفتحت للطارق....

لترى أمامها رجلا شديد الوسامة والنظافة

يلمع أمام عينيها كقطعة نفيسة بينما تفوح منه رائحة عطرٍ شرقي فاخرة.....

طويل القامة بشكلا مهيب عريض المنكبين أخضر العينين ذا لحية سوداء مشذبة بعناية وملامح رجولية تجمع بين القبول والوقار

على نحوٍ يجعل المرء يطيل التأمل فيه

دون أن يدرك ذلك....

سألته سميحة وهي تتشبث بحرف الباب متوجِّسة....

"مين حضرتك وعايز إيه؟"

"مـلـك… البنت دي…"

نظر صالح خلفها مشيرًا إلى الصغيرة التي انتبهت لوجوده هي أيضًا وظلّت لثوانٍ معدودة تحدجه بذهول....

ذابت الصدمة عن الصغيرة وهي تسرع نحوه ثم تخطت سميحة التي تجمّدت في مكانها تنظر إليهما بصمت....

وفي تلك اللحظة تحرك أكبر أبنائها بإشارة منها لينادي والده ويخبره بأمر هذا الضيف الواقف أمام بابهم.....

"عمو صالح... "

ألقت الصغيرة نفسها بين ذراعيه لتراه في تلك اللحظة طوق النجاة وقد بدت عيناها الحمراوان تلمعان بالدموع مجددًا....

سألها صالح وهو يربت على ظهرها بحنان مطمئنًا...

"انتي كويسة يا ملك.... حدّ أذاكي؟ إيه الجرح اللي في ودنك ده؟"

انتبه صالح إلى الجرح الصغير فوضعت ملك يدها على أذنها قائلة بشجن تلقائي....

"من بابا.... "

اتكأ صالح على أسنانه بضيق كاظمًا غيظه بصعوبة ثم بدأ يربت على رأس الصغيرة بلطف قائلًا....

"معلش.... هنطلع نعقمه دلوقتي في المستشفى

المهم إنك كويسة.... ماما هتجنن عليكي."

ترقرقت الدموع في عيني ملك وقالت بلهفة يشوبها الرجاء...

"مش عايزة أروح مستشفى...أنا عايزة أروح لماما... وديني عندها يا عمو بالله عليك."

أومأ لها صالح بالموافقة وجعلها تقف خلفه تحتمي به ثم رفع عينيه الخضراوين بنظرة ثاقبة نحو الزوجين قائلًا بتحفّز صارم...

"تحبوا نمشيها بشكل وِدي من غير أذى… ولا ليكوا رأي تاني؟"

تبادل الزوج وزوجته النظرات بقلق وهو يزدرد ريقه ثم قالت سميحة بحرقة....

"والله العظيم يا بيه لا أنا ولا جوزي لينا دعوة بالموضوع ده.... هو اللي جبها تقعد وسط العيال.... كام يوم."

هتف صالح بخشونة وبنظرة مزدرية...

"وانتوا متعرفوش إنه خطفها من أمها؟ دي جريمة… وانتوا مشتركين فيها."

تولى الزوج الرد هذه المرة وقال برهبة واضحة من الرجل الوقور الواقف أمامه..

"صلي على النبي يا باشا...انت شكلك راجل محترم وتعرف ربنا.... بلاش تشردنا إحنا والعيال... البت كانت قاعدة وسطنا معزّزة مكرمة محدش مسها بسوء... وكل ده بأوامر من أبوها...... حتى اسألها."

نظر صالح إلى ملك فقالت له بوجوم

"بابا اللي جبني هنا... بس هما مكنوش عايزين يودوني لماما.... "

عاد صالح ببصره إلى الزوج بنظرة أشدّ حدّة فابتلع الرجل ريقه وقال بجبن....

"انا عبد المأمور.... ودي أمانة أبوها سيبها عندنا..... "

فقال صالح بملامح صلبة كالفولاذ فيها نصح وتحذير....

"الأمانة دي يا عبد المأمور تخصني.... وأنا هاخدها معايا.... وعشان خاطر عيالك سيرتك لا انت ولا مراتك هتتجاب...."

ابتسمت سميحة بارتياح...

"تشكر يا بيه… كتر خيرك."

نظر صالح إليهما قليلًا ثم قال برزانة...

"بس لا أنا جيت… ولا ملك راحت معايا."

سأل الزوج بعدم فهم...

"يعني إيه؟"

قال صالح بنبرة هادئة متزنة...

"يعني أنا هاخد ملك معايا… وانتوا هتقولوا لأبوها إنها خرجت من وراكم... ومتعرفوش راحت فين.... "

نظر الزوجان لبعضهما فيما أخرج صالح رزمة من المال أعطاها لهما قائلًا...

"وخدوا دول تمن الفيلم اللي هتعملوه عليه."

اتسعت عينا سميحة في دهشةً وفرح غير مصدقة انها حصلت على تلك الرزمة الكبيرة من الأوراق بينما ازداد عبوس زوجها وقد اجتاحه القلق من ردة فعل صديقه وشره

حين يكتشف خداعهم له والثمن تلك الأموال

بعد ان ترك ابنته لزوج أمها....

في الجهة الأخرى قبض صالح على يد الصغيرة وتحرك بها نحو الدرج للنزول...

كانت الصغيرة تكاد تقفز ركضًا إلى أمها غير مصدقة أن كابوسها قد انتهى وأن العم صالح كما تناديه هو من أنقذها أخيرًا.....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...