الفصل 4 | من 42 فصل

رواية اشتد قيد الهوى الفصل الرابع 4 - بقلم دهب عطية

المشاهدات
35
كلمة
10,158
وقت القراءة
51 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

التف القيد حولنا واشتد بنا، فعجزت سبل المقاومة، وبات الاستسلام حليفنا كقدرٍ كتب علينا منذ أول لقاء. كلما زاد الصمت، تكدس الألم داخل صدره وثقل كحملٍ لا يقوى على تحمله. التقطت عيناه الأصفاد الملتفة حول معصمه، وصوتها، كلما تحرك، كالسوط يضرب مسامعه. بات مجرمًا الآن... سارقًا... خاتم ماس! كيف؟ ومتى؟ هل غفل عن هذا الوضيع ولم يفتشه جيدًا يومها، أم أنه يخبئ المسروقات تحت جلده؟

كيف سيخرج من هذه الورطة التي أوقعه بها لص الخزائن؟ "مش ناوي تقول مين اللي كان معاك يالا؟ ألقى هذا السؤال ضابط الشرطة الذي يجلس خلف مكتبه يتناول وجبة الإفطار وهو يرمق أيوب بحنق، الواقف أمامه والأصفاد تقيد يداه معًا. أجاب أيوب بهدوء: "مفيش حد كان معايا."

لو بيده لسلّم لص الخزائن للعدالة وانتهى الأمر، لكنه يريد أن يستعمل آخر بطاقة رابحة لعله يجد مخرجًا من هذه الورطة التي أوقع نفسه فيها. فالاعتراف على سلامة لن يفيده في شيء، فإن حدث سيشارك في حمل الورطة معه ولن يتنحى هو جانبًا، ولن يسمح له القانون بذلك، فكل الأدلة تدينه. لذلك يجب أن يتريث في التفكير ويتأنى حتى يجد مخرجًا له... ولهذا اللص! قضم الضابط من الشطيرة وبدأ في مضغها.

أسفل أسنانه مصدرًا صوتًا وهو ينظر له بقوة قائلاً بتهكم: "انت بتداري عليه؟! دي الكاميرات جايباكم انتوا الاتنين بس من حظك المنيل إن وشك ظاهر أما هو كان عامل حسابه ولافف شال حوالين وشه. مين دا يالا؟ ومين اللي بعتكم تسرقوا فيلا كمال الموجي؟ اصر أيوب على الإنكار بمناورة: "مفيش حد بعتنا... واحنا مسرقناش حاجة. فيه لبس في الموضوع ياباشا." وضع قطعة من الجزر المخلل في فمه وهو يقول بتبرم:

"يعني بتكدب الكاميرات اللي جابتكم وشهادة المجني عليهم كمال الموجي وبنته... والخاتم الألماظ اللي لقطته انت واللي معاك وجاي تقولي فيه لبس. دا انت رايح في داهية... انت واللي كان معاك. خلصنا خلينا نقفل المحضر ونبعته للنيابة وهناك يتصرفوا." زفر أيوب مصرًا على الإنكار: "أنا مسرقتش حاجة يا باشا والله ما سرقت." ابتسم الضابط بسماجة قائلاً: "أمال كنت رايح الفيلا ليه؟ سياحة مثلا؟ والنط على السور دا إيه؟ بتلعب الباركور؟

ضاق صدر أيوب وشعر أنه على وشك ارتكاب جناية حقيقية، وهي دس الشطائر في فم هذا الحقير حتى الاختناق، لعله يتوقف عن إصدار صوت مقرف أثناء الأكل! عندما طال الصمت، هتف الضابط بضجر وهو يأخذ رشفة من كوب الشاي: "أخلص بقا أنا بقالي ساعة باستجوبك... واللي على لسانك مسرقتش... مسرقتش وكل الأدلة بدين سيادتك فأخلص عشان نشوف غيرك." دلف العسكري في تلك الأوقات مؤديًا التحية وهو يقول بخشونة: "نغم الموجي برا... وعايزة تقابل سيادتك."

"دخلها بسرعة." قالها الضابط مهللاً بحفاوة. وعندما وقعت عيناه على أيوب، انكمشت ملامحه مزمجراً: "ادي بنت كمال الموجي حضرت... دي اللي سرقت خاتمها... مش ناوي تطلع الخاتم وتخلصنا؟ تافف أيوب والتوتر تضاعف داخله: "يا باشا ما انت فتشتني وملقتش معايا حاجة." رد الضابط بنباهة: "يعني هتشيله معاك أكيد مع الحرامي التاني."

خطواتٌ أنثوية، تقرع الأرض برنيمةٍ خاصة مع كعبِ حذاءٍ عالٍ، تقترب مقتحمةً المكان برُقيّ، يسبقها شذى عطرٍ فاخر يتسلل إلى أنوف الواقفين في غرفة المكتب. ثيابٌ فخمة تشي بالثراء في كل لمحةٍ منها، شعرٍ تناغمت خصلاته بين الأشقر والبني بصورة رائعة تلائم وجهها بهي الطلة الخالي من أي بهرجةٍ متكلفة.

عينيها الرمادية، كشتاءٍ عاصفٍ في ليلةٍ باردةٍ خاليةٍ من الدفء والرحمة، تساءلت بصوتٍ هادئ، دون أن تلتفت للواقف خلفها، ذاك الذي كان يتأملها بصمتٍ وقد عرفها قبل أن تدرك حتى وجوده. لم يُفاجأ حين أدرك أنها ابنة (كمال الموجي)

فالمفاجأة الحقيقية كانت عندما رأى صورتها في غرفة والدها أثناء مساعدته. أما الآن، فلم يعد الخبر صادمًا بالنسبة له، لكن بالنسبة لها، قد يكون الوضع مختلفًا تمامًا. إنها تدين له، والآن جاء وقت سداد الدين... وهو بأمس الحاجة إلى هذا السداد! هتف الضابط بترحيب حفي وهو يشير لها بالجلوس، قائلاً باعتداد: "اتفضلي يا هانم... أنا لسه باستجوبه... وهيعترف... دا أنا اللي ماسك القضية وأنا بقا مش عايز أقولك أنا ظابط قد إيه."

ظلل الاستهجان نظرات نغم وهي تنقل عينيها بينه وبين بقايا الطعام المبعثرة على سطح المكتب. وضعت يدها على أنفها في اشمئزاز من رائحة الطعام الشعبي، فالتوى فك أيوب بسخرية، مستهزئًا بابنة الذوات. تاففت نغم بضيق، متجنبة النظر إلى المجرم القابع خلفها وهي تقول بانفعال مكبوت: "الخاتم ده غالي عندي أوي... ولازم يعترف. ودا فين... أو باعه لمين وأنا هتصرف... بس المهم أرجعه." رد الضابط بحنق أكبر: "بحاول بس البعيد معندوش دم...

بيقاوح معايا." قالت بغيظ شديد: "وحضرتك ساكت؟ هي مش الشرطة في خدمة الشعب ولا إيه؟ "وأنتم بقا الشعب؟! " هتف بتلك الجملة الساخطه مما جعل عينيها تتسع بغضب تأجج بصدرها فور تبجح هذا اللص بالحديث. استدارت وقالت بنبرة هجومية، فهي صاحبة حق وليس له أن يعترض. فالأجدر بأمثاله أن تظل رؤوسهم منخفضة بعد تجاوزهم حدودًا لم توضع عبثًا: "أما حرامي بجح صحيح انت هـ.... إيه؟

شهقة بصدمة وهي تراه ماثل أمامها في مقابلة لم تتوقعها حتى في سهوة الأفكار. بعينين مشدوهتين سألت بغير استيعاب. فأومأ براسه يرفع عنها الحرج بالقول: "أيوا أنا... كويس إنك لسه فاكرة. قصرت عليا المسافات."

لم تفهم شيئًا، وكأنها في دوامة تبحث عن ركيزة تستند إليها، لعلها تجد توازنها وتتمكن من تحليل الوضع برمته. فمن أنقذها ليلاً في طريقٍ شبه مقطوع، من بين يدي رجال لا ترحم، رافضًا حينها أخذ الأموال منها، متحليًا بالشهامة والمروءة، هو نفسه اليوم اللص الذي اقتحم منزلها وسرق خاتمها... وأيضًا ساعد والدها في نوبة الاختناق!

جميع هذه الأفعال المتناقضة قادرة على شتاتها، والبحث عن حقيقة هذا الرجل الذي أصبح فخًا لها أو متاهة لن تجازف بالدخول إليها، فهي لديها ما يكفيها من هذا العالم... وصراعاتها لم تنتهي بعد؟ "حضرتك تعرفيه يا هانم؟ انتشلها سؤال الضابط من خلفها. فعادت تدقق النظر في أيوب، لعله ليس هو، لعل الذكرى قد خانتها. لكن الجملة المؤكدة والنظرة الموثقة من عينيه أثبتت دون شك أنه هو من أنقذها ليلاً من مصيرٍ محتوم! أجابت الضابط

وعينيها مثبتة على أيوب: "تقريبًا... ممكن تسبني معاه شوية؟ انعقد حاجب الضابط مترددًا. "بس... قالت نغم: "عشر دقايق... مش أكتر." أومأ لها الضابط على مضض وهو ينظر إليهما بشك، ثم خرج متأففًا، تاركًا المكان خاليًا هادئًا، الهدوء الذي يسبق العاصفة. أسئلة تدور في عقلها كزوبعات إعصار. أما هو، فكل ما يشغله تفكيره هو سداد الدين. هل ستتنازل عن المحضر أم سترفض متعالية؟ أو ستضع شروطًا لاسترجاع خاتمها الثمين؟

"يعني طلعت حرامي في الآخر." لم يكن سؤالًا منها بل إقرارًا بالحقيقة. رد مستنكرًا: "محصلش أنا مسرقتش حاجة." اقتربت منه ووقفت قبالته تتلاقى أعينهما في حرب شعواء وهي تقول بحدة: "إزاي يعني والخاتم راح فين؟ وليه دخلت الفيلا؟ الكاميرات جابتك وانت بتنط على السور كل ده كدب؟ التوى فكه ساخرًا بقتامة: "وأنا لو عايز أسرق... هكتفي بالخاتم بس؟ أومات براسها ولاحت الحيرة على وجهها المرتبط غضبًا وهي تقول:

"ما ده اللي عايزة أعرفه منك. اكتفيت بسرقة الخاتم مع إن كانت قدامك الخزنة... ساعدت بابا وأديته بخاخة الربو مع إنك كان ممكن تسيبه عادي جدًا." برق لون الرماد في عينيها والشك يلوح في الأفق من حولها. وتساءلت بريبة: "انت إيه حكايتك بالظبط؟ مش فاهمه انت الراجل الجدع اللي أنقذني في طريق مقطوع ورفض ياخد مقابل مساعدته... ولا الحرامي اللي نط على الفيلا وسرقني... انت مين بالظبط... وعايز مني إيه؟ ضاق صدر أيوب أكثر فرد بوجوم:

"كل اللي حصل صدفة... سواء الأولى أو التانية." وكأنها لم تسمع الرد منه فسألت بارتياب: "هو اللي بعتك؟ قطب جبينه في حيرة: "هو مين؟ قالت نغم باهتياج: "اللي عايز ياخد بتار ابنه... شكري العزبي." ظللت الدهشة وعدم الفهم نظراته: "أنا مش فاهم حاجة." تاففت وهي تبعد عينيها عنه بحنق شديد: "الخاتم اللي سرقته فين؟ "معرفش." عادت إليه بنظرة نارية: "يعني إيه؟ رد على مضض: "يعني... أكيد مع سلامة." قالت بترفع غليظ:

"الحرامي التاني وليه معترفتش عليه؟ أجابها وهو يرفع الأصفاد أمام عينيه بسأم: "عشان أنا اللي محطوط فيها... وسواء اعترفت عليه أو لا هتاخد في الرجلين." "والمطلوب؟ " رفعت حاجبًا منتظرة بغرور أنثوي لعين، أغاظه منها لذا رد متبجحًا: "تخرجيني." التوت البسمة على ثغرها باستهزاء: "بتحلم." سألها بخذلان: "هو ده رد الجميل." اتسعت ابتسامتها بانفعال واضح مصدومة من هذا اللص الوقح. وكأنه لديه كامل الحق في استرداد المعروف بأسره!

"انت لسه مصدق نفسك... دي أكيد خطة من العزبي وحطك في سكتي." ألقت مخاوفها على مسامعه فعاد الغباء يلوح في عيناه سائلاً بضيق: "مين العزبي ده؟ أنا معرفوش." قالت حاكمة: "أيوا استهبل." جز على أسنانه وهو يقول بقلة صبر: "وانت شايفه إن أنا في ظرف محتاج استهبال. انتي تخرجيني والخاتم بتاعك يوصلك." عقدت ذراعيها أمام صدرها بغرور، تدقق النظر به. شاب وسيم، قوي البنية، بعيون تشع عبثًا لا يقبل الترويض.

ندبة جافة قاسية تحتل جانب عنقه، تفصح عن حادث ترك أثرًا غير قابل للمداواة. حادث ترك شيئًا وأخذ في المقابل أشياء لا تبصرها العيون! "وإيه اللي يخليني أضمن واحد زيك؟ رد بمصداقية: "كلمة شرف." ضحكت ضحكة هزلية معقبة: "جديدة دي. هما الحرامية بقا ليهم شرف؟ تشرست نظراته فوق ملامح صخرية جافة. فهدر بنبرة مهيبة: "أنا مش حرامي... وياريت تنزلي مناخيرك اللي مرفوعة في السماء دي وتليني دماغك شوية." قالت بتصميم مستفز:

"الخاتم قبل ما تخرج وبكده أكون رديت الجميل اللي قرفني بيه." غمغم بالكلام محتدًا: (قرف لما يقرفك... سألته بشك: "بتقول إيه؟ ابتسم بسمة سفاح على وشك سفك دماء أحدهم: "بقول أوزني الكلام يابنت الذوات... أجيب الخاتم إزاي وأنا مرمي هنا." حركت كفيها مستهينة: "معرفش اتصرف." كظم غيظه سائلاً: "يعني دا آخر كلام عندك؟ أومات براسها بنظرة تحدٍ لا تخلو من الترفع. أشاح بوجهه عنها قائلاً بخشونة: "ماشي ياحلاوة... هجيبلك الخاتم...

بس ياربانتي اللي مترجعيش في الكلام." قالت بنبرة جادة تطمئن قلبه: "أطمن الخاتم قصاد خروجك... لأنك ساعدت بابا... وساعدتني قبله... لو حد تاني أنا ما كنتش اتنازل عن إنه ياخد جزاءه." فتح الباب على نحوٍ مفاجئ، فأجفلهم لبرهة، ثم تنحت نغم جانبًا وهي ترى سيدة مكتنزة الجسد، قصيرة القامة، ترتدي عباءة ووشاح رأس بسيطًا. تقترب من أيوب وعينيها تذرفان الدمع.

ويتبع خطاها توأمان متطابقان في الشكل والحجم، فتاتان جميلتا الطلعة، ترتديان ملابس أنيقة، ويغطّيان شعرهما بحجاب يلتف بطريقة تلائم صيحات العصر! ضمته والدته إلى صدرها وهي تبكي بحرقة، وبدأ الفتاتان بالبكاء والخوف يستوطن قلوبهن معًا. "إيه اللي حصل يا أيوب؟ سرقت إيه؟ رد أيوب بصوت حانٍ يبث الطمأنينة لهن: "مفيش حاجة يا صفصف... دا تشابه أسماء. الموضوع هيخلص والنهاردة إن شاء الله اطمني." نظرت صفية إليه وقالت بلوعة الأم:

"اطمن إزاي؟ أنا لسه سائلة الضابط وبيقول إنها قضية سرقة والكاميرات جايباك." شتم الضابط في سره ثم عاد يتحدث بهدوء معاتبها بشقاوة: "وانتي تصدقي برضو إن ابنك يمد إيده على الحرام؟ دا أنا تربيتك يا صفصف... تربيتك انتي والحاج عبد العظيم." قالت الأم بوله: "مش مصدقاهم بس ليه بيقولوا كده." عاد يربت على كتفها قائلاً: "ما أنا قولتلك تشابه أسماء... فيه لبس في الموضوع... أنا بريء... والله ما خدت حاجة." قالت ندى بشجن:

"إحنا مصدقينك يا أيوب." بينما قالت نهاد بنبرة جادة: "إحنا هنكلم محامي يتابع المحضر معاك... ويشوف يقدر يعمل إيه قبل ما يوصل للنيابة والموضوع يكبر." رفض أيوب وهو يشيع نظرة لمن تقف خلفهم تتابع الموقف بحرج شديد: "مش دلوقتي. أنا اتفقت مع الهانم والموضوع هيتحل من غير حاجة." أومات نغم برأسها، فقد عقدت اتفاقًا معها لاسترجاع الخاتم مقابل تنازلها عن المحضر. "هي دي اللي اتسرق منها الخاتم؟

" سألته والدته فاومأ لها أيوب دون تعبير يُقرأ. فاقتربت والدته منها تترجاه بالدموع قائلة بلوعة: "والله يابنتي أيوب ما ليه في الكلام ده... سرقت إيه... دا طالع عينه في الشغل ومتبهدل في الأسواق عشان يكسبها بالحلال. أيوب ابني ما يسرقش أبدًا." ثم تابعت بقهر وهي

تمسح دموعها بطرف الوشاح: "دا ممكن يرمي نفسه في النار عشان ينجد حد حتى لو ما يعرفوش. دا تربية عبد العظيم. الراجل اللي الناس كلها تشهد بجدعنته وأخلاقه وطيبته مع الغريب قبل القريب. أيوب طالع لابوه... بس بالحظ شوية... الحمد لله."

لم يكن لسان نغم حليفها، فخيم الصمت بين الجميع وهي تنظر إلى المرأة بعجز، رافضة الرد. الوضع حساس، وهي لن تتنازل عن حقها. الخاتم هدية والدتها الغالية، ولن تفرط في استرجاعه من سارقة، سواء كان ابنها أو المدعو سلامة، كما أشار بذلك. قالت والدته بتوسل أكبر: "عشان خاطري بلاش تضيعي مستقبله. دا سندنا من بعد أبوه... متحرقيش قلبي عليه... اتنازلي عن المحضر وأنا مستعد أكتب وصولات أمانة على نفسي بتمن الخاتم. أو خديني أنا مكانه."

"ااه... ماما... " صاح أيوب يوقفها عن قول هذا الهراء فمن تلك لتتوسل إليها مجرد متعجرفة لا ترى إلا نفسها! بينما جفلت نغم والبقية. وتلاقت عينيها الرمادية به في حوارٍ حاد جعلها تنسحب دون التفوه بكلمة. خص أمه بالحديث: "الموضوع اتحل. قولتلك... أنا هتصرف." قالت والدته بقلق: "إزاي وانت هنا؟ أكلم الحاج صالح؟ أو ياسين هما مش هيتأخروا لو عرفوا." رفض برأسٍ كالفولاذ: "مش عايزين جميل من حد. قولتلك هتصرف." ثم أشار لأخته قائلاً:

"نهااااد... تعالي عايزك." تنحى بها جانبًا وبصوتٍ خافت سألها: "خير يا أيوب." أخذ نفسًا طويلاً ثم تنهد قائلاً: "أنا معتمد عليكي في اللي هقولهولك ده... وعايزك تتصرفي من غير ما أمك وأختك ياخدوا بالهم." قالت بنظرة حزينة ونبرة متيقنة: "سلامة صح." اكتفى بإيماءة، فهما على دراية بماضيه، وعلى علم أن والده (عبد العظيم) هو الرجل الذي مد يد العون لسلامة بعد خروجه من الإصلاحية. وكأنها سقطت من أعلى مكانًا فقالت نهاد ببحة متألمة:

"كنت متأكدة إنه هو اللي عملها." شرد أيوب وهو يخبرها دون التكهن بالتغيرات التي طرأت عليها فجأة: "طاوع شيطانه تاني... بعد ما كان ماشي عدل رجع للسكة دي تاني... ومن أول مرة قطعت عليه بس للأسف مفكرتش وأنا بدخل وراه الفيلا... وابن الـ... لقط الخاتم من غير ما آخد بالي." ثم زفر نفسًا ثقيلًا على صدره مضيفًا: "وادي النتيجة، أنا اللي مقبوض عليا... والباشا برا بيصيع." سألته بنبرة هادئة تخفي انفعالاتها: "عايزني أعمل إيه بالظبط؟

أخبرها أيوب بخشونة: "هو أكيد لسه ما يعرفش إني اتمسكت. روحي عرفيه... وبلغيه إن خروجي من هنا قصاد رجوع الخاتم لصاحبته." سألته نهاد بشك: "وتفتكر هيرضى؟ عقب بتعبير بارد: "لو طمر فيه العيش والملح هيرضى... ولو... "ولو إيه؟ هيسيبك تشيلها مكانه؟ " قالتها بانفعال واضح. زم أيوب فمه وهو غير متأكد من القادم: "مش عارف يا نهاد بعد اللي عمله... مبقتش عارف... بس عرفيه." أومات براسها بالموافقة فقال لها بتحذير:

"متطلعيش أوضته اللي فوق السطح... تقابليه تحت... عند العمارة عرفيه اللي حصل وبعدين نشوف أنا هتصرف إزاي." "اطمن إن شاء الله تخرج منها... ربنا عارف إنكمظلوم ومأذيتش حد." ربتت نهاد على ذراعه بحنو تبث الطمأنينة وهي تفتقدها داخل قلبها الملتاع باسم الهوى والمقيد بقيد يصعب التحرر منه. لماذا اختارت من يشقي قلبها؟ لماذا لص الخزائن؟ ***

سحبت نفسًا عميقًا إلى رئتيها باضطراب يفوق الوصف. كانت عيناها مثبتتين على باب غرفة السطح، حيث يقطن بها بعد أن استأجرها والدها له منذ سنوات عدة كنوع من الدعم، بعدما وفر له عملًا حينها. تعلم جيدًا أن أيوب سيغضب إن علم أنها صعدت إلى عقر دار شاب أعزب، فقد اشترط عليها أن تنتظره أسفل العمارة وتتحدث معه في مكان عام. لكنها لم تفعل. في الحقيقة، هي على وشك الانفجار من شدة ما يعتريها، وما تود قوله لا يجب أن يسمعه أحد غيرهما.

طرقت على الباب وانتظرت بقلبٍ، رغم الغضب، كان لا يزال يرتجف. لا شيء هنا يثير نفورها غير عقلها، الذي لم يستوعب بعد حبها المزعوم للصٍ يسير على درب الشيطان غير مبالٍ بأحد! فتح سلامة الباب وكان على وشك الخروج وعلى كتفه حقيبة سفر صغيرة. "إيه ناوي تهرب؟ " هذا ما نطقت به نهاد بعد ثانيتين من التحديق إليه بدهشة يشوبها النفور. أما قلبها، فكان يقرع بجنون في حضرة سيده! أنزل سلامة الحقيبة وهو ينظر لها بصدمة غير مصدق

وجودها أمامه لأول مرة: "نهاد؟! إيه اللي جابك؟ في حاجة حصلت لأيوب؟ التوى فمها باستهجان: "بتسأل بجد يعني مش عارف؟ ازداد الارتباك في عينيه أكثر وهو يحلل جملتها الغامضة بما يخشاه. قالت بازدراء: "مش عارف صح... إنه اتمسك." وقعت الحقيبة من يده أرضًا، وارتسمت علامات الصدمة على وجهه وهو يهتف: "اتمسك... أنا معرفش... والله ما أعرف." صاحت في وجهه بحمية، وعيناها تشتعلان بنظرة محتدة: "بس كنت متأكد إنه هيحصل بعد ما سرقت الخاتم...

بدليل إنك لميت هدومك وهتهرب وتسيبه هو يشيلها... مع إنك عارف كويس إنه ملوش ذنب... ذنبه الوحيد إنه صاحب واحد زيك... وكمل اللي بابا بدأه معاك زمان." ابتعد عن الباب إلى الداخل، ووقف في منتصف الغرفة البسيطة التي يمتلكها، قائلاً بتبرير، وعيناه الندمتان تعكسان ما اقترفت يداه: "هو اللي دخل ورايا... هو اللي حط نفسه معايا." لحقت به ووقفت أمامه وعيناها عاصفتان بالغضب: "انت بتبرر عملتك السودة...

إيه اللي يخليك ترجع تمشي في السكة دي تاني... إيه اللي يجبرك؟ صاح سلامة بصوتٍ عالٍ أجفلها للحظة: "الحاجة... الحاجة يا دكتورة تجبرني أعمل أكتر من كده... الفقر والمرمطة في الأسواق تجبرني أعمل كده." قالت بعينين تلمعان بالخزي: "وأيوب ليه مفكرش زيك كده؟ ما وضعه زي وضعك." التوى فكه ألمًا وهو يهز رأسه نفيًا، موضحًا بسخط الحالة التي وجد نفسه عليها: "لا أخوكي مش زيي... أخوكي ليه أهل ليه اسم... وليه أب... أما أنا...

أنا نص حياتي قضيتها في الشارع والإصلاحية لا أعرف لي أب ولا أم... ولا ليا عيلة أخاف عليها." بنظرة تقطر وجعًا تساءلت: "ودا يخليك تمشي في الحرام... يخليك تعصي ربنا." أجابها بعناد يحاربها قبل نفسه: "يخليني أعمل أي حاجة... المهم أطلع من الفقر... وأبقى أحسن." "بالسرقة؟! " عقبت مستهجنة على الحديث الأهوج. فلم يرد عليها، بل غرز أصابعه في شعره بقوة، متراجعًا إلى الخلف، بينما كان شعور الغضب واحتقار الذات يستوطنه.

سحبت نهاد نفسًا حادًا، محاولةً السيطرة على أعصابها، ثم تحدثت إليه بآخر ذرة عقل تمتلكها أمام هذا المتفاخر بكوارثه: "انت إيه مشكلتك؟ حتى لو كانت ظروفك تختلف عن أيوب أو غيره... حتى لو كنت فاقد الهوية والنسب زي ما بتلمح... دا ما يديكش الحق إنك تأذي نفسك أكتر وتأذي اللي حواليك." رَقْرَقَت الدموع في مقلتيها، أضافت بشجن وحسرة: "تأذي صاحبك اللي نفسه يشوفك أحسن منه...

تأذي بابا اللي بدأ المشوار معاك من أوله ومكنش همه انت مين وجيت منين كان عايز يساعدك. الحياة كانت بتديك فرصة عن طريقهم هما وانت مستغلتهاش بالعكس أثبت إنك ضعيف ومش هتقدر تتغلب على شيطانك." أبعد عينيه عنها، هاربًا من نظراتها القوية التي تعرّيه أمام مرآة الحقيقة: "المشكلة مش في الظروف يا سلامة... ولا في الفقر ولا في النسب... المشكلة في شخص اللي بيستسلم للظروف ومش بيحاول حتى يغير من نفسه." تابعت بخيبة أمل كبرى:

"وانت عملت كده. كان في إيدك تتغير... بس انت استسهلت الطريق... وكان جزاء أيوب شيل الشيلة مكانك." ساد الصمت بينهما، تغلفهما حالة غريبة. كلاهما ينظر إلى الآخر بعجز، يود الاقتراب، يود الاعتراف، لكن الأمنيات تظل معلقة، والخيال لا يمت للواقع بصلة! أبعدت عينيها عنه، محدقة في الباب المفتوح، بينما عقلها يحثها على الخروج الآن. فالهروب في تلك اللحظة يعد انتصارًا على مشاعر تهفو إليه بجنون.

"الهانم صاحبة الخاتم شرطها خروج أيوب قصاد رجوع الخاتم... أيوب بعتني عشان أوصلك الرسالة دي." عادت إلى عينيه باحثة عن إجابة للسؤال بين نظراته المترددة في الجواب: "هترجع الخاتم لصحابه... ولا هتسيبه يشيل الشيلة مكانك؟ ***

ومن بين الإضاءة الخافتة، ضم الجيتار إليه، وبدأت أصابعه تشق طريقها بخفة على الأوتار، متلاعبة بتناغم يفوق الوصف. غرق في عوالم لا يرى سواها، حيث اخترقت النغمات ضجيج العالم بضياع يشبهه، وتعاثرت في الهفوات كحياة تلائمه. إلى متى؟! لا يعلم إلى متى سيظل ضائعًا هكذا في دهاليز الماضي. أين سيجد نفسه؟ ومن سيرشده إليها؟ من يهون عليه تلك المرارة العالقة به؟ من يبددها؟

ومن يملك القدرة على تغيير عقل صلب متعنت، يراه الخيار الأمثل لكل شيء يقابله؟ من يستطيع تغيير شخصٍ باعته أمه، وضحّت به لتعيش حياتها بعيدًا عنه، بعدما أخبرته منذ صغره أنه العائق الوحيد في طريقها؟ (انت مشكلتي الوحيدة... لو مكنتش موجود كان زماني سبته من زمان... هتفت بها تلك المرأة الجميلة وهي تلملم أغراضها في الحقيبة على عجلة من أمرها والعدائية والحنق يشعان من عينيها.

سالت الدموع من عيني الصغير والذي تجاوز العشر سنوات من عمره، يترجاها دون أن يجرؤ على لمسها. (بلاش تسبيني ياما... ماما خديني معاكي... لم تعره ردًا ولا حتى نظرة اهتمام، اكتفت بإغلاق سحّاب الحقيبة، ثم توجهت إلى الخارج. اتبعها الصبي، منخرطًا في بكاء عنيف، صوت نحيبه يقطع نياط قلوبٍ رحيمة... فقط الرحيمة! رآها تقترب من الباب، فلحق بها، يناديها باستِماتة... أقرب لشخصٍ يستغيث بأمه راجيًا أن توقظه من كابوسٍ مزعج بل مفجع.

(تعالى هنا يا ولد... تعالى هنا وسيبها... صاح والده بجفاء وهو يقف خلفه يشاهد العرض القاهر لقلبه وروحه ابنه يتذلل لها لساعات وهي مصممة على الهجر بقلب كالحجر تتخلى عن فلذة كبدها لأجل غايتها! صمم الصبي منتحبًا بكثرة. (لا... أنا عايز ماما... خديني معاكي ياماما... أنا بحبك أنا عايزك انتي... مسك ذراعها فدفعت يده قائلة بنظرة قاسية تشع كرهًا غريبًا نحو الأب والابن. (وأنا مش عايزك... سيبوني في حالي بقا وكفاية كده... طلقني...

طلقني يافاروق... عاد الصبي يتوسل لها. (ماما... ماما... لكن والده قطع آخر خيطٍ متعلق بينهما حين رد بصوتٍ قوي خشن: (وراقتك هتوصلك على بيت أهلك... أومات براسها وهي تودع عيناه بابتسامة باردة مستهينة وكأنها تتوعد له بالقادم بعد طلاقها منه! (ماما... متسبنيش يا مااااااما... ماااااما...... دفعت ابنها بعيدًا عنها ثم فتحت الباب وخرجت دون رجعة.

سحبه والده من ذراعه وهو يعافر للخروج خلفها فصاح والده في وجهه بقسوة يعنيها حتى يفهم كي يكبر هذا الصبي قبل أوانه. (تعالى هنا... خلاص هي مش عايزك اتخلت عنك... كفاية عياط انت مش صغير انت راجل ومفيش راجل بيعيط... سامعني يا ياسين مفيش راجل بيعيط... (خليها ترجع... عشان خاطري... نظر له والده بضيق وأمام عينا ابنه المفطور قلبه حزنًا لانت نظراته وتناثر الحزن على وجهه كفيضان فاض بعد كتمان. ضمه والده إلى صدره دون إضافة كلمة.

فقال الصغير برجاء: (عشان خاطري يابابا... عشان خاطري خليها ترجع... نزلت دموع والده في أحضانه وهو يجيبه بنبرة متحشرجة: (لو بأيدي مش هستناك تطلبها... بس هي اللي عايزة كده... بكرة تعرف قيمتك وساعتها...

ترك الحديث مفتوحًا هنا تاركًا له النهاية التي سيحددها هو. زاد النغم صخبًا معبرًا عن غضب يكمن بداخله. أغمض عينيه بروح ملكومة وكأنه يحارب يحارب نفسه وهذا الطفل المنزوي جانبًا مفطور القلب ينتظر العودة والندم. لكن زمن الانتظار ولى، أما الندم فلن يفيد رجلًا كبر على هجر وتخلي أقرب الناس له. الأم...

كلمة غريبة على لسان شخصٍ فقد الشعور بها. كذلك وجودها معدوم لو كان الموت من أخذها منه لكان فاض الحنين لها وثقل الحزن في القلب أطنانًا!

ترك الجيتار لاهثًا بقوة صدره يعلو ويهبط بوتيرة عنيفة. عيناه شديدتا الاحمرار ووجهه متعرق بشكل مقلق وكأنه أصيب بالحمى. من الوهلة الأولى تظن أنه عاد من سباق ركض عنيف للتو. المؤكد أنه في سباق نفسي تسباق مع الماضي مجددًا متذكرًا الندبة الحية بالوجع والتي تشكل الآن عائقًا بينه وبين الجميع على رأسهم عمه (صالح الشافعي) والخلافات الدائمة بينهما. ***

فتحت الباب بالمفتاح ثم دلفت إلى الشقة، فاستقبلتها ابنتها في الصالة، وحولها حاجياتها الدراسية، تذاكر بهمة. "ماما... " استقبلت ملك أمها بعناق حار وهي تسألها ببراءة: "اتأخرتي ليه... قبلت ابنتها وهي تعتذر بوجه مرهق: "حقك عليا الشغل كان كتير النهاردة... أكلتي؟ أومات ملك براسها مجيبة: "أكلت سندوتش لما رجعت من الدرس... "طيب أنا جايبة أكل جاهز... هحضر وناكل سوا...

" قالتها شروق ثم توجهت إلى المطبخ الصغير والأكياسُ بين يديها. بدأت تُفرغ علب الطعام في الأطباق، وذهنها شارد في حياتها التي غلفها الحزن والوحدة بعد موت أمها... وشق الألم قلبها أكثر على ابنتها، التي أصبحت تقضي ساعات النهار بمفردها بين المدرسة والدروس، لينتهي بها الحال عاكفةً على الكتب، تذاكر في انتظار عودتها. لو بيدها، لتركت العمل وكل شيء وتفرغت للاهتمام بها، لكن ما باليد حيلة. كُتب عليها الشقاء منذ نعومة أظفارها.

حتى عندما تزوجت من الملقب بـ"حنش"، ظنت أنه سيعافيها من عناء الطرق والسعي خلف لقمة العيش، لكن بعد الزواج منه، اكتشفت أنها تسلك دربًا جديدًا من العناء، خلف رجلٍ زعران، قاطعِ طرق، تحيا معه على المحك، منتظرةً في كل دقيقة خبر القبض عليه، أو هجوم رجال الشرطة على البيت للقبض عليه.

سبع سنواتٍ من زيجةٍ فاشلة، كانت كالموبوءة باسم الحب، عندما عارضت أهلها وقبلت بالزواج من فتوة الحي. في البداية، كان قد شبك خيوط الهوى حول قلبها كالعنكبوت حول فريسته. نسج الخيوط حولها بمهارةٍ وإتقان، فافتتن قلبها، فسلمت إليه وأصبحت مسحورةً به. وقفت أمام الجميع بتحدٍّ، وشنت الحروب للفوز به.

ثم رضخ الجميع لاختيارها الأهوج، وأعطوها المباركة على مضض. لتبدأ الحقائق بالظهور، وتسقط أوراق الحب واحدة تلو الأخرى، حتى اكتشفت علة قلبها. وكلما حاولت التحرر منه، اشتد القيد بقسوة، فألزمها الصمت والرضوخ، حتى رزقها الله بـ (ملك) ، طفلة رائعة، ذكية، جميلة، وحسنة الخلق. مشكلتها أنها جاءت من صلب رجلٍ فاسق، ومشكلتها أن أمها لم تُحسن الاختيار، وانساق قلبها خلف الحب دون حساب للعواقب.

لم تحكم عقلها في الاختيار، لذلك تدفع ثمن هفوة قلبها سنواتٍ من الشقاء، يشوبها الخوف والترقب من ظهور (حنش) مرة أخرى في حياتها. ما زالت تتذكر جيدًا اليوم الذي تم فيه القبض عليه. تتذكر أنه قبل ذلك بيوم، كان يُقسِم لها أنه توقف عن تلك الأفعال، وأنه يعمل عملًا شريفًا يُعيلها هي وابنته. وقتها، صدقت الكذبة كالأحمقة، وهي تتبادل معه حرارة الأشواق على فراشٍ كان باردًا لأشهر، بسبب هجرها له. لتتفاجأ في اليوم التالي بحقيقة الأمر.

طرقاتٌ قويةٌ على الباب أَجفلتها، فالتفتت نحوه ونظرت إلى شحوب وجهه الواضح. "ما تفتح الباب ياممدوح... مين دول؟ بلع ريقه متوجسًا، وهو يواجه قدره المحتوم، متجهًا إلى باب الشقة. فتحها، فوجد رجال الشرطة يهاجمونه، ويكبلون ذراعيه بالأصفاد. سألتهم شروق بهلع، وهي تضم ابنتها، التي كانت حينها في السادسة من عمرها: "في إيه؟ هو عمل إيه؟ رد الضابط وهو يرمق زوجها شزرًا: "عمله أسود ومنيل... فين الصيغة يالا اللي سرقتها؟

بدأ رجال الشرطة بالتفتيش، فلم يجدوا شيئًا، فأخبروا الضابط حينها. بينما أنكر ممدوح، وهو يقول: "أنا مسرقتش حاجة... ياباشا أنا توبة." صاح الضابط مزمجرًا بحدة: "توبة ياروح أمك... كنت فين إمبارح العصر؟ قال ممدوح بسرعة: "نايم في البيت حتى أسأل مراتي."

أوْمأت شروق برأسها سريعًا، لكنها كانت تعلم أنها تخفي فعلته عن الشرطة. فهو لم يعد إلى المنزل إلا ليلاً، يزف لها خبر التوبة والعمل الشريف، ويصارحها بعشقه، مؤكدًا عليها أنه سيتغير من أجلها هي وابنته. صاح الضابط بعد أن عيل الصبر لديه: "انت هتستهبل... دا في شهود عيان شافوك وانت بتسرق المحل... قدامي يلا... قدامي."

شعرت شروق أن الأرض تدور بها، وصدرها يعصف بوجع، والغصة تنمو في حلقها حتى أصبحت كشفرة حادة في الجوف. خارت ساقاها، فسقطت أرضًا بقسوة، وابنتها بين ذراعيها تنخرط في البكاء، منادية على والدها بلهفة ومحبة الابنة لأبيها. حبيبها الأول! "ماما انتي بتعيطي؟

فاقت شروق من سهوةٍ جذبتها إلى الماضي مجددًا بعنفوان مشاعر وقسوة واقع أليم. مسحت خدها ثم نظرت إلى ابنتها الواقفة بجوارها تطلع إليها بتساؤل، بينما هي تتأملها بمحبة الأم. جميلة هي (ملك) ، تشبهها وتشبه أباها كذلك! امتزجت ملامحها بكلاهما لتوحد عشقًا لم يوحد في قلبيهما، فكانت موجات الحياة العتية والرغبات المتضاربة قد أفلتت عشقًا زهد كلاهما في الاحتفاظ به. فضاع غرقًا حتى الموت حتى الذوبان، ثم الاختفاء. وكأنه لم يكن! ابتسمت

شروق بصعوبة تخبر ابنتها: "مفيش حاجة يـلوكـا... دي عيني وجعاني شوية... يلا عشان ناكل... جايبالك إيه فرخة مشوية هتاكلي صوابعك وراها." سألتها ملك بسعادة: "من المطعم السوري؟ أكدت شروق ضاحكة بحلاوة: "من المطعم السوري... عندي كام لوكـا أنا." وضعت الطعام على طاولة صغيرة أرضًا ثم سألتها باهتمام: "ها قوليلي عامله إيه في دروسك.... المدرسين مبسوطين منك ولا نص نص." قالت ملك وهي تأكل من يد أمها التي تدللها بحب: "مبسوطين طبعًا...

انتي ناسيه إني كل سنة بطلع الأول على المدرسة كلها." قالت شروق بعينين تومضان بالفخر: "عقبال ما تبقي الأولى على الجمهورية والوطن العربي كمان... والعالم كله." قالت ملك بمرح وابتسامة متلألأة: "مش لدرجادي ياشوشه... أنا شطورة بس على قدي... وبعدين أنا طالعة ذكية ولماحة لبابا... تيته قالتلي كده." انكمشت ملامح شروق وهاجرتها البسمة فجأة وهي تسألها بتوتر: "انتي روحتي ليها النهاردة؟

"آه سالتها على بابا ووعدتني إنها هتاخدني معاها الزيارة الجاية." أكدت ملك وهي تمضغ الطعام باستمتاع وسعادة. والان فهمت شروق سر سعادتها واقبالها عليها اليوم! صاحت شروق بشراسة مدافعة: "لا... لا يـامـلـك... سألتها ملك بصدمة وقد احتقن وجهها بأسى عميق: "ليه ياماما... بس دا وحشني وانتِ مانعاني بحجة إن مبقاش في بينكم حاجة... بس أنا لسه في بيني وبينه كتير... دا أبويا." قست التعابير في عينا شروق وقالت: "ابوكي ميستاهلش وجودك...

هو اختار طريقه واحنا اخترنا طريقنا." قالت ملك بدفاع الابنة: "لا تيته قالت إنه اتغير... اتغير واتعلم الدرس." قالت شروق بغصة مريرة: "تيته بتكدب... انتي متعرفيش حاجة." عقبت ملك بحيرة: "عرفيني انتي طيب." بماذا تخبرها أن والدها كاذبٌ كبير؟ أم تخبرها أنه يرسل تهديداتٍ صريحة، على لسان رجالٍ من نوعيته العفنة، بأنه سيحرق قلبها ويحرمها من ابنتها عند خروجه من السجن؟ بماذا تخبرها؟

أن جدتها المصونة، الحنونة في نظرها، كانت أحد أسباب عذابها وانهيار بيتها؟! فهي من دفعت ابنها لتلك الأعمال، من غذّت فيه الجشع، من جعلته لا يعرف طريقًا إلا طريق الحرام... وهذا ما علمت به بعد دخوله السجن! تأجج الغضب والخوف داخلها فاندفعت تمنع ابنتها قسرًا: "اياكي تروحي تاني عندها... سامعة... اياكي." صرخت ملك بعناد: "لييييه... على تنفس شروق حدة وهي تهتف بانفعال: "عشان... عشان... عشان أنا عايزة كده ياملك...

عشان أنا عايزة كده." بنظرة متألمة عقبت ملك بشجن: "كل حاجة انتي عيزاها وعمرك ما فكرتي أنا عايزة إيه." "مـلـك انـ... " توقفت شروق عن الحديث عندما طُرق الباب عليهما، فشعرت ببوادر الراحة لمجرد أن الحديث انتهى، ولم تتفوه بالمزيد. فكل ما ستقوله سيؤلمها، وسيؤلم ابنتها قبلها، فالحقيقة لها أبعاد وأوجاع صادمة. فتحت الباب لتجد أمامها صاحب العقار. مطت شفتيها، وهي تعلم أن القادم لا يبشر بالخير. "أهلا ياعم صبحي... اتفضل معانا...

حماتك بتحبك." رفض الرجل الدخول، مقدمًا التعازي: "يدوم العز ياست أم ملك... البقاء لله في الحاجة." بلمحة من الحزن أجابت: "البقاء والدوام لله." تنحنح الرجل قائلاً بصوتٍ خشن متأهب: "اسمعي ياست أم ملك أنا محتاج الشقة وبلغت الست أمك الله يرحمها من تلات شهور فاتوا قبل ما يحصل اللي حصل... انتي عارفه ابني محتاج يوضبها. هيتجوز فيها عقبال ما تفرحي بـملك." شعرت بانقباض في معدتها وهي تغتص بالبسمة مجيبة: "الله يخليك ياعم صبحي...

بس يعني انت عارف صعب ألاقي إيجار اليومين دول... والإيجارات في العالي و... قاطعه الرجل بحسم يشي بنفاد صبر: "أنا بقالي أربع شهور صابر عليكم ومش هصبر أكتر من كده... أنا في مشاكل مع ابني بسبب إنكم لحد دلوقتي في الشقة." بهت وجهها فأطرقت رأسها تفكر بعقل مشتت. بينما خفض صوت الرجل من الحدة إلى قلة الحيلة: "أنا لو عليا انتي عارفه أنا بعتبرك زي بنتي لكن الظروف جت كده... وأنا مقدرش أوقف حال ابني وأفركش جوازته." رفعت شروق رأسها

تنفي الأمر قائلة باستسلام: "لا مقصدش ربنا ما يجيب حاجة وحشة... ويسعده.... أنا هتصرف... سبني مهلة شهرين بس." بنبرةٍ حازمة أخبرها منهيًا الجدال: "صعب كفاية شهر وبكده يكون عداني العيب." "كتر خيرك." أغلقت الباب بعد أن ابتعد، ثم أسندت ظهرها عليه، وعيناها معلقتان بالسقف بشرود وتيه. ماذا عليها أن تفعل الآن؟

حتى إنها لا تملك المال لوضعه كمقدمة للإيجار ولا تملك مصاريف نقل الأثاث. حالتها متعثرة منذ أن أنفقت كل مدخراتها على مصاريف دفن والدتها. ماذا عليها أن تفعل؟ العمل لا يجني إلا القليل، لماذا تتعثر كلما حاولت النهوض؟ يا الله، ساعدني... نزلت دموعها بعجزٍ وهي تنظر للأعلى بضعف وقهر. سألتها ملك وهي تطلع إليها بإشفاقٍ يصيبها كلما وجدت نفسها هي وأمها هكذا، وحيدتين في عالمٍ لا يرحم ضعيفًا أو ساذجًا! "هتعملي إيه ياماما؟

هزت شروق رأسها بعجز: "مش عارفه ياملك... مش عارفه." اقترحت ملك بترقب: "نروح نقعد عند تيته... أي رأيك." هاجت مراجل شروق فجأة صارخة برفض: "لا لو هقعد في الشارع أنا وانتي مش هنروح عندها... الشارع أهون سامعة." تراجعت ملك خطوة إلى الخلف، متوجسةً من هذا الهجوم المبالغ فيه. بينما أضافت شروق بحمية شرسة: "وانسيها... انسيها هي وابوكي... انسيهم وطلعيهم من حياتنا... وبلاش تزودي عليا... بالله عليكي ياملك... بلاش تزودي عليا...

كفاية بقااا... ابتعدت عنها ذاهبةً إلى الغرفة لتنهار كيفما تشاء بعيدًا عن عيون ابنتها لكن صوت نحيبها وصل إلى مسامعها مما جعلها تشاركها الوجع. دموعٌ تنساب بصمت. تكبر ملك... كل يوم تكبر قبل الأوان! *** نظر إلى اللافتة ولم يفقه شيئًا من تلك الحروف المتشابكة ببعضها فسألها دون أن ينظر في عينيها: "إسمه إيه؟ أجابته نهاد: "كمال الموجي." أومأ سلامة برأسه بملامح جامدة ونظرة نادمة حزينة.

بعد لحظات كان الاثنان يجلسان في غرفة الاستقبال الفخمة كلٌّ منهما ينظر بعيدًا عن الآخر. كان الحديث قد مات بينهما، ولم يبقَ شيء يُقال. دلف كمال الموجي على المقعد المتحرك، وخلفه ابنته نغم ترافقه بصمت. رنّ الصمت الكئيب في المكان، ولم يُلقِ أحدٌ تحية تشجع أيًّا منهم على الحديث. حتى تشجعت نهاد وقالت بحرج شديد: "سلامة جاي يرجع الخاتم اللي سرقه." اتسعت عينا نغم تحدّق في هذا الرجل الذي تكشف هيئته أنه أهل لكل ما هو سيء!

سأل كمال بنبرة خشنة مهيبة ونظرة حادة: "قبل أي حاجة افهم انتوا كان مين اللي بعتكم... وكنتوا عايزين إيه بالظبط... مش معقول كل ده عشان خاتم؟ رد سلامة بخزي: "مفيش حد كان بعتنا... وأيوب ملوش دعوة هو اتلخبط في الحوار معايا." تهكم كمال سائلاً بعدم تصديق: "إزاي ضربته على إيده عشان يسرق؟ رد سلامة بجدية: "لا كان مراقبني ودخل ورايا... عشان يمنعني." هز كمال رأسه ساخرًا مشككًا: "دا كلام يدخل عقل حد." نظر له سلامة بقوة مؤكدًا

بلا أدنى شك: "دي الحقيقة ياباشا... أيوب ملوش ذنب وملوش في السكة دي." على صوت نغم مندفعة بحنق شديد: "وطالما ملوش في السكة دي إيه اللي يخليه يصاحب واحد حـ... ابتلعت الكلمة على مضض بعدما أدركت إهانتها له حتى إن والدها نظر إليها بتحذير كطفلة تسيء التصرف. بينما أطرق سلامة برأسه، قائلاً بغصة مؤلمة تجتاح جوفه كشفرة حادة لا يستشعر ألمها إلا من تعلّق قلبها به: "حرامي... عندك حق...

بس أقسم بالله دي كانت أول مرة أعملها بعد ما بطلت من سنين عشان كده أيوب منعني... وكان مراقبني قبلها عشان شك فيا." نظرت إليه نهاد وقلبها يخفق بألم ينزف عذابًا. ليتها كانت قادرة على التوقف. ليتها. ارتجف صوت سلامة من ثقل ذنبًا يعترف باقترافه على الملأ: "والخاتم الشيطان وزني وخدته... ساعة ما أيوب كان بيساعد الباشا... ومكنتش أعرف إن الحوار هيكبر كده وأيوب هيتاخد في الرجلين."

"والله مسافة ما خرجنا من هنا كان قاطع علاقته بيا وكل واحد راح من طريق... أنا معرفتش غير من أخته اللي حصل." بصوت خافت متهدج تابع: "عشان كده جيت... خدوني أنا مكانه... أنا اللي سرقت وأنا اللي حطيته في الحوار من غير ما أقصد." شفق عليه كمال فسأل بترفق: "وإيه اللي يخليك يابني تمشي في السكة دي طالما توبة زي ما بتقول وبقالك سنين." تشنج فك سلامة بانفعال ملحوظ وهو يعترف بخزي: "كان نفسي أسافر... أبعد في مكان محدش فيه يعرفني...

كان نفسي أتمتع بالفلوس حتى لو بالحرام... تفكير شيطاني ياعمنا... وملهاش لازمة أقول وأعيد أنا غلطان ومعترف بده." أومأ كمال برأسه مستاءً من جيلٍ بات يرى في السهل الممتنع مفتاحًا لكل الحلول! هتف سلامة بحمية: "المهم أيوب يخرج وأنا مستعد لأي عقاب." أخرج الخاتم الألماسي من جيب بنطاله، ثم وضعه على سطح الطاولة أمامه، قائلاً: "الخاتم ياهانم... اتأكدي منه."

مالت نغم على الطاولة وأخذت الخاتم تدقق النظر فيه محاولة التأكد من أنه نفس الخاتم الذي حصلت عليه من والدتها يومًا ما. ضمت الخاتم إلى صدرها هامسة: "الحمدلله... هو... تنفست نهاد الصعداء وهي تتبادل النظرات مع سلامة الذي أبعد عينيه عنها بصعوبة ثم نظر إليهم سائلاً بتردد: "هنخرج أيوب صح؟ ... وأنا مستعد أعترف للظابط بكل حاجة." نظر إليه كمال بثبات ثم بصوتٍ حازم، أطلق كلماته التي كانت بمثابة رصاصة رحمة قائلاً:

"وفر التضحية دي لنفسك واعرف إن لما ربنا وقعك في سكتنا... وصاحبك اتحط فيها مكانك كان كل ده اختبار من ربنا ليك لعلك تتعظ وتبطل تسمع لشيطانك." توقف كمال للحظة يتأمل آثار كلماته على وجه سلامة المصدوم الغارق في وحل الخزي. ثم أضاف بصوت هادئ لكنه نافذ: "يمكن تكون فرصة تانية ليك." "والغبي بس هو اللي ما يستغلش الفرصة الأخيرة." ترك الكلمات تتردد في الهواء قبل أن يسود الصمت حاملًا معه ثقل المعاني التي أُلقيت للتو. ***

زفر نفسًا حارقًا كأتونٍ في صدرٍ يشتعل بنيران الانتظار والترقب. عقله ينسج ألف سيناريو بشع ونهاية سوداوية خلف القضبان. "احلى مسا عليك." انتبه أيوب إلى من يمد له سيجارة فأخذها بصمت ثم وضعها في فمه فأشعلها الرجل له وهو يسأله بفضول: "سرقة ولا تعاطي؟ رد وهو ينفث الدخان في الهواء بعينين تبصران الضيم بجمود: "قتل." ابتسم الرجل يجاريه في الحديث قائلاً: "أنا قولت كده برضو... قتلت مين بقا؟ اهتزت عضلات وجهه ألمًا مجيبًا

بنبرة غريبة: "نفسي." ضحك الرجل ساخرًا معقبًا: "جديدة دي... واللي بيكلمني ده شبحك؟ رد أيوب بصوتٍ ميت: "لا دا اللي فاضل مني! سقطت الضحكة عن وجه الرجل بتدريج ثم اكتفى بإيماءة متفهمة: "فهمتك... يا عم روق ما ضاقت إلا وفرجت. محسوبك مـ... بتر أيوب الحديث وهو يقول بغلاظة: "مش عايز أعرف... ولا عايز اتصاحب... تشكر على الدخان." وقبل أن يرد الرجل عليه دوى صوت فتح الباب بقوة أوقف حديثهما ثم جاء صوت العسكري صارمًا وهو ينادي اسمه.

دلف إلى مكتب الضابط مجددًا والأصفاد في يداه. أول من لمح وجوده في الغرفة كان سلامة الذي لم يجرؤ على الاقتراب منه. اكتفى بخفض رأسه بخزي، بعد نظرة اعتذار لم تكن ولن تكون كافية له. ثم حول أنظاره إلى شقيقته نهاد التي وقفت بشموخ تنتظره. بل تنتظر خروجه معها الآن. هكذا أوحت نظرتها الجادة المليئة بالدعم له. لطالما كانت نهاد كذلك... الأنسب والأصدق في كل موقف يُقصدها فيه لا تخيب ظنه بل تحسن التصرف وتكون عونًا له.

عادت عيناه إلى مكانهما الرئيسي حيث مكتب الضابط والجالسين على الناحية الأخرى من المكتب ابنة الذوات ووالدها ذلك الذي ساعده في نوبة الاختناق حينها لم يساعد بشكل كافٍ. بل هرب بجبن. يحمد الله أن هذا العجوز بخير ولم يُصب بوعكة صحية كما ظن. هتف الضابط بخشونة له: "انت أمك دعيالك... الباشا بنفسه جاي يخرجك واتنازل عن المحضر. رغم أنفي أدلة تدينك." تحدث كمال وهو ينظر نحو أيوب نظرة غير مفهومة المعاني: "غلطة وكلنا بنغلط...

وأكيد أيوب اتعلم مش كده." أومأ أيوب براسه بملامح جامدة سائلاً وهو ينظر نحو نغم: "المهم الحاجة تكون رجعت لصاحبتها." قالت نغم بترفع مغيظ: "رجعت... أمال أنا جيت ليه مش ده كان اتفاقنا في الأول." جزّ على أسنانه وهو يلقي نظرة مستعرة إلى تلك المرأة المغرورة، المتعالية... الجميلة. بعينيها الشتويتين، شتاءٌ يأتي مع كل الفصول، بلون رمادي يحير من يلتقي بهما!

انتهت الإجراءات في فترة وجيزة، فخرج أيوب من مكتب الضابط ليجد والدته والتوأمين يقتربون منه بدموع الفرح وملامح الترقب مرسومة على وجوههم. ارتمت والدته في أحضانه تشهق بين دموعها وهي تهمس بوله: "الحمدلله... الحمدلله إنك خرجت... كان هيجرالي حاجة لو كنت بت ليلة واحدة في المكان ده... الحمدلله ربنا عالم بحالنا." ربت أيوب على كتفها وهو يهدئها قائلاً برفق: "أنا كويس يامه... الحمدلله عدت." سألته ندى بنظرة قلقة:

"وشك مصفر ليه يا أيوب؟ هما قالوا حاجة جوا ضايقتك؟ هز رأسه نافيًا ثم رغمًا عنه نظر بطرف عينيه إلى سلامة، الذي كان يقف على مسافةٍ منهم، يراقبهم بصمت، والخزي يكسو نظراته. نظرت والدته مثله وحين رأت ما ينظر إليه امتقع وجهها بكره. كنمرة كشرت عن أنيابها: "ادي آخرة المعروف... كل واحد بان على حقيقته."

على صوت صفية فوصل إلى مسامع سلامة بوضوح الذي اخفض نظراته ولم يجرؤ على النظر إليهم مرة أخرى أو حتى الدفاع عن نفسه فأي دفاع يجدي بعد كل هذا الخراب. بلعت نهاد ريقها بعذاب وكأنها تبتلع جذوة نار موقدة في صدرها تزداد اشتعالًا مع مرور الوقت وهي تسمع إهانته وترى انكساره وندمه. حدثها أيوب بصبر: "مش وقته يامه... الموضوع خلص." هاجت مراجل صدرها وهي تقول بعنفوان: "مخلصش هو السبب في مرمطتنا دي... دي آخرتها...

يطلعك حرامي قصاد الناس كلها وهو اللي عملها. منه لله... ربنا ينتـ... "بالله عليكي ياماما بلاش تدعي عليه... كفاية كفاية اللي هو فيه." أوقفتها نهاد بلوعة وعيناها تحملان الكثير. رأته توأمها بوضوح فزمّت شفتيها بعدم رضا عن انزلاق أختها ومستقبلها مع لص خزائن لعين. اتسعت عينا صفية باستهجان من أولادها ثم قالت بتقريع مشيرة إليهما: "حنية قلبكم اللي ورثتوها من ابوكم دي هي اللي هتوديكم ورا عين الشمس...

بذات انتوا الاتنين وبكره تقولوا امي قالت." أنزل أيوب ذراعها قائلاً بهدوء: "مش وقته ياصفصف... لما نخرج من هنا أبقى عاتبي ولومي براحتك." أشاحت الأم بوجهها بحنق شديد. بينما خرجت نغم تدفع مقعد والدها إلى الأمام، خارجة من المكتب. توقفت بالقرب منهما كما أمرها والدها، متجنبة النظر إلى عيني أيوب، الذي تطلع إليهما بحرج ثم وجه حديثه إلى والدها بصوت متردد وحرج شديد: "مش عارف أشكرك إزاي على اللي عملته معايا."

تحدث كمال بهدوء جاد: "أنا اللي لازم أشكرك على اللي عملته معايا ومع بنتي قبلها... ولسوء التفاهم اللي حطيناك فيه. بس انت عارف الحكاية اللي حكاها صاحبك لينا غريبة شوية... ومع ذلك مفيش قدامي غير إني أصدق... لأن الواضح إنك ابن حلال ومعتقدش إن نظرتي ليك في الأول خيبت." وقبل أن يرد قالت والدته باندفاع أمومي: "كتر خيرك ياسعادة البيه... تشكر انت والهانم والله دا كان ملعوب وابني اتحط فيه." أومأ كمال مبتسمًا ببشاشة:

"الحمدلله إنها عدت ومفيش حد متضرر... خد يا أيوب." نظر أيوب إلى البطاقة الصغيرة التي قدمها له ثم أضاف بعدما أخذها أيوب منه: "دي الكارت بتاعي لو احتاجت أي حاجة كلمني... أنا لسه شايلك جميلك... لما أنقذت بنتي." رفع أيوب عينيه إليها فوجدها تخفض جفونها بخفر فقال بنبرة ذات معنى: "بنت حضرتك ردت الجميل على أكمل وجه... ومع ذلك رقمك هحفظه عندي يعني إحنا نطول كمال الموجي بنفسه رقم تليفونه يبقى معايا." اتسعت بسمة كمال

بتواضع وهو يقول بملاطفة: "أنا هعتبر كل اللي حصلنا ده صدفة... وصدفة خير من ألف ميعاد مش بيقولوا كده؟ أومأ أيوب برأسه وهو يصافحه للمرة الأولى: "تشرفت بمعرفتك يا باشا... وبمعرفة الهانم الصغيرة." خرج المحامي في تلك اللحظة ليطمئنهم بأن الإجراءات انتهت بشكل رسمي وأن أيوب أصبح حرًا الآن ويمكنه الخروج مع عائلته. تهللت أسارير والدته وشقيقتيه فرحًا أما هو فكانت آخر نظرة بينه وبينها وداعًا مؤقتًا. هكذا أخبرته عيناها المعتذرتان!

*** لم يصدق أنه عاد إلى منزله وأنه الآن يستريح على فراشه بعد يومٍ مشحون بالكثير من الصدمات. كان يظن أنه انتهى وأنه سيقضي عقوبة لم يرتكبها خلف القضبان. كان يفكر في حال والدته وشقيقتيه من بعده يشعر وكأنه ضائع في متاهة دخلها بإرادته دون أن يعي الورطة التي كان يُساق إليها. زفر نفسًا ثقيلًا وتمتم بحمدٍ لم يعد يذكر للمرة الكم لكثرة ما رددها اليوم.

أغمض عينيه بأرق لتداهمه صورتها خياله وعيناها الرماديتان تحملان اعتذارًا صامتًا إليه. هل شعرت حقًا بضيم نحوه أم أنه يتوهم؟ كم كانت ساخرة ومغرورة حين أنكر سرقة الخاتم. فبدأت بحديث هزلي وضحكة مستهينة وانتهت بالمساومة تضع حريته في كفة وخاتمها الماسي في الأخرى. فتح عينيه ونظر إلى السقف، وقد جفاه النوم. مرت الدقائق ببطء قبل أن يصدح الهاتف باتصالٍ اخترق خلوة الصمت وزوابع الأفكار.

نظر إلى الهاتف فوجد رقمًا غير مسجل لديه. فتح الخط ووضع الهاتف على أذنه منتظرًا بعد أن قال: "الو... "أيـوب... انساب صوتها كـوترٍ تشبه الناي في شجنها ودفئها. كان صوتها المميز واضحًا لكنه أراد أن يتأكد أكثر: "أيوا... مين؟ سمع الصمت يليه إجابة بهمسٍ مميز كـصاحبته: "نـغـم...... في صمتها إيقاع خفي وفي صوتها نغم شارد. نغم يبحث عن لحن يحتويه! وماذا بعد يا ابنة الذوات؟ يتبع

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...