الفصل 3 | من 42 فصل

رواية اشتد قيد الهوى الفصل الثالث 3 - بقلم دهب عطية

المشاهدات
37
كلمة
10,811
وقت القراءة
55 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

مقفرة هي عقول تنساق خلف الشهوات ومطامع الحياة ونست الحسبة الكبرى. إن لكل خطأ ثمنًا باهظًا يُدفع ولو بعد حين. فأحذر من غفلة تجرفك مع التيار إلى المجهول! وقف أسفل الثُّريَّا المنيرة في بَهْو المنزل الفاخر يتطلع على كل جزءٍ ظاهر بعينين تلمعان بالطمع ونشوة الانتصار. بعد خطوة واحدة، سيجني الكثير من الأموال، سيحقق جميع الأحلام. ابتسم سلامة بسعادة متمتمًا بعد أن قفز في عقله وجه أيوب.

"مش لو كنت طوعتني يا صاحبي كان زمانا بنتقاسم أنا وأنت في الهيلمان دا كله." "وانت بتوزع من مال أبوك بقا عشان كده هنقسم التركة سوا." جحظت عينا سلامة بصدمة مُستديرًا إلى مصدر الصوت الذي يعرف هوية صاحبه دون أدنى شك. "أيـوب.... أنـ...... وقبل أن يتابع باغته أيوب بلكمة قوية في أنفه، على أثرها ترنح سلامة للخلف جافلاً، وما زال تحت تأثير صدمة وجود أيوب هنا. "طول عمرك وسخ.... هنتظر إيه من فتاح خزن..... حرامي...

صاح بها أيوب بحدة وهو يسحب سلامة من ملابسه، مسددًا له اللكمات بغضب هائل، قد فقد السيطرة على نفسه بعد أن أوهمه هذا الفاسد بالتوبة الزائفة لسنوات، وتقبل النصيحة. بعد أن تشارك معه الخبز والعمل، وفتح له بيته واعتبره أخًا لم تلده أمه، خانه وكذب عليه. ماذا ينتظر من نبتة ضارة ترعرعت في أرض غير صالحة، الاقتراب منها يؤدي إلى التسمم حتى الموت.

وهو لم يحسب للأمر تعامل معه بمروءة، لطالما كانت السبب في خراب حياته، والندبة التي في عنقه خير دليل. بأنه سيصل إلى الموت يومًا بسبب تساهله مع البشر! وضع سلامة يده على أنفه التي تسيل بخطٍ من الدماء وهتف سائلًا بالسؤال الذي يحوم في رأسه بدهشة كبرى. "عرفت إن هنا إزاي؟ رد أيوب لاهثًا بغضب. "براقبك ياحلو..... وشكي فيك طلع في محله... هتف سلامة بمداهنة. "يا أيوب اهدى كده واسمعني.... دي خطفة العمر ياصاحبي....

بُص حوليك هتعرف إن طاقة القدر اتفتحت لنا.... رزق وجه لحد عندنا.... نعمل إيه؟! التوى فم أيوب ببسمة سفاح على وشك سفك دماء هذا الملعون. "نسرقه مش كده.... فين الرزق وانت بتنط على بيوت الناس وبتفضي اللي في جيوبهم... أشار سلامة على الباب خلف ظهر أيوب قائلًا بجدية. "قصدك اللي في خزنتهم..... الباب المقفول وراك ده.... باب مكتب وفيه خزنة..... حرك أيوب رأسه بتساؤل. "وعرفت منين بقا.... دا انت لسه داخل.... أخبره مختصرًا.

"ذكي قالي.... ازدادت الشكوك والأسئلة وهو يستفسر منه. "والصايع ده عرف التفاصيل دي منين... هتف سلامة بحنق متلهفًا. "مش وقته يا أيوب.... لازم نخلص وبما إنكم معايا يبقا القسمة هتبقى على تلاته... وأنا وأنت طبعًا هناخد العكمة الكبيرة.... حرك أيوب حاجبيه مستأنفًا. "أنا وأنت.... أومأ سلامة وعيناه تلمعان بظفر. "آه طالما جيت يبقى مش هنخرج من هنا فاضيين..... "لا هنخرج فاضيين.... ودلوقتي....

مد أيوب يده كي يقبض على ملابسه، ابتعد سلامة عن مرمى قبضته مزمجرًا بغيظ. "انت بتقول إيه.... بعد ما وصلت لحد هنا أمشي دا على موتي..... قبض أيوب على ياقة قميصه صائحًا بنظرة مظلمة مرعبة. "يبقى موتك يا سلامة..... صرخ سلامة في وجهه بنفاد صبر. "ايـــوب.... عايز تمشي انت أمشي... أنا مش هتحرك غير لما أخد اللي أنا عايزة... زي ما نويت.... هتف أيوب وهو يهزه بين يديه بعنف. "انت شيطان يلا.... زجره سلامة هادرًا بتعنت.

"صح وألعن منه كمان.... أبعد انت بقا عني يا ملاك وخليك في فقرك والمخروبة اللي دفني فيها.... رد أيوب مستهجنًا منه. "المخروبة دي أنضف منك... على الأقل فلوسها حلال..... ليقول سلامة بنزق. "وأنا مليش في الحلال... جربت ومنفعش...... صرخ في وجهه أيوب بسخط محتد. "عشان انت وسخ... وماشي ورا عيال صيع ولاد ستين كلب بيلعبوا في مخك.... بعد السنين دي كلها بتمد إيدك... وسنين السجن إيه متعلمتش منها رايح لسكة الزفت دي تاني....

نزع سلامة يداه عنه هاتفًا من بين أسنانه بتردد. "أيوب أبعد عني ومتبوظش الدنيا.... الدقيقة هنا محسوبة..... وممكن نتقفش.... رد أيوب ببرود. "لوحدك هتشيل شيلتك..... عقب سلامة هازئًا. "انت كدا كده بقيت ملطوش معايا في الحوار.. " نظر له أيوب بعينين ضاريتين وفلتت سبة بذيئة من بين شفتيه. فقال سلامة بأسلوب مقنع. "دي الحقيقة فكر وجودك هنا مش من فراغ يا صاحبي دا ربنا عايز كده رزقك.....

مال أيوب بوجهه للجانب الآخر يهز رأسه باستياء ويلعن نفسه واليوم الذي أخذ هذا الخسيس صديقًا له. ثم عقب بكراهية شديدة. "انت ألعن من الشيطان.... دا يخربيت اليوم اللي شوفتك فيه وصاحبتك يلا بينا... وبرا المكان ده نتحاسب.... مسكه أيوب بقوة ينوي الخروج به. فزمجر سلامة مصممًا. "مش مااااااشي يا أيوب.... قولتلك مش مااااااشي...... توقف أيوب عندما سمع صوتًا يأتي من الطابق العلوي لشخصٍ يحتضر في نزاع مع الألم. "اي الصوت ده....

انت قتلت حد؟! سأله أيوب بوجهٍ بهت متخيلاً الأسوأ. رفع سلامة يداه للأعلى مجيبًا بصدق. "أنا ملحقتش اتحرك من مكاني.... وبعدين أنا مليش في القتل.... عاد الصوت يتكرر بالآهات. فعقب أيوب متيقنًا. "دا صوت حد بينازع...... كاد أن يذهب لمصدر الصوت لكن سلامة منعه قائلاً بتبلد. "رايح فين.... خليك هنا لحد ما أفتح الخزنة.." "خليك مكانك عارف لو اتحركت خطوة واحدة هقتلك يا سلامة.... هقتلك....

حذره أيوب متكئًا على أسنانه بقوة وبنظرة جادة غير متهاونة. ثم نظر إلى الدرج الممتد أمامه والصوت المتألم المنبعث من الأعلى يتزايد، فلم يستطع تجاهل الأمر لذا خطى خطواته صاعدًا بحرصٍ شديد بعينين حادتين مراقبتين المكان من حوله. بينما بقى سلامة مكانه بملامح مكفهرة ونظرة تشتاط غضبًا، غرز أصابعه في خصلات شعره بقوة يكاد يقتلعها من شدة ما يعتريه.

خطفة العمر انتهت قبل حتى أن تبدأ، وحلم السفر والأموال الطائلة أصبح أبعد إليه من نجوم السماء! ظل أيوب يتبع الصوت حتى وصل إلى باب غرفة مضاءة، موارب بابها وصوت نزاع مؤلم يصدر من رجلاً عجوز. هكذا رآه أيوب منشق الباب، واقعًا بجوار الفراش عاجزًا عن الوصول لشيءٍ، لم يراه أيوب بعد، فكان عند الجانب المغلق من الباب. جسده كله في حالة تأهب، ولكن عقله يعرقل هذا التصرف الإنساني، فظهوره يعد شبهة جنائية لها عواقب وخيمة.

كيف يقدم على المساعدة في عقر دار العجوز! من أين أتى؟ ولماذا أتى؟ أخذ الأمر دقيقة واحدة، وعندما زاد أنين الرجل وجعًا، حسم الأمر ودلف إليه. كان كمال الموجي منبطحًا أرضًا على بطنه يحاول الوصول إلى كرسيه المتحرك بعد سماع أصوات رجال بالأسفل، ولكنه فشل في الوصول إليه بسبب شلل ساقه، وزاد الوضع الصحي سوءًا عندما ضاقت أنفاسه وبدأ ينازع في سحب الهواء لرئتيه، ولكن دون جدوى، وكأن الهواء انعدم فجأة من غرفته.

القلق يتزايد على ابنته، رغم علمه أنها لم تعد من العمل بعد، إلا أنها على وشك الوصول. هل أتت وتلك الأصوات لرجال عصابات قد أرسلهم هذا المجنون لإيذائها. ضعيف هو وعاجز والموت يحوم حوله ويفكك به! انتبه كمال إلى الباب يفتح ويقترب منه شاب طويل القامة عريض المنكبين، يميل عليه ويساعده في التسطح على الفراش سائلًا دون النظر إليه. "في حاجة بتاخدها..... شاور لي عليها طيب.."

كان كمال يشير على جارورة المنضدة البعيدة نسبيًا عن الفراش هامسًا بكلمات متقطعة. "بــ.... خـاخة....... الر..... بو....... فهم أيوب سريعًا واتجه إلى المنضدة يخرج منها بخاخة الربو. أعطاها له مساعده على استنشاقها، وعيناه غامت في ذكريات مريرة عن والده الذي كان يعاني من نفس مرض الربو لسنوات عدة. أخذ الأمر دقيقتين حتى بدأ يستعيد كمال أنفاسه بصورةٍ طبيعية، شاهقًا زافرًا، فقد عاد للتو من صراع مع الموت.

أشار كمال على كوب الماء، أعطاه له أيوب بهدوء، متراقبًا تعافي الرجل كليًا حتى يعود من حيث أتى. "انت مين..... سؤال متوقع نطق به العجوز متوجسًا منه، فابتعد أيوب عنه مصعوقًا، وكان الصاعقة ضربت عقله الآن، فانتبه أنه أطال الوجود هنا. وكل دقيقة تمر تضعه تحت الشبهات. وكل هذا بسبب الخسيس، الخسيس؟ كيف نسى أمر لص الخزائن المتحالف مع الشيطان! ابتعد أيوب سريعًا مغلق الباب خلفه، فصاح كمال مناديًا بقوة. "قولي انت مين بنتي فين....

نـغـم.... نـغـم بنتي..... وضع كمال يده على صدره متألمًا بتعب، فأصبح النداء يشكل جهدًا أكبر من تحركه الآن. "نـــغــــم......... نااااااااااغم........ توقف أيوب مكانه في منتصف درج السلم وهو يسمع نداء العجوز وصيحة الآه منه في الآخر. وكأنه فقد الوعي، أو فارق الحياة! اعتصر أيوب جفونه بقوة وصدره يغلي بغضب وخوف، لكنه تابع الهبوط على الدرج مصممًا على الرحيل.

فرأى سلامة ينتظره في البهو خالي اليدين، فضاقت عينا أيوب باتهام صريح وهو يهجم عليه يفتشه كالمخبرين. صاح سلامة بغضب منه. "مخدتش حاجة ولا حتى اتحركت من مكاني أدخل أتأكد بنفسك..... "هأتأكد حد قالك إني بقيت بثق فيك.... فتح أيوب باب المكتب بالفعل، تفحص المكان بدقة ليجد كل شيءٍ بمكانه، لا شيء يثير الشكوك، حتى الخزينة لم تمس. "سلامة..... إيدك مطولتش صح؟ .....

أعاد أيوب السؤال وهو يشعر أن هناك حلقة مفقودة، فليس من الطبيعي الانصياع لأمره والخروج من هنا دون أخذ شيء! أجابه سلامة بحدة. "ورحمة أبويا وأمي اللي معرفهمش... ما حصل..... أشار أيوب للأعلى بصوتٍ جاد. "الراجل اللي فوق شافني يعني لو في حاجة لقطها أنا اللي هبقى في الوش.... هتف سلامة بمداهنة. "المهم إنك ساعدته ياصاحبي.... تساءل أيوب. "انت طلعت ورايا؟! أومأ برأسه بمناورة. "آه بطمن لحسان يكون في لبش.... ثم أضاف بارتياب.

"خلينا نخرج من هنا... قبل ما يبلغ عننا... .............................................................. وقع أرضًا متأوهًا بعد أن باغته أيوب بلكمة قوية. صاح سلامة وهو ينهض من مكانه مسددًا اللكمات له بغضب. "هو أنا بقيت ملطشه ليك..... رد أيوب له اللكمات بأنفاسٍ متسرعة من شدة الغضب مستشيطًا وهو يسأله بحدة. "وليك عين تبعبع كمان..... انطق يلا عرفت الفيلا دي إزاي.... واي دخل ذكي الزفت ده في الموضوع....

تراجع سلامة وألقى نفسه على الأرض جالسًا بتعب غير قادر على متابعة القتال أكثر من هذا. فهم ولمدة ساعة في حلبة مصارعة كالثيران يهاجمان بعضهما بضراوة. "معلق مع البت الممرضة اللي بتمرض الراجل الكبير.... وكلام جاب كلام بينهم حكت له عن الناس اللي شغالة معاهم.... أسند أيوب جذعه على مقدمة سيارته التي تنير لهم هذا المكان الهادئ المنزوي عن أماكن المدينة الصاخبة. "حكت إيه بالضبط؟! أخبره سلامة بصوتٍ متهدج بتعب.

"إن الفيلا معليهاش حراسة.... وأنا آخر طقم حراسة كان واقف من أسبوع فات ولسه بيكلموا شركة أمن يكلفوا ناس تحرسهم.. بتقول إن في عواء مع بنت صاحب الهيلمان ده.... وإن في ناس عايزة تقتلها.... مع سكوت أيوب وعيناه المدققتان بصاحبه، تابع سلامة معترفًا بتفاصيل كاملة. "الفكرة لعبة في دماغ ذكي خصوصًا إن المكان فاضي وسهل أي حرامي يدخل ويخرج... الجنايني اللي شغال معاهم من سنين مسافر يومين عند أهله في البلد...

والشغالة بتيجي بالنهار وبتمشي على الساعة عشرة بليل.... والممرضة كمان مش بتبات في الفيلا آخرها الساعة حداشر وتروح والراجل الكبير بينام من الساعة تسعة..... يعني المكان فاضي وده أنسب وقت نخلص..... "كلمني ورساني على الدور.... وعرف ياخد من الممرضة كل المعلومات اللي عايزها من غير ما تشك في حاجة.... أصل المغفلة عمرها ما قابلته يعرفوا بعد من عن نت بس.... ومفهمها إنه طيار....

ضحك سلامة هازئًا بينما اظلمت عينا أيوب أكثر، فازدرد سلامة ريقه متابعًا الباقي من الحكاية. "اتفقت إني هروح المصلحة دي النهاردة وهومعايا.... بس مردش ابن الـ.... تلاقيه تقل في الشرب ونام قتيل.... أنا عارفه حمار.... ويمكنيكون رماها عليا وعايز ياخد حقه ناشف من غير ما يتلطخ في الحوار لا في سرقة ولا في بيع..... صاح أيوب مزمجرًا. "يا ولاد الكلب...... دا انت وهو مرتبين لكل حاجة.... بتعنت هتف سلامة بجزع. "هي مترتبة....

بس انت وجودك بوظ الدنيا.... وضيع المصلحة من إيدي.... لوح له أيوب بازدراء. "بكرة تلاقي مصلحة جديدة متقلقش اللي زيك مش هيغلب... سأله سلامة وهو يقف. "يعني إيه؟! التوى فك أيوب بسخط. "وليك عين تسأل كمان.... يعني انت من طريق وأنا من طريق وكفاية لحد كده خلصت... هدر سلامة منفعلاً. "ولما هي خلصت مسبتنيش أكمل اللي جيت عشان ليه.... بمقارعة أجابه أيوب. "عشان الراجل شافني يا حدق.... وأي حاجة هتلقطها أنا اللي هبقى في الرجلين....

"وتفتكر بقا هو مش هيبلغ عننا.... أجابه أيوب بنظرة محتدة. "هيبلغ أكيد.... بس مفيش حاجة اتسرقت... يبقى مفيش جريمة.... فهمت... حاول سلامة الاعتذار. "أيوب..... أنا غلط بس اوعـ..... بتر أيوب الحديث بنظرة غير متهاونة كـرصاصة قاتلة. "اقطم على الحوار.... انتهت... انت بتحرقعلى الفاضي.... "سبني في فقري وفي المخروبة اللي شغال فيها وخليك انت في حياتك اللي اختارتها الله يسهلك......

ذكره بالحديث الذي ألقاه على مسامعه بمنتهى الغباء متحالفًا مع شيطانه في عدم الحفاظ على أي شيءٍ نظيف في حياته! وأيوب كان الشيء الوحيد والأخير عنده! حاول سلامة مبررًا الذنب بأخر. "يــا أيوب..... أنا كنت مضطر..... أنا نفسي أسافر.... نفسي يكون معايا فلوس يا جدع متع نفسي بالدنيا زي بقيت الناس... هو حرام.... رد أيوب قانطًا. "الحرام إنك تستسهل الطريق وتلجأ للحرام.." هتف بأسف. "الشيطان لعب بيا.... وغلط وعايزك تسامحني....

رفض أيوب بنظرة غاضبة. "متحولش يا سلامة.... أنا لا بقيت بثق فيك ولا بقيت عايز أصاحب واحد زيك.... ثم أضاف بنبرة شاجنة. "أنا كنت بكمل اللي أبويا كان بيعمله معاك... بس لو الحاج عبد العظيم كان عايش وشاف إيدك بتطول تاني على حاجات غيرك.... كان قطعها..... وسامحك..... "أنا بقا لا هقطع إيدك ولا هسامحك... انت أدرى بمصلحتك..... وأنا كمان مصلحتي بعيد عن واحد زيك........

سار أيوب مبتعدًا عنه ثم استقل السيارة وانطلق بها أمام عينا سلامة اليائستان الندمتان على خسارة صديق العمر. قد سار خلف هواه متشبثًا بالسهل الممتنع ولم يحسب للعواقب. صدح الهاتف الخاص به، فتح الخط ودون مقدمات صاح بنبرة حانقة مستاءة. "المصلحة باظت يا ذكي.... أيوب قطع عليا من قبل حتى ما أدخل الفيلا..... استمع للطرف الآخر الذي يبدو عليه عدم التصديق. فعاد سلامة يهدر بغيظ. "وأنا هكدب عليك ليه يا جدع....

بقولك أيوب قطع عليا.... مدخلتش ولا شوفتها من جوا حتى عاملة إزاي..... ثم تابع واجمًا. "أخرس بقا بسببك خسرت أيوب.... ويمكن أكون خسرت نفسي.... سمع من الطرف الآخر كلماتٍ ساخرة ملأت صدره بقواتم الماضي، فأومأ سلامة برأسه بنظرة ضياع مؤكدًا بمرارة. "صح أنا كدا كده خسران.... حلال بقا ولا حرام مش فارقة.... "مش عايز أسهر مع حد أنا مروح....

أغلق الخط وهو يرفع رأسه للسماء في هذا المكان الخالي من البشر، صرخ بوحشية كذئب مجروح جائع بعد أن ضاع منه قطيع من الأغنام ولم يحصل إلا على حمل. حمل صغير من بين قطيع كامل، هل هذا عدلًا! أخرج سلامة قطعة ماسية صغيرة كانت عبارة عن خاتم مصنوع من الألماس الخالص نفيس الثمن وقيم الشكل، وكأنه متوارث بين الأجيال!

هذا كل ما طالته يده بخفة بعد أن تتبع أيوب للأعلى ورآه يساعد الرجل، عاد أدراجه فوق، فوقف أمام أحد الغرف، فتح الباب بحذر ليجد غرفة فارغة مرتبة، تشي بأن صاحبتها أنثى بمعنى الكلمة. عطرها فواح كملابسها التي فتش بها بحث، بحث كثيرًا حينها، وفشل في أيجاد المكان السري التي تضع فيه مصوغاتها. قد تقدم البشر في صنع مخابئ سرية غير معلنة لإدخاراتهم الثمينة بعدما عجزوا عن الحفاظ عليها من لصوص الخزائن.

لصوص لا يقف أمامهم قفلًا مؤصدًا، فأصابعهم مفاتيح لكل الأقفال المحكم غلقها. كان من الممكن فتح خزينة المكتب كما طمع، لكن وجود أيوب أفسد كل شيء، فلم يرد خسارته، لذا اكتفى بسرقة هذا الخاتم الثمين بعد أن رآه في علبةٍ على طاولة الزينة. أخذه في لمح البصر من العلبة، وحرص على إخفائه في مكانٍ لن تصل إليه يد أيوب. فهو على دراية كاملة أن أول شيءٍ سيفعله أيوب هو تفتيشه قبل الخروج.

لا بأس في سرقة حمل صغير من قطيع كبير، لن يؤثر على أصحاب البيت؟ غافلًا هو عن التشبيه الذي ألقاه، فربما هذا الحمل الصغير أغلى بين كل القطيع! وضع سلامة الخاتم في جيب بنطاله عائدًا إلى البيت بجسد مجهد ورأسه يتفاقم من كثرة الصداع. ..................................................................

تقف أمام غرفة الفحص رماديتيها مثبتة على الباب المغلق بخوف يستوطن قلبها واعصابها كلها في حالة انهيار بعد أن وصلت للبيت ورأت الباب مفتوحًا على مصرعيه، عندها صعدت الدرج تنادي على والدها بهلع حتى وجدته على الفراش فاقدًا للوعي. حينها أبلغت سيارة الإسعاف وتم نقله إلى أحد المشافي التابعة لحالته الصحية. أتت عليها صديقتها جيداء بقلق مقتربة منها. "إيه يانغم خير؟ .... مالوا انكل؟ ... قالت بنبرة باهتة.

"بيقول إن في حد اتهجم على البيت.... هتفت جيداء بصدمة. "إيه مين ده.... تبع العزبي؟! هزت رأسها بنفي، فإذا كان الأمر يخص شكري العزبي فهي المستهدفة الوحيدة وليس والدها. "معتقدش.... سألتها جيداء بتراقب. "حرامي مثلا........ سرق حاجة.... علت الحيرة وجهها وهي تقول. "الخزنة محدش قرب منها..... بس أنا بلغت البوليس وهما بيحققوا في الوقعة.... وحاليًا في الفيلا بيرجعوا كاميرات المراقبة.... ربتت على كتفها جيداء مواسية بالقول.

"إن شاء الله هيلاقوهم اطمني ياحبيبتي... غامت عينيها الرمادية في حزنًا دفينًا قائلة بوهن. "أنا مبقتش عارفة إيه اللي بيحصل حواليَّ يا چيدا..... كل حاجة عمالة تتعقد... أنا خايفة على بابا أوي... لو جراله حاجة أنا ممكن أموت.... عادت تربت عليها قائلة بحنو. "حبيبتي إن شاء الله خير... الدكتور مطمنكيش عنه.... "لسه عنده جوا..... فور نطقها بالجملة خرج الطبيب والمساعدة، فاقتربت منه نغم تسأل بلهفة وخوف. "خير يادكتور؟ ..... طمنّي؟

.... أخبرها الطبيب بشكلٍ عملي عن المضاعفات الصحية التي طرأت، ثم ختم الحديث بالقول المطمئن. "بس الحمدلله هو بقى أحسن حاليًا..... تقدري تشوفيه.... وتطمني عليه.... أبتعد الطبيب بينما ولجت نغم لداخل الغرفة تتبعها صديقتها. "بابا..... قالتها بنبرة شاجنة وهي تلقي نفسها على صدره تذرف الدمع بعد أن اختبرت الخوف من فقدانه للمرة التي فشلت عدها! "أنا بخير يانغم.... متخفيش المهم انتي.... رفعت رأسها إليه تقول بحزن.

"أنا كويسة ياحبيبي مفيش أي حاجة... البيت كان فاضي أصلًا مفيهوش حد... انت شوفتهم الناس دي؟! أومأ برأسه محتار الفكر فيما حدث. "شوفت واحد ساعدني..... وأداني بخاخة الربو..... قطبت جبينها متعجبة معقبة. "مين ده يابابا.... وكان جاي ليه أصلًا.... مفيش حاجة اتسرقت... وأنا لسه مكلماهم وبيعملوا تحرياتهم.... وهيرجعوا الكاميرات.... أجاب كمال بغرابة. "معرفش مرضاش يقول حاجة....

ساد الصمت المتوتر بين الحيرة والفضول من معرفة هوية هذا الشاب الذي اقتحم منزلهما كالصوص، ثم ساعد والدها أثناء نوبة ضيق التنفس التي تأتيه! هناك شيءٍ مفقود في هذه الحكاية الغريبة، فهذا التناقض لأول مرة تسمع به! قطع الصمت صوت جيداء الرقيق بحرج. "حمدلله على سلامتك يانكل.... رد عليها بود. "الله يسلمك يابنتي.... قالت جيداء بمساندة. "اطمن يا انكل إن شاء الله هيجيبوا اللي عملوا كده ويتحاسبوا.... هتف كمال شاردًا.

"الغريبة إنه ساعدني.... أضافت نغم بنفس النبرة المتحيرة. "والاغرب إنه مسرقش... طب كان إيه هدفه... قالت جيداء بدهاء مفكرة. "هيبان وبعدين انتي اكتفيتي بإنك تشوفي خزنة المكتب.... طب ما دوري في أوضتك يمكن يكونوا لقطوا حاجة كده ولكده... أومأت نغم برأسها مؤكدة على الأمر، فهي لم تبحث جيدًا، فلأطمئنان على والدها أخذ منها الحيز الأكبر. "جايز برضو.... بس الخزنة كانت قدامهم... لو سرقة فعلا إيه اللي منعهم؟! قالت جيداء بحذر.

"مش معقول ضميرهم صحي... أكيد في سبب تاني.... قالت نغم متنهدة. "أكيد المهم إني بلغت.... والحكومة هتصرفواكيد هتجيب اللي عمل كده.... .............................................................. "صدق بابا لما قال عليك نمرود.....

وكانت جملتها الحانقة بمثابة عود كبريت وقع في كومة قش، فندلعت النيران فجأة في صدره وهاجت مراجله وهو ينظر إليها نظرة أخرستها وجمدتها لبرهة فقط، فقط لبرهة قبل أن تبعد عينيها عنه وتشهر أسلحتها على الشابة الواقفة بينهما. ليراها في اللحظة التالية تسحبها من شعرها بقوة أمام عينيه المصعوقة من ردة فعلها التي كانت أسرع من غضبه نحوها. صرخت الفتاة وهي تحاول أن تخلص نفسها من بين يدي تلك الصغيرة المتوحشة.

بالفعل كانت أمام عينا الفتاة مجرد مراهقة صغيرة طائشة، بينما هي تكبرها بعدة أعوام. صاحت الفتاة مستغيثة بالم. "الحقني يا ياسين.... ابعدها عني آآه.... وقعت الفتاة أرضًا وأبرار فوقها تجذبها من شعرها، ففعلت الفتاة مثلها مدافعًا عن نفسها. سألتها أبرار بوجهٍ مربد غضبًا. "كنتوا بتعملوا إيه بالضبط... "وفين أهلك انتي أفهم.... ردت الفتاة عليها صارخة بتعالٍ. "وانتي مالك يابتاعة انتي حاشرة نفسك بينا ليه انتي مين أصلا؟!

اقترب ياسين منهن وجذب أبرار يبعدها عن الفتاة ثم ساعدها على النهوض ووقف بينهن حائلًا يقول. "ميار..... روحي دلوقتي.... هبقى أكلمك في التلفون.... قالت ميار بصدمة وهي ترجع شعرها المشعث للخلف. "أروح؟! .... بعد كل اللي عملته فيا الشوارع دي.... مين دي يا ياسين.... ومحموقة أوي كده ليه عليك..... انت خاطب ولا متجوز؟! وقبل أن يرد عليها قالت أبرار بسخط وهي تضبط حجابها على رأسها بشراسة.

"مين دي اللي تفكر تربط نفسها بواحد في أخلاقه.... غير لو واحدة في أخلاقك سيادتك يبقى ما وفق إلا مجمع.... صاح في وجهها محذرًا. "أبـرار.... لم تهابه وهي تقول بإهانة لاذعة مشيرة على السترة الموضوعة على الأريكة. "البسي الجاكت يا قطة لحسان تستهوي... ولماتحبوا تعملوا كده.... برا البيت ده.... مش هنا.." سحبها ياسين من ذراعها مزمجرًا بغضب. "انتي زودتيها أوي.... صاحت بازدراء وهي تنظر إليه. "وانت كمان....

حصلت تجيب ستات البيت ده لو بابا وتيتة عرفوا هيطربقوها فوق دماغكمش بعيد يطردوك برا البيت ده.... شع التمرد في عينيه وهو يقول بنزق. "حد قالك إني قاعد هنا شفقة منك أو من أبوك.. أنا قاعد في مالي.... ورث أبويا... زيزي أبوكي وأنا حُر أعمل اللي أنا عايزه.... قالت بنظرة ونبرة محتدة. "لا مش حُر.... انت معوج علينا ليه... وكل تصرفاتك غلط وتقرف واخرها جايب واحدة من الـ..... كمم فمها هادرًا. "اخرسي ولا كلمة.....

ثم نظر إلى ميار معتذرًا بنبرة أهدأ. "ميار استنيني تحت.... هاجي أوصلك.... أومأت ميار برأسها بملامح محمرة بالغضب ثم سحبت سترتها والحقيبة وخرجت. بينما سحب هو يده عن فمها. فقالت هي بتعليق لاذع. "كمان هتوصلها دي واضح إنها غالية عليك أوي.... رد مؤكدًا بغلاظة. "أوي.... عندك مانع..... "وانا مالي.... أولع بيها.... قالتها وهي تبتعد خارجة من غرفة الجلوس، لحق بها وهو يديرها إليه. "راحه فين.... هو الدخول زي الخروج....

بلعت ريقها متوجسة. "قصدك إيه..... سألها باهتمام مبهمًا. "ابوكي قال عليا نمرود.... وانتي كان ردك إيه مصدقاه؟! نظرت إلى وجهه القريب منها وعيناه التي تحاصرها في دوامة تدور بها. قالت بتقريع. "هتفرق أصدقه ولا لا.... كل حاجة بتكلمعن نفسها واخرهم الهانم اللي لسه خارجة من عندك.... وأمام سعة عينيها السوداء أجاب موضحًا. "ميار كانت جايه زيارة لحد قريب هنا وعدت عليا تطمن..... قالت بنبرة هازئة. "ليه تطمن...

بطلع في الروح وأنا مش واخده بالي! جز على أسنانه بقلة صبر. "لسانك عايز قصة.... قربت وجهها منه منفعلة. "وانت مبرراتك مايعة زي البنات اللي تعرفهم.... أبتسم بصلف قائلاً. "وانتي تعرفي إيه عن المياعة... ومركزة ليه معايا؟! بنفس الأسلوب قارعته. "وانت كمان ليه مهتم برأيي فيك.... أدار وجهه بعيدًا عنها ودَنَّ الصمت للحظات، فرأى العلبة التي جلبتها له بالقرب منه على سطح الطاولة. أخذها ثم فتحها وبدأ في أكل الشطيرة على ثلاث قضمات!

وأمام نظراتها المشتعلة بالبغض نحوه. قال وهو يأخذ الشطيرة الثانية. "روحي اعملي كوباية شاي أبلع بيها القمة... "طفحتها هات..... سندوتشاتي... قالتها بعدائية كبيرة وهي تسحب منه العلبة. رفعها للأعلى بذراعه وهو يأخذ آخر قضمة متبقية من الشطيرة الثالثة! "انت شايل اللوز في إيه؟! ألقت هذا التعليق بعينان متسعتان وهي تسحب ذراعها متراجعة قبل أن يلتهمها كالشطائر التي يفترسها.

"مش عايز منك حاجة خدي العلبة بتاعتك واطلعي على الفوق..... وضع العلبة في يدها فارغة، فزمّت شفتيها وهي تضعها على الطاولة قائلة بمقت. "أنا راحه الجامعة أصلا.... مش فضيالك.... أخبرها بهدوء مغيظ. "تعالي أوصلك... أنا كده كدا نازل.... أدارت ظهرها إليه برفض. "وانا مش عايزة أمشي معاك.... هاخد تاكسي.... "اسمعي الكلام.... أبرار..... أبرار... رآها تصفع الباب بقوة ردًا على ندائه.

جز على أسنانه بغيظ وهو يسحب المفاتيح والهاتف ويخرج خلفها. لحق بها على درجات السلم وقبل أن تخطو درجةٍ أخرى سحبها من ذراعها بقوة، استندت على الحائط بظهرها وهي تنظر له شزرًا. "عايز إيه مني.... قولتك هاخد تاكسي... إيه مش بتفهم عربي.... هتف بنظرة حادة تشي بنفاد صبره. "لمي لسانك يا أبرار..... مش هسيبك تمشي لوحدك هوصلك.... فيها إيه.... قالت باهتياج. "فيها إني مش طايقاك.... سألها ببرود. "واي السبب....

ارتفع حاجبيها مجيبة بحمائية. "كل حاجة بتعملها السبب.... انت مبقتش زي الأول يا ياسين..... بعدت أوي عني.... وعن بابا وتيتة.... بقيت شايفنا أعدائك..... هرب من عينيها بالقول. "محصلش.... أضافت بحرقة معاتبة. "ومش الأيام اللي فاتت بس.... انت بقالك فترة متغير من ساعة ما عرفت إنها اتجوزت للمرة التالتة.... "أبــرار..... هجم عليها كالمغيب يعتصر ذراعيها بين قبضتي يديه بعنف. تألمت متأوهة وهي تنظر إليه. "آه دراعي..... ياسين...

ياسين انت بتوجعني.... عقب بنبرة مبهمة. "وانتي بتعملي إيه.... حرر ذراعيها فمررت يداها عليهما وهي تقول بعينين دامعتين. "أنا عايزك تفوق لنفسك.... مفيش حد هيحبك قدنا.... بابا مش عدوك يا ياسين.... الفلوس اللي أدتها ليها دي مـ..... أوقفها وهو يقول بصعوبة متحشرجًا. "كانت محتاجاها... مكنش ينفع أقولها لا... دي أمي.... قالت أبرار بحذق. "بس هي بتستغلك.... وجوزها ده هو اللي زقها عليك....

أغلق سبل التحدث في الأمر بنبرة شاجنة تتعثر في الألم. "الموضوع إنتهى.... أنا أدتها اللي هي عايزاه وهي وعدتني إنها مش هتطلب مني حاجة تاني.... ولا هتقرب من مكان أنا فيه.... سألته ساخرة. "وانت صدقتها.... لمح السخرية تطل من عينيها فقالب بحزم. "أبـرار.... اقفلي الموضوع.... أنا مش ناقص عتاب منك أو من غيرك.... يلا أوصلك...

كانت تود الرفض والعناد لكنها انساقت خلف أمره على مضض مطلقة زفرة حانقة وهي تهبط على الدرج بشفاة ممطوطة بضجر. استقلت السيارة في المقعد الخلفي بينما جلست ميار بجواره في المقدمة ملتزمة الصمت وهي تشع نظرة كراهية إلى أبرار من مرآة السيارة، استقبلتها أبرار ببرود. فقال ياسين بمداهنة. "مش عارف أقولك إيه ياميار.... بس فيه سوء تفاهم حصل فوق.... أبرار بنت عمي... لسه صغيرة وطايشة.... وهي افتكرت حاجة تانية خالص...

على وجه أبرار إمارات الانزعاج وهي تراه ينظر إليها عبر المرآة الأمامية يوضح سوء التفاهم بالقول الهادئ. "أبرار.... ميار شغالة معايا في الإدارة في مصنع الملابس.... عمي صالح عارفها كويس.... تقدري تسألي عنها لو مش مصدقة... ثم أضاف بثبات جاد. "هي حبت تطمن عليا عشان بقالي فترة مجتش المصنع.... أنتظر كلاهما تعليقًا منها أي رد يحسن موقفه بعد هجومها العدائي على ميار دون أن تتريث في حكمها. لكنها قالت بجفاء. "أنا اتأخرت....

هتوصلني ولا أخد تاكسي... رفعت ميار حاجبها بعدم رضا وهي تنظر إلى ياسين الذي زم فمه وهو يدير محرك السيارة قائلاً بتهكم. "لا وعلى إيه يا أبرار هانم.... الطيب أحسن هوصلك.....

عقدت أبرار ذراعيها أمام صدرها بتذمر وهي تنظر إلى النافذة بملامح واجمه وصدرها يتوهج بالنيران كلما تذكرت تبريره واعتذاره نيابة عنها لتلك الفتاة الوقحة التي أتت تخلع سترتها في بيت شاب أعزب، هل يظنها طفلة غبية لا تفهم نواياهما قبل دخولها عليهما وافساد الأمر! .............................................................. في المساء.

كانت جالسة على الأريكة بجوار جدتها تتفحص الهاتف على وسائل التواصل الاجتماعي بينما جدتها تتابع التلفاز باهتمام وهي تقوم بدهن ساقيها بدهان معالج للعظام. "رجلي يابت يا أبرار.... مبقتش قادرة منها شدة عليا أوي.... مطت أبرار شفتيها قائلة. "الحال من بعضه ياتيته.... خلصي عشان أدهن أنا كمان.... نظرت لها الجدة باستنكار. "تدهني إيه.... هو انتي لسه روحتي ولا جيتي عشان عضمك يوجعك.... أجابتها أبرار بواقعية وهي تأخذ الدهان.

"مش محتاجة أروح وأجي إحنا جيل نازل مخستع..... هاتي هاتي السن تسعتاشر بس الصحة ماشية في رِنچ الستين.... ضحكت الجدة وهي تنظر للتلفاز. فقالت أبرار وهي تمرر يدها على ركبتها بعد وضع الدهان عليها. "تيته..... ردت عليها بهمهمات تحثها للمتابعة، فقالت أبرار ببراءة. "هو أنا مليش في المياعة زي البنات.... نظرت لها الجدة بحيرة قائلة. "وانتي عايزة يكون ليكي في المياعة وقلة الأدب.... انتي متربية... تربيت ستي.." قالت أبرار متبرمة.

"اه تربيتك منكرش... بس شكلك نسيتي تربي حفيدك معايا.... سألتها الجدة بقلق. "هو في حاجة حصلت؟! أبعدت أبرار عينيها عنها وهي تفكر بالوشاية عليه انتقامًا منه على أفعاله الصبيانية. "بيكلم بنات.... اكتفت بهذا القول وهي تتكأ على لسانها تمنع البوح بتفاصيل. "ربنا يهديه.... بكرة يعقل ويتلم.... أبوكي كان كده في شبابه ولما شاف أمك قال هي دي الأولى والاخيرة..... عقبت أبرار بغير تصديق.

"إزاي بابا كان كده دا بابا حاجج بيت ربنا تلات مرات ومش بيفوت فرض.... والسبح همبتفرقش إيده.... شعت بسمة الحنين على وجه الجدة وهي تقول بنبرة مشاغبة. "كان زمان بقا كان لسه صغير.... بس جدك لما شاف الوضع كده جوزه علطول لأمك الله يرحمها.... كانوا أهلها جيرانه البيت في وش البيت.... تناثر الحزن والشوق على وجه أبرار التي قالت بنبرة عميقة. "الله يرحمك ياماما..... وحشتني أوي.... ربتت الجدة على كتفها بحنو قائلة برجاحة عقل.

"ادعيلها ياضنايا.... دا قدرها... الموت هيعدي علينا كلنا مش هسيب حد كل واحد بتيجي ساعته فبيروح..... حسن الختام يا رب... مسحت أبرار دمعة فارت من جانب عينيها وهي تغير مجرى الحديث حتى تقشع سحابة الحزن عنهما. "تيته المسلسل خلص.... قالت الجدة بسأم. "خسارة نسيت أشوف آخر حتة.... قالت أبرار بأسلوب فكاهي. "ياتيته دول بقالهم ساعة واقفين مصدومين والكاميرا عمالة تلف عليهم واحد واحد... ونفس الريكشنات....

قوليلي امتى هيخلص المسلسل ده.. دا شغال من وأنا في إعدادي تقريبًا.... قالت الجدة بصبر. "لسه في الجزء السابع..... وبعدين أهي أي حاجة بدل الزهق ده.... ضحكت أبرار والغمازات تضيء خديها بجمال. "والله ياتيته انتي المفروض تاخدي أوسكار على جلد الذات اللي بتعمليه في نفسك ده.... قالت الجدة بتذمر. "افضلي اتريقي عليا.... مانـا معرفتش أربي... عانقتها أبرار بمحبة ضاحكة. "أنا أقدر يا أحلى تيته.... دا انتي القلب كله...

قالت الجدة بلؤم. "طب قومي اغسلي المواعين.... ابتعدت أبرار عنها. "لا أنا لسه داهنة ركبي بالمرهم.... ضاقت عينا الجدة بتساؤل. "يعني أنا اللي هقوم أغسلهم.... قالت أبرار باستنكار. "أنا مقولتش كده بس ليه مانجبش شغالة هو إحنا فقره..... لترد الجدة مستجهنة. "شغالة لـ إيه بالضبط... هي مستاهلة.... أمال أنا وانتي بنعمل إيه..... قالت أبرار بترفع. "لا إله إلا الله شكلك ناسيه إني في كلية طب ومحتاجة أذاكر وأركز.....

قارعتها الجدة بالقول. "والله وساعة ما بتمسكي التلفون مبتفتكريش الكلام ده ليه.... "عندك حق أنا هروح أغسلهم بسكات.... " قالتها أبرار وهي ترفع راية الاستسلام مبتعدة، فصدح جرس الباب فقالت الجدة بأمر. "شاطرة افتحي الباب الأول... حطي الطرحة على شعرك.... يمكن يكون ابن عمك....

تمنت من كل قلبها أن لا يكون هو، لكن تحطمت الأمنية على صخرة الواقع وهي تراه أمامها بعد شهر من الانقطاع عنهم، مقررًا أن يأتي في يوم تكره أحرف اسمه لا وجهه الماثل أمامها! "سلام عليكم..... لم ترد عليه، قد ابتعدت عن الباب فدلف هو للداخل بينما هي أغلقت الباب بوجهٍ مكفهرمال على الجدة يقبل رأسها ويدها، فقالتي بنبرة معاتبة. "عاش من شافك يابشمهندس.... أخيراً روحت بدري.... مطولتش في سهراتك زي كل يوم....

"انتي شايلة ومعبية مني لي كده.... هي العصفورة اللي هنا قالتلك حاجة عني.... قالها وهو بجوارها على الأريكة في مكان أبرار، بينما عيناه تلتقف عينيها في نظرة طويلة. سألته الجدة بشك. "ليه هي تعرف حاجة أنا معرفهاش.... "ولا أي حاجة.... " رد عليها بمواربة، بينما رأى أبرار تبتعد عنهما داخل المطبخ. "رضيت عمك.... هز رأسه بنفي، فعادت الكره تسأل بقلب مفطور من عناده. "طب ما رحتش شغلك ليه... مش كفاية سهر، محا، يا ياسين...

هتفضل واجع قلبي عليك لحد إمتى.... رضاها وهو يقبل يدها قائلاً. "هروح يا غالية اطمني... بكرة من النجمة هتلاقيني في المصنع.... راضية عني كده.." قالت الجدة بمحبة. "أنا طول عمري راضية عنك... وهرضى عنك أكتر لما تتصافى مع عمك... والله بيحبك وخايف عليك... اكتفى بإيماءة بسيطة وعيناه تشرد في نقطة بعيدة عنها، فمالت عليه تسأله باهتمام. "أحطلك أكل.... رفض وهو يضرب على ركبته ناهضًا. "مش جعان.... هروح أعملي شاي أعملك معايا.....

وافقت وهي تعاود النظر للتلفاز بصمت. رآها تقف أمام صنبور المياه تغسل الأواني بصمتٍ، حتى سمعت خطواته تقترب فقالت بجفاء. "أنا لو عصفورة زي ما بتقول كنت حكيت على اللي شوفته الصبح.... رد غير مبالي بنبرة وقحة. "وأي اللي مانعك.... روحي قوللهم... شيفاني خايف ولا ماسك فيكي.... أوغر صدرها بالغضب منه، فقال هو بضيق. "طلعي الهبل اللي في دماغك ده... عشان مفيش حاجة حصلت ولا كانت هتحصل.... تركت ما بيدها وهي تقول باستهانة.

"والجاكت اللي كانت قلعاه قدامك.... قال ياسين متذكرًا. "مش قدامي... على ما روحت فتحت لك الباب كانت عاملة كده... يمكن حرانه.... "حرانه والتكييف شغال.... جديدة دي.... " ضحكت ساخرة، فظهرت غمازاتها كـنجمتين منقوشتان على خديها بسحرٍ. ظل يحدق فيها بصمتٍ غير مقروء، بينما أضافت بقنوط. "الحركات المايعة دي معروفة... خد بالك بقا... شكلها بترسم عليك.... رد عليها بعنجهية ذكورية. "ومالوا أنا حلو برضو وفي الطمع...

ومش أول واحدة ترسم ولا هتبقى الأخيرة... المهم أنا عايز مين في الآخر..... نظر لها بقوة، فحركت كتفيها مستهينة. "ولا حد فاهم لك حاجة... عمتا الله يكون في عونها اللي هتتورط فيك في الآخر... دا أمها داعية عليها.." رد بصلف. "قصدك دعيلها.... قالت مستنكرة. "على إيه بس.... لو على الحلاوة الحلوين كتير المهم الأخلاق..... رفع حاجبًا بتساؤل. "يعني انتي شايفه إني معنديش أخلاق.... قالت بابتسامة صفراء. "لا يسمح الله أنا مش شايفه...

أنا متأكدة.... "الكلام معاكي قلته أحسن..... " بدأ يعد أكواب الشاي بانتظار غليان الماء. بينما هي لم تعقب وعادت للغسيل بملامح واجمه، حتى سمعت خشخشة لشيءٍ يفتح. فاستدارت إليه تسأله بفضول. "بتاكل إيه؟! "كلورتس.... " قالها وهو يمضغ العلكة ورائحة النعناع القوية تفوح منه. "الله هات واحدة..... قالتها وهي تشطف يدها بالماء ثم اقتربت منه. رفض ببرود. "لا.... تأتأت بشفتيها وبنظرة مؤثرة طلبت. "بطل غلاسة بقا.... وهات واحدة...

أعطاها علبة صغيرة خضراء، فتحتها وأكلت قطعتين معًا لتشعر بموجةٍ باردة على لسانها يليها مذاق النعناع الغني المنعش. عقبت بملامح منكمشة. "حراقة أوي...... مش بحب النعناع..... رد ياسين بمناكفة. "وبتاخديها ليه طيب..... طفاسة؟! ابتسمت ببرود. "أو غلاسة..... ابتسم ياسين دون تعقيب وخرج من المطبخ وبين يديه الصينية التي وضع عليها كوبين من الشاي.

بعد مدة من الجلوس مع الجدة وشرب الشاي وقد جلست معهما أبرار بعد أن انتهت من جلي الأواني. فتح الباب بالمفتاح ودلف صالح، ألقى السلام بخشونة وهو يلمح ابن أخيه بصحبتهن بعد أسابيع عن الصعود إلى هنا والمشاركة في الطعام معهم. اتكأ على السبحة بين قبضته وهو يتبادل مع ابن أخيه النظرات وكلاهما يلقي اتهامًا صريحًا للآخر. تنحنح صالح بخشونة وهو يدلف إلى الغرفة بخطوات ثابتة وهالة من الشكيمة والهيبة تحيط به.

وعطر العود يفوح منه فارضًا نفسه على المكان كـصاحبه. رجل يفرض نفسه بصورةٍ لا تقبل الجدال، في وقفته صلابة وفي الصمت مهابة، يفرض حضوره دون بذل مجهود يُذكر، يجبرك على احترامه والحذر أمامه. حتى إذا تحدث أوجز وأصاب الهدف. هذا هو صالح الشافعي، الفرق الشاسع بينهما، أنهم ليسوا على وفاق ولن يكونوا أبدًا! لكزته الجدة قائلة بأمر. "أدخل راضي عمك.... كفاية كده انتوا ملكوش إلا بعض.... رفض بعناد يشتبك به الكبرياء.

"مش وقته يا تيته.... أنا نازل تحت.... محتاج أغير هدومي وأخد دُش وأنام..... تاففت أبرار وهي تسمع الرد لتعلق بسخط. "كالعادة بتهرب من المواجهة.... رد عليها بغلاظة. "كالعادة بتدخلي في اللي ملكيش فيه.... قالت بزمجرة. "دا بابا على فكرة.... التوى فكه هازئًا منها. "وهو عمي والموضوع بينا.... ملكيش دعوة انتي... وكفاية دور المصلح الاجتماعي اللي عماله تطبقيه عليا... نظرت إلى جدتها التي ترمق ياسين بعدم رضا. "سامعه الرد.....

أنا غلطانة أعمل اللي يعجبك.... أنا داخلة أوضتي أصلاً..... بالفعل نهضت مبتعدة عنه وأغلقت باب غرفتها عليها. نهض ياسين كذلك نحو باب الشقة ينوي الخروج، لكن صوت صالح المهيب أوقفه. "لو هتفضل سايب الشغل كده وموقف مصالحنا عرفني عشان نجيب حد مكانك..... استدار له ياسين يقارعه بتكبر. "على أساس إني مش شريك زي زيك في المصنع.... رد صالح بصوتٍ مسننًا. "أنا من رايي تبيع حصتك... وكفاية لعب عيال والـمبلغ اللي تطلبه هتاخده.....

نهضت الجدة ووقفت بينهما تهتف بغضب في ابنها الأكبر. "صــالــح..... انفعل صالح قائلاً بصوت مهيب. "سبيني يا أمي... لازم البشمهندس يعرف إن في مصالح واقفة بسبب امضته اللي مش موجودة على الورق.... حاجات كتير واقفة بقالها شهر بسبب إن الباشا مقموص..... زأر ياسين بصوتٍ عالٍ. "بطل تعملني كأني عيل صغير.... رد صالح بثبات مستفز. "انت اللي عايزني أشوفك كده.... عملت إيه يثبت لي إنك راجل.... إنك ابن فاروق.... مش ابن عبلة....

نظرت له أمه بضيق تحذره. "صاااالح...... بس كفاية..... تابع صالح بنبرة مثخنة بالوجيعة وعيناه تفترس وجه ياسين الذي نظر له بملامح ميتة. "امك اللي موتت أبوك بحسرته.... رايح تكبش من خيره وتديها.... ولما أعاتبك تقل ادبك في الرد ومش عاجبك كمان إني بحاول أحافظ عليك وعلى فلوس أبويا وأخويا من استهتارك..... ابتسم ياسين بهزء. "كل اللي فارق معاك الفلوس..... صفعه صالح بالكلمات بقسوة. "وانت كل اللي فارق معاك ترجع لحضن أمك...

مع إنك كبرت على إنك تحتاج ليها..... كانت ضربة قاضية بجدارة جعلته يقف مكانه يحدق في عمه الغاضب بصمت، بينما وجد الجدة تصرخ في ابنها بغضب. "كفاااااية ياصالح..... كفاية يا ابني..... هو كان ناوي يرجع الشغل.... قالي كده أول ما دخل.... وكان ناوي يرضيك.... رد ياسين له الصاع صاعين. "مش عايز أشتغل معاك..... وهبيع حصتي بس لحد تاني مش ليك..... استشاط صالح غضبًا وهو يتجاوز أمه قابضًا على عنق سترة ياسين مهاجمًا.

"ورحمة أبوك يا ياسين لو عملتها هدفنك حيّ مكانك.." ابتسم ياسين بتهكم وهو يراه يفقد وقاره وصمته أمام مسألة البيع ودخول شريك غريب بينهما. يعرف هو كيف يضرب كما يعرف عمه كيف يصيب الهدف، فاتح الجراح بمشرطٍ حاد كما فعل منذ لحظات! أمره صالح بنبرة صارمة كالفولاذ الصلبة. "من بكرة تبقى في المصنع قدامي.... والله لو اتأخرت عن معادك دقيقة واحدة.... رد فعلي مش هيعجبك.... وانت عارف أنا ردي بيبقى عامل إزاي....

ابتعد ياسين وخرج صافعًا باب الشقة خلفه بقوة، بينما خلف باب غرفتها كانت تقف تضع يدها على صدرها متألمة لأجله والدموع تنهمر من عينيها حزنًا عليه. لطالما شعرت بأن الوجع بينهما ينقسم عليهما متساويًا كالضحكات والطعام والحلوى في صغرهما، تشاركا أشياء عديدة معًا حتى فقدان الأم، تشاركا وجيعته مع اختلاف الظروف! قالت الجدة بعتاب وهي تمسح دموعها. "ليه ياصالح كده.... قولتلَك براحة كلمة براحة... مش بالقسوة يا ابني....

دا يتيم لا أب ولا أم.... ملوش غيرنا.... رد صالح بصلابة قاسية. "وعشان كده لازم يفوق... ويعرف إن لـ صبر حدود لازم ينشف ويعقل ويعرف مصلحته فين ومع مين... .............................................................. بعد عدة أيام أوقف صالح السيارة أمام باب البيت جالسًا في المقعد بانتظار والدته والتي ظهرت أمامه تتوشح بالأسود وهي تمسح عينيها الباكية بمنديل.

زفر صالح نفسًا ثقيلاً وهو يرمقها بقلق ومقتطفات من ذكريات سابقة عن الموت تحوم حوله. لكل ذكرى حزينة فقيد غالٍ رحل عن عالمه دون وداع مسبق، ولم يبقى منه إلا ذكريات يحيا عليها حتى يحين اللقاء. "عرفت العنوان ياصالح ولا أقولهولك تاني... استقلت أمه السيارة بجواره وهي تلقي سؤالها. أدار محرك السيارة منطلقًا بها وهو يجيبها بهدوء. "أنا هتوه عن المكان يا أمي عرفته... ياما روحنا زيارة لخلاني هناك.... الله يرحم الجميع هي تقربلك؟!

دمعة عينيها مجددًا وهي تقول بنشيج. "صاحبتي وعشرة عمري.... مفرقتهاش غير لما اتجوزت أبوك.... وكنا بنشقر على بعض من فترة لتانية.... لحد الدنيا ملهتنا عن بعض.... الله يرحمك يا ام شروق..... كنتي نعمة الأخت... سألها صالح وهو مصوب عيناه على الطريق. "الله يرحمها..... هي عندها رجالة.... عشان أدخل معاكي نعزيهم.... ردت والدته بتذكر شاجنة. "ليها ابن مسافر بقاله فوق الخمسطاشر سنة ولا حد يعرف عنه حاجة.....

وبنتها الكبيرة اتجوزت واطلقت ورجعت عاشت معاها هي وبنتها..... ملهاش حظ شروق غلبانة... زمانها متشحتفة عليها..... مكنش ليها في الدنيا غيرها... أوما صالح متفهمًا. "بعد الأم مفيش ربنا يباركلي فيكي... مسحت دموعها تسأل. "ويخليلكم ليا يا بني.... ياسين رجع الشغل... رد بايجاز. "رجع.... سألت باهتمام. "وكويس يعني..... رد صالح بسلاسة. "كويس هو مهندس إنتاج..... ومفيش غبار على شغله دا تخصصه..... وهو شاطر فيه بس لو يبطل......

لم يتابع حديثه فقالت الأم بتمني. "هيبطل ويعقل ويبقا زي الفل.... وبكرة يشيل من عليك الشغل.... صف السيارة جانبًا في شارع رئيسي، ترجلت والدته وهي تشير على أحد الأزقة الضيقة التي ستدخل فيها لتصل لبيت صديقتها المتوفية. فتح صالح باب السيارة يخرج منه بعض الأكياس التي تحوي منتجات غذائية اشترتها أمه لابنة صديقتها. ضمته السيدة أبرار بحنان فبكت شروق في أحضانها قائلة بحزن مرير. "كانت بتحبك أوي يا خالتي.....

كنا في سيرتك قبل ما تموت بيوم.... بتقولي عايزة أشوف خالتك ام صالح وحشتني..... نزلت دموع السيدة أبرار وهي تقول بندم معاتبة. "يا ريتك اتصلتي بيا كنت جيت أشوفها... ما رقمي معاكي يا شروق اخص عليكي... فصلت شروق العناق وهي تقول بلوعة الحزن. "كنت ناوية والله بس الموت سبقني... ربتت على كتفها تواسيها. "ربنا يرحمها.... هي في دار الحق والله... ربنا يرحمها ويحسن إليها.....

هبطت الدموع بكثرة من عينا شروق التي يكسو جسدها السواد بالعباءة وغطاء الرأس الذي يماثلها. وجهها شاحب شحوب الموتى وعينيها غائرتان حمراوان كالدماء من كثرة البكاء والحزن في الأيام السابقة، فمنذ أن توفت أمها وهي تعتزل العالم بأكمله غارقة في أحزانها ومرارة الفقد كالغصة في قلبها. "أهدي ياشروق يا بنتي... كفاية... قالتها السيدة أبرار بشفقة وهي تجاورها في الجلسة على الأريكة. قالت شروق بوله. "مبقاش لي حد غيرها....

قالت السيدة أبرار بمساندة حانية. "وأنا روحت فين أنا مكانها... أنا هشقر عليكي طول مش هسيبك..... واللي مقدرتش أعمله وهي وسطنا إن الأوان أعمله وهي غايبة عننا حقها عليا... أمك دي مكنتش صاحبتي دي أختي وجارتي..... وانتي زي بنتي ياشروق.." "ماما..... نادت الصغيرة على أمها، فأشارت لها شروق أن تقترب منها. "تعالي ياملك.....

أتت ملك الصغيرة من الغرفة تدس نفسها بين ذراع أمها التي التقطتها وضمتها إلى صدره تشم عبقها بشوق باحثة عن مخرج للأحزان التي تفترسها بقسوة. ابتسمت السيدة أبرار وسألتها بحنو. "ماشاء الله... دي بنتك ياشروق.... أومأت لها شروق وهي تزيد من ضم ابنتها وعينيها تترقرق بها الدموع مجددًا. "آه ملك..... أمي كانت روحها فيها.... وهي مكنتش بتفارق أمي أبدا..... انهمرت الدموع من عينا الصغيرة كحال أمها، فقالت السيدة أبرار بحنق حزين.

"بس بقا بطلي عياط... البنت بتعيط زيك... سحبت السيدة أبرار ذراع ملك وضمتها إلى صدرها قائلة بعطف شجي. "بس ياملك ياحبيبتي.... ادعيلها ياملك... ادعيلها ربنا يرحمها ويغفرلها.... سمعا طرقًا على الباب فقالت السيدة أبرار برفق. "دا تلاقي صالح.... طالع بالحاجات الحلوة اللي اشتريتها لـ ملك..... افتحي يا ملك... "خليكي ياملك الترباس معصلج.... قالتها شروق واتجهت بخطوات هادئة نحو باب الشقة.

ضبطت الحجاب أكثر على رأسها ثم فتحت الباب وقبل أن ترفع عينيها توغل عطر العود القوي إلى أنفها. رفعت عينيها الحمراوين وتلاقت بعينين خضراوين حادتين بالفطرة على وجهٍ شامخ رجولي إلى قامة طويلة مهيبة وجسد قوي عريض وصلب وقبضتي يد تحويان أكياس و.... وسبحة سوداء تتدلى من يده. وعطر العود...... هذه قصة أخرى تحكى. لم يدقق صالح النظر بها لمجرد ثانيتين وأرخى الجفون احترامًا وهو يقول بحرج. "البقاء لله يا ام ملك.....

قالت هي أيضًا بحياء منه. "البقاء والدوام لله.... اتفضل الحاجة أبرار جوا.... "لا معلش أنا هستناها تحت... اتفضل دي حاجة بسيطة.... أعطاها الأغراض بهدوء، فنظرت إلى الأكياس بحرج أكبر. "مكنش ليه لزوم.... رد صالح دون النظر إليها. "دي حاجة بسيطة عشان ملك.... وبعدين كله من خير الحاجة أبرار.... بلعت ريقها بارتباك قائلة. "لازم تدخل تشرب حاجة..... رفض مستأذناً. "مرة تانية.... عن إذنك.... أغلقت الباب بعد أن ابتعد عن مرمى عينيها.

إنه رجل يربك المرء طاغي الحضور ومهيبًا كـعطره الذي ما زال يترك أثرًا حتى بعد مغادرته! "مدخلش برضو.... سألتها السيدة أبرار. فأجابتها شروق. "مرضاش.... قالت السيدة ببسمة فخر. "هو طول عمره كده بيتحرج.... عزاكي... أومأت شروق برأسها وهي تضع الأكياس بجوارها. "آه.... انتي بقا إيه اللي جايباه دا يا خالتي انتي غريبة.... ردت السيدة أبرار بجدية. "ما عشان أنا مش غريبة جبت... وملكيش دعوة انتي دا كله عشان ملك....

بدأت تدغدغ ملك وتشاكسها قائلة وهي تفتح أحد الأكياس. "يلا ياملك تعالي أوريكي أنا جبتلك إيه حلو... تمتمت شروق وهي تجد ابنتها بدأت تبتسم بسعادة وحماس. بعد أن هاجرتها البسمة لأيام. "كتر خيرك يا خالتي ام صالح.... بعد مدة خرجت السيدة أبرار من الأزقة الضيقة لتجد ابنها ينتظرها أمام السيارة وقد أنهى للتو مكالمة عمل. "عطلتك عارفة.... هز رأسه بنفي مبتسمًا لها ببشاشة. "لو في الخير.... فهي مسمهاش عطلة....

المهم تكوني عملتي الواجب... أومات برأسها بارتياح قائلة بعطف. "الحمدلله وكل فترة هروح أزورها دي بقت مقطوعة من شجرة وملهاش حد غيرنا... اكتفى بإيماءة، فهو اعتاد على تلك الزيارات التي تقوم بها أمه لأحد الأقارب والمحتاجين، تعطي لهم من ما أنعم الله عليها. "ربنا يقدرك يا أمي على فعل الخير.... "خالتي ام صالح.....

استدار صالح ينظر إلى مصدر الصوت ليجد نفس المرأة التي قابلها على باب الشقة، مشحة بالسواد شاحبة كالموتى بعيون منتفخة حمراء. أسبل عيناه منتظرًا بهدوء، فوجدها تقترب من أمه قائلة بعتاب. "انتي نسيتي الفلوس دي على الكنبة... أدعت والدته الدهشة قائلة. "أنا منستش حاجة... تلاقيها فلوسك وانتي ناسيه.... هزت شروق رأسها مصممة. "لا مش فلوسي بالله عليكي يا خالتي... بلاش كده خدي فلوسك مستورة والحمدلله.... وبختها والدته برفق قائلة.

"وطالما أنا خالتك عاملة فرق ليه... فلوسي هي فلوسك.... خليهم معاكي لو احتاجتي حاجة.." رفضت شروق بتعنت. "مستورة والحمدلله... أنا كدا كده هنزل الشغل بكرة..... تأتأت والدته بعدم رضا لتقول. "على ما تنزلي خليهم معاكي جرالك إيه ياشروق عاملة فرق بينا ليه... أنا مكان أمك هنا.... على التردد والحرج وجه شروق وهي تقول مجددًا. "كتر خيرك يا خالتي بس.... قاطعها صالح مختصرًا الكلمات وهو ينظر لها. "احنا أهل يا أم ملك...

ولو احتاجتي أي حاجة إحنا موجودين..... الست والدتك كانت من أحب وأغلى الناس على قلب الحاجة أبرار واللي بتعملوه ده نقطة في بحر من اللي نفسها تعمله عشانك انتي وبنتك.... أكدت والدته وهي ترمقها بعتاب. "قولها ياصالح... محباها أوي وعاملة فرق وكأني غريبة عنها.... تجمعت الدموع في عينا شروق وهي تقول بوهن مرير. "مش عارفة أقولك إيه يا خالتي... أنا لو أمي كان عندها أخت بجد مكنتش هتعمل معايا كده.... "بس بقا بطلي عياط...

قطعتي قلبي عليكي.... قالتها السيدة أبرار ثم ضمتها بعاطفة الأم وعينيها تدمع تأثرًا معها، بينما نظرت شروق بعينيها الباكية إلى صالح الذي أوما لها برأسه مبتسمًا بمساندة حانية يطمئنها أنها ليست بمفردها! .................................................................. كان جالسًا على المقعد يتابع حركة السوق والمارون من أمامه بعينين شاردتين في البعيد، تمر الأصوات على أذنيه كـهمهمات بعيدة فلا يلتفت ولا ينتبه.

أتت عليه عزة تحمل كوب الشاي الذي برد أمامه ولم ينتبه لها. فقالت بحيرة. "دي تالت كوباية شاي أعملهالك وتبرد.... انت كويس ياسي أيوب؟ .... رفع عيناه عليها بتساؤل. "بتقولي حاجة ياعزة.... سحبت مقعد وجلست بالقرب منه مستفسرة. "سلمتك.... مالك انت تعبان..... أجابها وهو يفرك في عيناه بأرق. "لا أنا كويس... شكلها قلة نوم.... الشاي برد؟! مسك كوب الشاي ثم تركه بعد أن حصل على الإجابة من ملمسه. قالت عزة مبتسمة. "مبقاش شاي...

دا بقا تلج..... أردفت بسؤال خبيث. "هو سلامة ليه مجاش هو انتوا متخاصمين؟ .... هز رأسه بنفي، فأضافت بدهاء. "أمال ليه بقاله كام يوم مش واقف معاك على الفرش.... هو مب

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...