فزعت زمرد للغاية من صوته فانزلقت قدمها وسقطت في الماء داخل الدائرة الرخامية. الجندي: هل جننتِ يا فتاة؟ وقفت زمرد مرة أخرى على ساقيها ووجهها مكسو بحمرة الخجل من موقفها. فأمسك الجندي بذراعها وقال: أخرجي بسرعة من عندك، هل تريدين أن يتم معاقبتك أم ماذا؟ وبينما كان الجندي يقوم بجذبها خارج النافورة، قاطعه صوت آخر: ما الذي يجري هنا؟
التفت الجندي تجاه الصوت فسارع بترك ذراع زمرد ووقف مستقيمًا ضامًا قدميه معًا وقام برفع يده اليمنى بجانب رأسه إحترامًا كما يفعل الجنود. ثم قال بصوت مرتفع: القائد ليڤون.. تحية. أومأ ليڤون للجندي فأنزل يده. ثم أردف: وجدتها تعبث بممتلكات القصر يا سيدي. سار ليڤون نحو زمرد ونظر إلى وجهها وقال: حسب ما أذكر، أنتِ واحدة من المستجدين، فما الذي تفعلينه هنا في وضح النهار؟ أليس من المفترض أن تكوني بالعمل؟
أجابته زمرد وهي تتخطى الحاجز الرخامي ناظرة إلى موضع قدميها: ما أفعله هنا ليس من شأنك على ما أعتقد. رفع ليڤون أحد حاجبيه وقال: ولكن عبثك بممتلكات القصر هو شيء يخصني على ما أعتقد أنا أيضًا. نظرت زمرد بضيق إلى ليڤون وقالت: لم أكن أعبث بشيء.. فقط كنت أنظر إلى تلك السيدة الجالسة في الأعلى، ولكني وقعت في الماء عندما أفزعني صوت هذا الجندي. قال ليڤون متعجبًا وهو ينظر إلى التمثال: السيدة في الأعلى؟ ثم أعاد النظر
إلى زمرد وقال وهو يبتسم: وهل وجدتي شيئًا عند تلك السيدة؟ نظرت زمرد إلى الجرة أعلى التمثال نظرة استشف منها ليڤون الحزن العميق: للأسف لم أجد شيئًا. كان ليڤون يتأمل وجه زمرد الذي يقطر ماءً. كاد يمد يده ليمسح عن وجهها الجميل قطرات الماء، لكنها حركت وجهها لتنظر إلى أطراف ملابسها المبتلة. وقالت وهي تربت عليها تحاول إبعاد الماء عنها: لقد تأخر الوقت وعلي العودة الآن. ثم نظرت إليه بنظرتها الواثقة الهادئة. ثم أردفت: عن إذنك.
ليڤون: لا تعبثي بممتلكات أسمنجون مرة أخرى وإلا ستكون العواقب وخيمة. لم ترد زمرد عليه وسارت تحاول الإسراع قدر استطاعتها لأنها تشعر بالخجل من مظهرها المثير للشفقة هذا.
كانت تتجول في المدينة شاردة الذهن. فلم يكن تخمينها صحيحًا. كانت تظن أنها توصلت لشئ ما عندما أخبرها السيد هيرمان عن التمثال، والآن خابت ظنونها وعادت مرة أخرى إلى نقطة الصفر. ظلت تفكر في معنى لكلام برسين حتى ضلت الطريق إلى حانوت الصائغ، فراحت تسأل عنه حتى وصلت إليه. وفور دخولها من بابه. هيرمان: ماذا حدث لكِ؟ لماذا أنتِ مبللة هكذا؟ أجابه شخص ما متهكمًا: كانت تلعب في الماء منذ قليل.
نظرت زمرد بغضب إلى صاحب الصوت والذي قد حفظته بالفعل.. إنه ليڤون مرة أخرى. هيرمان: لقد طلبت من ليڤون القدوم إلى هنا فقد كنت أريد إعطاءه بعض الأشياء، ولكن ماذا تقصد بأنها كانت تلعب في الماء؟ أجاب ليڤون ضاحكًا: إنها قصة طويلة. زمرد: سأذهب لأغير ملابسي يا سيد هيرمان. هيرمان: أجل افعلي بسرعة قبل أن تصابي بالزكام. صعدت زمرد في عصبية إلى الطابق العلوي من الحانوت الذي سمح لها السيد هيرمان بالإقامة فيه لتغير ملابسها المبتلة.
ليڤون: يبدو أنها ما تزال غاضبة.. سيد هيرمان، ما الذي تفعله تلك الفتاة هنا؟ هيرمان: أتقصد زمرد؟ إنها تعمل في حانوتي الآن. طلبت منها العمل معي ووافقت. إنها فتاة رائعة حقًا وذكية للغاية. ليڤون: اسمها زمرد إذا.. حقًا اسم جميل على مسمى أجمل. هيرمان: هل تعجبك؟ ارتبك ليڤون ثم قال: إنها تثير فضولي فحسب.. فهي تبدو مختلفة عنا.. كما أني أشعر بحزن غريب في عينيها. هيرمان: فقط؟ ليڤون: أحم.. أجل فقط.. علي الذهاب الآن.
في أحد الأيام سألت زمرد السيد هيرمان عن مكان المكتبة فهي تريد الذهاب إليها. فأخبرها عن مكانها وطلب منها إعادة بعض الكتب التي استعارها منذ مدة بما أنها ستذهب إليها. وصلت زمرد إلى مبنى المكتبة والذي كان كبيرًا للغاية. أصابها بالاندهاش: ما هذا.. هل هذه مكتبة الإسكندرية؟ مبنى عملاق ذو مساحة ضخمة وتقل مساحة قمته يشبه شكلين هندسيين (شبه المنحرف)
متصلين بمربع في منتصفهما. له العديد من النوافذ مختلفة الأحجام في جميع أركانه وجداره الخارجي ذو زخرفات وتزينه مجوهرات كباقي مباني أسمنجون الباهرة. دلفت زمرد إلى المكتبة التي أزادت دهشتها بروعتها. كان المبنى غريب الشكل قليلاً من الخارج ولكنه كان مبهراً من الداخل. غرفة دائرية الشكل متفرع منها عدة طرقات مليئة بالرفوف الخشبية التي ارتصت عليها الكثير من الكتب المختلفة. لم تر زمرد إبداع كهذا في حياتها.
راحت زمرد تتجول داخل المكتبة وتنتقل من ردهة إلى أخرى وتلقي بنظراتها إلى الكتب المختلفة. منها ما يتحدث عن الهندسة ومنها ما يتحدث عن الطب ومنها ما يتحدث عن علم الآثار والنجوم. وبالطبع العديد من الكتب التي تتحدث عن الأحجار الكريمة. وفي أثناء اندهاش زمرد بكل شيء حولها، وجدت قسمًا في المكتبة يحوي كتبًا تتحدث عن الجغرافيا. وجدت فيه كتابًا يتحدث عن جغرافيا أسمنجون دوّن فيه كل شبر داخل المدينة.
أخذت زمرد الكتاب وتوجهت إلى أمين المكتبة الذي كان رجلاً كبيرًا في السن يجلس على ما يشبه المكتب الصغير بالقرب من باب المكتبة. أعادت إليه الكتب التي استعارها السيد هيرمان. ثم طلبت منه أن تستعير هذا الكتاب الجغرافي. نظر المسن إلى زمرد بعينيه التي ظهر فيها أثر طول الزمن وقال: لا يمكنك استعارة هذا الكتاب. إذا كنت تريدينه بشدة فيمكنك قراءته هنا. نظرت زمرد حولها ثم قالت: لقد تأخر الوقت بالفعل اليوم.. سآتي لقراءته لاحقًا.
فأومأ المسن إليها بالإيجاب وخرجت هي من المكتبة عائدة إلى حانوت السيد هيرمان. بعد يومين تقريبًا عادت مرة أخرى إلى المكتبة مع شقشقات العصافير في وقت الشروق وطلبت قراءة الكتاب. فسمح لها العجوز بذلك.
جلست زمرد تقرأ الكتاب على إحدى الطاولات الصغيرة التي كانت في ساحة المكتبة. وعرفت الكثير من الأشياء حول أسمنجون وجغرافيتها وطبيعتها. ووجدت العديد من الخرائط لتضاريسها. حتى وقعت عينها على شيء مثير للاهتمام وهو تمثال آشوري عريق لثور مجنح. كانت زمرد لا تعرف الكثير عن التماثيل الآشورية. فذهبت تبحث عن كتب للتاريخ تتحدث عنها.
أحضرت العديد من كتب التاريخ وظلت تبحث فيها عن التمثال. فوجدت أحد الكتب يتحدث عنه. كُتب فيه أن التمثال قد نُحت منذ عشرات السنين كإثبات للعلاقة الجيدة بين ملك أسمنجون السابق وحاكم المملكة الآشورية بعد توقيع معاهدة السلام معه. رأت أيضًا رسمًا قد رسمه أحد المؤرخين للتمثال. تمثال لجسد ثور عملاق مجنح له رأس إنسان يرمز إلى القوة والحكمة والشجاعة والسمو. فقد اشتهرت الحضارة الآشورية بالثيران المجنحة.
وفور أن رأت زمرد الرسم التوضيحي لتمثال الثور نهضت في وجل وأعادت الكتب إلى مكانها. وخرجت من المكتبة تهرول متجهة إلى هذا التمثال المجنح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!