تحميل رواية اسمنجون بقلم مريم محمد pdf
بقلم مريم محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الزمرد هو واحد من أجمل الأحجار الكريمة وهو يحتل المرتبة الثالثة من حيث الأهمية. أما بالنظر إلى الأوزان فهو الأعلى قيمة بين الأحجار الكريمة. والزمرد الكامل نادر الوجود، وإذا وجد يكون أغلى من الألماس. ويوجد أكثر من اثني عشر نوعاً من الزمرد، والألوان الأكثر شهرة هي الأخضر والأصفر والأزرق. الأخضر منه غامق عميق وشفاف ويرمز إلى الربيع والأمل والأمان. ولكن الزمرد الذي أتحدث عنه ليست تلك الأحجار البرّاقة، وإنما هي زمردة نادرة لا يوجد منها سوى واحدة فقط في هذا العالم (زمرد بلال). فتاة جامعية تدرس في كلية...
رواية اسمنجون الفصل الأول 1 - بقلم مريم محمد
الزمرد هو واحد من أجمل الأحجار الكريمة وهو يحتل المرتبة الثالثة من حيث الأهمية. أما بالنظر إلى الأوزان فهو الأعلى قيمة بين الأحجار الكريمة. والزمرد الكامل نادر الوجود، وإذا وجد يكون أغلى من الألماس. ويوجد أكثر من اثني عشر نوعاً من الزمرد، والألوان الأكثر شهرة هي الأخضر والأصفر والأزرق.
الأخضر منه غامق عميق وشفاف ويرمز إلى الربيع والأمل والأمان.
ولكن الزمرد الذي أتحدث عنه ليست تلك الأحجار البرّاقة، وإنما هي زمردة نادرة لا يوجد منها سوى واحدة فقط في هذا العالم (زمرد بلال). فتاة جامعية تدرس في كلية الآداب بمحافظة السويس، وهي فتاة فاتنة نحيلة متوسطة الطول تمتلك شعراً مموجاً بلون أسود لامع يصل إلى منتصف ظهرها تقريباً، يزينه حجابها الجميل، وعيون زمردية خضراء تستشعر الهدوء إذا نظرت إليها فتغوص فيها وكأنك في أعماق محيط. أصابت والدتها عندما سمتها زمرد بسبب عيونها. ويزين وجهها الثلجي شفاه من ورد شاحب، وحاجبان مقوسان في تناسق رباني بديع. كما أنها تتمتع بشخصيتها الواثقة الحكيمة والمثقفة، ولديها محيط هادئ وخيال واسع فيّاض. تعشق القراءة ورائحة الكتب. ليس لديها أصدقاء تقريباً، عدا كتابها الذي لا يفارقها أبداً.
"إلى متى ستظلين جالسة هكذا؟ كفى قراءة لليوم. لقد اقتربت امتحاناتك النصف سنوية، ولابد أن تجتهدي قليلاً في دراستك. انهضي."
نطقت السيدة هديل بتلك الكلمات إلى ابنتها التي كانت تجلس على الأريكة، وتحتسي فنجاناً من الشاي الأسود بالقرفة التي كانت رائحتها تعبق في المكان. كانت زمرد شاردة الذهن في مملكة الخيال الخاصة بها، ولم تسمع صوت والدتها التي تحدثها.
هذه هي عادتها، فكلما قرأت كتاباً ما لا تسمع ما يدور من حولها أو من يتحدث إليها. اختطفت الأم الكتاب من بين يدي ابنتها وأعادت كلماتها مرة أخرى.
نهضت زمرد متجهة إلى غرفتها وهي تمسك بفنجان الشاي، وفي نفسها شيء من التضجر، فقد كانت أحداث الرواية في ذروتها. ولكنها لم تظهر تضجرها احتراماً لوالدتها.
كانت زمرد متفوقة في دراستها، مجتهدة لا تحتاج إلى من يحثها على الدراسة. وقد كانت والدتها تعرف هذا جيداً، ولكن لابد من الشدة بين الحين والآخر، فهي لا تريد أن تتكاسل ابنتها أو أن ينخفض مستواها الدراسي، فهذه هي طبيعة الآباء، دائماً يحبون الأفضل لأولادهم.
مرت الأيام الشاقة، ومرت معها الامتحانات المرهقة.
وعادت زمرد إلى قوقعتها مرة أخرى تقرأ في كتبها.
***
في أحد الأيام، قررت زمرد الذهاب إلى العجوز بهاء صاحب حانوت الكتب الذي اعتادت الذهاب إليه لتبتاع بعض الكتب الجديدة. عجلت الفتاة في الخطى كعادتها ووصلت أخيراً إلى المكان المراد. حانوت صغير قديم يجالسه شيء من الظلام تتخلل ظلمته أشعة الشمس بسهولة، يعبق برائحة التراب وأوراق الكتب العتيقة التي لا طالما عشقتها زمرد.
"دلفت إلى الحانوت بهدوء كالعادة لتجد شاباً قمحي اللون أسود الشعر ضخم البنية. ملامحه غريبة وكأنه ليس من هنا، ولم تكن زمرد رأته من قبل. كان يجلس على مكتب العجوز بهاء، يبدو أنه لم يأت اليوم إلى حانوته. كان الشاب ينظر إلى زمرد بنظرات غريبة أربكتها. ثم وجه إليها كلمات بصوته الأجش ولهجته الغريبة كملامحه:
"ستعاد الأسطورة ثانيةً. بحثت عنكِ في كل مكان. لماذا تأخر ظهورك كل تلك المدة؟"
اقشعر جسد زمرد وتغيرت تعابير وجهها بسبب تلك الكلمات، ولكنها ادعت عدم سماعها وتابعت ما جاءت لأجله. وتجولت في حانوتها المحبب إلى قلبها، تلقي بنظراتها العاشقة إلى الكتب هنا وهناك. ومرت ساعة لم تشعر بها وهي ما تزال واقفة وفي يدها أحد الكتب تقرأ فيه.
وأخيراً أغلقت الكتاب ووضعته فوق أربعة كتب أخرى وتوجهت إلى المكتب - والذي كان الشاب ما يزال يجلس عليه - ووضعت الكتب أمامه. أخبرته أنها ستشتري كتابين وتستعير الباقين. أما الغريب في الأمر هو أن الشاب لم يرد على زمرد، بل إنه لم ينظر إليها، وكأنه أصبح شخصاً مختلفاً خلال تلك الساعة. ولكن زمرد لم تأبه بهذا وأشاحت بنظرها عنه تخرج نقودها من حقيبتها بينما الشاب يضب الكتب داخل حقيبة ورقية. ثم قامت بتسديد حسابها ورحلت.
خرجت زمرد من حانوت الكتب متجهة إلى منزلها وعلامات السرور بادية على وجهها بجلاء. فسعادتها بانضمام أفراد جدد إلى مكتبتها لا توصف. كانت تتحرق شوقاً لقراءة كتبها الجديدة. فعجلت في سيرها ثانيةً حتى أنها كادت تركض من فرط سرعتها.
وصلت زمرد أخيراً إلى المنزل وخلعت حذاءها ودخلت إلى غرفتها التي أغلقت بابها بعد دخولها منه. وجلست على مكتبها تخرج ما بداخل حقيبتها من كتب.
كانت السيدة هديل تدرك مدى عشق ابنتها للقراءة، وكانت إذا رأتها في تلك الحالة التي هي عليها تركتها تماماً حتى تخرج هي بنفسها من غرفتها بعد أن تشبع فضولها تجاه الكتاب الذي تقرأه حتى لو استغرق هذا عدة ساعات طويلة.
أخرجت زمرد الكتب وبدأت تضعهم على مكتبها جنباً إلى جنب. ولكن ما كان غريباً هو أن الكتب كانت ستة وليست خمسة كما اختارتهم. يبدو أن هذا الشاب قد أخطأ وهو يضعهم في الحقيبة.
أمسكت زمرد بالكتاب السادس، الذي بدا غريباً للغاية.
كتاب رفيع لونه كالرمال المصبوغة باللون الأسود بسبب البازلت - وهي صخور نارية بركانية صلبة خشنة سوداء - وعلي غلافه نقوش غريبة بارزة بلون الكهرمان. ولم يكتب عليه أي عنوان. وكانت رائحة الصخور والرمال تفوح منه.
تركت زمرد الكتاب وقررت إعادته مرة أخرى لصاحب الحانوت فهي لم تبتاعه، ولكن فضولها الشديد جعلها تجلس وتمسك الكتاب.
ألقت زمرد نظرة فاحصة على الكتاب مرة أخرى. ثم بدأت بتقليب صفحاته الصفراء العتيقة. لم يكن هناك الكثير من الصفحات التي كتب فيها فقد كان معظم الكتاب فارغاً كما أنه كان مكتوباً بخط اليد.
عادت زمرد إلى الصفحة الأولى التي رسم فيها مجسم صغير غير واضح الخط لمدينة غريبة مكتوب أسفلها اسمها. ولكن الخط لم يكن واضحاً. ثم تلاها عدة ورقات ممزقة وبدأت كلمات الكتاب من الصفحة التي تلي الصفحات الممزقة. كانت الكلمات غير واضحة نسبياً ولكن الخط الذي كتبت به كان مرتباً وجميلاً فسّهل على زمرد قراءتها. كانت الصفحات تتحدث عن بعض الأعشاب وما تعالجه من أمراض. ثم كُتبت بعض السطور التي تبدو أنها شروح لتضاريس واتجاهات ما. في شكل خريطة صغيرة.
كان معظم محتوى الكتاب هكذا. خرائط وأعشاب طبية.
حتى تغير الخط فجأة. وكُتبت بعض الكلمات الغريبة التي أصابت زمرد بالحيرة والتعجب. فقد كانت الكلمات وكأنها تتحدث إليها:
"أعرف بأي نظرات متعجبة تنظرين إلي بها الآن. كما أنني أعرف هذا الفضول الذي دفعك إلى قراءة هذا الكتاب. وأعرف أن فضولك زاد الآن بعد قراءة تلك الكلمات. لذا كان لابد أن أخبرك بعض الأشياء التي يجب عليك معرفتها قبل أن تبدئي رحلتك. قد تتعرضين للخطر الشديد أو تكوني قريبة جداً من الموت. ولكن لا يجب عليك أن تيأسي. فأنتِ قوية. قادرة على التغلب على كل الصعاب التي ستواجهك. وإيمانك بالله ودعاءَك إياه سيؤنسك في دياجير الظلام. وتذكري أن الخوف قد يقتلك هناك. فلا يجب عليك الخوف أبداً. ولا تتهوري وحافظي على جوهرتك ولا تفقدي ما هو عزيز عليك أبداً."
زمرد: لم أفهم ما المقصود من تلك الكلمات؟ أي رحلة وأي خطر هذا؟ وما هي الجوهرة أو الشيء العزيز الذي لا يجب أن أفقده؟
استمرت زمرد تقلب في صفحات الكتاب. وأعادت قراءتها أكثر من مرة. ولكنها لم تصل لشيء يذكر حتى وصلت لآخر ورقة في الكتاب. تلك الورقة لفتت انتباه زمرد لسببين. أولهما أنه كان تفوح منها رائحة عطرة مختلفة عن رائحة الكتاب. وأما السبب الآخر فانها كان مرسوماً عليها شكل غريب للغاية نجمة خماسية الرؤوس. بداخلها شكل بيضاوي قليلاً. مخطط بشكل عشوائي من الداخل. ويحيط بهم شكل غير مكتمل لكف إنسان. وكتب تحتها كلمة واحدة ....... أسْمَنْجُون.
فور أن قرأت زمرد تلك الكلمة (أسْمَنْجُون). حتى تحولت أوراق الكتاب في يدها إلى اللون الأسود وبدأت الأرض تهتز من تحت قدميها بقوة. فنهضت من على الكرسي الذي تجلس عليه. وتراجعت عدة خطوات إلى الخلف. وهي تجول بنظرها في أرجاء الغرفة المهتزة.
رواية اسمنجون الفصل الثاني 2 - بقلم مريم محمد
البارت
_الثاني
نوفيلا_أسمنجون
سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته
بقلم/ مريم محمد عبد القادر
(رحلة)
فور أن قرأت زمرد تلك الكلمة (أسْمَنْجُون) .. حتى تحولت أوراق الكتاب في يدها الي اللون الأسود وبدأت الأرض تهتز من تحت قدميها بقوة .. فنهضت من على الكرسي الذي تجلس عليه .. وتراجعت عدة خطوات الي الخلف .. وهي تجول بنظرها في أرجاء الغرفة المهتزة
من شدة الاهتزاز سقط الكتاب على الأرض محدثا دويا مهيبا كاد ينخلع قلب زمرد بسببه ثم ظهر من تحت الكتاب دوامة سوداء ضخمة .. يتخللها بعض الخطوط الارجوانية والزرقاء والحمراء متداخلة معا في تناسق مبهر ومخيف في نفس الوقت .. ابتلعت الدوامة زمرد التي لم تجد وقتا لتذهل بما يحدث على الأقل وبعدها أُغلقت الدوامة وظل الكتاب في مكانه على الأرض لعدة ثواني لم تلبث حتى اشتعلت النار فيه وتحول الي رماد كأن شيئا لم يكن وعم الهدوء أركان الغرفة مجددا
ظلت زمرد تدور في دياجير الدوامة حتى فقدت وعيها وبعد فترة وجيزة .. أستقر جسدها في هدوء على الأرض وظلت فاقدة للوعي لعدة ساعات
استيقظت زمرد بعد عدة ساعات وهي تشعر بالدوار وآلام حادة في كتفيها وساقيها .. ولكن ما رأته أمام عينيها كان كفيلا بأن ينسيها الألم في جسدها
فتحت زمرد عينيها في ذهول شديد وهي تحدق في الأفق حولها وتقول : لا أصدق ما أرى .. هل أنا في الصحراء ؟؟
كان هذا ما رأته فعلا حولها .. ملايين الكيلومترات من الرمال الذهبية تمتد في الآفق من جميع الإتجاهات .. ظلت تركض في الأرجاء لا تصدق ما يحدث
زمرد : كنت في غرفتي منذ قليل .. كيف جئت الى هنا هكذا ؟ ما الذي يجري ؟
واستمرت زمرد في الركض باحثة عن أي شئ حولها لكنها لم تقابل في طريقها سوى الصحراء الذهبية الشاسعة والشمس الحارقة فوق رأسها
وبعد أن أرهقت زمرد نفسها من الركض دون جدوى جلست على الأرض بجبين يتفصد عرقا تلتقط أنفاسها وقد بدأت آلام ساقيها وكتفيها تعودان مرة آخرى
نظرت الي السماء الصافية فوقها-بقلم/مريم عبد القادر-وهي تمسح قطرات العرق من على جبينها حائرة تائة لا تعرف ماذا عليها ان تفعل الآن
حينها قَطَع حبل أفكارها صوته القَمئ وهو يصرخ عليها بلكنته الغريبة قائلا : كيف وصلت الي هنا ؟ وكيف قمت بفك أغلالك ؟
نظرت زمرد الي صاحب الصوت .. لترى رجلا قبيحا قصير وسمين ذا رأس أصلع وعينان قاسيتان وكان يرتدي ملابس رمادية غريبة الشكل تشبه في تصميمها الي حد ما ثياب الرومان قديما فسألته قائلة : من أنت ؟ وأي أغلا......
لم يعط الرجل القبيح الفرصة لها لتكمل كلامها وقام بجذبها بعنف من زراعها فآلمت تلك الجذبة كتفها بشدة أطلقت بسببها صرخة ألم بصوتها الشجيّ تقطع قلب من سمعها .. ولكن الرجل القبيح لم يكترث لألمها وأستمر في جرها خلفه وهو يردد كلمات لم تفهم زمرد كنهها وظل يجرها خلفه لمسافة ليست طويله .. وهي لا تقوى علي المقامة حتى وصل الي عربة خشبية ضخمة تشبه السجن وبداخلها الكثير من النساء والرجال والأطفال مقيدي الأيدي والأرجل بسلاسل عملاقة وكان هناك ثلاثة أحصنة مربوطة في مقدمة العربة ويجلس بجانب الأحصنة رجلين آخرين قبيحين أحدهما طويل ونحيل كعصى خشبية ذا شعر اجعد طويل .. والأخر متوسط الطول والحجم بشعر قصير .. كان الرجلين وجميع من في العربة يرتدون ملابس تشبه ملابس الرجل السمين في الشكل واللون
من هذه ؟
قالها الرجل الطويل بصوت يشبه الصرير فأجابه الرجل السمين بصوته القمئ : عندما ذهبت لأقضي حاجتي بعيدا وجدتها تحاول الهرب .. يبدو أنها فرت من العربة عندما أخرجناهم منذ قليل لنصلح العجلات المكسورة
الرجل الطويل : كنا سنقع في مشكلة كبيرة لو تمكنت من الهرب
الرجل الثالث : من الجيد أنك تمكنت من القبض عليها ..
أحسنت صنعا
الرجل السمين : لكنها تمكنت من فك القيود
الرجل الثالث : لا بأس لدينا المزيد منها هنا .. خذ واحدا آخر وقيدها به
زمرد : لحظة من فضلكم .. أنا لم أهرب من هنا .. انا لم اكن معهم أساسا
الرجل الثالث : اذا من تكونين ؟ ومن أين أتيت ؟
زمرد : أنا زمرد وفي الحقيقة أنا من .. في الحقيقة
كانت زمرد لا تدري أين هي ؟ ولا كيف أتت الي هنا ؟ ومن هؤلاء ؟ وماذا يفعلون ؟ لذا لم تعرف بماذا تخبرهم
الرجل السمين : إن كنت لا تعرفين كيف تكذبين فلا تحاولي إذا .. لقد هربت من هنا وقد أعدناك ولحسن حظك سنكون طيبون معك ولن نبلغ عن هذا .. اذا علم أحد عن محاولتك للهرب فقد تعاقبين أو حتى تُقتلين
زمرد : قُلت أنني لست منهم
الرجل الثالث : يكفي كذبا حتى الآن الدليل القاطع موجود على يدك .. فلماذا تكذبين ؟
-لم تفهم زمرد عن أي دليل هذا الذي يتحدث عنه-بقلم/مريم عبد القادر-فتابع الرجل الثالث قائلا : لا يوجد أحد يحمل تلك الجوهرة الا إذا كان فردا من عمال أسمنجون العظمى وبما أنكم اصبحتم منهم الآن فقد ظهرت الجوهرة في أيديكم
تابع الرجل السمين بدون ترك أي فرصة لزمرد لكي تستوعب ما قاله الرجل الآخر : هيا كفى عبثا لقد ضيعنا الكثير من الوقت بالفعل
ثم قام بتقيد قدمي زمرد ويديها الرقيقتين وقام بدفعها بيده الغليظة الي داخل العربة الخشبية وأغلق الباب خلفها ثم بدأوا في التحرك متجهين الي مكان ما لا تعرف زمرد ما هو !؟
كانت زمرد تجلس في العربة الخشبية لا تدري ماذا يحدث من حولها ولا ما ينتظرها لاحقا
بدأت تنظر الي ظهر يديها المقيدتين بالأغلال الضخمة التي آلمتها فلم تجد أي شئ أي دليل هذا الذي تحدث عنه هذا الرجل ؟.. وعندما أدارت يديها وفتحتهما صدمت بما رأت في يدها اليسرى
كان هناك حجر كريم بيضاوي الشكل - عرفته زمرد فقد قرأت عن الأحجار الكريمة سابقا - إنها جوهرة من التوباز الزرقاء مغروسة داخل يدها متصلة تماما بجلدها من الحواف وكأنها جزء منه وكان لها بروز قليل من المنتصف ويحيط بالجوهرة نقش لازوردي لنجمة خماسية الرؤوس .. كان شكل الجوهرة جذاب للغاية مع كل تلك الإنعكاسات اللامعة التي أحدثتها عندما سقطت على سطحها أشعة الشمس البرّاقة
أستمرت العربة بالسير .. حتى أنشق فراغ الأفق كاشفا عن مدينة ذات أسوار شاهقة ناصعة البياض مزينة بأحجار كريمة زرقاء عملاقة
إنها مدينة الأحجار الكريمة ( أسْمَنْجون ) العظيمة
_____يتبع
بقلم/مريم محمد عبد القادر
ميمووو
رواية اسمنجون الفصل الثالث 3 - بقلم مريم محمد
قال شيخ كبير من الجالسين داخل العربة مع زمرد بصوته المجهد المتعب:
إنها مدينة الأحجار الكريمة أسْمَنْجُون العظيمة.
فأجابته زمرد بسؤال:
وما هي أسمنجون هذه؟
الشيخ:
ألا تعرفين أسمنجون يا ابنتي؟
زمرد:
بلا.. لم أسمع بها من قبل.
الشيخ:
إنها أعظم البلاد في هذا العصر، كيف لم تسمعي عنها من قبل؟ إنها أغنى البلاد على الإطلاق، تتاجر في الذهب والمجوهرات.. وتشتهر بأحجارها الكريمة التي لا مثيل لها في العالم.. وهي من أقوى البلاد عسكريا.. جميع المدن تهابها.
زمرد:
لحظة واحدة.. كيف تكون كما قلت ولم يسمع بها أحد؟.. لم أقرأ شيئا عنها من قبل.
الشيخ:
ربما لم تسمعي أنت بها.. ولكن جميع من يعيش في الإمبراطورية الآشورية قد سمع بها بالفعل.
فور أن سمعت زمرد كلمة المملكة الآشورية غرت فاها وأتسعت عيناها وقالت والرعشة تسري في ظهرها:
أي (إمبراطورية آشورية) تلك؟ هل تقصد أننا في القرن التاسع قبل الميلاد؟ ما الذي جاء بي إلى هنا؟
الشيخ:
أي ميلاد؟
كانت زمرد لا تصدق أنها تقف على أرض الإمبراطورية الآشورية التي قرأت كثيرا عنها وعن تاريخها القديم العريق منذ مئات السنين.. تلك الإمبراطورية التي نشأت في ما بين النهرين.. وأستمرت منذ سنة 934 ق.م وحتى سنة 609 ق.م.. نافست تلك المملكة كلا من بابل وعيلام ومصر على زعامة العالم القديم.. وأصبحت بمجئ تغلاث فلاسر الثالث أقوى إمبراطورية في العالم القديم بعد أن تمكنت من الانتصار على هذه الممالك.
وفي خضم هذا التخبط الذي وقع فيه عقل زمرد وصلت العربة إلى بوابة المدينة، كانت بوابة ضخمة داخل سور عملاق يصل ارتفاعه إلى مائة متر وسمكه ما يقرب من العشرين متر وكانت مساحته حوالي خمسة آلاف كيلومتر مربع تقريبا.. يحيط بمدينة أشبه بمملكة كاملة بداخله من ثلاثة جوانب. أما الجانب الرابع فقد أحاط به سلسلة من الجبال العملاقة التي لا يمكنك رؤية قممها.. وكان للسور أربعون برج مراقبة وتسع بوابات ولكل بوابة بابين حديديين أحدهما عند بداية السور من الخارج.. والآخر عند نهايته من الداخل. ويقف في تلك المسافة بين البابين ما يقارب العشرة حراس بدروعهم وسيوفهم المصقولة.. وهناك شعل نارية مثبتة على الجدران فوق الحراس لتضيء المكان.
أخرج الرجل السمين ورقة صفراء وأعطاها لأحد الحراس عند الباب الخارجي.. فسمح له بالمرور متجهًا إلى المدينة داخل السور.
وفور عبور العربة الخشبية سور المدينة المظلم نسبيًا وظهور أشعة الشمس من جديد بدأت معالم الحياة تظهر. أناس تتحرك هنا وهناك.. وأطفال تلعب.. وحراس تهرول.. خيول وثيران تجر خلفها عربات خشبية.. بدا المكان حيويًا للغاية.. وكانت المنازل الصغيرة والكبيرة متراصة بجانب بعضها البعض في نظام وهندسية دقيقة للغاية.. كما زينت أسقف تلك المنازل بالأحجار الكريمة الزرقاء المختلفة في الحجم. وكانت النوافير العملاقة بيضاء الهيكل والتي كانت مرصعة بالجواهر الزرقاء هي الأخرى توضع في أرجاء المكان بنظام.. كأن التناسق والجمال في تلك المدينة جعلها جزءًا لا ينتمي للأرض.
سارت العربة التي كانت تحمل زمرد والآخرين بمحاذاة السور لبعض الوقت حتى وصلت إلى مبنى كبير حجري كئيب فتوقفت عنده. ثم خرج بعض الجنود من داخل المبنى وبدأوا بإخراج الناس من العربة وإدخالهم إلى هذا البناء.
سار الجميع معًا في مكان واسع كان على جانبيه طاولات خشبية يجلس عليها عدد من الجنود وفي آخره باب خشبي في جدار.. وكان خلف الباب نفق طويل يصل إلى آخر البناء على جانبيه العديد من الزنزانات المتراصة لا يفصل الزنزانة عن أختها إلا قضبان حديدية كالتي أغلقت بها كل زنزانة منها.. كان المكان كريه الرائحة ومظلم للغاية إلا شيئًا من أشعة الشمس التي عبرت من تلك النوافذ الصغيرة أعلى الجدران العالية.
قام الجنود بإدخال الرجال في زنزانات منفصلة عن النساء والأطفال ومنهم زمرد المسكينة التي لا تدري ماذا يحدث من حولها.. حتى أنها حاولت أكثر من مرة أن تتحدث مع الجنود ولكن لم يستجب أحد لها. بل قام أحدهم بدفعها بقسوة فسقطت بسببها على الأرض وخدش باطن كفيها حتى خرج بعض الدم من جلدها.
أغلق الجنود أبواب الزنزانات ثم خرجوا من تلك الردهة الكبيرة إلى الخارج وأغلقوا الباب الخشبي بإحكام تاركين مئات الأسرى خلفهم في زنزانات مخيفة موحشة.
جلست زمرد مكانها مسندة ظهرها إلى الجدار خلفها.. وضمت ساقيها إلى صدرها وأحاطتهما بذراعيها واضعة رأسها على ركبتيها وأغلقت عينيها الزمرديتان وغاصت في بنات أفكارها تحاول جمع شتات نفسها والوصول إلى حل لما يحدث معها حتى ملت من التفكير بدون الوصول لشيء.
بعد توقف زمرد عن التفكير انتبهت إلى صوت رقيق لبكاء فتاة جلست معها في نفس الزنزانة. فاقتربت منها وأخذت تربت على ظهرها ثم سألتها عن سبب بكاءها فأجابت الفتاة بصوت أرهقه البكاء:
لقد انتهى أمرنا وسنظل عبيدًا للأبد.
زمرد:
ماذا تقصدين بأننا أصبحنا عبيدًا؟
الفتاة:
ما هذا!!... هل أتيتِ إلى هنا وأنتِ لا تعرفين ماذا سيفعلون بكِ؟
زمرد:
أجل.. هل يمكنكِ إخباري بما يحدث رجاءً؟
الفتاة:
نحن رهائن الديون.
زمرد:
رهائن؟!
الفتاة:
أجل رهائن.
قامت الفتاة بمسح دموعها ثم أردفت قائلة:
إن أسمنجون مدينة فاحشة الثراء تقوم بإعارة المال للمدن الأخرى المحتاجة.. وعلى تلك المدن إعادة المال لها على سنوات تحدد بين البلدين. ولكن في حال لم تستطع المدينة إعادة المال في الوقت المحدد يأتي فقراء المدينة إلى أسمنجون كمتطوعين لخدمتها مقابل هذا الدين.. أو هذا ما يتداول في العلن. أما الحقيقة هي أن المدن الدائنة تجبر فقراءها وترغمهم على الذهاب إلى أسمنجون كرهائن ولم يعد إلى الآن أي شخص من هؤلاء الفقراء إلى داره مرة أخرى.
زمرد:
قد يكون هؤلاء الناس قد أحبوا البقاء هنا بدلًا من العودة.. فقد سمعت أن أسمنجون من أعظم البلاد.
الفتاة:
هذا مستحيل.. فلم يسمع أحد أي خبر من قريب له جاء إلى أسمنجون.. كما أن هذه السلاسل حول أيدينا هي أكبر دليل على أنهم سيقومون باستعبادنا.
صمتت الفتاة هنيهة ثم أردفت والدموع تسيل على وجنتيها ثانيةً:
لقد تخلت مدننا عنا ولا أمل لنا بحياة كريمة بعد الآن.
زمرد:
حتى لو تخلى العالم كله عنا.. فإن الله معنا.. لن يترك أبدًا داعٍ محتاج في كربة بدون عون.. فهو القويّ الرحيم.. فلا تخافي.
الفتاة:
لم أفهم.
ابتسمت زمرد وربتت على ظهر الفتاة تطمئنها ثم قالت:
لا بأس عليكِ.. سنكون بخير.
عم الصمت المكان وعادت زمرد إلى تقوقعها.. ومر الوقت وهي لا تفكر إلا في المحادثة السابقة.. لا تتوقف عن تخيل ما سيحدث لها في المستقبل داخل تلك المدينة العجيبة.. حتى خارت قواها واستلقت على الأرض.. لم يعد بوسعها الصمود أكثر فجسدها يؤلمها إثر الرضوض التي أصيبت بها داخل الدوامة السوداء وجروح كفيها تؤلمها وتلك السلاسل حول معصميها وساقيها التي أهلكت جلدهما.. كما أنها لم تأكل شيئًا طوال اليوم وتشعر بالعطش الشديد جراء تلك الرحلة الشاقة تحت الشمس الحارقة.
حل الليل وأصبحت الزنازين أكثر زمهريرا.. كانت زمرد ترتجف من شدة البرد فلم تكن معتادة على صقيع كهذا طوال حياتها.. كما أن الأرض التي كانت مستلقية عليها شديدة البرودة هي الأخرى. حاولت الصمود ولكن الوهن تمكن منها فخرت مغشي عليها.
رواية اسمنجون الفصل الرابع 4 - بقلم مريم محمد
تسللت إحدى الرشيقات من أشعة الشمس من خلال النافذة وداعبت عيني زمرد النائمة فأيقظتها. فتحت الفتاة عينيها لتجد نفسها في سريرها الدافئ داخل غرفتها الهادئة وصوت طهي والدتها للطعام صادر من المطبخ.
زمرد: يا إلهي.. حلم؟ لقد كان بشعاً جداً.
هرولت الفتاة في حبور لتفتح باب غرفتها، وفور أن فتحته تحول المكان حولها إلى ظلام حالك قطعه ركلة شديدة في كتفها وصوت جهوري يحدثها:
"إلى متى ستظلين نائمة؟"
فتحت زمرد عينيها وجالت بنظرها في المكان، فهربت من عينيها دمعة عندما أدركت ما هو الواقع وما هو الحلم، عندما أدركت أنها لا تستطيع أن ترتمي في أحن صدر في العالم كما تمنت.
تابع الجندي الغليظ قائلاً:
"هيا.. فلينهض الجميع.. عليكم بدأ العمل من اليوم.. تحركوا بسرعة."
ثم نظر إلى زمرد وقال:
"وأنتِ عليك أن تبدلي ثيابك الغريبة تلك."
لم تجبه زمرد ولم تتحرك قيد أنملة من مكانها، فقد كان قلبها منكسراً وطرفها حائراً. فقام الجندي بجذبها من السلاسل في يدها وقام بجرها جراً خلفه حتى خرجت من الزنزانة، وقامت سيدة أربعينية بأخذها لتغير ثيابها.
قامت زمرد بتغيير ملابسها بملابس أهل المدينة التي كانت شيئاً كعباءة طويلة ذات أكمام واسعة وعليها شيء كملاءة، تقوم بلفها حول جزعها وتمررها من تحت أحد ذراعيها، رافعة إياها لتمر من فوق كتف ذراعها الأخرى. ولكن زمرد لم تكن تريد أن ترتدي مثل تلك الملابس فهي تكشف شعرها. ترددت كثيراً حتى رأت بعض النساء يرفعن الملاءة على رؤوسهن بدلاً من وضعها على كتفهن، ففعلت مثلهن وغطت شعرها.
انضمت زمرد إلى الجمع الكبير الذي احتشد في الساحة أمام مبنى الزنازين، وقد وقف أمامهم جندي ضليع وسيم ممشوق القوام مفتول العضلات، كان يرتدي عباءة ناصعة البياض إلى ركبته وملاءة بلون أسمنجوني، وعلى خصره علق سيفه المرصع بالجواهر. ووقف على يمينه ويساره جنديان يرتديان نفس الثياب بألوان معكوسة، الأسمنجوني للعباءة والأبيض للملاءة، وعلى ظهرهما أقواس وسهام.
قال الجندي بصوته الجهوري:
"أدعى ليڤون (بمعنى الأسد) وأنا قائد الجيش الأسمنجوني الذي يدافع عن أمن المملكة أسمنجون داخلياً وخارجياً.. وجئت اليوم لأرحب بكم بالنيابة عن الملكة (سيرا).. أخبركم أنكم من اليوم قد أصبحتم جزءاً من أسمنجون.. ستظلون هنا حتى ينتهي دين بلادكم، بعدها يمكنكم العودة إلى أهلكم مرة أخرى، أما قبل هذا فلا يمكنكم عبور سور المدينة أبداً. وفي تلك المدة التي ستبقون فيها هنا سيتكفل المسؤولون عنكم بكل احتياجاتكم وسيقومون بمعاملتكم بشكل حسن."
قلّب ليڤون عينيه العسليتين بين الوجوه المتجهمة، ثم أشار إلى بعض الرجال الواقفين خلفه والتي كانت جميع ثيابهم رمادية، ثم أردف قائلاً:
"هؤلاء الرجال هم من سيتولون أمركم في المدة التي ستبقون فيها هنا.. ستقسمون إلى مجموعات متفرقة.. كل مجموعة في عمل مختلف يشرف عليها أحد الرجال."
صمت هنيهة ثم أردف:
"وأتمنى لكم الحظ الجيد في أسمنجون."
نظر ليڤون إلى الجنديين خلفه، ثم انطلق ثلاثتهم مبتعدين، تاركين الجمع بين أيدي هؤلاء الرجال.
قام الرجال بتقسيم الناس إلى مجموعات متعددة، كل مجموعة صحبها واحد منهم وبدأوا يتفرقون وينتشرون في أرجاء المدينة. وكان ممن صحب زمرد ومن معها رجل طويل القامة عريض المنكبين أصلع الرأس، أسمرت بشرته بسبب عمله في الشمس طويلاً وظهر على ملامحه علامات القسوة والبأس. قام باصطحابهم إلى عربة كبيرة قاموا بالصعود إليها.
تحركت العربة وسارت لمسافة كبيرة جداً طوال النهار حتى وصلت إلى الجبال العملاقة التي اختلفت ألوان حجارتها من الأبيض إلى الأسود مروراً بالأحمر والذهبي. توقفت العربة أمام مبنى كبير للغاية وطلب الرجل من الجميع أن يترجلوا من العربة، ففعلوا ثم اصطفوا ليقف الرجل أمامهم ويقول بصوته الجهوري:
"هنا ستعيشون.. هذا مسكن الرجال، أما النساء فلهن مبنى منفصل خلف هذا المبنى.. ستحصلون هنا على وجبتين يومياً ومكان للنوم."
ثم أشار إلى الجبال التي بعدت عنهم بمسافة ليست كبيرة وأردف:
"وهناك ستعملون.. نحن نستخرج الأحجار الكريمة من جبال أسمنجون العظيمة وستقومون بالمساعدة في هذا.. الرجال ستساعد في تحطيم الصخور واستخراج الجواهر.. أما النساء ستساعدن في تنظيفها وإعدادها للبيع في المصنع بجانب الجبال.. وليس لديكم مجال للتكاسل وإلا ستعاقبون.. هل كلامي واضح؟"
قام الرجل باصطحاب الرجال إلى الجبال، بينما صحبت النساء امرأة طويلة القامة قاسية الملامح قوية بشكل لا يلائم امرأة. توجهوا جميعاً إلى بناء كبير بني من طوب نحاسي اللون وقد بدا على ملامحه علامات القدم. دلفوا إلى المبنى وولجوا إلى إحدى الغرفات الكبيرة.
جالت زمرد بعينيها في المكان، كان هناك العديد من الطاولات الخشبية الكبيرة وأمام كل طاولة العديد من الصناديق المعدنية بداخلها العديد من الأحجار الكريمة المختلفة، وتجلس على كل طاولة امرأة أو اثنتين تقوم بتنظيف المجوهرات من بقايا الصخور والرمال وفرزها. كل نوع في صندوق منفرد.
جلست زمرد هي الأخرى على إحدى الطاولات وبدأت تعمل كباقي النساء، عندما قاطعها صوت رقيق لفتاة تقول لها:
"ها نحن نلتقي ثانيةً.. يا ذات العيون الجميلة."
رفعت زمرد عينيها فوجدت فتاة ذات شعر طويل شديد السواد وعيون بنية داكنة (كانت تلمع تحت أشعة الشمس) التي انعكست على وجهها الصغير الوردي. قالت الفتاة مرة أخرى وهي تطالع زمرد بنظراتها المتفحصة:
"تبدين أجمل مما تصورت.. لم أتمكن من رؤيتك جيداً في الظلام ولكن بعد رؤيتك في النور هكذا تبدين فاتنة للغاية."
زمرد:
"أنا أتذكر صوتك.. هل يمكن أنك تلك الفتاة من الأمس؟"
الفتاة:
"هذا صحيح، كنت معك في تلك الزنزانة."
صمتت الفتاة هنيهة ثم أردفت:
"اسمي أيلا.. سررت بلقائك ثانيةً أيتها الجميلة."
ارتسمت على شفتي زمرد ابتسامة رقيقة ثم قالت:
"غزال."
أطلقت أيلا ضحكة خافتة وقالت:
"هذا صحيح، اسمي يعني غزال."
زمرد:
"وأنا زمرد، وهو نوع من الأحجار الكريمة الخضراء."
أيلا:
"لا عجب أن عيونك بهذا الجمال يا زمردة."
ابتسمت زمرد ابتسامة واسعة، فقد أعجبها نداء أيلا لها بـ "زمردة". شعرت بشيء من الدفء فيه بعد كل المتاعب التي تعرضت لها بالأمس.
قطع حديث الفتاتين صوت محشرج لامرأة قاسية والتي كانت تشرف على عمل الإناث داخل المصنع:
"كفى عبثاً وتابعا العمل وإلا سيتم معاقبتكما."
نظرت الفتاتان لبعضهما وابتسمتا، ثم عادت كل واحدة لعملها مرة أخرى.
وبعد حلول المساء والانتهاء من العمل، توجه الجميع إلى المباني التي سيباتون ليلتهم فيها. اتجهوا جميعاً إلى مطعم المبنى حيث سيحصلون على عشائهم هناك، وكان ذلك أول طعام يدخل معدة زمرد منذ وصولها إلى هذا العالم الغريب، ولكنه لم يكن طعاماً يمكن لآدمي تناوله. قطعة خبز صلبة مع صحن من حساء الخضروات وكوب من الحليب موضوعين في صحون وأكواب قذرة.
تناولت زمرد بعضاً من الخبز فقط ولم تستطع تناول شيء آخر، فقد اشمئزت نفسها من مظهر الطعام السيئ.
نهضت زمرد متجهة إلى غرفتها في المبنى المكون من عدة طوابق، وكان في كل طابق الكثير من الغرف المرقمة يميناً ويساراً. دخلت إلى غرفتها في الطابق الثالث، عندها فوجئت بأيلا جالسة على أحد الأسرة الكثيرة المتراصة بجانب بعضها البعض، لا يفصل بين كل سرير والآخر سوى دولاب خشبي قصير به ثلاثة أدراج وستارة.
نظرت زمرد إليها بإندهاش وقالت:
"أيلا!!.. هل ستمكثين في هذه الغرفة أنتِ أيضاً؟"
أيلا:
"أجل."
ابتسمت أيلا ثم أردفت:
"يبدو أنه مقدر لنا البقاء معاً في تلك المدينة."
زمرد:
"معكِ حق."
مر يوم كان شاقاً على زمرد، فهي لم تعتد على عمل مثل هذا من قبل وأصيبت أطراف أصابعها ببعض الخدوش من الصخور أيضاً، ولكن حصولها على صديقة جديدة خفف عنها بعض الألم والوحدة التي شعرت بها.
رواية اسمنجون الفصل الخامس 5 - بقلم مريم محمد
مرت الأيام المتشابهة تباعًا، أيام تمضي بلا عودة، وزمرد ما زالت حبيسة هذا العالم وتلك المدينة، حتى أتى أحد الأيام مختلف الملامح عن أخوته.
تم إلغاء جميع الأعمال واجتمع الناس في الشوارع المزينة بالأشرطة الملونة وقد عزفت فيها الموسيقى.
لقد كان الجميع يحتفل بعيد ميلاد الملكة سيرا التي أتمت الأربعين من العمر.
ترك العاملين في ذلك اليوم بدون عمل وسمح لهم بالتجوال بحرية تامة في أرجاء المدينة بشرط عدم تجاوز سورها الخارجي.
خرجت زمرد مثل باقي زميلاتها في العمل لتتجول في المدينة وتجوب أرجائها، عندما سمعت صوتًا ينادي عليها من خلفها:
زمرد: أيلا!! ماذا تفعلين؟
قالت أيلا بصوت متقطع الأنفاس:
أيلا: خذيني معكِ.
زمرد: تبدين متعبة جدًا.. ماذا حدث معكِ؟
أيلا: أنت سريعة للغاية.. لقد أتعبتني وأنا أحاول اللحاق بكِ.
زمرد: أعتذر منكِ.. إنها عادتي السير بسرعة.
أيلا: لا بأس.. إذًا إلى أين ستذهبين؟
زمرد: لا يوجد مكان محدد أتوجه إليه.. فقط أتجول.
أيلا: إذًا دعينا نتجول معًا.
زمرد: لا بأس بهذا.. هيا بنا.
استمرت زمرد وأيلا في التجوال في أرجاء المدينة حتى وصلتا إلى قصر الملكة والذي كان في مركز المدينة.
وقد احتشد حوله العديد من الناس.
وبعد عدة دقائق خرجت الملكة إلى شرفة القصر، على يمينها رئيس الوزراء وعلى يسارها الوسيم الجسور ليڤون قائد الجيش الأسمنجوني.
أطلت الملكة ترفل في ثوبها الأبيض وقد تزينت بحلي من الزفير الأزرق وزين شعرها الفحمي تاجها الذهبي المرصع بالجواهر الملونة، وفور ظهورها بدأ الناس بالهتاف لتحيتها بحرارة.
تقدمت زمرد وسط الزحام الشديد متجهة للصفوف الأمامية، أرادت أن ترى الملكة عن قرب وتستمع إلى ما ستقوله.
رفعت الملكة يدها فتوقفت الهتافات تدريجيًا حتى صمت الجميع.
نظرت الملكة إلى وجوه شعبها ثم قالت بصوتها الأغن:
الملكة: أريد أن أشكر كل فرد منكم لقدومه خصيصًا للاحتفال بعيد مولدي الأربعين.. وكتقدير مني لجهودكم سأقوم بتقديم الهدايا إلى كل من يعيش داخل مملكتي.
فور قول الملكة لكلماتها هذه علا الهتاف والتصفيق والموسيقى وعم الفرح المكان.
إنها تحب التفاخر حقًا.
سمعت زمرد هذه الكلمات على لسان شاب بصوت يخنقه الضيق، وعندما نظرت إليه صرخت صرخة لفتت الأنظار إليها فوضعت يديها على فمها وظلت تحدق به في ارتباك.
إنه ذلك الشاب الذي رأته في مكتبة السيد بهاء والذي أعطاها الكتاب الغريب.
نظر الشاب إليها بتعجب ثم استدار وهم بالرحيل، فحاولت اللحاق به ولكنها لم تستطع هذا بسبب الزحام الشديد الذي محى وجوده من أمام ناظريها.
خيم الليل بردائه البهيم، وما زالت أفكار زمرد تتناطح داخل رأسها.
هذا الشاب الغريب لابد أنه يعرف شيئًا عن كيفية عودتها إلى بيتها، ولكن كيف يمكنها إيجاده الآن في هذه المدينة العملاقة؟
مر يوم الاحتفال ولم ينم لزمرد جفن، فقد ظلت مستيقظة طوال الليل تفكر في هذا الشاب الغريب الذي التقَت به بالأمس.
وظلت الأسئلة تطرح نفسها عن طريق الخروج من هنا.. وما الذي سيحدث في المستقبل؟ وماذا إن لم تتمكن من العودة للبيت؟ والكثير من الأسئلة الأخرى التي ظلت معلقة بدون أي جواب.
أنت... ستأتين معي.
قالتها السيدة القاسية بصوتها المرتفع.. والتي كانت تدعى باسم جومرا الذي يعني الجَمر.
زمرد: أنا..!! إلى أين؟
جومرا: إلى الصائغ.
زمرد: لماذا؟
جومرا: لكي نعطيه ما تم استخراجه من جواهر.
زمرد: لم أقصد هذا.. كنت أعني لماذا اخترتني أنا؟
جومرا: لديك الكثير من الأسئلة حقًا، أنا لا أحب هذا النوع من الفتيات.. اتبعيني في صمت.
تبعت زمرد السيدة جومرا وقامت بمساعدتها في وضع الصناديق المليئة بالأحجار الكريمة في عربة خشبية بدون سقف يقودها حصان متعب.
وصلت السيدة جومرا ومعها زمرد إلى حانوت صائغ الجواهر السيد هيرمان.
أخذتا الصناديق ودخلتا إلى الحانوت.
هيرمان: مرحبًا بالسيدة جومرا.. يبدو أن لديك الكثير من الصناديق هذا اليوم.
جومرا: أجل، فالعمل يسير على قدم وساق بعد حفل ميلاد الملكة.
هيرمان: ما هذا!! أين الفتاة التي كانت تساعدك دائمًا في إحضار الصناديق إلى هنا؟
جومرا: مريضة ولم تتمكن من المجيء اليوم، لذا أحضرت فتاة أخرى لمساعدتي.
هيرمان: تبدو ذكية.
جومرا: لا أعتقد ذلك.
غضبت زمرد بشدة عندما قالت السيدة جومرا ذلك عنها وكانت ترمقها بنظرات حادة.
قطع ذلك الجو صوت فتح الباب تلاه صوت مألوف لشاب يقول:
الشاب: مرحبًا سيد هيرمان.. لقد عدت إليك مرة أخرى.
هيرمان: عزيزي ليڤون، أهلًا بعودتك.. كيف أساعدك؟
وقف ليڤون في مكان بعيدًا عن زمرد.. وأمسك بسيفه في غمده ووضعه على الطاولة أمام السيد هيرمان ثم قال:
ليڤون: إنها الجوهرة مرة أخرى، لقد كسرت عندما كنت أبارز بسيفي.
نظرت زمرد إلى الجوهرة وقالت بصوت خافت:
زمرد: الجاديت.
هيرمان: هذا صحيح.. إنه الجاديت.. يبدو أنك تعرفين الكثير.
لم تجبها زمرد، ولكن فور اقتراب ليڤون منها عدة خطوات ليخاطب السيد هيرمان اتسعت حدقتاها وغُرِّت فاها وظلت تحدق به بنظرات جمعت بين الدهشة والصدمة والتوتر والخوف دون أن تعير من حولها أي اهتمام.
هيرمان: أخبرتك مائة مرة أن تأتي بين الحين والآخر لفحص سيفك.. جوهرتك نادرة للغاية فلا تتركها بدون عناية حتى تكسر هكذا.
ليڤون: سأحاول في المستقبل.
هيرمان: ها هي ذي جملتك التي حفظتها منك.
كان ليڤون يعرف أن زمرد تنظر إليه منذ وقوفه بجانبها، فقد لمحها بطرف عينه، ولكنه كان يتجاهلها حتى قال أخيرًا:
ليڤون: المعذرة.
ألتفت ونظر إليها ثم أردف قائلًا:
ليڤون: هل هناك شيء ما على وجهي؟ كنت تحدقين فيه منذ مدة طويلة.
لم تجب زمرد واستمرت بالتحديق به حتى جذبتها السيدة جومرا من ذراعها بقوة، فعاد لزمرد وعيها بعد تلك الجذبة، ثم وجهت السيدة جومرا كلامها إلى ليڤون قائلة في ارتباك:
جومرا: أرجو المعذرة منك يا سيدي القائد.. تلك الفتاة مستجدة هنا ولا تعرف كيف تظهر الاحترام إلى من هم أعلى مرتبة.
نظر ليڤون إلى السيدة جومرا ثم أعاد نظره إلى زمرد الواقفة في ذهول وابتسم فكشف اللثام عن أنيابه الحادة وأسنانه اللؤلؤية البيضاء ثم قال:
ليڤون: لا بأس.. تبدو الفتاة مرتبكة بالفعل.
أحمر وجه زمرد خجلًا من ابتسامة ليڤون الجميلة فوجهت نظرها إلى الأرض ولم تعاود النظر إليه ثانيةً.
خرجت السيدة جومرا ومعها زمرد من حانوت الصائغ.. ثم نهرت جومرا زمرد قائلة:
جومرا: يا لك من فتاة وقحة، لقد قمتِ بإحراجي بشدة أمام القائد الأعلى ليڤون، ليتني لم أصحبك معي إلى هنا.. توقعي أن عقابك سيكون شديدًا.
*****
قال ليڤون إلى الجندي الواقف على يمينه فور خروج زمرد من الحانوت:
ليڤون: إنها تلك الفتاة ثانيةً.. هل تذكرها؟
الجندي: وهل التقينا بها من قبل؟
ليڤون: أجل.. عندما ذهبنا لنرحب بالعمال الجدد من المدن المجاورة.. كانت واقفة وحدها في نهاية الجمع وعلى وجهها نظرة حزينة.
الجندي: وما زلت تتذكرها!؟
ليڤون: أجل، تلك الفتاة تمتلك ملامح مختلفة عنا.. كما أن لون بشرتها ليس طبيعيًا.. ولون عيونها جميل للغاية، لقد لفتت انتباهي، لكن هذه أول مرة أراها عن قرب.. لا أعرف سبب تحديقها بي اليوم ولكن.....
ابتسم ثم أردف:
ليڤون: ولكنها فتاة لطيفة حقًا.
الجندي: ماذا تقصد بهذا يا سيدي القائد!؟
ليڤون: لا تشغل بالك.. إذًا يا سيد هيرمان، كم سيستغرق إصلاح جوهرتي؟
هيرمان: لن يستغرق الكثير من الوقت.. لا تقلق.
*****
كانت العربة الفارغة تهتز من سيرها على الطريق المتعرج وزمرد جالسة بجانب السيدة جومرا وعقلها ما زال داخل الحانوت تفكر في ليڤون.. ثم بدأت تتمتم بصوت غير مسموع وتسأل نفسها:
ما سبب تلك الرائحة العطرة التي كانت تنبعث منه؟ إنها نفس الرائحة التي كانت تنبعث من الصفحات الأخيرة من الكتاب الغريب الذي كنت أقرأه قبل مجيئي إلى هنا.. ولكن لماذا؟
ظل السؤال معلقًا بلا جواب وزمرد تكاد تجن مما يحدث من حولها: أولاً الكتاب الغريب، ثم هذا المكان العجيب الذي حبست فيه، ثم الشاب المريب الذي رأته هنا ثانيةً، والآن القائد ليڤون.. حتى هو أيضًا قد ظهر في الصورة.. كلها أسئلة بدون جواب.
في هذا اليوم باتت زمرد ليلتها بدون عشاء.. فقد كانت السيدة جومرا تعاقبها على إحراجها إياها أمام ليڤون.
رواية اسمنجون الفصل السادس 6 - بقلم مريم محمد
بعد عدة أيام كانت أيلا تشعر بتوعك شديد في معدتها بعد تناول العشاء.
ذهبت صديقتها العزيزة زمرد تسير في شوارع المدينة شبه مغلقة الحوانيت متجهة إلى حانوت العطارة لتجلب لها دواء يخفف عنها ما تشعر به من ألم.
وصلت زمرد أخيراً إلى الحانوت الذي كان على وشك الإغلاق هو الآخر.
طرقت على الباب بيدها الرقيقة طرقات خفيفة، فتح إثرها صاحب الحانوت الباب الخشبي.
كادت زمرد تلج إلى الحانوت لولا وجه صاحبه الذي استوقفها في ذهول.
إنه الشاب المريب مرة أخرى.
أخيراً التقت به زمرد.
فور رؤية زمرد لوجه الشاب قامت بإمساك كم ردائه بقوة خشية أن تفقد أثره مرة أخرى كالمرة السابقة.
نظر الشاب إلى زمرد وابتسم ثم تنحى جانباً قليلاً ليسمح لها بالدخول إلى الحانوت وهي لا تزال ممسكة بكمه.
ببطء وشيئاً فشيئاً تركت زمرد كم ملابس الشاب بتردد، ثم خطت بعض الخطوات إلى داخل الحانوت وهي مثبتة نظره عليها رغم عدم رغبتها بإطالة النظر إليه، فهو شاب غريب في نهاية الأمر.
بعد دخول زمرد من الباب قام الشاب بإغلاقه، ثم سار حتى وصل إلى طاولة خشبية مستديرة.
جلس على أحد كراسيها وأعاد النظر إلى زمرد ثانيةً وهو يبتسم.
كان يبدو هادئاً للغاية وكأنه كان يتوقع قدومها، بل بدا الأمر وكأنه كان ينتظر عثورها عليه.
سارت زمرد متجهة إلى الطاولة وفي نفسها شيء من الخوف والتوتر.
توقفت أمام الشاب ونظرت إليه بنظرات تحمل كل أسئلتها المعلقة.
طرق الشاب على الطاولة طرقات هادئة طالباً من زمرد الجلوس، ففعلت.
بدأت بطرح أسئلتها بسرعة وبصوت خائف بدون ترك فرصة له لكي يجيب عليها.
طلب منها التمهل قليلاً:
"تمهلي قليلاً.. يمكنك سؤالي ما تشائين.. فلن أرحل كما فعلت سابقاً.. المكان هنا هادئ ويمكننا التحدث فيه بكل حرية."
زمرد: "أولاً من تكون أنت؟"
الشاب: "أدعى برسين.. وأنا صاحب حانوت الأعشاب الطبية كما ترين."
زمرد: "لم أقصد هذا يا سيد برسين، بل قصدت كيف تعرفني؟! وكيف كنت في مكتبة السيد بهاء؟ والآن أنت هنا أمامي.. كيف جئت إلى هنا؟"
برسين: "إنه الكتاب."
زمرد: "أي كتاب.. أتقصد الكتاب الذي أعطيتني إياه ذلك اليوم؟"
برسين: "أجل.. هو من ساعدني على الانتقال إليك."
زمرد: "وماذا يكون هذا الكتاب؟ ولماذا أعطيته لي؟"
برسين: "اهدئي وسأشرح لك كل شيء."
زمرد: "آسفة.. تفضل."
برسين: "أولاً أعرفك بنفسي.. في الحقيقة عملي هو مساعدة للمسافرين.. ليتمكنوا من أداء مهامهم المخولة إليهم."
زمرد: "أي مسافرين؟ وأي مهام؟"
برسين: "تقول الأسطورة: 'أن هناك أشخاص يسافرون من مكان لم يره أحد قط ويأتون إلى مدن مختلفة ليقوموا بمهمة واحدة فقط... تغير تلك المدينة'."
زمرد: "تغير ماذا؟"
نهض برسين وأتجه إلى دولاب خشبي كبير وأحضر من على رفوفه العديد من الأغراض المختلفة.
قلادة وسهم صغير ذهبي وزجاجة صغيرة زرقاء وياقوتة حمراء مستديرة.. وغيرها من الأغراض.
وضعها فوق الطاولة الخشبية جنباً إلى جنب.
ثم جلس مرة أخرى وأردف قائلاً:
"هذه أغراض لمسافرين آخرين أتوا إلى عالمنا من قبل.. وكنت أستخدم هذه الأدوات لأصل إليهم كما فعلت بالكتاب الخاص بك. وكل واحد من هؤلاء المسافرين قام بإنهاء مهمته وعاد إلى وطنه. والآن ستتكرر الأسطورة ثانيةً.. جاء دورك لتؤدي مهمتك وتغيري مدينة أسمنجون العظمى."
زمرد: "وكيف أغيرها؟"
برسين: "أسمنجون مليئة بالظلم وعليك رفع هذا الظلم عنها ونصرة المظلومين."
زمرد: "وإن لم أفعل؟"
برسين: "ستبقين هنا حتى تموتي.. لقد حدث هذا مع بعض المسافرين الذين لم يتمكنوا من إنهاء مهامهم."
زمرد: "إذا لم أقم بالمهمة فلن أتمكن من العودة لعالمي أليس كذلك؟ إذا كيف أرفع هذا الظلم؟"
برسين: "هذا شيء عليك معرفته بنفسك يا آنسة، ولكن عليك الإسراع فجسدك لن يحتمل البقاء هنا طويلاً.. يمكنك معرفة هذا من التوباز في يدك فقد خفت لونه بالفعل."
زمرد: "كنت أريد سؤالك عن تلك الجوهرة بالفعل؟"
برسين: "إنها جوهرة تظهر في يد المتطوعين للعمل في أسمنجون ويستدل بها الأطباء على صحة الشخص ومرضه. فإذا أمعنت النظر داخلها ستجدين سائلاً أزرق يتحرك في حركات بيضاوية.. وكلما قلت زرقة هذا السائل فهذا يعني أن الحالة الصحية لهذا الشخص في تدهور حتى تفقد الجوهرة لونها تماماً بموت حاملها فتتلاشى من يده كأن لم تكن."
زمرد: "هذا ضرب من الجنون حقاً.. إذا ماذا عن الكتاب.. أنا لم أمتلك كتاباً مثله يوماً."
ابتسم برسين وهو يحدق في الأرض، ثم رفع رأسه ونظر إلى زمرد وقال:
"ستفعلين.. قريباً."
زمرد: "لدي العديد من الأسئلة لك حقاً.. ولكن لا يمكنني أن أسألك إياها اليوم فقد تأخر الوقت كثيراً وصديقتي مريضة وتنتظر عودتي إليها بالدواء."
برسين: "ماذا بها؟"
زمرد: "إنها تشكي ألماً شديداً في معدتها منذ تناول العشاء."
قام برسين بجلب زجاجة صغيرة فيها سائل أخضر وقدمه إلى زمرد وقال:
"ضعي القليل منه على كوب من الماء.. وقدميه لها وستكون بخير."
زمرد: "حسناً.. شكراً لك.. سأعود مرة أخرى لنكمل حديثنا."
أخذت زمرد الزجاجة وسارت نحو الباب تريد الخروج لتعود إلى صديقتها المريضة.
لكنها لم تسر إلا بضع خطوات قليلة ثم التفتت تنظر إلى برسين مرة أخرى وقالت:
"الصفحة الأخيرة من الكتاب كان ينبعث منها رائحة عطرية.. هل تعرف مصدرها؟"
برسين: "لماذا تسألين؟"
ترددت زمرد قليلاً ثم قالت بعد صمت:
"هناك شخص يدعى ليڤون.. سمعت أنه قائد الجيش هنا.. كانت تفوح منه نفس تلك الرائحة."
برسين: "ماذا؟ هل قابلتي قائد جيش المدينة؟"
زمرد: "أجل قابلته عند الصائغ كان قادماً لإصلاح جوهرة سيفه."
نظر برسين إلى زمرد وزفر بعمق، ثم قال بابتسامة حزينة:
"بين اليدين الحجريتين يكمن باب الخروج والفارس الشهم سيساعد الجميلة التائه.. حظاً موفقاً لك أيتها الفارسة."
لم تفهم زمرد معنى كلمات برسين تلك، وعندما سألته عن معناها لم يجبها وبدا على وجهه أنه لن ينطق بأي كلمة أخرى.
فخرجت من الحانوت تهرول عائدة إلى أيلا التي تنتظر الدواء.
عادت زمرد إلى أيلا وسقتها الدواء الذي أعطاه إياه برسين.
وقد كان دواء شديد المرارة شربته أيلا وغطت في نوم عميق.
وعلى السرير المجاور لها ظلت زمرد مستيقظة حتى الفجر تفكر فيما سمعته من برسين.
لقد أصبحت الأمور أكثر تعقيداً الآن.
رواية اسمنجون الفصل السابع 7 - بقلم مريم محمد
نهضت زمرد وصلت الفجر ركعتين وأطالت السجود كعادتها تدعوا الله أن ينجيها مما هي فيه الآن فهي حائرة تائة لا تعرف ماذا تفعل.
بعد انتهائها نهضت زمرد تتفقد أيلا فوجدتها قد تحسنت بفضل الله. كان من عادتهم الاستيقاظ من الفجر ليتوجهوا إلى العمل. نهضت أيلا أخيرًا بعد نوم طويل ثم توجهت الفتاتان إلى المقصف لتناول الإفطار القاسي غير المشبع الذي اعتادتا عليه فلا يوجد غيره على أي حال. ثم توجهتا كالعادة إلى العمل.
انتصف النهار وقسمت الشمس صفحة السماء بجرأتها والصمت كان يعم أركان الغرفة التي تعمل بها زمرد. فلا تجرأ أي أنثى على التكلم بكلمة واحدة وإلا فسيتم معاقبتها.
شق هذا الصمت صوت السيدة جومرا وهي تنادي على زمرد:
"زمرد تعالي إلى هنا فوراً."
نهضت زمرد وسارت متجهة نحو السيدة جومرا التي كانت تقف عند باب الغرفة:
"ما الأمر يا سيدتي؟"
قالت السيدة جومرا وهي تغلق باب الغرفة:
"لنتحدث في الغرفة المجاورة فهناك من يريد رؤيتك."
زمرد:
"ومن يكون؟"
فتحت جومرا باب الغرفة المجاورة فإذا بالصائغ هيرمان يجلس على أحد المقاعد.
زمرد:
"سيد هيرمان!!!"
نهض السيد هيرمان وسار نحو زمرد وأمسك بكتفيها وقال بحبور:
"عزيزتي زمرد تبدين جميلة كآخر مرة رأيتك بها."
ابتسمت زمرد ابتسامة مصطنعة ثم قالت:
"شكراً لك سيد هيرمان.. ولكن لماذا قمت باستدعائي؟"
هيرمان:
"جئت لأسألك عن شيء ما."
زمرد:
"وما هو؟"
هيرمان:
"ما رأيك أن تأتي للعمل معي في الحانوت؟"
زمرد:
"أحقاً يمكنني هذا؟"
هيرمان:
"إذا رغبت."
قالت زمرد بانفعال وبدون تردد:
"موافقة."
انفرجت أسارير وجه زمرد عندما أخبرها السيد هيرمان برغبته بجعلها تعمل معه فهي كانت تكره المكان الذي تعمل فيه وكانت تريد تركه بأي طريقة ممكنة. كما أنها رأتها فرصة جيدة للتجول في المدينة بحرية.
ودعت زمرد أيلا فهي لا تعرف إن كانت ستراها ثانيةً أم لا. ثم ذهبت مع السيد هيرمان إلى حانوته.
هيرمان:
"إذا يا زمرد ماذا تعرفين عن الأحجار الكريمة؟"
زمرد:
"أعرف بعض أنواعها المميزة فقط ولكن معلوماتي سطحية للغاية."
هيرمان:
"لا بأس.. مع الوقت ستتعلمين كل شيء."
زمرد:
"ولكن يا سيدي لماذا تريدني أن أعمل معك؟ أعني لا تبدو بحاجة للمساعدة كما أنني لا أعرف شيئاً في مجال عملك.. فلماذا أنا؟"
هيرمان:
"عندما رأيتك المرة السابقة شعرت أنه ظلم في حقك أن تعملي في المصنع. أشعر أنه تحيط بك هالة مختلفة عن الآخرين.. إنها هالة شخص مثقف ورزين. كنت واقفة مكانك تدرسين كل ما يوجد حولك بعين ثاقبة وعقل متفتح. لذا قررت تعليمك."
قالت زمرد بصوت خفيض غير مسموع:
"هذه أول مرة أشعر فيها بالامتنان لشخص هنا."
هيرمان:
"ماذا تقولين؟"
زمرد:
"لا شيء.. شكراً لك."
هيرمان:
"لست وحدي من شعر بشيء غريب تجاهك فأعتقد أن ليڤون أيضاً قد شعر بهذا."
زمرد:
"القائد!!"
هيرمان:
"أجل.. كان يتحدث عنك مع صديقه الجندي في المرة السابقة بعد خروجك من حانوتي."
زمرد:
"ماذا قال؟"
هيرمان:
"ههههه يال فضول الفتيات. لا بأس فالجميع اعتاد على هذا إذا ظهر ليڤون في أي مكان تلاحقه عيون الفتيات الهائمة على الفور."
زمرد:
"لست هائمة."
هيرمان:
"ههههه أنتِ لطيفة حقاً."
زمرد:
"لم تخبرني ماذا قال عني؟"
هيرمان:
"لا شيء جديد.. فقط أن ملامحك مختلفة عنا وعيناك ملفتة للنظر."
ابتسم ثم أردف:
"ولطيفة."
أحمر وجه زمرد خجلاً فقد كانت فتاة حَيِية للغاية. ثم سألت السيد هيرمان سؤال غيرت به مجرى الحوار:
"كنت أريد أن أعرف شيئاً يا سيد هيرمان هل تقومون بالنحت على الصخور في أسمنجون؟"
هيرمان:
"أجل.. لدينا الكثير من المنحوتات هنا يقوم بصنعها متخصصون في ذلك."
ارتفع صوت زمرد قليلاً وقالت بتشوق:
"وهل يوجد عندكم تمثال لآدمي؟"
هيرمان:
"بالطبع.. إن الجميع يعرف عن هذا التمثال."
زمرد:
"وأين هو هذا التمثال؟"
هيرمان:
"في ساحة قصر الملكة سيرا. ألم تشاهديه في حفل عيد مولدها؟"
زمرد:
"كلا لم أنتبه له.. على كل حال شكراً لك يا سيد هيرمان لقد ساعدتني كثيراً."
هيرمان:
"على الرحب والسعة. والآن هل نبدأ بعملنا بعد كل هذا الحديث المطول؟"
زمرد:
"أجل.. أنا متشوقة جداً لبدأ هذا العمل الجديد."
"أشعر أنه سيكون ممتعاً للغاية."
هيرمان:
"وهو كذلك."
مرت الأيام تتتابع لكنها لا تتشابه. وفي يوم بدا شروق شمسه كنهر من ذهب قد تفجر في قلب السماء. أتى السيد هيرمان يحدث زمرد الواقفة خلف النافذة تتأمل جمال السماء:
"ياله من منظر بديع."
زمرد:
"معك حق."
صمتت هنيهة ثم تابعت:
"بالحديث عن لون السماء لماذا سميت أسمنجون بهذا الاسم؟"
هيرمان:
"هذا لأن أول حجر اكتشف هنا كان حجر أسمنجوني اللون بديع. فسميت المدينة نسبة للونه."
زمرد:
"توقعت شيئاً كهذا بالفعل فقد رأيت الكثير من الأحجار الكريمة الزرقاء قد زيّنَ بها سور المدينة والكثير من أبواب المنازل والملابس أيضاً. إذا ماذا يعني هيرمان؟"
ضحك السيد هيرمان:
"أعتقد أنه يعني الرجل النيلي."
عم الصمت المكان قليلاً حتى قطعه هيرمان قائلاً:
"زمرد.. ما رأيك بأن تأخذي اليوم راحة من العمل؟"
زمرد:
"لماذا؟"
هيرمان:
"أرى فضولك تجاه المدينة يقتلك. لذا لا بأس بأخذ يوم إجازة وتذهبي للتجول في المدينة."
زمرد:
"أشكرك حقاً على هذا يا سيد هيرمان."
وبالفعل خرجت زمرد تتجول في أرجاء المدينة تتأمل الشوارع والبيوت التي عكست جواهرها أشعة الشمس بألوان مختلفة على الأرض. كانت المدينة ساحرة حقاً. ولكن ما قاسته زمرد منذ وصولها إلى هنا حجب عنها هذا الجمال.
وصلت زمرد إلى القصر الذي وجدت في ساحته التمثال الذي تحدث عنه السيد هيرمان. تمثال عملاق لامرأة جالسة وسط نافورة. تحمل بين كفيها جرة على كتفها الأيمن. يخرج منها الماء منهمراً إلى الدائرة الرخامية التي تحيط بها مزينة بالياقوت الأسمنجوني وهو ياقوت أزرق مشوب بحمرة.
زمرد:
"يالها من نافورة عملاقة."
صعدت زمرد على أطراف الدائرة الرخامية وألقت نظرة إلى الجرة بين يدي المرأة وقالت:
"كيف يمكن أن يوجد باب هنا؟"
كانت زمرد تعتقد أن ما قصده برسين بقوله « بين اليدين الحجريتين يكمن باب الخروج ». أن هناك تمثال حجري لشخص يوجد بين يديه باب للعودة إلى عالمها أو باب يخرجها من المدينة.
وبينما كانت زمرد واقفة تنظر إلى التمثال فاجأها صوت لجندي من خلف ظهرها يصرخ عليها:
"أنت.. ماذا تفعلين عندك؟"
رواية اسمنجون الفصل الثامن 8 - بقلم مريم محمد
فزعت زمرد للغاية من صوته فانزلقت قدمها وسقطت في الماء داخل الدائرة الرخامية.
الجندي: هل جننتِ يا فتاة؟
وقفت زمرد مرة أخرى على ساقيها ووجهها مكسو بحمرة الخجل من موقفها. فأمسك الجندي بذراعها وقال: أخرجي بسرعة من عندك، هل تريدين أن يتم معاقبتك أم ماذا؟
وبينما كان الجندي يقوم بجذبها خارج النافورة، قاطعه صوت آخر: ما الذي يجري هنا؟
التفت الجندي تجاه الصوت فسارع بترك ذراع زمرد ووقف مستقيمًا ضامًا قدميه معًا وقام برفع يده اليمنى بجانب رأسه إحترامًا كما يفعل الجنود. ثم قال بصوت مرتفع: القائد ليڤون.. تحية.
أومأ ليڤون للجندي فأنزل يده. ثم أردف: وجدتها تعبث بممتلكات القصر يا سيدي.
سار ليڤون نحو زمرد ونظر إلى وجهها وقال: حسب ما أذكر، أنتِ واحدة من المستجدين، فما الذي تفعلينه هنا في وضح النهار؟ أليس من المفترض أن تكوني بالعمل؟
أجابته زمرد وهي تتخطى الحاجز الرخامي ناظرة إلى موضع قدميها: ما أفعله هنا ليس من شأنك على ما أعتقد.
رفع ليڤون أحد حاجبيه وقال: ولكن عبثك بممتلكات القصر هو شيء يخصني على ما أعتقد أنا أيضًا.
نظرت زمرد بضيق إلى ليڤون وقالت: لم أكن أعبث بشيء.. فقط كنت أنظر إلى تلك السيدة الجالسة في الأعلى، ولكني وقعت في الماء عندما أفزعني صوت هذا الجندي.
قال ليڤون متعجبًا وهو ينظر إلى التمثال: السيدة في الأعلى؟
ثم أعاد النظر إلى زمرد وقال وهو يبتسم: وهل وجدتي شيئًا عند تلك السيدة؟
نظرت زمرد إلى الجرة أعلى التمثال نظرة استشف منها ليڤون الحزن العميق: للأسف لم أجد شيئًا.
كان ليڤون يتأمل وجه زمرد الذي يقطر ماءً. كاد يمد يده ليمسح عن وجهها الجميل قطرات الماء، لكنها حركت وجهها لتنظر إلى أطراف ملابسها المبتلة. وقالت وهي تربت عليها تحاول إبعاد الماء عنها: لقد تأخر الوقت وعلي العودة الآن.
ثم نظرت إليه بنظرتها الواثقة الهادئة. ثم أردفت: عن إذنك.
ليڤون: لا تعبثي بممتلكات أسمنجون مرة أخرى وإلا ستكون العواقب وخيمة.
لم ترد زمرد عليه وسارت تحاول الإسراع قدر استطاعتها لأنها تشعر بالخجل من مظهرها المثير للشفقة هذا.
كانت تتجول في المدينة شاردة الذهن. فلم يكن تخمينها صحيحًا. كانت تظن أنها توصلت لشئ ما عندما أخبرها السيد هيرمان عن التمثال، والآن خابت ظنونها وعادت مرة أخرى إلى نقطة الصفر. ظلت تفكر في معنى لكلام برسين حتى ضلت الطريق إلى حانوت الصائغ، فراحت تسأل عنه حتى وصلت إليه. وفور دخولها من بابه.
هيرمان: ماذا حدث لكِ؟ لماذا أنتِ مبللة هكذا؟
أجابه شخص ما متهكمًا: كانت تلعب في الماء منذ قليل.
نظرت زمرد بغضب إلى صاحب الصوت والذي قد حفظته بالفعل.. إنه ليڤون مرة أخرى.
هيرمان: لقد طلبت من ليڤون القدوم إلى هنا فقد كنت أريد إعطاءه بعض الأشياء، ولكن ماذا تقصد بأنها كانت تلعب في الماء؟
أجاب ليڤون ضاحكًا: إنها قصة طويلة.
زمرد: سأذهب لأغير ملابسي يا سيد هيرمان.
هيرمان: أجل افعلي بسرعة قبل أن تصابي بالزكام.
صعدت زمرد في عصبية إلى الطابق العلوي من الحانوت الذي سمح لها السيد هيرمان بالإقامة فيه لتغير ملابسها المبتلة.
ليڤون: يبدو أنها ما تزال غاضبة.. سيد هيرمان، ما الذي تفعله تلك الفتاة هنا؟
هيرمان: أتقصد زمرد؟ إنها تعمل في حانوتي الآن. طلبت منها العمل معي ووافقت. إنها فتاة رائعة حقًا وذكية للغاية.
ليڤون: اسمها زمرد إذا.. حقًا اسم جميل على مسمى أجمل.
هيرمان: هل تعجبك؟
ارتبك ليڤون ثم قال: إنها تثير فضولي فحسب.. فهي تبدو مختلفة عنا.. كما أني أشعر بحزن غريب في عينيها.
هيرمان: فقط؟
ليڤون: أحم.. أجل فقط.. علي الذهاب الآن.
في أحد الأيام سألت زمرد السيد هيرمان عن مكان المكتبة فهي تريد الذهاب إليها. فأخبرها عن مكانها وطلب منها إعادة بعض الكتب التي استعارها منذ مدة بما أنها ستذهب إليها.
وصلت زمرد إلى مبنى المكتبة والذي كان كبيرًا للغاية. أصابها بالاندهاش: ما هذا.. هل هذه مكتبة الإسكندرية؟
مبنى عملاق ذو مساحة ضخمة وتقل مساحة قمته يشبه شكلين هندسيين (شبه المنحرف) متصلين بمربع في منتصفهما. له العديد من النوافذ مختلفة الأحجام في جميع أركانه وجداره الخارجي ذو زخرفات وتزينه مجوهرات كباقي مباني أسمنجون الباهرة.
دلفت زمرد إلى المكتبة التي أزادت دهشتها بروعتها. كان المبنى غريب الشكل قليلاً من الخارج ولكنه كان مبهراً من الداخل. غرفة دائرية الشكل متفرع منها عدة طرقات مليئة بالرفوف الخشبية التي ارتصت عليها الكثير من الكتب المختلفة. لم تر زمرد إبداع كهذا في حياتها.
راحت زمرد تتجول داخل المكتبة وتنتقل من ردهة إلى أخرى وتلقي بنظراتها إلى الكتب المختلفة. منها ما يتحدث عن الهندسة ومنها ما يتحدث عن الطب ومنها ما يتحدث عن علم الآثار والنجوم. وبالطبع العديد من الكتب التي تتحدث عن الأحجار الكريمة.
وفي أثناء اندهاش زمرد بكل شيء حولها، وجدت قسمًا في المكتبة يحوي كتبًا تتحدث عن الجغرافيا. وجدت فيه كتابًا يتحدث عن جغرافيا أسمنجون دوّن فيه كل شبر داخل المدينة.
أخذت زمرد الكتاب وتوجهت إلى أمين المكتبة الذي كان رجلاً كبيرًا في السن يجلس على ما يشبه المكتب الصغير بالقرب من باب المكتبة.
أعادت إليه الكتب التي استعارها السيد هيرمان. ثم طلبت منه أن تستعير هذا الكتاب الجغرافي.
نظر المسن إلى زمرد بعينيه التي ظهر فيها أثر طول الزمن وقال: لا يمكنك استعارة هذا الكتاب. إذا كنت تريدينه بشدة فيمكنك قراءته هنا.
نظرت زمرد حولها ثم قالت: لقد تأخر الوقت بالفعل اليوم.. سآتي لقراءته لاحقًا.
فأومأ المسن إليها بالإيجاب وخرجت هي من المكتبة عائدة إلى حانوت السيد هيرمان.
بعد يومين تقريبًا عادت مرة أخرى إلى المكتبة مع شقشقات العصافير في وقت الشروق وطلبت قراءة الكتاب. فسمح لها العجوز بذلك.
جلست زمرد تقرأ الكتاب على إحدى الطاولات الصغيرة التي كانت في ساحة المكتبة. وعرفت الكثير من الأشياء حول أسمنجون وجغرافيتها وطبيعتها. ووجدت العديد من الخرائط لتضاريسها. حتى وقعت عينها على شيء مثير للاهتمام وهو تمثال آشوري عريق لثور مجنح.
كانت زمرد لا تعرف الكثير عن التماثيل الآشورية. فذهبت تبحث عن كتب للتاريخ تتحدث عنها.
أحضرت العديد من كتب التاريخ وظلت تبحث فيها عن التمثال. فوجدت أحد الكتب يتحدث عنه. كُتب فيه أن التمثال قد نُحت منذ عشرات السنين كإثبات للعلاقة الجيدة بين ملك أسمنجون السابق وحاكم المملكة الآشورية بعد توقيع معاهدة السلام معه.
رأت أيضًا رسمًا قد رسمه أحد المؤرخين للتمثال. تمثال لجسد ثور عملاق مجنح له رأس إنسان يرمز إلى القوة والحكمة والشجاعة والسمو. فقد اشتهرت الحضارة الآشورية بالثيران المجنحة.
وفور أن رأت زمرد الرسم التوضيحي لتمثال الثور نهضت في وجل وأعادت الكتب إلى مكانها. وخرجت من المكتبة تهرول متجهة إلى هذا التمثال المجنح.
رواية اسمنجون الفصل التاسع 9 - بقلم مريم محمد
وصلت زمرد إلى التمثال المجنح وكان الليل قد جلس على أركان المدينة بالفعل. ألقت نظرة فاحصة على التمثال فوجدت ما توقعته. هناك باب صغير بين يدي التمثال الحجري كان بالكاد يسمح بمرور شخص منه وهو يسير على ركبتيه واضعًا يديه على الأرض.
لمعت عينا زمرد وكأنهما جوهرتان انعكس عليهما ضوء نقي براق. لقد كان تخمينها صحيحًا هذه المرة. ما قصده برسين بكلامه عن اليدين الحجريتين هو هذا التمثال المجنح وليس النافورة. ولكن إلى أين يؤدي هذا الباب؟
اقتربت من الباب الحجري وحاولت فتحه، لكن قاطعها صرخة ألم لرجل من مكان ليس ببعيد. فنظرت خلف التمثال فرأت ثلاثة أشخاص على مسافة بعيدة منها، كانت بالكاد ترى تفاصيل وجوههم. رجلان واقفان، بدا من ثيابهما أنهما جنديان، ورجل ممدد على الأرض. ظهر أيضًا من لون ثيابه التي عرفتها زمرد جيدًا أنه أحد الرهائن الذين يعملون هنا. وكان أمامه على الأرض كيس قماشي يخرج منه بعض المجوهرات والتي من الواضح أنه قام بسرقتها.
ركل أحد الجنديين العامل بقدمه وقال بغضب:
"هل تعتقد أن هذا القدر كافٍ لإخراجك من هنا؟"
ثم قام الجندي الآخر بإخراج سيفه وقتله به. فصرخ عليه صديقه بتوتر:
"لماذا قتلته، أيها الأحمق؟!"
فأجابه وهو يجمع المجوهرات في الكيس القماشي:
"إن لم أفعل هذا لكان من الممكن أن يفشي سر تهريبنا للعبيد مقابل المال."
فور أن رأت زمرد هذا المشهد المروع، تراجعت عدة خطوات واختبأت خلف التمثال، واضعة يديها على فمها في فزع شديد جعل قدميها تشل حركتها، فأصبحت عاجزة عن التحرك قيد أنملة.
بعد أن أخفى الجنديان جثة الرجل، شعرت بهم زمرد يقتربان منها. فاستجمعت شجاعتها وأخذت في السير بهدوء محاولة الابتعاد عنهم. ولكن ولسوء الحظ، سمع الجنديان وقع أقدامها على الحصى، فقال أحدهما:
"من هناك؟"
كاد قلب زمرد ينخلع من مكانه. وبدون أي تردد، اندفع جسدها للأمام راكضًا تحاول الهرب والجنديان خلفها يحاولان الإمساك بها. كانت تركض وهي تسمع نبض قلبها في أسفل فكها حتى اصطدمت بشخص ثالث كان يقف أمامها. كادت تقع إثر اصطدامها به لولا أنه أمسك بكتفيها.
في تلك اللحظة، كانت زمرد قد وضعت نهاية حياتها، إلا أنها رأت ثياب الشخص الواقف أمامها فعرفته على الفور. نظرت ببطء إليه. فكان الشخص المتوقع يقف أمامها ينظر إليها في ذهول. ليڤون، قائد الجيش.
فور أن وقعت مقلتاها على وجهه، هربت الدموع من عينيها. فأسرعت بالنظر نحو الأرض لتخفي وجهها.
وصل الجنديان يلهثان، فسألهما ليڤون:
"ما الذي يحدث هنا؟"
فأجاب أحدهما:
"لا شيء مهم على الإطلاق، فقط شعرنا بحركة مريبة أثناء سيرنا فكنا نستطلع الأمر. ولكن هذه الفتاة..."
قاطعه ليڤون قائلاً:
"هذه الفتاة ليست شخصًا مريبًا، إنها بصحبتي وكنا في الطريق إلى منزلها. ولكن ألستما الحارسان الشخصيان لرئيس الوزراء؟ فما الذي تفعلانه في وسط المدينة في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟"
كاد أحدهما يجيب، فنكزه الآخر في جنبه وأجاب هو، وقد كان هو من قتل العامل المسكين بسيفه قبل قليل:
"كان رئيس الوزراء يشكو من ألم في معدته، فأرسلنا لنجلب له طبيبًا."
ليڤون:
"حقًا؟ ألا يوجد خدم لهذا؟"
أجاب الجندي في ارتباك:
"تعرف أن رئيس الوزراء لا يثق بأحد سوى حرسه."
ليڤون:
"هكذا إذا، فهمت. أتمنى له الشفاء العاجل إذا."
خيم صمت قصير قطعه ليڤون قائلاً:
"ألن تذهبا؟ أم أنكما تنويان إيصالنا إلى المنزل أيضًا؟"
أجاب أحدهما بالنفي، ثم قاما بتحية ليڤون تحية الجند ورحلا يتهامسان.
جندي¹:
"هل تظن أنه كشف أمرنا؟"
جندي²:
"لو فعل لكان قطع رأسينها على الفور، أنت تعرف ليڤون لا يعطيك الفرصة لتدافع عن نفسك."
جندي¹:
"معك حق. من الجيد أنه لم يكتشف."
*****
كان ليڤون يعرف أنهما يكذبان، ولكنه تركهما يذهبان بعد أن أدرك خوف زمرد الشديد منهما. فقد كان جسدها يرتجف بين يديه ونبض قلبها يدوي في كتفيه.
ترك ليڤون كتفي زمرد ثم قال ضاحكًا:
"ما الذي تفعله المشاغبة هنا ثانيةً؟"
لم تجبه زمرد وظلت مطأطأة الرأس، واضعة يدها على قلبها. فحاول ليڤون المزاح معها لعله يخفف عنها حالة الخوف التي استشعرها حولها، ولكنها لم تستجب له. فانحنى بجذعه لينظر إلى وجهها، وفور أن رآها وقد احتقنت عيناها بالدموع، شعر برجيف قلبه ولم يستطع أن ينبس ببنت شفة.
بعد مدة قصيرة، بدأت زمرد تسير بخطوات مرتجفة متجهة نحو البيت وماتزال خافضة عينيها إلى الأرض، وليڤون يسير خلفها صامتًا، حتى وصلت إلى حانوت السيد هيرمان فدخلت إليه في هدوء وأغلقت الباب خلفها برفق. لكن ليڤون ظل واقفًا أمام الباب لبعض الوقت حتى غادر أخيرًا وهو يلتفت بين الحين والآخر يلقي نظرة على الحانوت.
كانت زمرد تشعر بالخوف مما رأت ليلة أمس، ولكن كان يزاحم هذا الخوف في قلبها شعور آخر، ربما هو إعجاب أو شيء كهذا. فموقف ليڤون بالأمس وإنقاذه لها مازال يتردد صداه داخل عقلها. ظلت تفكر طوال الليل ولم ينم لها جفن، حتى قطع شرود ذهنها طرقات على باب غرفتها.
فتحت الباب فإذا بالسيد هيرمان يقف أمامها. وفور أن رآها، اجفل من مظهرها، فقد كان الخوف والقلق قد تمكن منها، فبدت هزيلة ومتعبة للغاية.
هيرمان:
"زمرد، ما الذي حدث لك؟"
زمرد:
"لا شيء يذكر. آسفة على تأخري، سأنزل حالًا لأبدأ بالعمل."
كادت زمرد تخرج من غرفتها، ولكن السيد هيرمان دفعها برفق إلى داخلها مرة أخرى وهو يقول:
"إلى أين ستذهبين وأنتِ في هذه الحالة؟ عليك أن تنالي قسطًا من الراحة."
زمرد:
"أنا حقًا بخير. لقد كنت أتكاسل مؤخرًا لذا لابد لي من الانضباط في العمل الآن."
هيرمان:
"ستأتي السيدة جومرا غدًا بالأحجار الجديدة، لذا سيكون لدينا الكثير من العمل. فخذي قسطًا من الراحة اليوم وغدًا تعودين."
زمرد:
"اعتذر إليك حقًا على إزعاجك وأشكرك كثيرًا على لطفك معي."
خرج السيد هيرمان وأغلق الباب خلفه ونزل إلى الطابق السفلي ليبدأ يومه. وبعد فترة وجيزة من فتحه لحانوته، دخل ليڤون من الباب. كان يجول بعينه داخل الحانوت وكأنه يبحث عن شيء ما. فقال له السيد هيرمان بصوته الضاحك:
"لن تعمل اليوم."
ليڤون:
"المعذرة!!"
هيرمان:
"أنت تبحث عن زمرد، أليس كذلك؟ هي لن تعمل اليوم، فلا جدوى من البحث عنها."
ليڤون:
"هل ما تزال تشعر أنها ليست بخير؟"
هيرمان:
"هل تعرف ما بها؟ لقد عادت في وقت متأخر ليلة أمس وكانت تبدو متعبة للغاية هذا الصباح."
ليڤون:
"قابلتها بالأمس وأنا أقوم بدورية في المدينة. كانت تبكي ولكنها لم تخبرني بما حدث."
هيرمان:
"سيكون هذا صعبًا، فلا تبدو زمرد من النوع الذي يخبر أحدًا عن ما يزعجها كباقي الفتيات هنا. ولكن لماذا السيد قائد الجند يترك عمله ويأتي ليحوم حول فتاة صغيرة سترحل يومًا؟ هل يعقل أنه يكن لها مشاعر من نوع ما؟"
ارتبك ليڤون وقال بصوت متوتر:
"أنا لا أحوم حول أحد، إنه فقط..."
أردف هيرمان باستهزاء:
"الفضول."
ليڤون:
"أجل، إنه الفضول فحسب."
ابتسم السيد هيرمان وربت على كتف ليڤون وقال:
"لا بأس عليك أيها الشاب، فما زال أمامك الكثير لتمر به في الحياة. ولا يوجد شيء خاطئ في إعجابك بفتاة ما، فهذه هي سنة الحياة."
صمت للحظة ثم أكمل مازحًا:
"خاصة إذا كانت زمرد."
لم يجب ليڤون على كلمات السيد هيرمان، ثم رحل بعد وقت قصير للغاية وهو يفكر في زمرد وما حدث معها.
رواية اسمنجون الفصل العاشر 10 - بقلم مريم محمد
بعد أن حل الصباح وتحدثت زمرد إلى السيد هيرمان، ارتاح قلبها قليلاً، إلا أنها كانت تشعر بقليل من تأنيب الضمير، فهي لم تشكر ليڤون على إنقاذه إياها آخر مرة. لكنها قررت أن تفعل هذا لاحقًا إذا رأته يومًا ما. ولأن التفكير وعدم النوم طوال الليل قد أتعبها للغاية، ذهبت لتنام قليلاً.
عادت زمرد إلى طبيعتها مرة أخرى بعد عدة أيام، غير متناسية تلك الليلة. وفي أحد الأيام، ومع غياب الشمس، طلب السيد هيرمان منها أن تذهب إلى أحد أصدقائه لتعطيه قلادة قد طلب إعدادها ليهديها لابنته المقبلة على الزواج.
ذهبت زمرد كما طلب منها السيد هيرمان، وبالفعل أوصلت القلادة إلى صديقه. وفي طريق عودتها إلى الحانوت، اصطدم بها رجل كبير في السن، أشيب الرأس، منحنى الظهر، قصير القامة، هزيل الجسم، كساه الإعياء وجهه الملئ بالتجاعيد، ويرتدي ثيابًا مهترئة ممزقة، ويمسك بيده اليمنى كيسًا قماشيًا كبيرًا مهترئًا أيضًا.
رفع الرجل يده اليسرى واعتذر من زمرد لأنه اصطدم بها. وعندها رأت زمرد جوهرة العاملين الشاحبة في يد الرجل، فأثار هذا فضولها. فقد كانت تعرف أنه من غير المسموح للعمال التجول في مثل هذا الوقت، فسألته عن سبب تجوله هكذا الآن. فلم يجب الرجل على سؤالها وتركها وسار في طريقه، وهو يتلفت حوله بشكل مريب، وكأن أحدهم يطارده.
كانت زمرد تشعر بالتعجب من هذا الرجل. نادت عليه أكثر من مرة ولكنه لم يسمعها. كانت تريد اللحاق به، ولكنها كانت تشعر بالخوف.
زمرد: ليس هذا وقت الخوف يا زمرد. تذكري ما قاله الكتاب: "لا يجب عليك الخوف أبدًا". هذا الرجل يخفي شيئًا ما بالتأكيد، وربما يكون شيئًا يساعدني في مهمتي. علي اللحاق به.
وبالفعل، قامت زمرد بتتبع هذا الرجل في هدوء. مرا في أزقة ضيقة موحشة حتى وصلا إلى مكان مخيف للغاية. مبانٍ صغيرة ومتهدمة لا يمكن إطلاق كلمة مبانٍ عليها أساسًا، ورائحة القمامة تفوح من المكان، وأشخاص على شفا حفرة من الموت نائمون في الشوارع، أطفال يبكون من الجوع وأمهاتهم يبكين أيضًا لأنهن لا يملكن شيئًا لإطعامهن إياه. لقد كان المكان يتلحف بلحاف الفقر المدقع.
استمرت زمرد في السير خلف العجوز، قابضة يديها على ثيابها من الخوف، حتى وصلا إلى طريق مسدود. ولكن كان في الأرض مكان غير واضح أشبه بخندق نزل فيه العجوز، فنزلت زمرد خلفه. فزع العجوز للغاية عندما رأى زمرد خلفه وبدأ في الصراخ عليها في هلع:
العجوز: من أنت؟ وماذا تفعلين في منزلي؟ هل أرسلوك خلفي للتخلص مني؟
لم تعرف زمرد بماذا تجيب العجوز. حاول العجوز لملمة أغراضه المتناثرة هنا وهناك ليستعد للهرب، ولكن زمرد أمسكت بردائه المتهالك ورفعت يدها اليسرى لتريه الجوهرة وهي تقول:
زمرد: لا أعرف من الذين تقصدهم بقولك، ولكني متأكدة أني لست منهم. فأنا مثلك.
نظر العجوز إلى جوهرة زمرد، ثم ألقى نظرة إلى وجهها الخائف. ثم سار نحو باب الخندق الطوبي وقام بفتحه فتحة صغيرة. ألقى منها نظرة خاطفة على المكان بالخارج فلم يجد أحدًا، فأغلقه ثانيةً. وبدا عليه الهدوء أكثر من السابق.
وضع العجوز حقيبته القماشية على طاولة خشبية صغيرة لها كرسي واحد قد جلس عليه، ثم نظر مرة أخرى إلى زمرد وقال لها:
العجوز: من أنت؟ وماذا تفعلين في هذا الوقت؟ أليس من المفترض أن تكوني في مساكن العاملات، فكيف خرجتي؟ وكيف وجدتي مكاني؟
زمرد: اسمي زمرد، وأتيت إلى هنا منذ شهرين تقريبًا. كنت أعمل سابقًا في مصنع الأحجار الكريمة بالقرب من جبال أسمنجون العظيمة، ولكن هناك صائغ يدعى حاتم قام بأخذي مؤخرًا لأعمل معه في حانوته. وقد كنت في مهمة له عندما رأيتك ورأيت الجوهرة في يدك، فظننت أنه يمكنك مساعدتي.
العجوز: أساعدك في ماذا؟
زمرد: في الحقيقة، أنا لست من هنا وأريد العودة إلى عالمي. ويبدو أنك تمكنت من الهرب من المشرفين، فأريد مساعدتك لأتمكن من الخروج من هنا.
ضحك الرجل ضحكة متعبة تلاها بعض السعال المجهد، ثم قال بسخرية:
العجوز: هربت!! بل هذا سجن أكبر من سجنك وعذاب أقسى من عذابك وألم مرير أكثر من ألمك.
زمرد: هل يمكنك إخباري بما حدث معك؟ ولماذا أنت مختبئ هنا؟
العجوز: لا يمكنني إخبارك بهذا أبدًا، وإلا قتلت.
زمرد: قد أتمكن من مساعدتك.
العجوز: لكنت ساعدتي نفسك إذا كان بيدك فعل شيء.
زمرد: في الحقيقة، أنا مسافرة من عالم آخر، لا أدري إن كنت تعرف عن هذه الأسطورة شيئًا. ولكن مهمتي هي رفع الظلم عن المظلومين هنا. لذا أخبرني بما حدث معك، فقد أجد معلومات تساعدني أنا أيضًا في مهمتي.
العجوز: مسافرة!! هل هذا معقول؟
كانت نظرة الخوف والأمل مجتمعة في عيني العجوز المتعبتين. نهض من على كرسيه وأجلس زمرد مكانه، وجثى أمامها على الأرض وأمسك بكفيها وقال والدموع تسيل من عينيه:
العجوز: أخيرًا شخص يمكنه تغيير هذا الظلم الذي أودى بحياة بعضنا وصحة البعض الآخر. سأخبرك بكل شيء يا سيدتي.
زمرد: لست سيدة لأحد، بل أنا من أرجو منك أن تطلعني على قصتك.
الرجل: حدث هذا منذ ثلاثين عامًا سابقة. تم جلبنا إلى هنا كمتطوعين، وبعد عدة سنوات من العمل المضني، قيل لنا أنه سيتم تسريحنا وإعادتنا إلى الوطن. كنا في غاية السعادة. ركبت أنا وجميع من معي في عربات خشبية لتقلنا إلى بلادنا. وبالفعل، سارت العربات متجهة نحو آرثانيا، وهي البلد التي جئت منها، ولكن بدأت العربات بالاستدارة عن الطريق وسارت في طريق آخر وعر لا حياة فيه، حتى وصلنا إلى مبنى غريب وسط الصحراء. يشبه نصف الكرة ولا يوجد فيه نوافذ، فقط باب كبير دلفت منه العربات المحملة بالبشر. وفور دخولنا، رأينا جنودًا يرتدون الزي العسكري الأسمنجوني. قاموا بأخذنا ووضعنا في زنزانات كانت على طول جدار المبنى الدائري. ثار السجناء على الحرس وسألوهم عن ما يحدث؟ فقال لنا أحدهم: "أننا سنبقى هنا حتى يأتي رجل ما والذي سيكون هو المسؤول عنا". فبقينا هناك لبعض الوقت حتى جاء الرجل الذي أخبرنا عنه الجندي. ولكنها كانت الصدمة. لقد كان رئيس الوزراء بشحمه ولحمه يقف أمامنا، وخلفه حرسه الخاص الذي لا يثق بأحد غيرهم. جلس قليلاً وهو يسأل حرسه عن الأشخاص الذين سيأتون لشرائنا، فأجابه الحارس أنهم في الطريق إلى هنا. وهنا فهمنا أن الوزير يخطط لبيعنا كعبيد والاستيلاء على مال التجارة بنا. أجاب الوزير الحارس وقال له: "إذا، فلتُقوموا بالمعتاد". فقام الجنود بفتح الزنازين وأخرجوا السجناء. وأوقفوهم في صفوف أمام الوزير، الذي كان يسير أمامنا ويلقي بنظرات فاحصة على أجسامنا. كان يمر ويشير بيده على بعض الناس وهو يقول: "مقبول" فيقوم الحارس بإعادته إلى الزنزانة. حتى وقف أمام أحدهم والذي بدا عليه الكبر والضعف، فنظر للجندي وقال: "مرفوض". لم يلبث الجندي حتى أخرج سيفه وقطع رأس الرجل. ففزع الناس وهاجوا وعمت الفوضى المكان. وعرفت حينها أن الوزير يعيد من يصلح للعمل إلى الزنازين ليقوم ببيعهم، ويقتل من دونهم لكيلا يكون هناك شهود على ما يقوم به. وأثناء هياج الناس وصراخهم وركضهم في أرجاء المكان، جاء جميع الحراس بمن فيهم من يحرس الباب ليقوموا بقمع الناس. حاولت الخروج من الباب مثل الكثيرين غيري، ولكنه كان موصد فلم أستطع. لكني لمحت بابًا خشبيًا صغيرًا في الأرض لسرداب ما تحت أحد الطاولات، فقمت بالتواري عن الأنظار ودخلت إليه خلسة. وأغلقت الباب خلفي. سرت في تلك الأنفاق تحت الأرض لمدة طويلة حتى ظننت أنها بلا نهاية، حتى وصلت إلى الجانب الآخر. ولكن كان الباب الآخر في مبنى به القليل من الحرس. اختبأت خلف أحد الصناديق الضخمة التي كان يوجد منها العشرات داخل المبنى وانتظرت الفرصة لأهرب. وبسبب حجمي الضئيل لم يلحظ أحد وجودي. وبعد مرور بعض الوقت، دخل الحارس الذي كان يحرس باب المبنى من الخارج ليوقظ صديقه الآخر ليقوم بالمراقبة. وفي تلك الأثناء، تسللت خارج المبنى في هدوء. وظللت أركض في المكان كالمجنون. كان الظلام حالك والمكان مهجور. وفجأة توقفت ساقاي تمامًا عندما رأيت جبال أسمنجون أمامي، فعرفت أنني عدت مرة أخرى لداخل أسمنجون وأن العربة كانت تسير بمحاذاة سورها. والسرداب يصل بين ما داخل السور وخارجه. شعرت بإحباط شديد، ولكني تابعت الركض حتى وصلت لأحد بوابات السور فحاولت الهرب لكنني فشلت لعدة مرة أخرى. وبعد عدة أيام، رأيت أحد حراس رئيس الوزراء وكان يبدو وكأنه يبحث عني، فعرفت أنهم قد كشفوا أمري والآن يريدون قتلي. فتابعت الهرب في أرجاء المدينة حتى وصلت لهذا المكان هنا واختبأت فيه إلى اليوم.
زمرد بعيون تلمع بالدموع: يا إلهي، لا أصدق ما أسمع.
فتح العجوز الكيس القماشي الذي كان معه والذي كان فيه بقايا طعام وقال: لقد كنت أعيش على بقايا طعام الأغنياء طوال تلك السنوات. فبقايا طعامهم هي وليمة بالنسبة لنا. في الواقع، كان هناك من يجلب لي الطعام ولكنه اختفى منذ مدة وقد نفد الطعام لدي ولم أتناول شيئًا منذ أيام حتى كدت أموت، فخرجت لأجلب شيئًا لأكله.
صمتت زمرد لبرهة ثم قالت وهي تنهض: أشكرك لأنك أخبرتني قصتك. لقد ساعدتني جدًا. أشكرك مرة أخرى يا سيدي. أعدك أني سأحاول تغيير هذا الظلم الواقع هنا.
وهكذا رحلت زمرد، تاركة العجوز بقلبه المنكسر الذي يتمنى أن تفعل زمرد ما وعدته به وتخلصه من هذا الظلم والخوف الذي يعيش فيه.