تحميل رواية اسمنجون بقلم مريم محمد pdf
بقلم مريم محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الزمرد هو واحد من أجمل الأحجار الكريمة وهو يحتل المرتبة الثالثة من حيث الأهمية. أما بالنظر إلى الأوزان فهو الأعلى قيمة بين الأحجار الكريمة. والزمرد الكامل نادر الوجود، وإذا وجد يكون أغلى من الألماس. ويوجد أكثر من اثني عشر نوعاً من الزمرد، والألوان الأكثر شهرة هي الأخضر والأصفر والأزرق. الأخضر منه غامق عميق وشفاف ويرمز إلى الربيع والأمل والأمان. ولكن الزمرد الذي أتحدث عنه ليست تلك الأحجار البرّاقة، وإنما هي زمردة نادرة لا يوجد منها سوى واحدة فقط في هذا العالم (زمرد بلال). فتاة جامعية تدرس في كلية...
رواية اسمنجون الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مريم محمد
عادت زمرد إلى الحانوت وهي تفكر في خطة ما لتبدأ في مهمتها المطلوبة منها، لكنها قررت أولاً أن تذهب إلى التمثال المجنح مرة أخرى لتعرف حقيقة الباب الحجري، فقد يساعدها في وضع خطة ما.
وبالفعل ذهبت زمرد إلى التمثال ثانية عندما سمحت لها الفرصة. ظلت تجول وتحوم حول التمثال تتفقد كل شبر فيه حتى عادت إلى الباب بين يديه، وظلت تتفقده هو الآخر، تطرق عليه تارة وتدفعه تارة أخرى، حتى وجدت فتحة صغيرة مستطيلة أسفل الباب.
فقامت برفع الباب لأعلى من خلالها، ولكن المفاجأة كانت أنها وجدت خلف الباب الحجري سد، حائط حجري لهيكل التمثال وكأنه باب إلى اللاشيء.
زمرد: ما هذا؟ لا يوجد شيء هنا، إذا ما فائدة هذا الباب؟ ولماذا أخبرني عنه برسين؟ هل يعقل أن هذا التمثال ليس هو المقصود أيضاً؟
وبينما كانت زمرد تحاول البحث عن أي شيء داخل هذا الباب الغريب أمامها، قام أحد الحرس الداخلي للمدينة بإمساك يديها وضمهما خلف ظهرها معاً بإحدى يديه، ووضع سيفه الذي أمسكه بيده الأخرى على عنقها، وقال بنبرة مهددة: ما الذي تفعلينه بآثار مدينتنا أيتها المختلة؟
جذب الحارس زمرد وهو ما يزال يقيد ذراعيها التي آلمتها بشدة، حتى أنها ظنت أنه سيقوم بخلع ذراعيها بين يديه، ولم يعطها الفرصة لتدافع عن نفسها فقد كان شخصاً جلداً للغاية.
كان الحارس الشاب يصحب زمرد إلى مكان ما، ولكنه كان يتحرك بسرعة كما أنه كان قاسياً للغاية عليها. وأثناء سيرهما سقطت ملائة زمرد التي تحجبت بها من فوق رأسها، وواصلا السير حتى وصلا إلى معسكر الجند عند أطراف المدينة.
وهناك كان يوجد سجن، قام الحارس بحبس زمرد في أحد زنزاناته، ولم تتمكن من الفرار هذه المرة.
قال الجندي بصوته المميز: ستبقين هنا حتى يتم إخبار القائد ليڤون لينظر في أمرك.
كانت زمرد غاضبة للغاية، ليس لأنها أصبحت أسيرة، بل لأن حجابها قد سقط منها، كما أنها كانت تشعر بخيبة أمل بعد عدم عثورها على أي شيء عند التمثال الحجري.
مر الكثير من الوقت كانت فيه زمرد وحيدة حزينة، حتى وصل ليڤون أخيراً، والذي بدا على وجهه علامات الغضب التي لم تفلح في إخفائها. وكان يقف معه الجندي الذي ألقى القبض على زمرد.
ولكن فور أن رأت زمرد ليڤون أشاحت بنظرها عنه، فقد كان يعتمل قلبها من الإحراج والتوتر ما يكفيها.
وفور أن رأى ليڤون الحالة التي كانت عليها زمرد، طلب من الجندي - الذي كان يدعوه كينا - أن يذهب ويتركهما وحدهما. ثم قام ليڤون بفتح زنزانة زمرد ودلفها، وخلع ملائته الأسمنجونية ولفها حول رأس زمرد، فغطى شعرها مرة أخرى.
لم يكن ليڤون يعرف لماذا تفعل زمرد هذا، ولكنه كان يدرك تماماً أنها لم تكن تريد أن يظهر شعرها أمام أحد.
نظر ليڤون إلى زمرد الساكنة أمامه بنظرات عتاب أوجعت قلبها، ثم خرج من الزنزانة وأعاد إغلاقها.
كان يوجد أمام الزنازين طاولة وكرسي، والذي جلس عليه ليڤون وما زالت نظراته موجهة إلى زمرد، وصورة وجهها الباكي وجسدها المرتجف من آخر مرة لا تفارق مخيلته. وظل يسأل نفسه لماذا فتاة ضعيفة مثلها لا تقوى على حماية نفسها تفعل هذا؟ لماذا توقع نفسها دائماً في المشاكل والمشاحنات مع الجنود؟
ظل صامتاً لوقت طويل حتى قال أخيراً: ألم أخبرك ألا تعبثي بممتلكات أسمنجون مرة أخرى؟ هذا ما كنت أحذرك منه. لحسن حظك أن كينا هو من رآك، فهو لا يفعل شيئاً بدون الرجوع إليّ أولاً، وإلا لكنتِ ميتة الآن.
ثم بدأ ليڤون يسأل زمرد عن ما كانت تفعله عند التمثال وما الذي دفعها لهذا؟ والكثير من الأسئلة الأخرى، ولكن زمرد لم تنطق بحرف واحد، بل لم تكن تنظر إليه.
ومرت الساعات والأيام والحال كما هو، ليڤون يسأل وزمرد لا تجيب عليه، إلا أنها كانت تزداد ضعفاً وهواناً كل يوم، حتى جاء ليڤون في أحد الأيام وعلى وجهه علامات الحزن والقلق وقال: لقد حان وقت تدخل رئيس الوزراء في قضيتك والنظر في أمرك، فالتمثال الذي عبثت به يعد من التراث القديم العزيز على أهل المدينة. لقد تسببت لنفسك بالمشاكل ووقعتي في مأزق هذه المرة.
صمت هنيهة ثم أمسك بالقضبان الحديدية ونظر إلى زمرد وقال بعد أن زفر ببطء: على الأقل أخبريني بأي شيء حتى أتمكن من الدفاع عنك أو تبرير موقفك أمام الوزير.
ولكن لم تجب زمرد على السؤال كباقي الأسئلة الأخرى المعلقة. كاد ليڤون يجن من صمت زمرد. قام بوضع كفيه على رأسه ودار بالمكان قليلاً ثم طرق على القضبان وقال بانفعال: أرجوك قولي أي شيء.
لم تكن زمرد تعرف ما الذي عليها قوله أو كيف تشرح موقفها وما تمر به، فقد كانت لا تصدق قصتها وهي التي تعيش أحداثها بنفسها.
رغم أن ليڤون لم يبح بهذا أو يخبر به أحد، إلا أنه كان معجباً بزمرد منذ مدة طويلة، وقد زاد إعجابه وحبه لها مؤخراً، وكان شعوره بأنه قد يفقدها أو أنها قد تصاب بأذى وهو غير قادر على فعل شيء كفيلاً بأن يجعله يفقد صوابه.
وفي تلك الأثناء دخلت إلى حجرة الزنازين أحد خادمات أفراد الجند، والتي كانت خادمة خاصة بالقائد، وقالت وهي تمد يدها بكتاب ما: سيدي القائد، أثناء تنظيفي لثكنات الجيش، عثرت على كتابك المفقود منذ مدة طويلة.
ليڤون: وهل ترين أن هذا هو الوقت المناسب لهذا؟
الخادمة: اعتذر إليك يا سيدي.
أخذ ليڤون الكتاب من يد الخادمة وأشار إليها بالمغادرة، ففعلت.
جعل فعل الخادمة هذا ليڤون أكثر غضباً، ولكن ما جعله مندهشاً حقاً أن زمرد فور رؤيتها للكتاب نهضت من مكانها وصاحت بصوتها المتعبَ: الكتاب!
توجهت زمرد إلى باب الزنزانة والذي استندت عليه لعدم قدرتها على الوقوف وحدها من شدة التعب، وقالت: كيف أتى هذا الكتاب إلى هنا؟
ثم مدت يدها خارج القضبان وطلبت من ليڤون أن يعطيها الكتاب، ولكنه لم يفعل وقال: أسألك منذ أيام ولا تجيبي، والآن أنتِ من يقوم بسؤالي.
زمرد: أعتقد أني رأيت هذا الكتاب من قبل.
ليڤون: وأنا لا أعتقد هذا.
رفع ليڤون الكتاب أمام زمرد ثم أردف قائلاً: كتابي لم أعطيه لأحد من قبل، فكيف يمكن أن تكوني قد رأيته؟
لم تجب زمرد على السؤال ثانيةً، ولكنها قالت له محتوى الكتاب بالتفصيل مما جعله يرتبك. فسألها: وكيف تعرفين ذلك؟
زمرد: أخبرتك أنني رأيت الكتاب من قبل.
تمتمت بصوت خافت: برسين المجنون، لم أتوقع شيئاً كهذا. لقد فهمت الآن سبب رائحة الكتاب تلك، لأنه كان ملكاً لك من البداية.
لم يكن ليڤون يفهم أي شيء مما تتحدث عنه زمرد، التي أردفت قائلة: إذا ربما تكون أنت الفارس الشهم الذي تحدث عنه برسين.
ليڤون: ما الذي تتحدثين عنه؟ هل لك أن تشرحي لي ما يحدث؟
زمرد: وهل ستصدقني إذا فعلت؟
ليڤون: هذا يعتمد على ما ستقولينه.
بدأت زمرد تقص عليه كل شيء منذ ذهابها إلى مكتبة العجوز بهاء إلى هذه اللحظة، وأخبرته عن أعمال الوزير الفاسد وواجبها للتخلص منه.
ليڤون: هل تمزحين معي الآن؟
زمرد: أخبرتك. تمنيت لو كان الأمر أسطورة حقاً، قصة خيالية كتبت على سطور ورقة في كتاب. لكن ما يحدث الآن هو درب من الجنون.
ليڤون: المجنون الحقيقي هو أنا، لأني تركتك تقومين بخداعي بسهولة هكذا. يبدو أنني لم أكن بكامل قواي العقلية مؤخراً.
غادر ليڤون المكان تاركاً خلفه زمرد المريضة، وقد زادت كلماته القاسية ألماً لقلبها فوق ألم جسدها.
رواية اسمنجون الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مريم محمد
هل يمكنك إخباري بما يحدث الآن؟
قالها ليڤون بصوت غاضب لبرسين في حانوته الذي قام باقتحامه.
برسين:
لا أفهم ماذا تقصد.
زاد غضب ليڤون من برسين وقام بإمساكه من تلابيب ثيابه وقال:
لا تتحامق يا برسين.. أعرف أنك تفهم كل شيء.
تركه ليڤون ودار بضيق في المكان ثم أردف:
الأسطورة.. المسافرين.. و...
صمت هنيهة ثم تابع:
وزمرد.. كنت دائما تحدثني عن تلك الأسطورة.
برسين:
ولكنك لم تصدقني يوما.
كان ليڤون لديه شغف بالأعشاب الطبية.. وهذا ما وجدته زمرد مسجلاً في كتابه عندما قرأته وهذا ما جعله يتعرف على برسين الذي كان يقص أسطورة المسافرين كثيرا على ليڤون ولكنه كان يعتبرها مجرد قصة خيالية ولم يهتم لها كثيرا.. وعندما سمع زمرد تتحدث عن الأسطورة وبرسين.. أدرك أنها تتحدث عن صديقه فذهب ليتحدث معه حول ما يحدث.
برسين:
إذا كنت قادماً لتسألني عن الأسطورة بعد مقابلتك لزمرد فهذا يعني أنها أخبرتك بكل شيء بالفعل.
ليڤون:
أليست تلك قصة قمتما بتأليفها معاً؟
برسين:
ليڤون يا صديقي.. تصديق ما يحدث أو عدمه هو شيء عائد إليك.. وزمرد إن كانت أخبرتك عن شيء فتأكد أنها لا تكذب وأنا ليس لدي شيء لأضيفه على كلامها.
صمت هنيهة ثم أردف:
هل ستساعدها؟
لكن ليڤون لم يجب على السؤال فتابع برسين:
إن كنت ستفعل فعليك بالإسراع فجسد المسافرين لا يتحمل البقاء هنا طويلاً.
غادر ليڤون حانوت برسين بدون قول أي شيء وعاد مرة أخرى إلى زمرد التي بدت أكثر ضعفاً وسقماً. نظر إليها وهو لا يريد تصديق ما عرفه.. إذا كانت مسافرة حقاً فهذا يعني إنها ستنهي مهمتها وتختفي.. ستتركه وترحل.
نظرت زمرد إليه وابتسمت ثم نهضت من مكانها وسارت ببطء نحو القضبان التي وقف خلفها ليڤون وقالت بهوان:
يبدو أنك لست فارسي للأسف.
ثم سقطت على الأرض مغشياً عليها.
ليڤون:
زمرد!
فزع ليڤون كثيراً وطلب من كينا أن يقوم بفتح الزنزانة وأمسك بزمرد وحاول إفاقتها ولكن دون جدوى وعندما نظر إلى جوهرتها وجدها شاحبة يكاد ينعدم لونها فأدرك أن جسدها بدأ في الانهيار فقام بحملها بين ذراعيه وهمَّ بالتوجه إلى الطيب.
كينا:
تعرف أن هذا سيعرضك للخطر.. لا يمكنك إخراج مجرم من السجن هكذا.
ليڤون:
إذا لم تكن تنوي مساعدتي فتنحَّ جانباً ولا تتدخل فيما أفعل.
سار ليڤون عدة خطوات ثم التفت وقال لكينا:
كما أنها ليست مجرمة لقد أصبحت شخصاً يخصني الآن ولن أسمح لأحد بأن يتحدث عنها هكذا.
بعد عدة أيام فتحت زمرد عينيها الزمرديتان اللتين لم يتمكن المرض من إخفاء سحرهما لتجد نفسها نائمة على فراش ناعم مريح للغاية.. وعندما جلست وجدت أيلا تجلس على الأرض بجانبها واضعة رأسها على السرير وتغط في النوم وهي تمسك بيدها بقوة.. جالت زمرد في المكان بعينيها.. غرفة جميلة واسعة يبدو من أثاثها الفاخر ثراء صاحبها.. حاولت زمرد النهوض من الفراش ولكنها تسببت في إيقاظ أيلا التي قالت بتثاؤب:
زمرد.
وعندما وعَتْ ونظرت إلى زمرد التي لاحَ على شفتيها شبح ابتسامة.. اتسعت حدقتاها وقالت بانفعال:
يا إلهي.. زمرد هل أفقتِ!!
زمرد:
أجل.
هربت الدموع من عيني أيلا وقامت باحتضان صديقتها وهي تقول بكلمات اختلطت بنحيبها:
لقد قلقت عليك كثيراً لم أكن أدري ماذا سأفعل إذا أصابك مكروه ما.
زمرد:
كيف أتيتِ إلى هنا؟
أيلا:
في أحد الأيام تم استدعائي من قبل السيد هيرمان ولكن عندما ذهبت فوجئت بالقائد يخبرني بما حدث معك وأنك مريضة للغاية ويطلب مني القدوم معه لرعايتك لأنه لا يثق بأحد آخر ليؤدي تلك المهمة.
زمرد:
القائد.. هل تقصدين السيد ليڤون؟
أيلا:
أجل.
زمرد:
وهل يعرف مكاني؟
أيلا:
ما الذي تقولينه يا فتاة!!؟ إن هذا منزله وتلك هي غرفته الخاصة.. لقد قام بإحضارك إلى هنا بعدما فقدتِ وعيك في الزنزانة وأحضر أمهر الأطباء أيضاً ليقوموا بعلاجك كما أنه كان يلازمك ليعتني بك.. يبدو..
صمتت للحظة ثم قالت بتضاحك:
سأذهب لأخبره باستيقاظك.
ذهبت أيلا لإعلام ليڤون بإفاقة زمرد التي كانت تبتسم تشعر بغيضٍ من سعادة مما قالته أيلا لها.
لم يلبث ليڤون حتى دلف إلى الغرفة بوجل.. نظر إلى زمرد ونظرت إليه.. فتعانقت نظراتهما.. ونبض القلبان معربان عن مشاعر صاحبيهما.
برسين:
أخيراً استيقظت جميلتنا.
زمرد:
برسين ما الذي تفعله هنا؟
برسين:
هذا الشاب حاد الطباع قام بإحضاري بالقوة.
ليڤون:
كيف تشعرين الآن؟
زمرد:
أنا بخير.. شكراً لك يا سيد.... ليڤون.
شعر ليڤون بوجيف قلبه بعد سماع حروف اسمه على لسان زمرد لأول مرة منذ لقائه بها وقامت هي بغض بصرها عنه فلم تتبع النظرة النظرة.
بعد الاطمئنان على زمرد وأنها أصبحت بحال أفضل بعد حصولها على الكثير من الراحة وبعد اعتناء الأطباء بها.
زمرد:
هل يمكنني إلقاء نظرة على كتابك؟
وافق ليڤون على إعطاء الكتاب لزمرد هذه المرة وأخذت بتصفحه لتجده مطابقاً للكتاب الغريب الذي قرأته من قبل فتيقنت أنه كان كتاب ليڤون فعلاً الذي قام برسين باستخدامه ليحضرها به إلى هنا.
ليڤون:
إذا ما الذي ستفعلينه الآن؟
زمرد:
عليّ كشف فساد رئيس الوزراء ذاك أمام الجميع لينال العقاب الذي يستحقه على أفعاله الشنيعة.
نهضت زمرد ووقفت خلف النافذة تنظر خارج المنزل وكان الجو ليلاً ثم قالت لليڤون:
ولكن... أليس إخراجك لي من السجن هكذا... سيعرضك للخطر؟
أجاب ليڤون ضاحكاً:
ربما أخسر منصبي.. أو حياتي.
التفتت زمرد في فزع وقالت بتوتر:
إذا لماذا فعلت هذا؟
ابتسم ليڤون فكشف اللثام عن أنيابه الحادة كالعادة ولم يجب على سؤالها.
كينا:
لقد تم استدعاء القائد بالفعل من قبل الملكة بينما كنتِ فاقدة للوعي.
زمرد:
إذا وماذا فعلت؟
ليڤون:
راهنت عليكِ.. لقد قررت مساعدتك والثقة بك.
زمرد:
لقد كنت محقاً فيما قلته لي آخر مرة.. لابد أنك مجنون فعلاً.
ضحك ليڤون حتى دمعت عيناه ثم قال:
عليكِ بوضع خطة للخروج مما نحن فيه الآن.
زمرد:
عندما كنت في السجن... لم أجد شيئاً لفعله سوى التفكير في خطة ما ولدي واحدة بالفعل ولكني أحتاج إلى مساعدتك فيها.
ليڤون:
وأنا مستعد.
رواية اسمنجون الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مريم محمد
كان لدى رئيس الوزراء الكثير من الحرس والخدم على رأسهم حارسيه الشخصيين يالدا وكاشيرا الذين لا يفارقانه أبدًا مهما حدث. وقد كان هما الحارسين الذين قابلتهما زمرد سابقاً. يالدا شخص صلب جلد وكان هو الذي رأته زمرد يقتل العامل سابقاً، أما كاشيرا فهو أكثر قوة وصلادة من يالدا ولكن شخصيته أكثر ارتباكاً وأقل حدة، فلا يتركه صديقه يتصرف لوحده لكي لا يرتكب الأخطاء بسبب شخصيته تلك.
كان الحارسان يعلمان كل أسرار الوزير تقريباً، وكان الوزير يقوم بتهديدهم بطرق ملتوية لكي يردع من يفكر في الكشف عن أي فعل دنيء يقوم به من سرقة أو غش أو اغتصاب للفتيات أو تجارة غير مشروعة بالبشر، وحتى مكره بالملكة لكي يقتلها ليتولى هو مقاليد الحكم.
مجموعة الإتجار بالعبيد تلك كانت كبيرة للغاية تضم الكثير من التجار ووزراء البلدان الأخرى، وكان تواصل تلك المدن مع الحارسين الشخصيين لوزير أسمنجون عن طريق رسول خاص بكل مدينة يوصل إليهما كلام سيده.
مدينة سامتاي هي واحدة من أعظم المدن القريبة من أسمنجون، يقوم حاكمها الفاجر بشراء الإماء ليقضي شهوته ثم يتخلص منهن، وكان أكثر من يشتري النساء من وزير أسمنجون. ولم يكن الوزير يرفض له طلباً لخوفه منه.
وفي أحد الأيام جاء رسول الملك رابي يطلب من الوزير تجهيز بعض الإماء الجميلات ليقوم بشرائهن ويطالب بهذا على وجه السرعة، فلم يجد الوزير سوى الموافقة على طلبه وبدأ بتجهيز الجميلات بالفعل.
كان الملك رابي يرسل لأسمنجون مع الرسول بعض من حرسه الملكي وعربات فاخرة لنقل الفتيات، وكان الوزير يخرج شخصياً لمقابلة موكبه المرسل احتراما وتقديرا.
خرجت عربة خشبية كبيرة محملة بالكثير من النساء فارعات الجمال، والرجال لكي لا يشك أحد في أمر خروج الفتيات. وسارت العربة متجهة إلى المبنى الذي تم حبس العمال في زنزاناته.
ثم جاء الوزير الذي بدأ في اختيار الفتيات اللاتي سيتم إرسالهن إلى الملك رابي بعناية شديدة، وقام باحتجاز باقي الفتيات والرجال في الزنزانات ليتم التخلص منهم ولكن بعد رحيل موكب الملك رابي.
الوزير: متى سيصل الموكب إلى هنا؟
خرج أحد الحراس خارج المبنى ونظر قليلاً إلى الشمس في السماء ثم عاد وأجاب على سؤال الوزير: أعتقد أنهم على وشك الوصول في أي لحظة.
ولم تمر عدة دقائق حتى ولج المبنى الحراس الذين كانوا يحرسون البوابة من الخارج، وقد كان الفزع والخوف باد على وجوههم. لم يجد الحراس الوقت لكي يخبروا الوزير عما يحدث في الخارج حتى اقتحم المبنى ليڤون ومن معه من الجند.
قام رجال ليڤون بمحاصرة المبنى من الخارج ودخل هو مع مجموعة أخرى، فالقوا القبض على جميع الجنود داخل المبنى بما فيهم رئيس الوزراء الذي كان يحاول الهرب من الباب المخفي في الأرض، إلا أنه فوجئ بليڤون يقف بجواده فوق الباب لكي يمنعه من الهرب، فقد كان يعرف عن أمر الباب بالفعل من زمرد. بل إنه قام أيضاً بإرسال كينا مع كتيبة أخرى لمحاصرة المنزل الذي يوجد فيه المخرج الآخر للنفق تحت الأرض.
بعد أن هدأ المكان قام رجال ليڤون بتقييد الجنود وتركهم جالسين على ركبيهم في صفوف أمام ليڤون، الذي كان يسير بجواده ذهاباً وإياباً أمامهم. جاءه أحد رجاله وهمس له في أذنه شيئاً ما فأومأ له وأمر جميع الكتيبة أن تقف في نظام وهدوء. وبعد لحظات دخل إلى المبنى الحرس الملكي وعلى رأسهم الملكة سيرا.
الوزير: ليڤون أيها الوغد.
نظر ليڤون إلى الوزير بنظرات استحقار ولم يجب عليه، ثم نزل من فوق جواده الأدهم وجلس على قدم واحدة وثنى الأخرى ووضع يده اليمنى على صدره، وكذا فعلت باقي الكتيبة ثم قال ليڤون بصوته الجهوري: مولاتي الملكة سيرا.
أشارت الملكة بيدها إلى ليڤون والجنود فنهضوا جميعاً. وسارت بشموخ وهي ترفل في ثوبها الملكي ثم وقفت أمام الوزير وقالت: لم أتوقع منك شيئاً كهذا، لقد كنت أثق بك كثيراً ولكن يبدو أني وضعت ثقتي في غير محلها.
ثم التفتت وقالت إلى ليڤون الذي كان يقف بعزة نفس: أشكرك أيها الفارس الأيهم، لطالما كنت المحبب إلى قلبي من كل رجال الجيش الأسمنجوني ولقد أثبت لي جدارتك واستحقاقك لتلك المكانة.
أشارت الملكة إلى الوزير ومن معه ثم أردفت: سأترك لك مهمة الاعتناء بهؤلاء الحثالة وأعلم أنك ستقوم بواجبك على أكمل وجه.
ليڤون: أمرك يا مولاتي.
تركت الملكة المكان وأمر ليڤون رجاله بوضع المجرمين في العربات العسكرية وقاموا بتحرير الأسرى من الرجال والنساء واصطحبوهم مرة أخرى إلى أسمنجون.
_____
منذ عدة أيام ....
زمرد: عندما كنت في السجن لم أجد شيئاً لفعله سوى التفكير في خطة ما ولدي واحدة بالفعل ولكني أحتاج إلى مساعدتك فيها.
ليڤون: وأنا مستعد.
زمرد: أخبرني أولاً بماذا أخبرت الملكة عندما تم استدعائك؟
ليڤون: أخبرتها أنكِ اكتشفتِ فساد رئيس الوزراء، وأنني سأثبت لها هذا إذا عفت عنكِ.
زمرد: وماذا إذا لم نتمكن من إثبات هذا؟
ابتسم ليڤون وأجاب: حينها سنعدم جميعاً بتهمة الخيانة.
زمرد: تتحدث وكأن الأمر مزحة.
ليڤون: هذا لأني أثق بكِ، أثق أنكِ ستعثرين على خطة جيدة للإيقاع به كما أني أثق بقدراتي العسكرية، فلا تستخفي بي.
زمرد: يالك من متباهٍ.
عادت زمرد مرة أخرى لتجلس على السرير فقد كانت متعبة للغاية، ثم قالت بعد أن اجتمع حولها جميع من في المنزل: ليڤون، أيلا، وبرسين، وكينا: لم أتمكن من العثور على دليل مادي يثبت جرائم الوزير، فكل ما لدي هي قصة قد رواها لي أحدهم ولا أعتقد أن شهادته سيؤخذ بها.
كينا: إذاً وما العمل؟ إذا لم نتمكن من إثبات جرائمه فإن القائد...
نكزه ليڤون في ذراعه بقوة وأوقفه عن إكمال ما كان سيقوله وقال: وما خطتك إذاً؟
زمرد: إذا لم أجد دليل مادي فعلي صنع واحد بنفسي.
ليڤون: هل من المعقول؟ هل تريدين الإمساك به متلبساً؟
ابتسمت زمرد وأجابت: أحب سرعة بديهتك، نعم هذا ما أنوي فعله.
كينا: وكيف ستفعلون هذا؟
ليڤون: علينا الحصول على جاسوس من رجال الوزير يخبرنا بمواعيد صفقاته.
زمرد: بل سأصنع صفقة بنفسي. سيكون الأمر خطيراً للغاية وقد يفشل بالفعل ولكن ليس لدي خيار آخر، فليس لدي ما يكفي من الوقت لأنتظر صفقته لذا سأصنع واحدة وسأجعل الملكة بشخصها تذهب إلى هناك لترى ما يحدث خلف ظهرها.
ليڤون: سترسلين الملكة!!
زمرد: إنها الطريقة الوحيدة لمحاصرته بالكامل.
صمتت هنيهة ثم أردفت: سنحتاج إلى من يبلغ الوزير عن الصفقة.
فكر ليڤون قليلاً ثم قال: كاشيرا.
كينا: تقصد الحارس الشخصي للوزير؟
ليڤون: أجل هو، إنه فتى يمكن السيطرة عليه بسهولة وسيكون هو رسولنا.
زمرد: الجندي من تلك الليلة.
ليڤون: أجل، سأقوم باستدراجه خارجاً وأتحدث معه.
كينا: سأذهب أنا.
ليڤون: هذا ليس تدريباً يا كينا، إذا فشلت الخطة فلن يكون هناك فرصة أخرى لإعادة المحاولة.
كينا: إذاً سأذهب معك.
نهض ليڤون ووضع يديه على كتفي كينا وقال: أقدر رغبتك في المساعدة ولكني أحتاج لمن يقوم بحراسة الفتيات هنا فلا يمكنني تركهن وحدهن، لذا عليك البقاء.
اتفق الجميع على هذا وخرج ليڤون متجهاً إلى منزل كاشيرا والذي كان يعيش فيه وحيداً مع والدته. وصل ليڤون سريعاً إلى منزله وطرق الباب ففتحت له مربية المنزل، وحالما رأته عرفته على الفور وطلب منها الدخول فسمحت له.
همت المرأة أن تذهب لتنادي على سيدتها فاستوقفها ليڤون: من أريد التحدث إليه هو سيد المنزل كاشيرا.
الخادمة: سيدي كاشيرا ليس هنا، فهو يبيت في منزل رئيس الوزراء.
وضع ليڤون كيساً مليئاً بالنقود في يد الخادمة: اذهبي وأحضريه إلى هنا بأي وسيلة وإياك أن يعرف بأني هنا أو أن يعرف أي شخص ما يحدث هنا، ولك مثل هذا الكيس إذا نفذتي الأمر بدقة كما أرغب.
سحرت المرأة بالنقود الذهبية ووافقت على كلام ليڤون وانطلقت متجهة إلى كاشيرا لتقوم باستدعائه وفور مقابلتها له أخبرته بأن والدته مريضة ويجب عليه القدوم بسرعة فسمح له الوزير بالذهاب.
ذهب كاشيرا راكضاً إلى منزله وفور دخوله فوجئ بليڤون يقف أمامه وهو يقول: انتظرتك كثيراً تفضل بالجلوس فلدي الكثير لأخبرك به.
نظر كاشيرا إلى الخادمة وأدرك أن هذا كان فخاً له، فقال بغضب: ليس لدي شيء أسمعه من مقتحم، ورجاء أخرج من بيتي قبل أن أغضب أكثر.
ليڤون: أنا لم أقتحم منزلك أبداً، الخادمة من سمحت لي بالدخول كما أني طلبت مقابلتك بلطف.
كاشيرا: ليس لدي الفضول لمعرفة هذا.
ثم أمسك كاشيرا بذراع ليڤون الجالس على الكرسي يحاول إخراجه من منزله ولكن ليڤون باغته بحركته السريعة وقام بلف ذراع كاشيرا وأوقعه أرضاً على ظهره ووضع ركبته على عنقه وسحب سيفه بيده الأخرى غرسه في الأرض فوق رأسه وقال: ستذهبان لتحضران الطبيب إلى الوزير أليس كذلك؟ هل تظنني مغفلاً أم ماذا؟ لقد تركتكما تذهبان في تلك المرة بإرادتي ليس لأني صدقت ما قاله لي صديقك.
أدرك كاشيرا أن ليڤون قد عرف ما كانا يفعلانه في تلك الليلة، فخاف أن يشي به فقال بصعوبة فقد كان ليڤون يقوم بخنقه بقوة: ما الذي تريده مني؟
ابتسم ليڤون وابتعد عن كاشيرا وقال وهو يعيد السيف في غمده: الآن بدأت تفهم.
ثم مد يده إلى كاشيرا ليساعده على النهوض وقال: أحتاجك في مهمة صغيرة، وأعدك أني سأخرجك من كل هذا بدون أذى.
كاشيرا: وما الذي يجعلني أثق بك؟
ليڤون: لا تحاول أن تختبر صبري يا هذا، إذا كنت لن توافق على مساعدتي فسأجد غيرك ولكن لا تسألني عن سلامتك بعدها أو منصبك أو حتى حياتك.
فكر كاشيرا طويلاً وعندما هم ليڤون بالرحيل قال: حسناً موافق، ما الذي علي فعله؟
ابتسم ليڤون ثم التفت وجلس مرة أخرى مع كاشيرا وأخبره بخطته، فأخبر كاشيرا ليڤون عن الملك رابي وأن الوزير لا يرفض له طلباً أبداً مهما كان، فاتفق الاثنان على تلفيق رسالة من رابي ليستدرجوا بها الوزير إلى خطتهم.
رواية اسمنجون الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مريم محمد
خرج ليڤون من منزل كاشيرا بعد أن اتفقا على كل شيء.
وبعد عدة أيام، أرسل كاشيرا ردًا إلى ليڤون أن خطته قد نجحت، وأعلمه أيضًا عن موعد الصفقة.
زمرد: هكذا لم يبقَ سوى إخبار الملكة بالأمر.
ليڤون: اتركي الأمر لي، سأصحبها بنفسي إلى هناك.
كينا: وهل تثق بكاشيرا هذا؟
ليڤون: لا تخف، فهو لا يملك خيارًا آخر غير مساعدتنا، وإلا سيكون في السجن مع البقية إن نجحت خطتي، أو يقتل على يد الوزير إذا علم بأمر تهريبه للعمال مقابل المال. وفي كلتا الحالتين هو الخاسر، لذا سيفعل أي شيء لينقذ نفسه مما أوقع نفسه فيه.
صمت ليڤون للحظة ثم تابع: ثق في قائدك يا فتى، فأنا لن أسمح بأن يصيبكم أي ضرر مهما حدث.
وهكذا نجحت خطة زمرد وليڤون في القبض على رئيس الوزراء وأعوانه.
عاد ليڤون يتقدم رجاله والوزير ورجاله مكبلين بالأغلال في عربات الجيش التي تسير في شوارع المدينة الممتلئة بالناس الذين احتشدوا بعد أن انتشر خبر أفعال الوزير.
ظلوا ينظرون إليهم بنظرات كره وغضب، وقام البعض بسبه والآخر برميه بالحجارة.
حتى وصلوا إلى السجن الملكي في القصر الذي تم احتجازهم فيه.
ثم توجه ليڤون إلى غرفة الاجتماعات الملكية ليتم مناقشة قضية الوزير ومصيره هو واتباعه.
ترك كينا رجاله حول المنزل في أطراف المدينة وعاد هو إلى منزل ليڤون ليعلم زمرد وأيلا وبرسين بنجاح خطتهم.
وفور دخوله إلى غرفة ليڤون، حيث كانت زمرد مستلقية على سرير ليڤون تضع يدها على عينها وتمسك برأسها من الألم، قام باحتضان أيلا وهو يخبرها عن نجاحهم الباهر.
كانت زمرد تنظر إليهما وهي تبتسم، فقد كانت تدرك العلاقة بينهما منذ مدة.
قبل رحيل كينا مع ليڤون، كان كل منهما ينظر إلى الآخر نظرات عاشق، وهو يخبرها أنه سيعود إليها قريبًا.
بعد أن أدركا الموقف، ابتعدا عن بعضهما البعض، وكان وجه أيلا مخضرًا بالحمرة من الخجل، بينما كان كينا يتنحنح ويجول بعينيه في المكان.
قاطعت زمرد هذا الجو قائلة بتثاقل، فقد أتعبها المرض: ماذا سيحل بالوزير الآن؟
كينا: لم يتم إصدار أي قرار إلى الآن.
زمرد: والقائد؟ متى سيعود؟
كينا: لن يتمكن من العودة في الوقت الحالي، فهو مَن وُكِّل إليه أمر استجواب الوزير.
قالت زمرد بحزن: فهمت.
حاولت أيلا أن تخفف قليلًا عن زمرد، فهي كانت تعرف أن ليڤون يحبها، كما بدا من تعاملها معه أنها تحمل شيئًا من مشاعر الإعجاب تجاهه أيضًا، ولكنها لا تبوح بذلك.
"ولكنه سيعود قريبًا جدًا.. أليس كذلك يا كينا؟"
فهم كينا مراد أيلا من سؤالها فأجاب: أجل بالطبع.. لن يطول أمر غيابه طويلًا.
لم تجبهم زمرد وعاودت الاستلقاء على السرير ثانيةً، وحاولت أن تنام قليلًا لعل النوم يخفف بعض الألم الذي تشعر به.
وبعد يومين، عاد ليڤون إلى منزله وذهب إلى زمرد ليطمئن على صحتها، فوجدها هذيلة ضعيفة، مختلفة عن الفتاة المشرقة التي رآها أول مرة.
زمرد: ما الجديد؟
ليڤون: الملكة تطلب رؤيتك.
زمرد: لماذا؟
ليڤون: تريد شكرك وتكريمك على كشفك لخيانة الوزير.
زمرد: لكني لم أفعل هذا لتكرمني الملكة، هذا واجبي، ففي النهاية أنا مسافرة وهذه هي مهمتي.
ليڤون: للأسف لا يمكنك الرفض، فهذا بمثابة أمر ملكي.
اضطرت زمرد للامتثال للأوامر وذهبت لمقابلة الملكة.
وبعد الترحيب بها وشكر الملكة لجهودها، أخبرت زمرد أن تطلب ما تتمنى وهي ستحققه لها.
زمرد: أنا حقًا ممتنة لكرمك يا مولاي، ولكني لا أتمنى أي شيء، يكفيني أني تمكنت من تحقيق العدالة.
سيرا: أنتِ حقًا فتاة نبيلة، ولكني مصرة على تحقيق أمنية لكِ.
فكرت زمرد قليلًا، ثم نظرت إلى الملكة وأردفت: هل تعديني أنكِ ستحققين ما سأطلبه حقًا؟
سيرا: هذا وعد ملكي، والملكة لا تخلف وعدها أبدًا.
زمرد: إذا كان الأمر كذلك، فهناك شيء واحد يجول في خاطري، وأتمنى أن تحققيه.. أتمنى أن تلغي قانون رهائن الديون هذا إلى الأبد، وسأكون شاكرة لكِ بشدة.
ترددت الملكة سيرا كثيرًا في تلبية رغبة زمرد، لكنها وافقت في النهاية، فهذا وعد كما قالت سابقًا، ولا يمكنها إخلافه.
*****
مرت عدة أيام، لم يعد ليڤون فيهم إلى منزله.
أتى كينا مسرعًا حاملاً معه الأخبار المنتظرة: لقد صدر الحكم الذي سيطبق على الوزير.
أيلا: ماذا سيحدث؟
مرر كينا نظراته على وجوه الجميع، ثم قال: سيتم إعدامه صباح الغد.
وضعت أيلا يديها على فمها وقالت: إعدام.
كينا: ما فعله يعد خيانة لأسمنجون والملكة، لذا فإن إعدامه هو ما كان متوقعًا.
ومرة أخرى لم تنبس زمرد ببنت شفة، بل لم تفتح عينيها أيضًا، وظلت مستلقية مكانها، واضعة يدها على عينيها.
في اليوم التالي، اجتمع الناس في الساحة أمام قصر الملكة في انتظار إعدام الوزير وأعوانه.
وكان لابد أن يذهب كينا هو أيضًا، فعلى جميع أفراد الكتيبة التي ينتمي إليها أن تحضر هذا الحدث.
لكن زمرد رفضت الذهاب، فهي مريضة، وأيلا جلست لتعني بها، كما أن قلبها لا يقوى على تحمل مشهد كهذا.
وعندما هم ليث بالذهاب، فوجئ ببرسين يدلف إلى الغرفة ويقول لزمرد: لقد حان الوقت يا زمرد.
فتحت زمرد عينيها ونظرت في إعياء إلى برسين وقالت: الوقت لماذا؟
لم يجب برسين، ولكن نظراته الحزينة وشّت بكل شيء.
وعندما فهمت زمرد مقصده، جلست على السرير وقالت: يبدو أنني تعلقت كثيرًا بهذا العالم ومن فيه، إن هذا قاسٍ حقًا... وموجع.
أيلا: هل يعقل؟... هل حان وقت رحيلك؟
لاح شبح ابتسامة حزينة على شفتي زمرد اللتان تحولتا إلى اللون الأرجواني من المرض الشديد، وقالت والعبرات في عينيها اللامعتين: أنا آسفة يا صديقتي، فهذا كان مقدرًا من البداية.
نهضت أيلا وقامت بمعانقة زمرد، وظلت تبكي بحرقة على كتفها الهزيل.
بينما سألها كينا بألم: والقائد؟ هل سترحلين هكذا بدون توديعه؟ هل تعرفين ماذا سيكون وقع تصرفك هذا عليه؟
زمرد: أعتذر إليك حقًا يا سيد كينا، وأود منك أن توصل اعتذاري إلى السيد ليڤون أيضًا.
كما أني أريد منك أن توصل إليه رسالة أخرى.. رسالة وداع له.. هل يمكنك هذا؟
دمعت عينا كينا ثم قال: إن كنتِ تريدين قول شيء له، فقوليه بنفسك مباشرة.. أعتذر، ولكني لن أوصل رسالتك.
ارتسمت ابتسامة مقرونة بالأسى الشديد على وجه زمرد، جعلت كينا لا يستطيع الرفض أكثر، ووافق على أخذ الرسالة منها.
ثم قالت زمرد موجهة كلامها إلى كينا: أود الاعتذار منك حقًا يا سيد كينا، فقد تسببت بالكثير من الإزعاج لك ولقائدك.. أرجو ألا تكون قد شعرت بالضيق من هذا.
كينا: بل أنا من يرغب بالاعتذار لك.. بينما كنتِ مغشية عليك، أخبرنا ليڤون بقصتك كاملة، ويبدو أنني قد ظلمتك حقًا.. كما أني السبب في حالتك الصحية تلك، فأنا من وضعك في السجن.. لذا أتمنى أن تسامحيني.
زمرد: لم تخطئ بشيء يا سيد كينا.. بل إن فعلك هذا هو ما أوصلنا لما أنجزناه الآن.. شكرًا لك.
كينا: لقد كان من الجيد لقائك.
زمرد: شكرًا لك.. سعدت بلقائك أيضًا أيها الفارس.. وأنتِ يا أيلا، أشكرك لأنك كنتِ صديقة لي منذ أول يوم لي هنا.. فقد خفف هذا عني الكثير من الوحدة والحزن.. شكرًا لك.. وأتمنى لك السعادة في حياتك مستقبلًا مع كينا.
ثم نظرت إلى كينا وقالت: لقد عانت أيلا وبكت كثيرًا منذ دخولها إلى هنا، فأتمنى أن تعوضها عن أيام شقائها وتحافظ عليها.
كينا: سأفعل.
زمرد: الآن عليّ الذهاب.
ذهبت زمرد بصحبة برسين، تاركة خلفها أيلا التي أجهشت بالبكاء ولم تتوقف، فهي تعرف أنها لن ترى زمرد مرة أخرى أبدًا.
كما أن قلبها كان يعتصر حزنًا على ليڤون المتيم بحب زمرد، فهي لا تقوى على تخيل موقفه إذا علم برحيلها هكذا.
لذا طلبت من كينا أن يذهب لإعلامه بسرعة، لعله يتمكن من رؤيتها للمرة الأخيرة.
وقد فعل كينا هذا، وذهب راكضًا ليبلغ ليڤون بما حدث.
*****
عادت زمرد إلى التمثال المجنح مرة أخرى، لكن في طريقها كانت تسأل برسين: عندما أتيت آخر مرة إلى هنا، لم أجد شيئًا خلف الباب الحجري.. هل تحاول خداعي أم ماذا؟
برسين: أخبرتك أنك لن تستطيعي العودة إلا بعد انتهائك من مهمتك.
زمرد: إذا لن يفتح الباب إلا بعد موت الوزير.
برسين: هذا صحيح.
في طريق ذهاب زمرد وبرسين إلى باب العودة، مرت بمنصة الإعدام أمام قصر الملكة، وألقت نظرة أخيرة على ليڤون الواقف بجانب الملكة في شرفة قصرها، وهو لا يراها من بين كل تلك الجموع الكثيرة.
ثم تابعت سيرها حتى وصلت إلى التمثال المجنح وفتحت الباب الحجري، ووقفت أمامه في انتظار انتهاء مهمتها حتى تعود لعالمها.
وقفت تجول بعينيها وتودع أركان المدينة.. رغم أنها عانت فيها كثيرًا، إلا أنها ستفتقدها بالتأكيد.
بدأت الأبواق تعزف والطبول تقرع، وأمسك السياف بسيفه، وحان موعد الإعدام.
رواية اسمنجون الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مريم محمد
تمكن كينا أخيراً من الوصول إلى ليڤون، الذي انحنى قليلاً ليستمع إلى ما يريد كينا قوله. فهمس إليه كينا في أذنه بما حدث، ثم أعطاه الرسالة التي تركتها زمرد له. فترك ليڤون الملكة سيرا جالسة على كرسيها، وذهب راكضاً متجهاً إلى بيته.
كينا: ليڤ...
نهضت الملكة من مكانها والتفتت إلى كينا وقالت غاضبة من تصرف ليڤون: ما الذي يحدث هنا؟
قام كينا بشرح الأمر للملكة وترجاها ألا تغضب من ليڤون وألا تسوء فهمه. وقد كانت متفهمة لموقفه للغاية.
وصل ليڤون إلى منزله ودلف إلى غرفته باندفاع، فلم يجد فيها سوى أيلا التي كانت جالسة على الأرض واضعة رأسها على ركبتيها وتبكي بحرقة. فجثا ليڤون بإحدى قدميه على الأرض ونظر إلى أيلا التي كانت تقول بكلمات غير واضحة بسبب البكاء: سيدي.. لماذا تأخرت هكذا؟
ليڤون: أين هي؟
أيلا: لقد ذهبت مع برسينكان.
ليڤون يعرف المكان الذي اتجهت إليه زمرد، فقد كانت أخبرته بكل شيء سابقاً. خرج من منزله راكضاً متجهاً إلى التمثال المجنح.
***
زمرد: حان موعد الوداع.
برسين: أتمنى لك العودة سالمة.
بصوت متعب وأنفاس متقطعة: إلى أين... تظنين نفسك ذاهبة... بتلك... الطريقة؟
التفتت زمرد فوجدت ليڤون يقف خلفها، تتلاحق أنفاسه وقطرات العرق تتلألأ على جبينه. ألتقط ليڤون قطرات العرق بأنامله ومسح ذقنه بظهر يده اليمنى، ثم أخذ نفساً عميقاً وقال وهو ينظر إلى وجه زمرد: وبدون وداع حتى!
ثم أخرج الرسالة التي أرسلتها زمرد له وقال: وما هذا؟ رسالة!؟.. أهذا كل شيء؟
انفرط عقد من الدموع من عيني زمرد الجميلة، فدفنت نظراتها في الأرض لتخفي دموعها. وقبضت على ثيابها بيديها الرقيقتين وعضت على شفتيها الشاحبتين وهي تحاول التحكم في أنفاسها ودقات قلبها المتسارعة.
تقدم ليڤون قليلاً ووقف أمام زمرد قريباً منها. فمسحت زمرد دموعها بهدوء وأخذت نفساً عميقاً، ثم رفعت عينيها ونظرت إلى ليڤون وقالت: إنها تحمل كل المعاني التي أريد إيصالها.. ألا يكفي هذا؟
أستمر ليڤون بالنظر إلى عيني زمرد فأربكها هذا. وحاولت أن تقطع خيط هذا الصمت المحرج وقالت: على كلٍ.. مادمت هنا بالفعل فأريد أن أشكرك حقاً على مساعدتك لي أيها الفارس. لقد أتعبت نفسك كثيراً لكي أتمكن من إتمام مهمتي.. شكراً كثيراً لك يا سيد... ل... ليڤون.
نظر ليڤون إلى زمرد نظرات كان يعلم أنها الأخيرة، وهي تنظر إليه بنظرات امتنان وشكر. ثم ارتسمت على شفتيها الأرجوانيتين ابتسامة رقيقة دافئة.
قال ليڤون بحزن: هل تسمحين لي بشيء أخير؟
زمرد: تفضل.
أقترب ليڤون منها وقام باحتضانها بقوة مما جعلها تذهل. ظلت في أحضانه لعدة ثوانٍ وهي مترددة في مبادلته هذا العناق.
رفعت يديها بتردد وقبل أن تلمس أناملها الرقيقة ظهره، تم إلقاء الأمر بتنفيذ الإعدام. وفور أن ضرب الفارس بسيفه على عنق الوزير، ظهرت الدوامة السوداء مجدداً خلف زمرد وقامت بابتلاعها في غمضة عين من بين أحضان ليڤون الذي أغمض عينيه بقوة وألم وهو يعلم أنه لن يراها مرة أخرى. وهمس بدموع وقلب محطم: كوني بخير يا مولاتي.. أحبك.
***
عادت زمرد إلى عالمها. فتحت عينيها فوجدت نفسها مستلقية في سريرها داخل غرفتها الهادئة. كان النهوض شاقاً جداً عليها، ولكنها نهضت في النهاية وتوجهت نحو نافذة غرفتها وقامت بفتحها لتعانق نسمات الهواء الدافئة بوجهها. وتتحدث إلى أشعة الشمس التي تلألأت في الفضاء بعينيها.
ثم توجهت إلى المرآة ونظرت إلى وجهها بعد مدة طويلة، فوجدت نفسها في حالة مزرية للغاية. بعدها ركضت في وجل لترى والدتها عندما سمعت صوت حركتها خارجاً. وفور أن رأتها، ركضت تجاهها وقامت بمعانقتها بقوة وهي تبكي على كتفها وتقول: أمي.. أمي.. حبيبتي لقد اشتقت إليكِ كثيراً. أعرف أنك اشتقت إليّ أيضاً.. آسفة على إقلاقك.
بعد لحظة من الصمت، أبعدت السيدة هديل زمرد عنها وهي تقول بتعجب: لماذا سأشتاق إليك بين ليلة وضحاها؟ ألستِ أنتِ من قمت بحبس نفسك في غرفتك منذ الأمس؟ فلماذا أنت مشتاقة لي الآن؟
زمرد: ماذا أمس!!
نظرت زمرد إلى التاريخ والوقت، فوجدتهما يشيران إلى صباح اليوم التالي من ذهابها إلى مكتبة بهاء. فأدركت أن الوقت في مملكة أسمنجون كان يمر بشكل مختلف عن عالمها، فبعض الشهور هناك ما هي إلا عدة ساعات هنا.
هديل: ما كل هذا الغبار على وجهك؟ وما هذه الثياب التي ترتدينها؟ ما الذي كنت تقومين به الليلة الماضية؟
نظرت زمرد إلى ثيابها الغبراء وجلست على الأرض تتذكر كل ما مرت به من أحداث. ثم أمسكت بالقماش الذي أعطاها إياه ليڤون لتغطي به شعرها وأجهشت بالبكاء.
فزعت السيدة هديل جداً من تصرف زمرد هذا وجلست بجانبها على الأرض وأخذت تربت على ظهرها وتمسح على شعرها. ثم أمسكت بوجهها بين يديها الدافئتين وسألتها عن سبب بكائها بتلك الطريقة، ولكن زمرد لم تتمكن من الرد بسبب بكائها وتلاحق أنفاسها.
ظلت زمرد تبكي لوقت طويل بعد أن أدركت أنها لن ترى ليڤون مرة أخرى أبداً. لن تتمكن من لقائه بعد أن تعلقت به هكذا.
بعد الكثير من البكاء، نهضت زمرد وأخذت حماماً دافئاً وبدلت ثياب أسمنجون أخيراً، ثم ولجت إلى غرفتها ولكنها لم تغلق باب الغرفة كعادتها. فقد كانت خائفة بعض الشيء وتقوقعت على سريرها تحت الغطاء وغطت في النوم.
وبعد القليل من الساعات الهادئة، استيقظت زمرد من نومها. نهضت وتوضأت وصَلت العصر، ثم ذهبت تساعد والدتها في المنزل وعاشت حياتها الهادئة العادية كما كانت قبل رحلتها الخيالية.
***
بعد عدة شهور، ذهبت زمرد مرة أخرى إلى مكتبة العجوز بهاء بعد مدة طويلة. دخلت إلى الحانوت فوجدت بهاء جالساً على كرسيه كعادته. رجل في السبعينيات، نحيل للغاية، متوسط القامة، ذا بشرة داكنة، ملامحه السمحة التي زينتها تلك التجاعيد بما تحمله من الكثير من الذكريات.
كان العجوز جالساً على مكتبه المتواضع بجانب باب الحانوت يحمل بين يديه كتاباً عتيقاً يقرأ صفحاته باهتمام وينظر إلى كلماته بعينيه اللامعتين اللتين تضبان بالحياة رغم كبر سنهما. عينا ولهان.. وكأنه عاشق ينظر إلى محبوبته.
كانت بعض شعيعات الشمس القرمزية تتخلل المكان الذي يعانقه هدوء ساعات العصر. لوحة فنية لا يمكن وصفها. لطالما أحبت زمرد النظر إليها.
طرقت زمرد طرقات خافتة على مكتب العجوز بهاء وألقت عليه السلام بصوتها الشجن. فتوقف العجوز بهاء عن القراءة ونظر إليها من فوق عويناتيه المعدنية. ورد عليها السلام. ثم قال بصوته الرخيم الذي يضفي هدوءاً على النفس: مرحباً بك يا ابنتي.. لقد مرت مدة طويلة للغاية منذ أن أتيتِ آخر مرة.
زمرد: لقد كنت مشغولة لبعض الوقت يا سيدي.. كيف كان حالك؟
بهاء: الحمد لله في نعمة.
اعتادت زمرد أن تنادي السيد بهاء بسيدي - تبجيلاً - لأنها تحترمه جداً.
دلفت زمرد إلى المكتبة بتؤدة، ثم رفعت يدها ووضعتها على رف الكتب بجانبها ومررت أناملها الرقيقة على الكتب وهي تسير بخطوات هادئة. ثم توقفت أمام أحد الكتب الذي لفت انتباهها. أمسكت الكتاب ومسحت بيدها على غلافه بهدوء وتمعنت في عنوانه «زرقة السماء».
هربت دمعة من عين زمرد وقالت بصوت يحمل الكثير من الاشتياق وهي تبتسم بحزن: أسْمَنْجُون.