يجلس محمد بمكتبه في شركة والده التي يعمل بها شارد الذهن. فقد انفصل عن زوجته وحبيبته منذ فترة وجيزة بسبب إهمالها لأبنائهم. لكن حبه لها لم يشفع لها عنده، وانساق وراء عقله مفكراً في أنها لا تصلح أن تكون زوجة أو أماً بالنسبة له. تنهد بضجر وحاول التركيز في عمله ونسيانها، ولكن قاطعه عن ذلك سماعه لطرقات على الباب. تلاها دخول شخص لم يتوقعه، كما لم يحبذ وجوده الآن. اقتربت منه بثينة بابتسامة لم ترحه، ووقفت أمام مكتبه قائلة:
-أنا عايزة اتكلم معاك شوية، ممكن؟ زفر محمد بضيق، فهذا ليس وقته على الإطلاق. لكنه لم يرد إحراجها، فأومأ موافقاً وأشار لها بالجلوس. جلست قبالته بهدوء، والتزمت الصمت لثوانٍ قبل أن تقطعه متسائلة: -عامل ايه؟ -كويس. نفت برأسها وهي ترمقه بطريقة غريبة قائلة: -لا مش كويس، واضح إنك متأثر من انفصالك عنها مش كده؟ رفع محمد أحد حاجبيه باستغراب تحول إلى حدة ظهرت بعينيه، وصاح: -عايزة ايه من الآخر يا بثينة؟
فركت بثينة أصابعها وهي تنظر إليه بتوتر، لا تدري إن كان ما ستقوله صواباً أم أنها ستهين نفسها. لكنها لا تريد أن تضيع حبيبها من بين يديها بعد أن سنحت لها الفرصة لتمتلكه. ذلك الذي أقنعت نفسها كما أقنعتها والدتها بأنه سيكون لها. أخذت نفساً عميقاً ثم قالت بسرعة: -أنا عايزة اتجوزني! اتسعت عينا محمد بصدمة من عرضها المفاجئ، لكنه سرعان ما عقد حاجبيه متحدثاً بحدة: -انتِ عارفة انتِ بتقولي ايه؟
أبعدت عينيها عنه ولم تجبه. فزفر هو بغضب، ثم حاول استعادة هدوئه وهتف بنبرة لم تخلو من الحدة: -أنا مش عارف انتِ متمسكة بيا كده ليه، بس عايزك تعرفي إنك بالنسبالي بنت عمتي وبس. ونظرتي ليكي مش هتتغير خالص، ولا هعتبرك حبيبة، ولا هقدر أفكر مجرد تفكير إني اتجوزك! شعرت بكلماته تصيبها بشدة. وقبل أن تتفوه بحرف واحد دفاعاً عن نفسها، سبقها هو مردفاً:
-حافظي على حبك للي يستاهلك يا بثينة، وانسيني. وبلاش تمشي ورا كلام عمتي. عمتي دايماً بتحب كل حاجة تقولها تحصل، ومش هتفكر إنها كده بتكون سبب في إهانة كرامتك. أخفضت رأسها وهي تشعر بأنه يهدم فرصها للحصول عليه بكلامه هذا. ورغم عدم اقتناعها تماماً بما قاله، إلا أنها وقفت ثانية وتمتمت قبل أن تغادر: -تمام. أنا آسفة على إزعاجي ليك، وأوعدك إني هنساك ومش هفكر أقرب منك خالص بعد كده. ***
أفاقت من شرودها بالماضي عندما وجدت نفسها تقف أمام خالها وعائلته الكبيرة بعد أن دخلت القصر صحبة ابنتها. وقعت عينها عليه وهو يقف بعيداً ويشيح بوجهه عنها، شاعراً بالضجر لوجودها. لم تره منذ ذلك اليوم سوى في حفل زفافها من ابن صديق والدها، والذي قبلت به دون تفكير رغم رفض والدتها، محاولة أن تنساه به. وللحق، فإن زوجها نجح وبجدارة في أخذ عقلها وتفكيرها، وكذلك قلبها. لكن القدر أصر على معاقبتها بمرضه، وها هي الآن مضطرة للسفر معه بحثاً عن علاج له، وترك ابنتها الواقفة بجوارها بين عائلة خالها.
بدأ الجميع بالترحيب بها، لكنه كان ترحيباً بارداً كما توقعت. انتهى برؤيتها لرسلان الذي ألقى عليها السلام بجمود، ثم ابتعد ليشير إلى فتاتين لم يسبق لها رؤيتهما لتتبعاه إلى خارج القصر.
عضت على شفتيها بندم وهي تذكر معاملتها السيئة معه منذ علمت عن طريق الصدفة بأنه ابن غير شرعي. هي الآن نادمة على أشياء كثيرة فعلتها، قالتها أو شعرت بها بسبب طيشها عندما كانت لا تزال شابة. والآن خوفها الأكبر من أن تكون ابنتها بذات طيشها، فقد لاحظت أنها تشبهها كثيراً في التصرفات. لكنها وعدت نفسها بأنها ستهتم بذلك الأمر عندما تعود، فقط من السفر. ***
دخلت معهما تلك المكتبة الكبيرة بصمت، وهي ترى حماس مريم الذي ظهر في عينيها فور رؤيتها لكمية تلك الكتب الموجودة بها. وبدون شعور منها، سحبت يد بدور وتعمقت داخلها بسرعة، تاركة رسلان ينتظرهما عند المدخل. توقفت بعد ثوانٍ عند الرفوف التي تحمل الكتب ذات التصنيفات المفضلة لديها، تحت استغراب بدور منها. التفتت إليها مريم أخيراً لتلاحظ استغرابها ويدها التي لا تزال تمسك بها، فسحبتها بسرعة متمتمة ببسمة صغيرة واعتذار:
-أنا آسفة. أنا ببقى تلقائية لما أكون مبسوطة، عشان كده سحبتك معايا من غير ما آخد بالي. هزت بدور رأسها وما زالت على استغرابها من لطف مريم المفاجئ، لكنها اختارت إلتزام الصمت وظلت تتابعها وهي تمسك بالكتب بحماس وتقلبها بين يديها. ثم تحدثت أخيراً: -هو انتِ بتقري إيه بالظبط؟ التفتت إليها مريم بانتباه وقالت: -يعني التصنيفات اللي بقراها؟ -اها؟ -بقرا رومانسي، فانتازيا، خيال علمي، وساعات بقرا رعب. -وبتستفيدي منها إيه؟
تفاجأت مريم من سؤالها، لكنها أجابت ببساطة: -هما فيهم حاجات كتيرة ممكن تستفيدي منها، بس أنا بصراحة بقراهم للمتعة. أومأت بدور برأسها، ثم أردفت بتردد: -طب بما إنك بتقري رومانسي كتير، يعني انتِ.. خبيرة في أمور الحب وكده، صح؟ رمقتها مريم بتعجب، ولكنها رغم عدم خبرتها، إلا أنها فعلت معها كما فعلت مع رسلان، وادعت الخبرة وهي تومئ برأسها بغرور وتقول:
-أيوه، أنا خبيرة طبعاً. لو عايزة تستشيري حد في الأمور دي، فانتِ وصلتي للشخص الصح! أخفضت بدور رأسها بتفكير، ثم رفعته قائلة بهمس: -طب أوعديني الأول إن اللي هنتكلم فيه هيفضل سر بيننا. -أوعدك. أخذت بدور نفساً عميقاً، ثم قالت:
-أنا مش عارفة أحدد مشاعري ناحية رسلان. أنا متعلقة بيه، وده اللي أنا متأكدة منه، بس مش قادرة أتخيل إني مراته. لما كنت عايشة مع خالي، كنت دايماً بتمنى يبقى عندي إخوات ولاد عشان يحموني منه. وفرحت أوي لما أمنيتي اللي كنت فاكرة إنها مستحيلة اتحققت. وأول ما شفت رسلان، حبيته كأخ ليا، وحتى بعد ما عرفت الحقيقة، فضلت نظرتي ليه هي نفسها. سكتت لتأخذ نفسها، ثم تابعت:
-بس ساعات بحس برضه إني بحبه حب تاني، بس في نفس الوقت مش عايزة أوافق عليه وأخسره كأخ شبه اللي اتمنيته. انتِ فاهمني؟ نطقت بكلماتها الأخيرة بحيرة، فأومأت مريم بتفهم مصطنع، رغم أنها لم تفهم شيئاً من كلام بدور الذي كان معقداً بالنسبة لها. إلا أنها وجدتها فرصة مناسبة لتقنعها بالموافقة، فتحدثت متصنعة الحكمة التي لم تلق بها:
-أولاً، هو صحيح إن أبوكِ وإخواتك المفروض يكونوا سندك في الدنيا، بس انتِ في الآخر هتتجوزي وتسيبيهم، وهيبقى جوزك هو سندك بعدهم. يعني لو خسرتِ رسلان كأخ، هتكسبيه كزوج. بس لو متجوزتيهوش، أكيد هو مش هيوقف حياته عليكِ، وهيتجوز واحدة تانية، وهيبقى مهتم بيها أكتر منك. تخيلي كده هيتجوز واحدة تانية!
لم تستطع بدور تخيل ذلك، ولم تحاول أصلاً. فقد صبت كل تركيزها على جملة مريم "أكيد هو مش هيوقف حياته عليكِ وهيتجوز واحدة تانية". ولا تدري لماذا شعرت بألم في قلبها عند تفكيرها بأنه سيتخلى عن فكرة الزواج بها إن رفضته، ولن يبقى متمسكاً بها. لاحظت مريم شرودها، فظنت أنها تتخيل الأمر كما أخبرتها. لكنها تفاجأت بها تبتسم لها بعد ثوانٍ قائلة:
-خلاص يا مريم، شكراً ليكي. وآسفة على كل حاجة عملتها معاكِ من أول ما شفتك. انتِ طلعتِ طيبة خالص! ابتسمت مريم هي الأخرى وهتفت بمرح: -خلاص مش مشكلة، سماح المرادي! *** "هناء رجعت خلاص، متقلقيش." أرسلت تلك الرسالة إلى بدور حتى لا تقلق، ثم التفتت إلى ابنة خالتها وأختها الوحيدة لتجدها تنظر أمامها بشرود. ابتسمت لها بحنان وجلست بجوارها هاتفة بمحاولة للتخفيف عنها: -القمر زعلان ليه؟ انتبهت إليها دينا وأجابت بحزن:
-هكون زعلانة ليه يعني؟ مانتِ شايفة حالتي! أنا مش فاكرة حاجة يا دينا، ولا حتى فاكراكِ، أو فاكرة أي حاجة عديتها معاكِ! انعقد حاجبا دينا بحزن، فهي أيضاً تتألم لتلك الفكرة. لكنها حاولت أن تبعث الأمل في نفس هناء وفي نفسها هي أولاً، فقالت بثقة: -متقلقيش، إن شاء الله هترجعي تفتكري كل حاجة قريب. خالو بيقول إنه فقدان ذاكرة مؤقت. أخفضت هناء رأسها دون رد، وكادت تعود إلى شرودها لولا علا -والدة دينا
-التي دخلت الغرفة وهي تحمل طبقاً من الحلويات وقالت: -بصوا عملتلكم إيه! قالت تلك الكلمات وهي تضع الطبق على حجر هناء، فهتفت دينا بمرح: -اتعودي على الحاجات دي كل يوم عشان ماما بتحب تعملها دايماً لدرجة إنها كانت عايزة تشتغل في محل حلويات، بس بابا الله يرحمه كان رافض إنها تشتغل. رمقتها علا ببرود ولم تعلق. فأردفت دينا باستفزاز لم تقصده: -بصراحة مش عارفة إزاي اتقبلت رفضه بسرعة. أنا لما أتجوز مش هسيب جوزي يقولي لأ، ولو ح...
قاطعتها علا بسخرية: -وانتِ هتتجوزي إزاي وانتِ كل ما يجيلك عريس ترفضيه بسبب ومن غير سبب؟ ده حتى يامن الولد الحليوة رفضته مرتين مع إنه شاريها وكمان محترم وعنده فلوس، يعني كان هيعيشها في جنة. بس نقول إيه بس على البت اللي مش بتقدر النعمة دي! قالت كلماتها الأخيرة وهي تخرج من الغرفة وتضرب كفيها ببعضهما بحسرة. بينما لوت دينا شفتيها بضيق وتمتمت وهي تذكر اختطافه لها: -لا محترم أوي! تطلعت هناء إلى دينا باستغراب وتساءلت
بعد تأكدها من خروج علا: -معلش بس هو مين يامن ده؟ أجابت دينا وهي تشير بيدها إلى مكان عشوائي: -ابن عم صاحبتي اللي ساكنين هنا جنبنا. مش عارفة هو يعرفني إزاي، بس بعد ما شفته أول مرة لقيته جه وخطبني، بس أنا رفضت. -وترفضتِ ليه؟ هزت دينا كتفيها مجيبة ببساطة: -مش عايزاه. -بس على حسب كلام خالتو علا، هو خطبك مرتين وشاريِك صح؟ أومأت دينا برأسها، ثم أردفت: -بس أنا مش بحبه! نظرت هناء إليها بتتمعن، ثم قالت: -انتِ بتحبي واحد تاني؟
نظرت إليها دينا بصدمة، لكنها أومأت برأسها، ثم تساءلت: -عرفتي إزاي؟ رفعت هناء كتفيها قائلة: -توقع مش أكتر. بس هو مين الولد اللي بتحبيه ده؟ -واحد كان زميلي في الثانوية. -يعني انتِ بتحبيه من الثانوي؟ تساءلت هناء بدهشة، فأومأت دينا بإيجاب، وأردفت: -أيوه، ومن أولى ثانوي كمان. وهو برضه كان دايماً بيلمحلي إنه بيحبني، بس من أول ما دخلت الجامعة مشفتوش. -طب حبيتيه ليه؟ أجابت دينا بعد تفكير:
-شخصيته جذبتني. تحسي إن عنده كاريزما، وفي نفس الوقت فرفوش والكل بيحبه! أومأت هناء بتفهم، ثم فاجأتها بسؤالها التالي بعد ثانيتين من الصمت: -أفهم من كلامك إنه لو مظهرش في حياتك، هتفضلي ترفضي العرسان اللي بتجيلك لحد ما تعنسي؟ *** -هروح عند دينا الأول لما نرجع عشان أطمن على هناء. إيه رأيك تروحي معايا يا مريم؟
قالتها بدور التي تجلس بجانب مريم بسيارة رسلان في الخلف، فأومأت مريم موافقة وهي تحاول كتم ضحكاتها على نظرات رسلان الحانقة لهما بسبب إصرارهما على عدم جلوس إحداهما بالمقعد الأمامي ليأخذا راحتهما بالحديث، فبدا وكأنه سائقهما الخاص.
لم تنتبه بدور إلى نظراته أو ضيقه، وسكتت ناظرة إلى الطريق عبر النافذة، حتى بدأت تشرد في حياتها التي تغيرت فور ظهور أبيها واختفاء خالها منها. والقصة التي سمعتها من والدها، والتي تشعر أن وراءها قصة أخرى، فهي متأكدة أن والدتها لم تتزوجه انتقاماً لأخيها كما أخبرها. وما سيساعدها على معرفة الحقيقة الكاملة هو... انتفضت من مكانها فجأة، جاذبة انتباه كل من رسلان ومريم، وتساءلت موجهة سؤالها إلى رسلان:
-انت عملت إيه في حكاية الست اللي شبه ماما اللي شفتها في المول؟ نظر إليها رسلان من خلال مرآة السيارة مجيباً بهدوء: -عرفت أوصل للمكان اللي هي ساكنة فيه، بس لسه مشفتهاش. هروح بكرة. قاطعته بدور صائحة بلهفة: -هروح معاك! سكت رسلان وحول نظره إلى الطريق دون أن يجيب. وكانت هي تنتظر إجابته بلهفة، حتى قال أخيراً: -هفكر. ***
جلست بجوار ابنتها وخالها حول مائدة الطعام بعد إصراره على تناول الغداء معهم أولاً ثم المغادرة لتجهز نفسها للسفر. انتبه عبد الرحمن إلى غياب عائشة وياسين، فتساءل باستغراب: -امال عائشة وياسين فين؟ هز الجميع أكتافهم بجهل، وأردف أكرم وهو يبحث عن بدور ورسلان: -بدور ورسلان كمان مختفيين. -رسلان أخد مريم وبدور معاه وقالي إنهم هيتغدوا برا، بس ياسين مقاليش حاجة.
وفور انتهاء عبد الرحمن من إلقاء كلماته، دخلت عائشة بهدوء وألقت التحية ثم جلست بجوار خالد ونظرت إليه نظرة فهم معناها، فأومأ برأسه ثم وقف وتحدث مخاطباً عبد الرحمن: -أنا هروح أجيب ياسين وأجي، مش هتأخر يا جدو.
عقد عبد الرحمن حاجبيه باستغراب، وقبل أن يسأل عما حدث، وجد خالد يخرج من غرفة الطعام سريعاً ومعه عائشة، فشعر بالقلق على حفيده ولم يستطع أن يمد يديه إلى الطعام من قلقه. لكنه ابتسم عندما عاد خالد بعد دقيقتين ومعه ياسين وعائشة، وخلفهم آخر شخص توقعوا قدومه، شخص جعل عيني محمد تجحظان وهو يهمس: -يمنى؟ ابتسمت يمنى وهي تنظر إلى عبد الرحمن قائلة: -إيه يا عمي، هو أنا مش مرحب بيا هنا، والا إيه؟ نظر إليها عبد الرحمن بغموض، ثم
هتف وهو يشير لها بالجلوس: -لا إزاي يا بنتي، اتفضلي. حولت أنظارها على جميع من بالغرفة، وخاصة بثينة التي حاولت تجنبها قدر المستطاع باستغراب من تواجدها هنا. جلس كل واحد بمكانه، وجلست يمنى بجوار عائشة، ثم بدأوا في تناول الطعام في جو ساده التوتر بسبب ظهور طليقة محمد فجأة، وتحديداً في نفس الوقت الذي حضرت فيه بثينة.
ومن جهة أخرى، كان هو ينظر إلى طبقه بتشتت ولم يأكل منه شيئاً. لم يرها منذ فترة طويلة، فقد كان يتجنب مقابلتها ولو صدفة حتى لا يضعف أمام مشاعره ناحيتها والتي بقيت مخلصة لها طوال هذه السنين. وظهورها أمامه بعد كل هذه المدة شقلب كيانه، وحرك مشاعره التي كانت في سبات عميق بسبب غيابها الطويل.
لعنها في سره بسبب ما فعله ظهورها به في لحظة، غير مدرك لحالتها التي لم تكن أفضل من حالته. فهي أيضاً تشتاق إليه، ورغم زواجها من آخر، إلا أنها ما زالت تحتفظ بمشاعرها ناحيته، وكان قرار ظهورها هذا نابعاً من غيرتها التي لم تنتهِ عليه، مِن هذه التي تدعى.. بثينة!
حولت أنظارها إلى هذه المرأة التي كانت قبل سنوات شابة صغيرة تتدلل على حبيبها. وعندما علمت بقدومها الآن، لم تستطع منع نفسها من المجيء لتضع لها حداً إن حاولت التقرب إليه ثانية. لكنها كانت تبدو هادئة ولا يظهر بأنها تنوي على شيء، على عكس ابنتها التي لاحظت يمنى نظرات الإعجاب التي كانت توزعها على شباب العائلة، بما فيهم خالد وعدي وكذلك ياسين!
بعد انتهائهم من تناول الغداء، اختفى محمد من بينهم تماماً تجنباً لمواجهتها. وجلست يمنى مع ابنتها حيث الجميع، وهي سعيدة لترحيبهم بها متناسين ما حصل سابقاً. إلى أن جاء موعد ذهاب بثينة، والتي ودعت الجميع حتى ابنتها، ثم خرجت من بوابة القصر. لكن صوت يمنى التي تبعتها أوقفها: -استني. استدارت إليها بثينة بهدوء، ثم قالت بابتسامة:
-مش عارفة انتِ هنا ليه، بس واضح إنك لسه بتغيري على محمد مني حتى بعد انفصالكم، بس متقلقيش، أنا مبقتش بحبه ولا بفكر في... قاطعتها يمنى قائلة بحدة رغم الراحة التي سيطرت عليها عند سماعها لكلماتها: -أنا مش جاية عشان كده، لأن مبقاش في حاجة بيني وبين محمد. أنا بس جاية أقولك إني مش هسكت لبنتك لو فكرت تلف حوالين أولادي، والا جوز بنتي، زي ما مسكتلكيش زمان.
تجاهلتها بثينة وهي تتابع طريقها، لكنها في الحقيقة كانت قلقة وخائفة من أفعال ابنتها. بينما استدارت يمنى إلى خالد الذي خرج خلفها وهمست له بهدوء: -روحني دلوقتي يابني. ***
وقف بسيارته أمام منزل دينا لتنزل منها بدور ومريم بعد أن قضوا كامل اليوم خارج القصر. فقد أخذهم بعد ذهاب مريم إلى المكتبة إلى مطعم فاخر لتناول الغداء، ثم إلى البحر. ولا ينكر أنه ورغم عدم حبه للخروج، شعر بالسعادة لرؤية فرحتها ولتواجدها تحت أنظاره طوال الوقت. لكن الرحلة انتهت وعاد هو إلى القصر، تاركاً إياها مع مريم عند صديقتها.
دخلت الفتاتان المنزل بعد أن فتحت لهما علا الباب وأوصلتهما إلى غرفة هناء حيث تجلس هناك رفقة دينا. وفور وقوع عين بدور عليها، ركضت نحوها وهتفت بلهفة: -كنتِ فين يا هناء؟ دينا قالت لي إنك كنتِ مختفية، انتِ كويسة؟ نظرت إليها هناء باستغراب، ثم حولت أنظارها إلى دينا التي تنحنحت قبل أن تلقي عليهم ذلك الخبر: -هناء فقدت الذاكرة يا بدور. رفعت بدور رأسها إلى دينا وطالعتها بصدمة، بينما همست مريم بعدم تصديق: -فقدت الذاكرة؟
إزاي وايه اللي حصل؟ رفعت دينا كتفيها بجهل، ثم قالت مخاطبة هناء وهي تشير إلى بدور: -دي صاحبتي اللي حكيت لك عنها، واللي جنبها دي أخت ابن مرات أبوها الأولى في الرضاعة. أفاقت بدور من صدمتها، ثم خاطبت هناء ثانية بتساؤل: -يعني بجد انتِ مش فكراني؟ أومأت هناء برأسها وبدأ الضيق بالظهور على ملامحها. فحاولت دينا تغيير الموضوع قائلة بمرح عندما لاحظت قبول مريم وبدور لبعضهما: -إيه ده، هو انتوا اتصلحتوا أخيراً؟
نظرت بدور إلى مريم، ثم ابتسمت وأومأت برأسها، فتنهدت دينا بارتياح، ثم أشارت لهما بالجلوس على السرير قائلة: -اتفضلوا اقعدوا، انتوا لسه واقفين ليه؟ جلست كلتاهما ملبيتين دعوتها، ثم بدأت دينا الحديث قائلة بعد أن لاحظت احمرار وجنتيهما دلالة على تعرضهما لأشعة الشمس لفترة: -هو انتوا كنتوا فين؟ -كنا بنتفسح مع رسلان، وأبشرك، بدور قررت إنها هتوافق عليه خلاص! قالتها مريم بحماس، فصححت بدور قائلة:
-أنا لسه بفكر ومخدتش قرار على فكرة! نظرت إليهم هناء بعدم فهم، فإنتبهت إليها دينا وشرحت لها بهمس: -رسلان اللي هو ابن مرات أبوها الأولى خطبها من أسبوع كده، وهي لحد دلوقتي مش عارفة توافق ولا لأ. أومأت هناء بتفهم، ثم التفتت إلى بدور وتحدثت مخاطبة إياها: -وانتِ مش موافقة ليه؟ انتِ برضه بتحبي حد تاني؟ نفت بدور برأسها، بينما تمتمت مريم باستغراب: -برضه؟ ثم استدارت إلى دينا وأردفت بتوقع:
-لا تكوني انتِ بتحبي واحد تاني وعشان كده رافضة يامن؟ سكتت دينا ولم تجبها، لكن هناء التي أومأت برأسها أكدت لها توقعاتها، فتساءلت مخاطبة دينا: -ويبقى مين حبيب القلب اللي رافضة ابننا عشانه؟ تضايقت دينا وهي تشعر بالسخرية التي غلفت نبرة مريم، لكنها أخبرتها بما أخبرت به هناء قبل قليل. وعند انتهائها هتفت مريم بحكمة:
-على فكرة، ده ممكن يكون بيلعب عليكِ، وحتى لو كان بيحبك بجد، ممكن تكوني بالنسباله مجرد حب مراهقة، وتلاقيه دلوقتي نسيكِ. والمفروض إنك كواحدة عاقلة متضيعيش العريس المناسب اللي بين إيديكِ عشان أمل ممكن يتبخر في لحظة لو عرفتِ مثلاً إنه متجوز. أخفضت دينا رأسها متمتمة بصوت منخفض قليلاً لكنه وصل إلى مسامعهم: -بس أنا مش هعرف أنساه وأحب يامن، ومش عايزة أظلمه معايا! -بس انتِ مش مدياه فرصة أصلاً عشان يخليكِ تحبيه.
قالتها بدور باندفاع وشفقة على حالة ابن عمها، لكن مريم قاطعتها بهدوء: -على فكرة، انتِ لو حاولتِ تنسي الواد ده وبطلتي تتابعي أخباره وصوره على السوشيال ميديا، هتنسيه بسهولة. رفعت دينا رأسها إليها وتساءلت بتعجب: -عرفتي إزاي إني لسه بتابعه؟ تجاهلت مريم سؤالها وتابعت:
-انتِ مش بتحبيه أصلاً، انتِ موهمة نفسك إنك بتحبيه. حصلت معايا قبل كده لما كنت معجبة بصاحب أخويا لما كنت في تالتة إعدادي، ولما قولت لصاحبتي إني بحبه، قالت لي إنه مجرد إعجاب مش حب، وإني هنساه بسرعة. بس أنا فضلت معجبة بيه لمدة سنتين تقريباً لحد ما اكتشفت إني مش بحبه فعلاً وإني كنت موهمة نفسي إني بحبه عناداً في صاحبتي مش أكتر. شردت دينا في حديثها قليلاً حتى أفاقها صوت بدور التي أردفت: -انتِ مش عايزة تعرفي يامن عرفك إزاي؟
تساءلت دينا بفضول: -إزاي؟ -لا ماهو مش أنا اللي هقولك. لو عايزة تعرفي، اسأليه هو في الرؤية الشرعية. ثم أضافت بحماس: -هاا؟ أقوله إنك موافقة؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!