الفصل 2 | من 31 فصل

رواية اسرار عائلتي الفصل الثاني 2 - بقلم اروى مراد

المشاهدات
22
كلمة
2,069
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

أخذت حمامًا منعشًا وأطالت فيه على غير عادتها. خرجت أخيرًا وهي تلف المنشفة حول جسدها، فسمعت طرقات قوية على الباب. اقتربت منه وقالت بصوت عالٍ: -مين؟ لم يجبها أحد وتواصلت الطرقات، فشعرت بالغضب وتجاهلته متجهة لخزانة ملابسها لتبحث عما سترتديه، لكنها تفاجأت بصوت الباب يفتح وصوت رجولي خلفه يقول ببرود: -يعني هنستنى جلالتك كتير عشان تيجي تتغدي، ونستنى كتير برضه عشان تفتحي الباب؟

التفتت إليه بسرعة فوجدته رسلان، أكبر إخوتها. شعرت بالخجل لرؤيته لها هكذا، فدخلت الخزانة واختبأت وسط ملابسها وقالت بإحراج: -كان المفروض تقولي إنك إنت عشان أرد عليك. وضع يديه في جيب سرواله وقال بسخرية: -وإيه الفرق بيني وبين أي حد تاني؟ لم تجبه، فأضاف ببرود وهو يخرج ويغلق الباب خلفه: -على العموم، أتمنى تخلصي بسرعة وتنزلي لأني جعان والكل مستنيكي من ساعة عشان نتغدى مع بعض.

أغلق الباب بقوة، فخرجت من مخبئها وهي تشعر بالضيق من معاملة إخوتها الباردة لها، وخاصة رسلان. تأكدت من إقفال الباب ثم عادت لخزانتها واختارت بنطال جينز ممزق قليلًا عند الركبتين وبلوزة بيضاء اللون. جمعت شعرها الأسود الطويل بتسريحة ذيل الحصان، ثم وقفت أمام المرآة تأخذ نفسًا عميقًا وتحاول تشجيع نفسها بعد أن قررت العودة لشخصيتها المرحة التي تضعها قناعًا لإخفاء آلامها، والتي أحبها عليها جميع أصدقائها.

نزلت إلى الأسفل بخطوات متوترة. دخلت قاعة الطعام فوجدت الجميع متجمعًا حول الطاولة ويرمقونها بنظرات مريبة زادت من ارتباكها. جاهدت لرسم ابتسامة مرحة على وجهها، ثم جلست على كرسي شاغر بين والدها وشقيقها أمجد وهي تقول بمرح: -سوري على التأخير، بس أنا ضيفة هنا دلوقتي ومن حقي أتأخر، صح؟ ابتسم لها والدها وهو يمسح شعرها: -طبعًا يا بنتي، بس خليكي عارفة إنك مش ضيفة هنا، إنتي في بيتك.

ابتسمت له بحب، ثم جالت بنظرها على البقية. كانوا ينظرون لها ببرود وسخرية. بدأ شعور الخوف يتملكها من نظراتهم، فأخفضت رأسها وشرعت في الأكل بهدوء. قرب أمجد رأسه منها وهمس لها: -إنتي كويسة؟ نظرت إليه بتساؤل، فعلل: -جسمك بيرتعش. أحست بارتجاف جسدها، فنظرت إليه بخوف: -خايفة! -من إيه؟ -من العيشة بين كل الرجالة دول. ابتسم بمرح ليطمئنها: -متخافيش، مفيش حد بياكل لحم البشر هنا! ثم أضاف بجدية:

-إحنا في عيلتنا مفيش حد بيثق في أي حد بسهولة، بس لما يتعودوا عليكي هتلاحظي إنهم هيبقوا ناس تانية معاك. كان يحدثها بلطف ظنًا منه أنه سيطمئنها، لكنه بعث في قلبها الرعب أكثر. واصلت تناول غدائها بهدوء، لكن فضولها لمعرفة الكثير من الأمور عن هذه العائلة الغامضة تغلب على خوفها، فسألت جدها بصوت مسموع: -هي تيته فين يا جدو؟ أجابها بلا مبالاة: -ماتت.

حزنت قليلًا عليها، رغم أنها لم ترها من قبل إلا أنها جدتها. أعادت نظرها لجدها الذي كان يواصل تناول طعامه بلا مبالاة: -إنت مش زعلان عليها؟ -وإزعل ليه؟ ده قضاء الله وقدره! -عارفة، بس برضه أي حد لما يموتله حد بيحبه يزعل. نظر إليها باستنكار: -مين قالك إني بحبها؟ -امال اتجوزتها ليه؟ أجابها بابتسامة تحمل بعض البرود: -عشان تخلفلي ولاد!

نظرت إلى عينيه بخوف لتتأكد من أنها لم تسمع خطأ. أ هذا هو جدها الذي بدا لها طيبًا ومسالمًا للوهلة الأولى؟ بلعت ريقها ثم نظرت إلى عمها أحمد وهدأت قليلًا لتسأله: -وإنت يا عمي؟ تطلع إليها باستغراب: -إيه؟ -مراتك فين؟ أجاب ببرود: -انتحرت! توسعت عيناها بصدمة، لكنها سرعان ما استوعبت ما قاله، فسألت بفضول أكثر وخوف: -ليه؟ -لأنها زهقت من العيشة بين عيلة كلها رجالة. فتحت فمها بصدمة أكبر، فواصل بمرح:

-فكك منها، دي مريضة نفسيًا، أوعي تعملي زيها. بلعت ريقها بخوف من أن يكون تفكيره كتفكير جدها: -إنت برضه محبتهاش؟ أجاب بسخرية: -حب إيه اللي بتتكلمي عنه يا بنتي؟ الكلمة دي مش موجودة في قاموس عيلة العمري، الستات بالنسبالنا مجرد وسيلة للخلفة وشغل البيت بس. وقفت من مكانها وصرخت بغضب: -إنت إزاي تسمح لنفسك إنك تهيننا بالطريقة دي! إنتو لسه عايشين في عصر الجاهلية ولا إيه؟

إحنا بشر زينا زيكم ولينا حقوق زي ما ليكم حقوقكم والمفروض تحترموا ده! انطلقت الضحكات من أفواه الجميع، فشعرت بارتجاف جسدها ثانية من الخوف. داهمت الأفكار عقلها إلى أن وصلت لفكرة جعلتها تجن وتصيح بدون تفكير: -إنتو بتقتلوا بناتكم؟! عشان كده مفيش بنات غيري في العيلة؟ ابتسم لها أحمد ابتسامة مرعبة: -بالظبط!

نظرت إليه برعب حقيقي. أغمضت عينيها وتخيلت للحظة أنهم يتحولون إلى مصاصي دماء. اقترب منها عمها وأمسك بذراعها وقرب فمه من رقبتها، وبدون سابق إنذار، غرس أسنانه بها ليمتص دمها، فصرخت صرخة هزت أركان القصر وفتحت عينيها وهي تجاهد لتلتقط أنفاسها. ارتاحت قليلًا عندما وجدت الجميع يجلس بمكانه وينظر إليها بتعجب، وأمجد يقف أمامها يمسك ذراعها بيد ويضع كفه الأخرى على كتفها قائلًا: -مالك يا حبيبتي؟ اهدي، عمي بيهزر معاكي.

وضعت يدها على موضع قلبها محاولة تهدئته وهي تزفر بارتياح: -كنت هموت من الخوف! إنتو بجد مرعبين! أضافت بعد أن عادت للجلوس في مكانها وهي تنظر إلى أحمد: -مش هلوم مراتك لأنها انتحرت بسببكم. سكتت قليلًا تسترد شجاعتها لتواصل التحقيق موجهة كلامها لعمها محمد: -وإنت يا عمي؟ مراتك ماتت برضه؟ أجاب ببرود: -معرفش. عقدت حاجبيها باستغراب وصبرها يكاد ينفذ من هذه العائلة الغريبة الأطوار، لكنها واصلت التحقيق: -يعني إيه متعرفش؟

حصل إيه في آخر مرة شفتها فيها؟ -طلقتها. -ليه؟ أجاب بملل: -زهقت منها. توسعت عيناها بصدمة ثم أخفضت رأسها بخوف من مستقبلها المجهول في هذه العائلة. تمنت لو أن كل هذه الأحداث هي مجرد كابوس ستستيقظ منه قريبًا، لكن متى؟ أفاقها من شرودها صوت عمها أحمد: -بس إنتي بتجيبي التفاهات دي منين؟ نظرت إليه باستفسار: -إنهي تفاهات؟ -قصدي كلامك عن الحب، متقوليليش إنك من النوع التافه اللي بيتفرج على المسلسلات والأفلام الرومانسية؟

حركت رأسها يمينًا وشمالًا دليلًا على النفي: -لا، أنا مبحبش تصنيف الرومانسية، بحب الرعب والخيال بس. وقف شقيقها آدم فجأة: -بتحبي الرعب؟ هزت رأسها إيجابًا باستغراب، فقفز من مكانه واتجه إليها ليعانقها من الخلف قائلًا بسعادة: -ومقولتيش من الأول ليه؟ ده إحنا هنبقى صحاب أوي. ابتسمت بفرحة: -لو كنت عارفة إنك بتحبه برضه كنت قلتلك. اقترب ليهمس في أذنها: -طيب إيه رأيك تيجي الليلة أوضتي عشان نتفرج على فيلم سوا؟ ابتسمت بخجل

شديد لعدم اعتيادها عليهم: -إتفقنا. بينما ابتسم أمجد بقلة حيلة متمتمًا: -مش هيتغير! بعد انتهاء الغداء، صعدت إلى غرفتها لتنال قسطًا من الراحة، لكن نغمة الهاتف التي نبأتها بوصول اتصال لها من صديقتها المقربة حال بينها وبين النوم. فتحت الخط فأنفجرت فيها الأخرى بالأسئلة بنبرة قلقة: -إنتي فين؟ مكلمتنيش ليه؟ مش اتفقنا نتقابل النهاردة؟ خالك عملك حاجة؟ إنتي كويسة؟ مش بتردي على الفون لييي... قاطعتها بدور بضحكة:

-اهدي يا إيلين، أنا كويسة والله ومش هتصدقي اللي حصل! هدأت إيلين عند سماعها نبرة بدور ثم تساءلت بفضول: -حصل إيه؟ أخبرتها بكل ما حدث من الألف إلى الياء وبكل التفاصيل الصغيرة، ففتحت إيلين فمها بصدمة: -احلفي يا بت! كل ده حصل النهاردة؟ -أقسم لك إني بكلمك دلوقتي وأنا في الأوضة دي، عايزاني أصورهالك عشان تتأكدي؟ -لا لا، استني أنا جايلك دلوقتي عشان أتأكد بنفسي، ابعتيلي العنوان. صرخت فيها بخوف: -إنتي اتجننتي؟

قلتلك إنهم بيكرهوا الستات، وأنا من أول يوم ليا هنا أجيب بنت للقصر؟ -القصر ده من حقك برضه، مش إنتي منهم؟ -أيوه بس... قاطعتها بحزم: -يبقى ابعتي العنوان فورًا. أقفلت الخط فأرسلت لها بدور عنوان القصر، ثم نزلت لتنتظرها في قاعة الجلوس، والتي كان يجلس بها والدها وأعمامها. فركت يديها بتوتر: -بـ... بابا... ابتسم لها بحنان ليطمئنها: -نعم يا حبيبتي؟ أغمضت عينيها بخوف من ردة فعلهم: -صاحبتي عايزة تيجي عشان تطمن عليا. فتحت

عينيها وواصلت بارتباك: -ينفع تيجي هنا لو مفيش مانع؟ -مفيش مانع طبعًا. تطلعت إلى عينيه لتتأكد من موافقته، فواصل بتحذير: -بس حاولي متخليهاش تحتك بأي حد من إخواتك أو أولاد عمك. هزت رأسها إيجابًا بفرحة: -أوك، متقلقش! وصلتها رسالة من إيلين بعد وقت قصير تخبرها فيها أنها واقفة أمام البوابة الخارجية للقصر. خرجت إليها لتجدها تنظر إلى القصر بذهول. وضعت بدور يدها على كتفها، فعادت إيلين إلى أرض الواقع وتطلعت إلى صديقتها ثم

عانقتها بخوف أمومي ولهفة: -إنتي كويسة؟ حد فيهم عملك حاجة؟ إنتي قوللي مين وأنا هكسر راسه. أبعدتها عنها وهي تكتم ضحكاتها: -أنا كويسة يا إيلين والله، ما تقلقيش. ابتسمت براحة ثم قالت بمرح: -طيب هندخل ولا أروح بكرامتي أحسنلي؟ -لا طبعًا، اتفضلي. دخلت خلفها وهي تجول ببصرها حول الحديقة الكبيرة بإعجاب. وقفت بدور أمام المدخل ونظرت إليها بتحذير:

-بصي هحذرك من دلوقتي، حاولي متظهريش قدام حد من الشباب لأن راسك هيتفصل عن جسمك فورًا! ابتلعت ريقها بخوف: -هما مرعبين للدرجادي؟ هزت رأسها بتأكيد، فابتلعت الأخرى ريقها ثانية وواصلت التقدم معها بخوف إلى أن وصلا إلى الغرفة بسلام. دخلت وأغلقت الباب خلفها ثم تنفست الصعداء. أسرعت إيلين باستكشاف المكان ولم تقل دهشتها عن دهشة بدور حين رأته لأول مرة. فتحت الخزانة الكبيرة وتفاجأت مما رأت. التفتت إلى صديقتها بعينين واسعتين:

-بدور! قاطعتها بعد أن علمت ما تود قوله: -ممكن تلبسي أي لبس منهم طبعًا من غير ما تقولي، زي ما كنتي بتديني هدومك زمان. جرت إليها بفرحة وعانقتها في نفس اللحظة التي دلف فيها آدم قائلًا بسرعة: -بدور، إنتي في... قطع جملته عند رؤيته لإيلين التي ارتبكت ووقفت خلف صديقتها بخوف. دخل بغضب واقترب منهما قائلًا بزمجرة: -مين دي وبتعمل إيه هنا؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...