تحميل رواية «اسرار عائلتي» PDF
بقلم اروى مراد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ه؟ أنا هعيش بين كل دول؟ انت عايزني اعيش بين تسعة رجاله في بيت واحد؟؟ - دول أهلك ونص الرجاله الي بتتكلمي عنهم هما أخواتك!قالها والدها وهو ينظر إليها بتعب فصرخت به ثانية ودموعها بدأت تنهمر على وجنتيها: - وانت كنت فين كل السنين دول؟ ليه اخدتني دلوقتي بعد العذا*ب الي كنت بعيشه في بيت خالي؟إقترب منها ومسح دموعها بحنان: - صدقيني يا بنتي أنا مكدبتش عليك في حاجه، أنا مكنتش عارف انك عايشه اصلا! لما سبت مامتك وكنت هاخدك معايا هي وهمتني انك متي وانا صدقتها ومفكرتش في انها كدبت عليا عشان تخليكي معاها.إبتعدت...
رواية اسرار عائلتي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اروى مراد
شعرت بثقل في رأسها فجأة، حاوطته بيدها لكنها لم تستطع المقاومة فسقط رأسها على الطاولة وغابت عن الوعي.
ابتسم بخبث واقترب منها ثم حملها إلى الخارج دون أن يلقي بالا لمن في المقهى فقد كانوا ينظرون إليهما بلا مبالاة.
اتجه إلى إحدى السيارات وفتح الباب الخلفي ليضعها على المقعد ثم ركب مكان السائق وقاد السيارة إلى أن توقف أمام إحدى العمارات.
نزل منها وحملها ثانية ثم صعد إلى شقة شهدت الكثير من قذاراته ووضعها على سرير بغرفة النوم بعد أن تأكد من إقفال الباب بإحكام.
ارتسمت ابتسامة خبيثة على شفتيه وهو ينظر إلى ملامحها البريئة، جلس بجانبها وهو يحدثها بسخرية وكأنها تستمع إليه:
- قولتيلي انك مش هتقبلي بحد لمس وحدة غيرك صح؟
ابتعد عنها ثم خرج قليلا وعاد بآلة تصوير وضعها على التسريحة مردفا بابتسامته الخبيثة:
- طب ايه رايك بقى انك هتبقي وحدة مش هيقبل بيها أي راجل لأن في حد لمسها قبله؟
قام بتشغيل آلة التصوير تلك ثم واصل:
- واه على فكرة، انتِ بجد مش أول بنت المسها بجد، واول ما تصحي هوريكِ فيديوهات هتبهرك ومنهم الفيديو الي هنصوره مع بعض دلوقتي!
أنهى كلامه وهو يقترب منها ويبدأ في فتح أزرار قميصه، جلس بجانبها ثانية وهو يتأمل وجهها ويتابع حديثه:
- مكنتش هعمل كده صدقيني، أنا كنت هتجوزك بجد بس انتِ استفزيتيني.
امتدت يده إلى شعرها وقام بفكه ثم أخذ يلعب به بين يديه وهم بمتابعة كلامه ولكن رنين جرس منعه عن ذلك.
أطلق شتيمة من بين شفتيه بصوت عال ثم خطف نظرة نحو بدور قبل أن يتحرك متجها ناحية الباب، نظر عبر العين السحرية فوجد دينا تقف عنده وترن الجرس بإستمرار، علم أنها كانت تتبعه لكنه لم يشغل باله بها وهم بالعودة إلى غرفة النوم لولا شعوره بضربة قوية على رأسه أسقطته أرضا.
صرخ بقوة وهو يضع يده على رأسه ثم التفت ليرى الفاعل فتفاجأ ببدور وهي تقف أمامه بملامح كارهة وتمسك بيدها آلة التصوير التي كسر جزء منها نتيجة ضربها له بها، همس بعدم تصديق:
- بدور؟ ا .. ازاي؟
صاحت هي في المقابل بغضب شديد:
- بقى مش مكفيك الي كنت هتعمله فيا لا وكمان عايز تصورني عشان تذلك او ممكن عشان تفضحني؟!
حاول النهوض لكنها سارعت بفتح الباب لتدخل من خلاله دينا وخلفها أمجد وللمفاجأة .. رسلان.
ابتلع ريقه وهو ينظر إلى الجسدين الضخمين الذين يقفان أمامه، حول أنظاره إلى دينا ورمقها بغضب صائحا:
- انتِ كدبتِ عليا وقولتيلي انك موافقة تساعديني!
هزت كتفيها قائلة بلا مبالاة:
- أنا اتفقت معاك اساعدك عشان تشرحلها سوء التفاهم أصلا مش عشان تعمل الي كنت هتعمله دلوقتي، بس برضه انت غبي لأنك صدقت اني ممكن اديلك صاحبتي على طبق من دهب بس أنا عارفة الأنواع دي كويس وكنت متأكدة من ان نيتك مش كويسة فاتفقت أنا وبدور نعمل خطة عشان نتأكد منها واتعاملنا معاك على أساس انها مش عارفة حاجة وقدرت تفهم انك كنت حاطط مخدر في العصير فوهمتك انها شربته واغمي عليها .. بس ايه رايك فينا؟
ختمت كلامها بغمزة وبسمة ساخرة فشتم كلتاهما بجرأة وصوت عال لكنه شعر إثر ذلك بأحد يلكمه بقوة على وجهه، التفت إليه بغضب وحاول الوقوف لكن رسلان لم يسمح له بذلك ولكمه ثانية ثم أمسك بفكه وحرك رأسه ليكون بمواجهته هامسا له بشر:
- عيلة العمري لا! أي حد هيقرب من عيلتي هيشوف مني حاجة مش هتعجبه خالص!
التفت إلى بدور وهو لا يزال يمسك بفك الآخر ويضغط عليه بقوة وسألها:
- عمل فيكِ ايه؟ لمسك؟
نفت برأسها سريعا مجيبة:
- لا، ملحقش!
عاد رسلان ينظر إليه بإحتقار ثم تركه قائلا:
- حظك بقى انك ملحقتش، لاني مكنتش هرحمك ابدا!
انتبه إلى أزرار قميصه المفتوحة فكور قبضته مستعدا للكمه ثانية لكن صوت أمجد أوقفه عن ذلك:
- خلاص يا رسلان سيبه، البوليس هيوصل دلوقتي.
ارتعش جسد نادر من الخوف عندما علم بقدوم الشرطة وإزداد ارتعاشه وهو يستمع إلى حديث بدور:
- هو قالي انه لمس اكتر من بنت قبل كده، احنا لازم نعرفهم بده!
تسارعت دقات قلبه من الخوف الشديد، ذلك الشعور الذي لم يفكر به وهو يستلذ بمعصية الله ويقوم بتلك الأفعال الدنيئة، عض على شفتيه بندم ولكن بما سينفع الندم الآن؟
دخل غرفة المكتب بعد أن تلقى الإذن بالدخول، وجد جده يجلس خلف المكتب كعادته ووالده أمامه، أغلق الباب واتجه للجلوس قبالة والده وأخفض رأسه وهو يفرك أصابعه محاولا البدء في الحديث.
رفع رأسه إلى جده بعد لحظات قائلا:
- براءة قالتلي انك عارف انها بنتي.
- طبعا عارف! بس انت فاكرني غبي ومش هفكر أعرف أصلها لأنها صغيرة!
أخفض أدهم رأسه ثانية ولم ينطق، تنهد أكرم ثم سأله وهو يطالعه بنظرات حادة:
- خبيتها علينا ليه؟ وأمها فين؟
ابتلع ريقه وحاول الحديث لكنه كان مترددا، سمع والده يواصل بنبرة لم تخلو من اللوم:
- جاوب يا أدهم! في حاجة كبيرة مخبيها صح؟ لانه لو مش كده مكنتش هتخبي.
أخذ نفسا عميقا ثم أجاب:
- لما عرفتنا حكايتك انت وخالي والسبب الي خلى ماما تسيبنا وتمشي دخلت في صدمة كبيرة، وعشان أطلع من الصدمة دي بقيت ... بشرب خمر!
أغمض عينيه بشدة وهو يواصل محاولا تجاهل الصدمة التي اعلت ملامحهما:
- مكنتش بعمل حاجة غير الشرب بس .. في مرة كنت سكران اوي وو ...
- وايه؟
قالها عبد الرحمان بقلق من الإجابة فتابع أدهم بنبرة تحمل الكثير من الندم:
- لما صحيت لقيت نفسي نايم في اوضة في شقة معرفهاش وجنبي بنت أول مرة أشوفها ومغمى عليها .. أخدتها للمستشفى عشان أعرف مالها والدكتور قالي انها .. اتعرضت للاغتصاب!
اتسعت أعينهما بصدمة كبيرة وهمس أكرم بدون وعي:
- اغتصبتها؟
تمتم بنبرة تكاد تكون باكية من شدة الندم:
- مكنتش واعي والله!
وضع أكرم رأسه بين يديه يحاول تخطي صدمة أن إبنه الذي ظن أنه رباه أفضل تربية يفعل شيئا كهذا، أغمض عينيه بخذلان ثم تنهد هامسا:
- كمل.
- بعد ما قفلت بق الدكتور من انه يبلغ استنيتها لحد ما تفوق بس للأسف كانت فقدت الذاكرة فاضطريت اسيبها عندي لحد ما اعرف عنها أي حاجة لحد ما عرفنا انها حامل.
- يعني بنتك بنت حرام؟
قالها جده بتساؤل فنفى برأسه مجيبا:
- لا .. يعني .. أنا كتبت عليها أول ما اتأكدت انها حامل مني.
- وهي فين دلوقتي؟
- ماتت بعد ما ولدت براءة على طول، وبعدها عرفت ان واحد من اصحابي هو الي رماها عليا غصب عنها لما كنت سكران، وهي .. بنت يتيمة ملهاش حد.
انتهى أدهم من كلامه ثم رفع رأسه إلى جده ليرى الجمود يغطي وجهه، حول أنظاره إلى والده فوجد دموعه متجمعة في عينيه ولكنها تأبى النزول، عض شفتيه وشعوره بالذنب قد سيطر عليه، حاول الحديث أو تبرير فعلته لكنه لم يستطع سوى أن يهمس:
- بابا أنا .. عارف اني غلطان بس ...
قاطعه أكرم بيده قائلا بوجع:
- ليه عملت كده؟ ازاي سمحت للشيطان بانه يوزك عشان تشرب القرف ده؟ هي دي تربيتي؟
أجاب بأسف:
- كنت عايز اهرب من الصدمة .. أنا آسف.
حدق به أكرم قليلا قبل أن يقف ويتجه نحو الباب للخروج. كاد يلحق بها إلا أن جده أوقفه قائلا:
- سيبه لوحده.
التفت إليه وأومأ برأسه ثم خرج هو الآخر للعودة إلى إبنته حتى لا يتركها لوحدها.
دخلت القصر وهي تتقدمهما بنية الصعود إلى غرفتها لكن يده التي سحبتها من يدها بقوة منعتها عن ذلك، التفتت إليه وسحبت يدها قائلة بتذمر:
- في ايه يا أمجد؟ سيب ايدي!
رمقها بحدة لم تعهدها منه وقال:
- انتِ ازاي تعملي الي عملتيه ده؟
- عملت ايه؟
تساءلت بإستغراب فردد بنفس الحدة:
- ازاي تعملي خطة زي كده من غير ما تعرفينا؟ افرضي لحق يعملك حاجة قبل ما نوصل!
هزت كتفيها مجيبة ببساطة:
- بس أنا كنت صاحية يعني مكنتش هسمحله يعمل حاجة ...
قاطعها بصراخ وعصبية لا تناسبه:
- بس كان ممكن نتأخر وهو يخدرك تاني بسهولة وياخد غرضه منك، معندكش عقل تفكري بيه؟ لا وكمان صاحبتك التانية كانت معاكِ ومشجعاكِ تعملي كده!
لوت شفتيها بتذمر قائلة وملامحها أصبحت تنذر بالبكاء:
- طيب انت بتزعقلي كده ليه؟
تدخل رسلان في تلك اللحظة بعد أن كان يراقبهما في صمت وحدثها بلطف:
- أمجد مكنش قاصد يزعقلك، هو بس خايف عليكِ وكلامه صح .. مكنش ينفع تعملي كده لوحدك من غير ما ترجعيلنا.
لانت ملامحها قليلا وطالعته ببعض الإعجاب ثم صاحت بمرح:
- اييه ده؟! مانت طلعت كيوت اهو امال عامل نفسك بارد طول الوقت ليه؟
نظر إليها بتعجب ثم إلى أمجد الذي إنفجر ضاحكا على كلامها فتنحنحت بدور مردفة:
- المهم، متقلقوش مش هعمل كده تاني ودلوقتي انا رايحة لاوضتي .. باي!
قالت كلمتها الأخيرة وهي ترفع يدها ثم ابتعدت عنهما وصعدت الدرج حتى وصلت إلى الطابق الثاني حيث غرفتها فتمتمت:
- هما مفكروش يعملوا اسانسير ليه؟ لازم أطلع اتنين وأربعين درجة يعني عشان اوصل لاوضتي وانزل اتنين وأربعين درجة تاني عشان اروح المطبخ مثلا؟ يعني لو قمت الصبح ونزلت اتنين وأربعين درجة عشان أفطر وأروح الجامعة ولما ارجع اطلع اتنين وأربعين درجة عشان اروح الاوضة وبعدها انزل اتنين وأربعين درجة عشان اقعد مع بابا مثلا وارجع اطلع اتنين وأربعين درجة عشان اتفرج على فيلم رعب لوحدي في الاوضة او مع أدم وبعدها انزل اتنين وأربعين درجة عشان اتعشى مع العيلة واخيرا اطلع اتنين وأربعين درجة عشان انام .. نضرب بقى اتنين وأربعين في تلاته النتيجة هتطلع ...
سكتت قليلا وهي تعد في عقلها قبل أن تصرخ فجأة:
- اييه ده! يعني أنا بطلع كل يوم مية وستة وعشرين درجة وبنزل مية وستة وعشرين درجة برضه!
عقدت ساعديها أمام صدرها وضيقت عينيها بتفكير متمتمة بمكر:
- لا كده مش هينفع، أنا هخليهم يعملوا اسانسير في القصر، مش أنا تبع العيلة برضه؟
- حقك طبعا!
التفتت إلى مصدر الصوت لتجده أمجد ومعه رسلان ويقفان خلفها فتساءلت بإحراج:
- هو .. هو انتو هنا من امتى؟
أجابها بضحكة:
- من أول ما بدأتِ تكلمي نفسك، هو انتِ كنتِ بتعدي الدرجات وانتِ طالعة؟
ابتسمت بغباء ثم نظرت إلى رسلان الذي بادلها نظرة لا مبالية ثم أكمل طريقه متجها إلى غرفته، نظرت إلى إثره ثم التفتت إلى أمجد قائلة بتعجب:
- ماله ده؟ مش كان كيوت من شوية؟
ضحك بشدة ثم أجاب:
- مانتِ عشان قولتيله كيوت اتحول تاني.
سكت لبرهة قبل أن يردف ببسمة:
- بس طريقة كلامه معاكِ قبل شوية تأكد انه اتقبلك بسرعة.
ابتسمت بإتساع وحركت شعرها للخلف بظاهر يدها قائلة بغرور مصطنع:
- طبعا هيتقبلني بسرعة، أنا مش أي حد برضه، أنا بدور العمري لو مش عارف!
- لا عارف طبعا!
قالها بسخرية وهو يدخل غرفته فتحركت هي الأخرى لكنها توقفت وهي تستمع إلى صوت بكاء صادر من غرفة والدها، وقفت أمام الباب وألصقت أذنها به وهي تستمع إليه يحدث شخصا ما بنبرة متحشرجة قائلا:
- شفتِ إبنك عمل إيه يا ليليا؟ كان بيشرب .. والسبب هو صدمته من الي حصل زمان! أنا غلطان، مكنش ينفع احكيلهم حاجة .. كان لازم اخبي عليهم ومتسببش في جرح في قلبهم، أنا السبب في الي حصل لإبنك، بس انتِ السبب الرئيسي لأنك لو معملتيش الي عملتيه زمان مكنش ده هيحصل ومكنتش بدور هتبعد عني!
فتحت الباب دون إستئذان عند سماعها تلك الكلمات فتفاجأ من وجودها ومن سؤالها الذي طرحته:
- ماما عملت إيه زمان يا بابا؟ متخبيش عليا أكتر من كده!
انتبهت إلى الصورة التي كان يمسك بها بين يديه والتي عاد ينظر إليها ثانية بعد إستماعه لسؤالها، اقتربت منه لتراها بعد إغلاقها للباب فوجدتها صورة له مع والدتها والتي كانت تحملها عندما كانت صغيرة. ابتسمت وهي تشاهدها معه ثم قالت:
- الصورة دي عندي منها أنا كمان.
طالعها بإستغراب فواصلت:
- ماما برضه كانت حاطاها في اوضتها وبتبصلها ديما ولما ابقى معاها بتفضل تحكيلي عنك ديما.
- بتحكي عني وحش؟
نفت برأسها قائلة:
- بالعكس، هي ما سابتش حاجة حلوة فيك الا وقالتها.
ظهرت على وجهه ملامح الإستغراب ثم نظر إلى الصورة وقال:
- احكيلي عنها، وعنك، وعن حياتكم مع خالك.
- بشرط ..
- ايه؟
- تحكيلي انت برضه حصل ايه زمان.
نظر إليها قليلا ثم إلى الصورة ومرت دقيقة كاملة قبل أن يتنهد ويقول حاسما أمره:
- تمام.
ابتسمت بإنتصار ثم تحدثت بحماس تخلله بعض الحزن:
- ماما كانت الحاجة الحلوة الوحيدة في حياتي، كنا عايشين في بيت خالي ومراته وخالي كان وحش اوي معانا وخاصة مع ماما، خلاها خدامة عنده وعند مراته وديما بيزعقلها على أقل حاجة وأنا كمان، ماما أقنعته بصعوبة انه يخليني ادرس وهو وافق بشرط انه ميدفعش حاجة وفعلا ماما بقت بتصرف عليا وعلى دراستي لحد ما بقى عندي اتناشر سنة وماتت بالقلب.
ساد الصمت بينهما لبعض الوقت وهي تحاول كبح دموعها ثم واصلت:
- بعد موتها بقيت مكانها وبقيت أنا الخدامة بتاعتهم بس اتمسكت بدراستي وهو معترضش لاني كنت شاطرة وكان بيفكر اني ممكن أنفعه لما اكبر واشتغل لحد ما خالتو فريدة جت من السفر ولانها مكنتش بتتواصل مع أخواتها مكنتش بتعرف ان ماما اتجوزت أصلا وأنا حكيتلها كل الي بعرفه وهي حاولت تاخدني معاها عشان تبعدني عن خالي بس هو كان رافض .. وبعدها قابلتك وانت تعرف الي حصل ...
كانت تتحدث بحزن شديد فلم يتردد في احتضانها بعد إنتهائها والتربيت عليها مطمئنا إياها وهامسا لها بكلمات تؤكد لها وجوده بجانبها إلى الأبد. ابتعدت عنه بعد بضع دقائق قائلة:
- دورك عشان تحكي دلوقتي.
تردد في الحديث لكنه قد اتفق معها على إخبارها فبدأ يحكي لها بعد أن أطلق تنهيدة وجع:
- لما كنت في تالتة إعدادي بابا نقلني لمدرسة تانية عشان في مشاكل حصلت في المدرسة الأولى ولما اتنقلت تقريبا كل الي في المدرسة عرفوا اني غني عشان بابا كان رجل أعمال وكده ولقيت صحاب كتير حواليا من أول يوم بس كنت عارف ان كلهم مهتمين بيا عشان فلوسي وبس .. لاحظت في يوم ان في حد بيدرس معانا والي هو فادي كان ديما بيبصلي بنظرات مش فاهمها بس حسيت انه مش طايقني، لقيت نفسي في مرة بروحله وأسأله عن السبب وهو قالي بكل صراحة انه مش طايقني لاني اخدت منه صحابه .. استغربت ان كل همه كان صحابه ومكنش طمعان في فلوسي زي الباقي بس الايام كانت بتعدي وأنا كل مرة بكتشف قد ايه شخصيته حلوة ومرحة فحاولت أكلمه لحد ما اتقبلني وبقي انتيمي زي ما بتقولوا ...
سكت لبرهة يسترجع أنفاسه التي سلبت من الحديث ثم تابع:
- كبرنا ودخلنا الجامعة سوا .. اتعرفنا على وحدة إسمها سوسن، كانت حلوة وظريفة او انا كنت فاكر كده وهي حبتني وبصراحة مكنش ظاهر عليها انها طماعة وحبتني عشان فلوسي فاتجوزتها، بس بعد الجواز لاحظت ان فادي بدأ يبعد عني، مكنتش عارف السبب وكنت بحاول اتكلم معاه بس هو كان بيتجنبني لحد ما عرفت ان سوسن حامل .. كنت مبسوط اوي بالخبر بس بعد تلات شهور تقريبا في حد بعتلي صور صدمتني لسوسن مع فادي في أوضاع مش كويسة وبعدها بالضبط سوسن طلبت مني الطلاق .. مسألتهاش عن السبب وخبيت عليها اني عارف خيانتها بس اشترطت عليها اني لو طلقتها تتنازل عن الولد الي في بطنها ليا وهي وافقت من غير تردد، وفعلا طلقتها وأخدت رسلان وعلى طول عملت تحليل DNA وعرفت انه مش إبني، بس برضه خبيت الحقيقة ونسبته ليا، بعدها سمعت أن فادي اتجوز سوسن وجالي بعد فترة وقالي ان رسلان ممكن يكون إبنه بس أنا كدبت عليه وجبتله تحليل DNA مزور عشان اثبتله انه ابني أنا وهو صدق ومشي ...
قاطعته بدور بلوم:
- مفكرتش في ان الي بتعمله ده غلط؟ انت كده بتحرم اب من ابنه وكمان بتنسبه ليك وانت عارف انه مش ابنك!
- عارف بس ساعتها كنت مقهور!
- طب كمل!
تنهد للمرة الثانية وأكمل:
- عدت فترة قصيرة محاولش يضايقني فيها تاني لحد ما بعتلي أخته، والي هي مامتك .. ليليا ..
رواية اسرار عائلتي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اروى مراد
تنهد للمرة الثانية وأكمل:
- عدت فترة قصيرة محاولتش أضايقك فيها تاني لحد ما بعتلي أخته، والي هي مامتك.
ليليا... دق قلبها وانتبهت جميع حواسها إلى ما سيقوله بشأن والدتها. اختطف هو نظرة إلى الصورة قبل أن يواصل:
- فادي استغلها وأجبرها إنها تيجي تقولي إنها هي اللي بعتتلي الصور وإنها حبتني لما شافتني مع فادي كذا مرة وتخليني أتجوزها. والله أعلم كان مخطط لإيه بعدها.
شهقت بدور بصدمة:
- مستحيل! إزاي يعمل كده؟ أنا كنت عارفة إنه قذر بس مش للدرجة دي، بس هو بيعمل كده ليه؟
- لما ليليا جاتلي قالتلي الحقيقة ومكدبتش عليا، أو أنا اللي كنت فاكر كده. قالتلي إن فادي مكنش بيطيقني لأني أخدت منه كل صحابه وعمل نفسه صاحبي عشان يلفت الانتباه تاني بما إنه انتيم الطالب الغني. وقالتلي برضه إنه كان بيحب سوسن بس لما اتجوزتها أنا حقد عليا أكتر وملقاش غير إنه يختار الطريق الغلط عشان ياخد سوسن وينتقم مني في نفس الوقت. وفعلاً قدر يوقع سوسن وخلاها تخونّي معاه وهو اللي بعتلي الفيديو عشان أطلقها لما عرف إنها حامل. لما عرفت إنه مهدد ليليا قررت أحميها واتجوزتها بموافقتها طبعاً وعملتلها بودي جارد عشان يحموها. لو عدت سنين جبنا فيهم أمجد وأدهم وأدم وبعدها جيتي إنتِ.
سكت بعد ذلك دون أن يسترسل، فهتفت بسرعة:
- طب حصل إيه بعدين؟ سبب جوازك منها وعرفته، بس طلقتها ليه؟
تحدث بحزن:
- مش عايز أكمل النهاردة.
- بس أنا عايزة أعرف طلقتها ليه؟ من حقي أعرف.
- هكمل أحكيلك بس مش النهاردة. سمعت اللي مكفيني ومش عايز افتكر اللي حصل.
تنهدت بضيق ثم قالت:
- تمام، بس أوعدني إنك هتكمل تحكيلي؟
- وعد.
كانت تجلس أمام التسريحة تضع أخر لمساتها من مساحيق التجميل عندما جاء هو من خلفها متسائلاً بحدة:
- رايحة فين إن شاء الله يا يمنى؟
أجابت ببرود وهي تضع بعضاً من عطرها:
- رايحة فرح بنت واحدة صاحبتي.
طالعها بصدمة ثم أمسكها من شعرها مزمجراً بغضب:
- نعم يا هانم؟ طب لاحظي إن بنتك مختفية بقالها يوم كامل!
سحبت شعرها منه بألم:
- سيبني يا حمزة! وبنتك أكيد مع واحدة من صحابها، يعني فين ممكن تروح تاني!
قالت ذلك وهي تعيد هندمة خصلات شعرها أمام المرآة ببرود مستفز. رمقها بغضب قائلاً:
- أنا شايف إن محمد عمل الصح لما طلقك. واحدة زيك مش هامها غير شغلها وحفلاتها وصحابها وأولادها هما آخر اهتماماتها، متستحقش تكون أم!
لوت شفتيها بعدم اهتمام ثم هتفت:
- إنت بالذات ميحقلكش تتكلم.. أو ناسي إن البنت هربت بسببك أصلاً؟
أنهت كلامها ثم أخذت حقيبة يدها وأردفت قبل أن تخرج تاركة إياه ينظر إلى أثرها بغضب شديد:
- وبعدين لو مش عاجبك طلقني، قلتلك كده أكتر من مرة بس إنت رافض.. مش عارفة ليه!
وصلت إلى سيارتها وهمت بفتحها ولكن حال بينها وبين ذلك اتصال وارد من رقم مجهول. استقبلت المكالمة قائلة باستغراب:
- ألو؟
- يمنى هانم معايا؟
- أيوه، إنت مين؟
- خالد.
عقدت حاجبيها باستغراب متسائلة:
- خالد؟ خالد مين؟
وصلها صوته الساخر مجيباً:
- معقول مش فاكرة إبنك يا هانم؟
رفعت حاجبيها بتعجب:
- إنت خالد؟ إبني؟
- أيوه، إبنك للأسف!
تجاهلت كلمته الأخيرة وسألت بلهفة:
- أخبارك يابني وأخبار أخوك؟
ابتسم بتهكم معلقاً:
- لا واضح إنك مهتمة بأخبارنا أوي، بدليل إنك مفكرتيش تشوفينا من أول ما اتجوزتي!
حاولت الدفاع عن نفسها قائلة بتلعثم:
- أنا.. أنا.. جوزي ه.. هو اللي مسمح...
قاطعها بعدم اهتمام:
- أنا مش متصل بيكي عشان أسمع أعذارك.. أنا عايز أقابلك.
استغربت من طلبه لكنها قالت:
- وأنا برضو كنت عايزة أشوفك.
- يبقى نتقابل دلوقتي؟
نظرت إلى ملابسها ثم إلى السيارة قبل أن تجيب:
- لا أنا مش فاضية دلوقتي خليها بكرة.
- ليه؟
- مشغولة..
سكت قليلاً قبل أن يردف بنبرة غامضة:
- تمام، هتصل بيكي بكرة.
وقبل أن تجيبه كان قد أغلق الخط بوجهها. تأففت بغيظ متمتمة:
- عيل مش محترم، يقفل السكة في وش أمه! محمد معرفش يربي بجد!...
سمعت صوت رنين هاتفها إثر دخولها غرفتها بعد تناول العشاء. أجابت بابتسامة صغيرة ظهرت فور رؤيتها لاسم المتصل:
- ألو..
جاءها صوت الطرف الثاني يهتف بسرعة:
- انزليلي دلوقتي بسرعة يا هناء، أنا مستنيكي قدام القصر اللي جنبكم!
اتسعت عيناها بصدمة وخرجت إلى الشرفة لتجده يقف هناك كما قال. همست له بخوف:
- إنت اتجننت يا وائل؟
- لا، أنا بس عايز أشوفك.
- طب تخيل لو حد شافنا؟
- متقلقيش، مش قولتي إن خالك مسافر؟
- أيوه بس خالتو وجدو...
قاطعها بإصرار:
- انزلي يا هناء بلاش جبن.. وحشتيني ومش هقدر أنام لو مشوفتكيش دلوقتي.
قال جملته الأخيرة بهمس. دق له قلبها فقالت باستسلام:
- حاضر.
أقفلت معه الخط ثم خرجت من قصرهم بعد أن تأكدت من عدم رؤية أحد لها. وصلت إليه ووقفت أمامه قائلة:
- عايز إيه؟
اقترب منها ومد ذراعيه ينوي احتضانها لكنها ابتعدت هامسة برفض:
- متقربش مني، ممكن أي حد يشوفنا ويعرف خالي.
ابتعد عنها مزفراً بضيق. فكررت سؤالها:
- عايز إيه يا وائل؟
- مانا قلتلك إني عايز أشوفك!
لوت شفتيها متحدثة بفظاظة:
- طب مانت شوفتني اهو، عايز إيه تاني؟
عقد حاجبيه باستغراب من طريقتها ثم سحبها إليه رغماً عنها متسائلاً:
- مالك يا حبيبتي؟ تصرفاتك مش طبيعية، في حاجة حصلت؟
تنهدت بتعب وهي ترمي برأسها على صدره متمتمة:
- النهاردة اتطردت من الشركة.
أبعدها عنه ونظر إليها بصدمة ثم تساءل:
- ليه؟
- لأني اتخانقت مع بنت المدير وشت'متها قدام كل الموظفين.
زفر بملل قائلاً:
- وإنتي ناوية تبطلي خناقاتك دي إمتى؟ إنتي مش طفلة يا هناء!
لم تجبه فأخذ نفساً عميقاً يخفي به غيظه ثم سأل:
- هتعملي إيه طيب؟
هزت كتفيها مجيبة ببساطة:
- هدور على شركة تانية اشتغل فيها!
أومأ بتفهم ثم طالعها بنظرات غريبة قبل أن يمسك يدها مردفاً:
- وهو ده بس اللي مضايقك يعني؟
أخفضت رأسها بتفكير ثم رفعته مجيبة بصراحة:
- لا، في حاجة كمان.
- إيه؟
- في رقم معرفوش باعتلي مسج وبيقول...
قاطع كلامها صوت رجولي صدر من خلفهما يقول بسخرية:
- سبحان الله! يعني ملقيتوش غير قصرنا عشان تقعدوا تحبوا في بعض قدامه؟
التفتت إليه بغيظ والتفت وائل كذلك، لكنه همس بتعجب فور رؤية صاحب الصوت:
- عدي؟
انتبه إليه عدي فهتف بتعجب هو الآخر:
- إيه ده؟ وائل؟ بتعمل إيه هنا؟
وقبل أن يجيبه، لاحظ عدي يده الممسكة بيد الفتاة فأردف بضحكة ساخرة:
- هو إنت لسه صايع وبتاع بنات؟ فضلت زي مانت ومتغيرتش من أيام الجامعة؟!
طالعه بغيظ ثم التفت إلى هناء التي سحبت يدها ورمقته بغضب وصاحت:
- إنت كنت بتكدب عليا لما قولتلي إنك مرتبطتش ببنات غيري قبل كده؟
أجابها بتلعثم وهو يحاول إمساك يدها ثانية لتهدأ:
- ل.. لا مش كده يا حبيبتي! ده.. ده بيكذب عليكي صدقيني!
ابتعدت عنه قائلة بتهكم:
- لا واضح أوي من طريقة كلامك إنك صادق، بس عموماً أنا اللي غلطانة إني صدقت واحد خاين زيك!
أنهت كلامها واستدارت لتعود إلى منزلها، لكنه استوقفها بنبرة خبيثة:
- طب وخالك؟
التفتت إليه بعدم فهم فأكمل:
- مش خايفة أقوله إنك كنتِ بتخرجي معايا؟
اتسعت عيناها بصدمة من حقارته التي ظهرت أمامها فجأة وهمست:
- نعم؟
- إنت بتهددها قدامي يالا؟!
كان ذلك صوت عدي الذي اقترب من وائل بنظرات حادة وأمسكه من ياقة قميصه مردفاً:
- عارف إنك مش راجل؟
اشتعلت عيناه بغضب وأبعد يده عنه ثم لكم وجهه بقوة، فتراجع عدي إلى الخلف من الألم. وضع يده على مكان اللكمة ثم رمق وائل بنظرة مرعبة وفي لحظة كان يعيد له اللكمة مما أدى إلى سقوط الآخر على الأرض.
كانت تراقبهما بصدمة لم تفق منها بعد، بل تفاقمت عندما سمعت صوتاً تعرفه جيداً يصدر من خلفها قائلاً:
- بتعملي إيه هنا في الوقت ده يا هناء؟
التفتت إليه ببطء وابتلعت ريقها متمتمة بصوت مبحوح:
- ج.. جدو.. أنا...
تلعثمت في كلامها ولم تجد ما تقول. انتبه كلا الشابين إلى وجود جدها فابتسم وائل بشماتة وصاح مخاطباً إياه:
- دي طلعت عشان تشوفني يا حج.
طالعه جدها بصدمة ثم التفت إليها ينتظر منها تكذيبه، لكنها أخفضت رأسها بندم ولم تنطق. حرك رأسه يميناً وشمالاً بعدم تصديق هامساً:
- هو بيكذب صح؟
حاولت الحديث والتبرير لفعلتها لكنها لم تستطع. اقترب منها مردفاً بخذلان:
- إنتي يا هناء؟ إنتي بتعملي كده؟ أنا ممكن أتوقع من أي حد إنه يعمل كده إلا إنتي!
طالعته بندم شديد لرؤية خيبة الأمل في عينيه. تحولت نظراته إلى الحدة وهو يشير لها بالسير أمامه قائلاً:
- امشي قدامي يلا، حسابنا مش هنا.. حسابنا بالبيت!
تقدمته بطاعة وصمت وسار هو خلفها إلى أن اختفيا عن أنظار كل من وائل وعدي. التفت عدي إليه متمتماً باشمئزاز:
- عاجبك اللي عملته دلوقتي؟
ابتسم الآخر باستفزاز وأجاب:
- أوي!
صك على أسنانه بغضب وكاد يمد يده عليه مرة أخرى لولا خروج شقيقه من القصر ووقوفه بجانبه قائلاً:
- يلا نمشي يا عدي!
أومأ له فتقدم خالد نحو دراجته النارية وتبعه عدي بعد أن طالع وائل بنظرات أخيرة وهمس له:
- خاف على بنات عيلتك يا وائل، لأن اللي بتعمله في بنات الناس ممكن يترد فيهم!
صعد خلف أخيه الذي شغل الدراجة النارية وانطلق بها بسرعة نحو وجهتهم المحددة...
كانت تتجه نحو سيارتها بعد أن انتهى زفاف ابنة صاحبتها في وقت متأخر من الليل. فتحت باب السيارة وهمت بالصعود عندما سمعت صوتاً خلفها يقول:
- هي دي الحاجة المهمة اللي كنتِ مشغولة بيها ورفضتِ تشوفي ابنك النهاردة عشانها؟
التفتت إلى مصدر الصوت بفزع لتجد شابين طويلين بعضلات بارزة من تحت ملابسهما يقفان أمامها بأعين مخيفة. تراجعت إلى الخلف حتى وقعت جالسة على مقعد السائق وهمست بخوف:
- إنتو مين؟ وعايزين مني إيه؟
التفت أحدهم إلى الآخر وهو يضحك بسخرية زادت من خوفها، لكنه تحول إلى صدمة عندما سمعته يقول:
- آه نسيت إنها مش عارفة حتى شكل ولادها، طبعاً معذورة لأنها متعرفتش علينا.
طالعتهما بتدقيق ثم وقفت وهي تخرج من السيارة وتساءلت وهي تركز في هيئتهما:
- إنتو خالد وعدي؟
تحولت ملامح خالد والذي كان يتحدث منذ قليل إلى الجدية ثم أشار إلى أخيه برأسه. فأومأ الآخر وفتح الباب الخلفي وركب دون استئذان.
طالعته والدته بتعجب ثم عادت تنظر إلى خالد الذي أشار لها بالركوب هي الأخرى قائلاً:
- اركبي، محتاجين نتكلم معاكي دلوقتي.
فعلت ذلك بعدم اعتراض بينما استدار هو حول السيارة ليركب بجوارها. وقبل أن يبدأ الحديث بجدية تساءل بنبرة ساخرة:
- بس مقولتيليش برضه، هو ده اللي كنتِ مشغولة بيه؟ فرح؟
شعرت بالتوتر وحاولت التبرير لكن كلماتها خرجت متلعثمة:
- أنا.. كنت.. صاحبتي هي اللي...
أوقفها عن الحديث رافعاً يده في وجهها قائلاً:
- مش محتاج منك أي تبرير، لأني عارف إنك أم مهملة متستحقش إنها تكون أم أصلاً!
احتدمت نظراتها من كلامه وكادت تصرخ مدافعة عن نفسها، لكنه صدمها حين واصل:
- طبعاً واحدة بنتها مختفية من امبارح وهي مش قلقانة عليها، لا وكمان رايحة تحضر فرح بكل برود.. هنقول عليها إيه؟
تساءلت بدهشة:
- إنت تعرف عائشة؟
- مش مهم.. خلينا ندخل في الموضوع..
سكتت تنتظر منه الحديث أو من عدي الذي لم ينطق بحرف إلى الآن. لوى خالد شفتيه بتفكير ثم تساءل:
- قولتيلي في الفون إنك عايزة تشوفيني برضه، يا ترى ليه؟
فكرت قليلاً قبل أن تجيبه بتردد:
- كنت عايزة تساعدني..
- في إيه؟
- مش إنت محامي شاطر وكده؟
طالعها بتعجب قبل أن يبتسم هاتفاً بسخرية:
- لا ما شاء الله، طلعتي عارفة ابنك بيشتغل إيه على الأقل، طب كويس!
لوت شفتيها بغيظ من سخريته متمتمة بصوت منخفض:
- فعلاً، محمد معرفش يربي!
رفع حاجبيه متسائلاً:
- بتقولي حاجة؟
نفت برأسها فأردف:
- طيب كنتِ عايزاني أساعدك في إيه؟
- عايزة أتطلق من حمزة.. جوزي!
رواية اسرار عائلتي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اروى مراد
عايزة أطلق من حمزة.. جوزي!
عقد حاجبيه بإستغراب متسائلا:
- وإنتي عايزة تطلقي ليه؟
وقبل أن تجيبه سمعت تعليق عدي الساخر والذي تحدث للمرة الأولى منذ رؤيتها:
- المفروض هو اللي يبقى عايز يطلقك مش إنتي!
إلتفتت إليه بغضب ثم صاحت مخاطبة كليهما:
- في إيه! مالكم بتتريقوا على أي حاجة بقولها من أول ما جيتوا، هو أنا مش أمكم والمفروض تحترمونى؟
نطق الاثنان بصوت واحد:
- لاا!
حرف واحد جعلها تشعر بدلو من الماء البارد يسكب عليها، شعرت بغصة وهي ترى كرههم لها في أعينهم لكنها لم تعلق.. إبتلعت غصتها ثم تنهدت وطالعت خالد بتساؤل:
- طب قلت إيه؟ مش هتساعدني؟
- مش لما أعرف إنتي عايزة تطلقي ليه الأول؟
ترددت قليلاً في الإجابة لكنها حسمت أمرها حين قالت:
- لأنه مجرم، بيقتل الناس عشان الفلوس.
صدم كلاهما مما سمعا قبل أن يصرخ بها خالد فور استفاقته من صدمته:
- وإنتي سايبة بنتك مع راجل مجرم؟؟ مبلغتيش عنه ليه أو حتى حاولتِ توصلينا؟
تضايقت بشدة من صراخه عليها حتى كادت تلك الدمعة الحبيسة في عينيها تنزل لتتدحرج على وجنتها، أخذت نفسًا عميقًا مجيبة بنبرة جاهدت لكي لا يظهر البكاء فيها:
- فكرت أبلغ عنه طبعًا بس هو عرف ومنعني وهددني إني لو بس فكرت أعمل كده هيأذي عائشة، وأنا عارفة إنه ممكن يعملها عشان كده مقدرتش أبلغ ولا حتى أشوفكم لأنه مراقبني كويس.
صرخ بها عدي هذه المرة عند انتهاء كلامها:
- متكدبيش! إحنا عارفين كويس إن ولادك هما آخر اهتماماتك، زي ما كنت هموت بسببك وبسبب إهمالك زمان عائشة برضه كان ممكن يحصلها حاجة بسببك لأنك مدفعتيش عنها وخليتيها تهرب وبرضه مش هامك ورايحة فرح عادي كأن بنتك مش مختفية!
توقف يستجمع أنفاسه التي سُلبت منه بسبب الصراخ وهو يرى دموعها التي فشلت في حبسها تنهمر على وجنتيها لكن قلبه لم يرق لها وأردف بقسوة:
- فاكرة؟ لما سيبتيني عند البيسين وأنا صغير وكنت هغرق وإنتي كنتِ بتتكلمي في الفون مع صاحبتك ومش هنا ولولا إن الخدامة راحت تجيب بابا بسرعة كنت هموت! فاكرة وإلا لا؟
إزداد بكاؤها وحاولت التبرير قائلة:
- أنا مخدتش بالي منك والله، أكيد مكنتش هسيبك تغرق يعني وأفضل أتفرج.
- مانتي لو كنتِ مهتمة بولادك بجد مكنتيش هتشيلي عينك من عليا أصلاً، بس إنتي أم مهملة!
أخفضت رأسها لتمسح دموعها ثم رفعته ثانية وهتفت بصوت مبحوح:
- أنا عارفة إني مهملة ومستحقش أبقى أم بجد بس ده مش معناه إني بكره ولادي، إنتوا أصلاً مش عارفين عني حاجة، أنا اتربيت على الطريقة دي، ماما وبابا كانوا ديمًا مشغولين عني وسايبيني طول اليوم مع الدادة ويمكن عشان كده معرفتش إزاي أتعامل معاكم وأهتم بيكم زي باقي الأمهات بس إنتوا غالين عليا أوي والله!
تدخل خالد متسائلاً ببعض السخرية:
- عشان كده محاولتيش تشوفينا من أول ما اتجوزتي صح؟
- صح أنا محاولتش لأني كنت شايفة الكره في عينيكم لما سبتكم آخر مرة وكنت متأكدة إنكم مش هتتقبلوا وجودي تاني عشان كده بعدت بس فضلت متابعة أخباركم وعارفة كل حاجة عنكم تقريبًا، ولما عرفت إن حمزة طلع مجرم حاولت أتواصل معاكم عشان أحمي عائشة منه بس زي ما قولت هو بقى مراقبني وهددني بيها، وأنا لما رفضت أقابلك النهاردة يا خالد مش عشان الفرح لأ، بس كنت عايزة ألاقي طريقة أقابلك بيها من غير ما يعرف بس هو خلاص أكيد عرف دلوقتي والرجالة اللي مراقبيني قالوله إني معاكم.
إلتفتت إلى نافذة السيارة مع نهاية كلامها وهي تعض لسانها محاولة ألا تبكي ثانية.
نظر خالد وعدي إلى بعضهما البعض بنظرات غريبة ثم حدثها خالد قائلاً:
- لنفرض إننا صدقنا مبرراتك دي كلها، إيه هو المبرر اللي يخليكِ تبقي مش قلقانة على بنتك وهي مختفية؟
عادت تنظر إليه مجيبة بهدوء مزيف:
- زي ما أنا بتابع أخباركم بتابع أخبار بنتي كمان، ممكن مقدرتش أظهرلها الاهتمام اللي هي عايزاه بس أنا عارفة عنها كل حاجة وعارفة صاحبتها الانتيم اللي بتروحلها كل ما تضيق عليها الدنيا، أول ما عرفت إنها هربت مقدرتش أنام وفضلت ليلة كاملة صاحية لحد ما سألت الانتيم بتاعتها بكرة وقالتلي إنها عندها وساعتها بس اطمنت.
تبادلا تلك النظرات الغريبة ثانية بصمت قبل أن يقطعه خالد بتساؤل:
- وهي مين صاحبتها الانتيم دي؟
- اسمها مريم، صاحبتها من أيام الثانوي.
- وإنتي شفتيها عند مريم دي؟
نفت برأسها مجيبة:
- لا، لأني لو رحت حمزة هيعرف مكانها، سبق وقلتلك إنه بيراقبني، وأنا واثقة في مريم جدًا حتى لو مقدرتش أطمن عليها لأنها بتحبها أوي.
إبتسم بسخرية ثم قال:
- ولو قلتلك إن مريم دي كذابة وعائشة مش عندها؟
طالعته بتعجب من ثقته متسائلة:
- وإنت جايب الثقة دي منين؟ إنت عارف مكانها؟
أومأ برأسه وهو يلقي على مسامعها ما جعل عينيها تتسعان بدهشة:
- أيوه، عائشة عندنا إحنا في القصر.
همست بعدم تصديق:
- إ .. إزاي؟ طب وو .. ومريم؟ أكيد مكدبتش عليا من غير سبب، أنا واثقة فيها وعارفة إن ليها سبب مقنع كمان.
رفع حاجبيه وهو يطالعها ثم إبتسم بسخرية معقباً:
- يبقى لازم نعرف أسبابها!
أردف وهو يفتح درج السيارة يبحث به عن ورقة وقلم:
- اديلنا عنوانها، هنروح لها بكرة.
ترددت في إعطائه ما يريد خوفًا على صديقة ابنتها من أبنائها لكنها رضخت لطلبه في النهاية وأملته العنوان، انتهى من تدوينه على ورقة صغيرة وجدها صدفة ثم التفت إليها قائلاً وهو يهم بفتح باب السيارة:
- إحنا هنروح دلوقتي، وهكلمك بكرة عشان نتكلم أكتر عن موضوع الطلاق.
فتح الباب لكنها استوقفته قبل أن ينزل:
- استنى!
طالعها بإستفهام فحاولت جمع كلمات لتخبره بما تريد لكن حديثها خرج متلعثمًا رغم عنها:
- أ .. أنا .. دلوقتي .. ح .. حمزة عرف ...
عقد حاجبيه بعدم فهم فتنهدت بحزن قائلة:
- لا خلاص، ولا حاجة.
لكنها تفاجأت بعدي يشرح بدلاً عنها ما كانت ستقول:
- ماما قصدها إن جوزها عرف دلوقتي إنها قابلتنا وأكيد مش هيسكت.
تطلعت إليه يمنى بامتنان بينما جلس خالد ثانية بتفكير قبل أن يعطي لعدي مفتاح الدراجة النارية بصمت، أخذها الآخر منه متسائلاً:
- هتعمل إيه؟
أجاب بإختصار:
- هقولك بعدين.
أومأ عدي بتفهم ثم خرج من السيارة متجهاً إلى دراجة أخيه النارية ليعود بها إلى القصر، أما خالد فقد تبادل الأماكن مع والدته بعد أن أخبرها بأنه سيأخذها إلى مكان آمن بعيدًا عن زوجها وعيونه.
***
مستلقية على سريرها تحدق بسقف غرفتها بتفكير، مضى أكثر من ساعتين منذ دخولها القصر وتوبيخ جدها لها ثم اتصاله بخالها ليأتي بسرعة.
أغمضت عينيها ولا تدري كم من الوقت قد مر قبل أن تفتحهما لتجد خالها يجلس على مقعد أمامها ويرمقها بنظرات غامضة.
إعتدلت في جلستها وظلت تطالعه لبضع ثوان قبل أن تستوعب وجوده، وقف من مكانه واقترب منها قائلاً:
- صباح الخير.
- صباح؟ تساءلت بإستغراب ثم نظرت إلى الشمس التي بدأت تشرق بالفعل، التفتت إلى خالها الذي أردف:
- وصلت من ساعة تقريبًا ولقيتك نايمة فمرضيتش أصحيكِ.
أومأت بفهم ثم تمتمت:
- الحمد لله على السلامة.
- الله يسلمك.
إنتظرت منه تأنيبها أو توبيخها على فعلتها فقد أخبره والده بما فعلت بالتأكيد، لكنه بقي هادئًا على غير طبيعته، ساد الصمت بينهما لبعض الوقت قبل أن يقطعه متسائلاً بهدوء أقلقها:
- عملتِ كده ليه يا هناء؟
إبتلعت ريقها وأخفضت رأسها قبل أن تجيب:
- لأني كنت محتاجة حد يطبطب عليا بعد موت ماما وبابا، وإنتوا برضه كنتم زعلانين عليهم ومحتاجين حد يطبطب عليكم فملقتش حد غيره قدامي، وهو كان مهتم بيا أوي وديمًا بيواسيني فغصب عني حبيته ولما طلب إننا نرتبط وافقت..
قاطعها بنظرة حادة:
- كدابة!
رفعت أنظارها إليه بتعجب فأكمل:
- أنا متأكد إنك مخبية علينا حاجة ومصيري أعرفها.
نفت ذلك برأسها قائلة:
- أنا مش مخبية حا...
قاطعها بمنطقية:
- أنا أكتر حد عارفك كويس يا هناء، إنتي مش غبية، إنتي ذكية وأكيد كنتِ عارفة إنه فضل يطبطب عليكي ويهتم بيكي لسبب تاني مش لأنه بيحبك، وعارف كويس إنك سايرتيه لسبب في دماغك وهو ده اللي أنا عايز أعرفه.. بتخططي لإيه؟
تطلعت إلى عينيه بصمت حتى تنهدت بإستسلام ثم قالت:
- هقولك......
***
خرجت مريم من منزلها في الصباح الباكر للذهاب إلى الجامعة، كانت تمسك بهاتفها وتحاول الاتصال بصديقتها لكنها لم تجب، همت بالمحاولة ثانية وملامح القلق بدأت تعتلي وجهها، لكنها أوقعت هاتفها إثر اصطدامها بجسد ضخم يقف أمامها وهي تخرج من المبنى الذي تسكن به.
تراجعت إلى الخلف ثم انحنت لتأخذ هاتفها بوجه مصدوم متجاهلة ذلك الواقف أمامها.
نظرت إلى شاشة هاتفها المكسورة بأعين دامعة وهمست:
- فوني!
رفعت عينيها إليه بغضب وصرخت:
- إنت يا ...
قطعت كلامها وهي تلاحظ نظراته الحادة التي يرسلها لها فابتلعت ريقها بخوف متمتمة:
- في إيه؟ إنت بتبصلي كده ليه؟
إنتظرت إجابته وهي تتراجع بخطواتها إلى الخلف إلى أن استدار ليعطيها ظهره قائلاً:
- تعالي معايا.
نظرت إليه بدهشة وهو يتجه إلى إحدى الدراجات النارية ثم صاحت بصوت عال:
- نعم؟؟ أجي معاك على فين يا روح أم ...
قطعت كلامها ثانية حين التفت إليها ورمقها بنفس تلك النظرات فهمست بتذمر:
- طب سيبني أشتمك طيب!
اقترب منها بخطوات بطيئة فهتفت بخوف:
- مش قصدي والله يا أستاذ، بس أنا بنت محترمة وكده ومقدرش أجي معاك..
لم تتغير نظراته وهم بالحديث لكنها أضافت بسرعة:
- بس لو عايزني أجي معاك اخطفني زي الروايات، كده هبقى مظلومة ومش هيقولوا عليا مش محترمة!
تغيرت نظرته أخيرًا لكنها تحولت إلى ابتسامة ساخرة، أخرج هاتفه وفتح مسجل الصوت قائلاً:
- طب استنى أسجل صوتك وإنتي بتقوليها عشان يبقى عندي دليل إنك إنتي اللي طلبتي مني اخطفك لو بلغتِ.
رمقته بغيظ هامسة:
- تافه!
إبتسم بإستفزاز وهو يقول:
- مش أكتر منك.
ثم عاد فجأة لنظرته الحادة وأردف:
- ودلوقتي هتجي معايا بالذوق وإلا أجيبك بالعافية؟
إبتلعت ريقها ثم أومأت بإستسلام وسارت خلفه إلى أن وجدته يركب دراجته النارية فتساءلت بإستغراب:
- أنا هركب فين؟
كان قد وضع خوذته على رأسه عندما أشار إلى الخلف فهتفت بإستنكار:
- نعم؟ عايزني أركب وراك وأضطر أمسك فيك عشان مقعش وو ...
قاطعها ببرود:
- وأنا مش عايزك تمسكي فيا، والأحسن إنك تحطي مسافة بيننا ولو عشان متقعيش امسكي في الحديدة اللي ورا.
لوت شفتيها بغيظ لكنها أطاعته مجبرة، إنطلق فور ركوبها إلى وجهته بينما شعرت هي بالقلق عندما استوعبت أخيرًا أنها وافقت بغباء على الذهاب مع شخص غريب لا تعرف عنه شيئًا لمجرد أنه أخافها، أو ربما لأنه وسيم وتطمع في عيش قصة مميزة كما في الروايات.. إبتلعت ريقها وهي تفكر في طريقة للهروب إلى أن شعرت بتوقفهم فنظرت إلى المكان لتتفاجأ بوقوفه أمام جامعتها.
نزلت بتعجب ثم نظرت له بتفكير متمتة:
- إيه ده؟ إنت طلعت فاعل خير؟
نزع خوذته وهم بالحديث لكنها منعته وهي تصيح بحماس:
- اهااا فهمت! إنت معجب بيا بس أنا مكنتش عارفة إنك موجود على الكوكب أصلاً فعملت كده عشان أعرفك صح؟
لوى شفتيه بإستنكار ثم زفر بملل وقال:
- جبتك هنا عشان مكونش السبب في تأخيرك على المحاضرة لأني عايز أسألك سؤال..
قاطعته بتفكير:
- عايز تسألني إذا كان فيه حد في حياتي ولا لأ، مش كده؟
ثم وضعت يديها على خصرها ورفعت رأسها بغرور مواصلة:
- متقلقش، أنا مش أي حد يقدر يوقعني بسهولة بس عشان خاطر عيونك القمر دي هديك فرصة.
حرك حدقتيه بحركة مستديرة دليلاً على ملله ثم تحدث:
- أنا خالد، أخو عائشة.
أنزلت يديها وحدقت به بصدمة قبل أن تصرخ:
- بتهزر؟!
تجاهل كلمتها وأردف بتساؤل به بعض الحدة:
- ليه كدبتي على ماما وقلتيلها إن عائشة عندك وهي مش عندك؟
عقدت حاجبيها بإستغراب ثم أجابت:
- أنا مقلتلهاش إنها عندي.
- يعني ماما هي اللي بتكدب؟
فكرت قليلاً ثم هتفت:
- ممكن تكون فهمتني غلط! أنا قولتلها إنها بخير ومش لازم تقلق عليها لأني عارفة إنها عندكم.
تنهد خالد بإرتياح ثم أومأ بتفهم قبل أن يرتدي خوذته ثانية مستعداً للذهاب لكنها أوقفته قائلة:
- استنى..
طالعها بإستفسار فتابعت بتردد:
- هو.. ممكن تجيبها عندي شوية؟ عايزة أشوفها.
- لا، ولو هي عايزة تشوفك ممكن تروحلها إنتي لأن أبوها ممكن يوصلها لو طلعت من القصر.
صاحت بفرح:
- بجد؟ يعني ممكن أروح أنا وأشوف الشوقر دادي بتاعي؟
نظر إليها بإستغراب فأردفت ببسمة غبية:
- متتاخدش في بالك....
***
- هو الدكتور أمجد مجاش النهاردة ليه؟
كانت تقف مع دينا أمام الجامعة بعد انتهاء محاضراتها وعودة صديقتيها التوأم إلى بيتهم حين سألت دينا هذا السؤال فأجابت:
- عنده صاحب قديم اتوفى وراح للعزاء، وأنا دلوقتي مش عارفة مين اللي هيروحني.
- طب ما تروحي معايا؟ خالو هييجي دلوقتي مش هيتأخر.
نفت رأسها قائلة:
- لا شكراً، أمجد قالي إن حد من أخواتي هييجي ولازم استناه.
أومأت دينا بتفهم ثم صمتت تنظر معها إلى الطريق تنتظر خالها وعند مجيئه ودعت بدور ثم غادرت معه، أما بدور فقد أصبحت لوحدها تنتظر قدوم أي من إخوتها لكن ملامح الصدمة اعتلت وجهها عند رؤيتها لرجل يتقدم منها بنظرات خبيثة وهمست بخوف:
- خ.. خالي؟
اقترب منها فادي ببسمة ساخرة وقال:
- يا أهلا باللي هربت مني وخالتها ساعدتها في الهرب.
عقدت حاجبيها بغضب وصرخت رغم خوفها:
- أنا مهربتش! أنا رحت مع بابا اللي كدبتوا عليا وقلتولي إنه ميت.
أمسك بذراعها بقوة وهمس بشر:
- وأنا هاخدك منه تاني ومش هسيبك مهما عمل! مش هسمح لانتقامي يروح على الفاضي وهحرمه من بنته يعني هحرمه من بنته!
حاولت سحب ذراعها منه وهي تصيح بنبرة باكية:
- سيبني ياخي حرام عليك! أنا ذنبي إيه إني أتعذب وعلى إيد مين؟ خالي!
فشلت في سحب ذراعها لكنها وجدت أحدًا يساعدها على ذلك ويسحبه بدلاً عنها ثم يقف أمامها ويقول مخاطباً فادي:
- وأنا مش هسمحلك تاخدها تاني يا.. يا بابا!
همس الاثنان بصدمة وفي نفس الوقت:
- رسلان؟
رواية اسرار عائلتي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اروى مراد
فشلت في سحب ذراعها لكنها وجدت أحدًا يساعدها على ذلك ويسحبه بدلاً عنها. ثم وقف أمامها وقال مخاطبًا فادي:
- وأنا مش هسمحلك تاخدها تاني يا .. يا بابا!
همس الاثنان بصدمة وفي نفس الوقت:
- رسلان؟
تشبثت بدور بقميصه وتساءلت من خلفه بصوت منخفض:
- هو مش المفروض مايعرفش إنك ابنه؟ بتقوله يا بابا ليه؟
تجاهلها وهو يستمع إلى تعليق فادي الساخر:
- ما تنساش إنها مش أختك يا .. يا ابني!
طارده رسلان ببرود ظاهري وهتف:
- وأنت برضه ما تنساش إنها مش بنتك، ومدام باباها عايش ميحقلكش تاخدها منه.
كانت بدور تنظر إليهما بعدم فهم وهي تتشبث بقميص رسلان بقوة وكأنها تطلب منه ألا يسمح لفادي بأخذها، لكنها تنفست الصعداء عندما وجدته يرمقه بغضب ثم يغادر بعد أن أردف:
- همشي دلوقتي بس مش هسيبك يا بدور!
اختفى عن أنظارهم فالتفت إليها رسلان قائلاً:
- يلا نروح.
أومأت برأسها ثم تقدمت معه نحو السيارة التي يركنها في مكان بعيد قليلاً عن الجامعة. ركبت من الأمام بصمت أقلقه فتساءل:
- انتِ كويسة؟
أومأت برأسها لكنها لم تلبث كثيرًا قبل أن تنفجر في البكاء وهي تردد بين شهقاتها:
- لا، أنا مش .. مش كويسة! أنا خايفة منه! كان .. كان ديما بيضربني و .. وفي مرة ...
قطعت كلامها وهي تغمض عينيها بشدة وتضع يديها على أذنيها تحاول نسيان تلك الذكرى حتى هدأت قليلاً ومسحت دموعها ثم نظرت إليه فتفاجأت به يرمقها بجمود مخيف ويقول:
- عمل إيه؟
حركت رأسها يمينًا وشمالًا رافضة الإجابة فكرر سؤاله بنبرة حادة:
- عملك إيه انطقي!
- ولا حاجة.
كان يعلم أنها تكذب، وأنها تخفي عنهم شيئًا مهما لكنه لم يشأ إجبارها على الحديث. ثم حرك السيارة متجها بها نحو القصر.
كانت تجلس على المكتب بغرفة أخيها بملل قاتل، فهي منذ قدومها إلى القصر وهي تجلس لوحدها دائمًا عدا الوقت الذي أمضته في الأمس مع رحمة. خرجت إلى الحديقة لتستنشق بعض الهواء النقي ظنًا منها أن جميع الشباب لا يزالون في عملهم وأن عبد الرحمن قد ذهب إلى العزاء مع أمجد.
توقفت في الجزء الجانبي وهي ترى أحدهم يجلس على مقعد بالحديقة ويضع مجموعة من الأوراق والأقلام أمامه على طاولة متصلة بالمقعد ويرسم شيئًا ما باستخدام قلم الرصاص. دققت النظر جيدًا فوجدته ياسين ابن عم أخيها والذي استنتجت مؤخرًا أنه صديقه المقرب.
اقتربت منه ووقفت خلفه دون أن يشعر كما كانت تظن، فرأت رسمه الاحترافي لشجرة كبيرة بالحديقة ولكنه أضاف تحتها ظلالًا لعائلة كانت تشبه .. عائلته.
شعر بشخص يقف خلفه لكنه تجاهله وواصل رسمه إلى أن سمع صوتها يهتف بانبهار:
- جميلة أوي!
توقف عن الرسم دون أن يلتفت إليها فشعرت بالحرج وقالت:
- آسفة لو أزعجتك.
كادت ترحل لكنه أوقفها بتساؤل:
- عجبتك؟
أومأت موافقة:
- أيوه، بس هو إنت بترسم بقلم الرصاص ليه؟
- مش بحب أرسم غير بيه، بحسه مناسب ليا.
هزت رأسها بتفهم ثم أمسكت خصلة من شعرها وهي تلفها حول سبابتها بتوتر، فهي تحادثه لأول مرة ولا تعلم عنه شيئًا سوى أنه المقرب لأخيها. كادت تبتعد عنه متجهة للدخول لكنها عادت إليه ثانية وسألته بحماس:
- هو إنت ممكن ترسميني؟
نظر إليها باستغراب ثم أمسك رسمته ينظر إليها قليلاً قبل أن يجيب:
- آسف، مبحبش أرسم الوجوه.
أخفضت رأسها بخيبة أمل هامسة:
- طيب.
تضايق من نفسه لإحراجها فاستوقفها بسرعة قبل أن تبتعد قائلاً:
- بس أنا ممكن أجرب أرسمك دلوقتي، عشان ما أرفضش طلبك يعني ..
ابتسمت بفرحة ثم عادت إليه وجلست مقابله هاتفة بطفولية:
- طب يلا، أنا هقعد كده ومش هتحرك متقلقش!
ابتسم على حركتها رغماً عنه ثم قال:
- مش محتاجة تقعدي كده، انتِ ممكن تديني أي صورة ليكي وأنا هرسمها.
لوت شفتيها قائلة باعتراض:
- بس أنا عايزة أجرب إحساس البنات اللي بشوفهم في الأفلام لما بيبقوا قاعدين وما بيتحركوش عشان الرسام يرسمهم.
رفع حاجبيه بتعجب ثم تحدث بابتسامة:
- حاضر.
أمسك قلمه وأحضر ورقة جديدة وهو يبتسم حين تذكر حديث خالد عنها عندما أخبره بأنها تشبهه قليلاً في كل تصرفاتها ولكنها تتميز عنه بجانبها الطفولي المحبب. ثم بدأ يرسم وعيناه تقع عليها تارة ثم على الورقة تارة أخرى وهي تقف كالتمثال تحاول منع ابتسامتها التي تعبر عن حماسها من الاتساع.
مرت قرابة النصف ساعة منذ بداية رسمه لها عندما سمع كلاهما صوتًا يعرفانه جيدًا وهو يصرخ باسم أخته:
- عائشة! انتِ فين!
لم يجبه أي منهما فقد كان هو منهمكًا في رسمها وكانت هي ثابتة ترفض الحراك. ظهر أمامهما فجأة قبل أن يفتح فمه بصدمة من المنظر الذي يراه. اقترب من ياسين الذي تجاهله تمامًا وحدق به بنفس الصدمة وهو ينظر بتركيز إلى شفتي أخته ليرسمها على الورق. حول أنظاره إلى أخته التي تجاهلته هي الأخرى حتى لا تتسبب في إفساد الرسمة.
رفع أحد حاجبيه بغيظ ثم صاح بياسين عندما وصل صبره إلى آخره:
- لا والله! طب ما تزيد تركز في شفايفها أكتر يمكن تكون نسيت شوية تفاصيل تانية.
واصل ياسين تجاهله له بينما شعرت عائشة بالإحراج من كلمات أخيها فأفرجت بين شفتيها دون قصد لتسمع صوته الحاد يهتف:
- ما تحركيش شفايفك!
ألصقتهما ببعضهما ثانية لتعود إلى وضعيتها الأولى دون أن تنطق. اغتاظ خالد منهما لكنه جلس بجانب ابن عمه ينتظره حتى ينتهي ولم يعترض عن ذلك ثانية متوقعًا أن عائشة هي من طلبت منه رسمها.
دخلت القصر ثانية عندما رأت عائشة مع خالد وياسين بعد أن كانت تبحث عنها. استغربت عدم وجود أحد غيرهم في القصر ففي العادة يكون الجميع تقريبًا هنا في هذا الوقت. صعدت الدرج متجهة إلى غرفتها لكنها توقفت عندما رأت رسلان يتجه للنزول فاستوقفته بسرعة:
- رسلان، استنى!
توقف بالفعل واستدار إليها مطالعًا إياها باستفهام فأردفت:
- أنا عايزة أتكلم معاك.
نظر إلى عينيها لثوانٍ قبل أن يوليها ظهره قائلاً:
- معتقدش إن فيه حاجة محتاجين نتكلم فيها.
- يعني مش عايز تعرف خالي عملي إيه؟
قالتها بسرعة وبدون تفكير فتوقف والتفت إليها متسائلاً وهو يرفع أحد حاجبيه:
- يعني لو وافقت نتكلم هتقوليلي؟
سكتت قليلاً تنظر إليه بتفكير ثم أومأت موافقة فقال وهو يواصل نزول الدرج:
- طيب، تعالي معايا.
تبعته بصمت لتجده يجلس على أريكة بقاعة الجلوس مردفًا:
- بما إن مفيش حد هنا هنقدر نتكلم براحتنا، تعالي اقعدي.
جلست قبالته وساد الصمت بينهم لدقائق قبل أن يقطعه قائلاً:
- احكيلي، عملك إيه؟
- اوعدني الأول إنك مش هتقول حاجة لبابا! أنا مش عايزة أتسبب له في مشاكل أكتر.
استغرب من طلبها لكنه وعدها بدون تردد:
- أوعدك.
أخذت نفسًا عميقًا ثم تحدثت:
- ده حصلي من شهر تقريبًا، لما كنت نايمة عادي في ليلة من الليالي وصحيت على صوت كسر في الشقة بتاعة خالي، طلعت وأنا خايفة يكون حرامي بس اتفاجأت إنه كان خالي وكان سكران أوي وأنا أول مرة أعرف إنه بيشرب. وأول ما شافني قرب مني وهو بيتكلم في حاجات مش فاهماها ولما فكرت أهرب لأوضتي هو جرى ورايا و .. حاول يعتدي عليا.
صدم مما سمعه منها وعقد حاجبيه بغضب وحقد على ذلك الذي لا يستحق أن يكون والده. تابعت بدور دون أن تنتبه إلى ردة فعله:
- ساعتها ضربته بالفازة عشان ما يعملش حاجة، بس بقيت بتجنبه ديما وقبل ما أنام بقفل أوضتي كويس وما بطلعش منها لحد الصبح.
ضغط على قبضته بقوة وهمس بشفقة باطنية:
- انتِ إزاي استحملتي العيشة معاه!
- زي ما إنت مستحمل حقيقة إنك ...
قطعت كلامها بندم وهي ترى نظراته الحادة التي ظهرت بعينيه عندما علم مقصدها.
- أنا آسفة، ما كانش قصدي ..
عم الصمت بينهما ثانية. هي تنظر إليه بشفقة، وهو يبادلها النظرات الحادة والكارهة للشفقة التي يراها بعينيها. فركت يديها بتردد قائلة لتقطع ذلك الصمت:
- أمجد قالي إنك ما كنتش كده قبل ما تعرف اللي والدتك عملته، هو إنت ليه اتغيرت؟
لوى جانب شفتيه بابتسامة ساخرة فأكملت بسرعة:
- أنا عارفة إن اللي عرفته عن نفسك مش سهل بس ...
سكتت وهي لا تعرف ما تقول، فقد كان سؤالها غبيًا من الأساس. أجابها هو ببعض الغموض:
- أنا ما كنتش بعتبرها أمي، صحيح انصدمت لما عرفت حقيقتي بس الصدمة الأكبر اللي أخدتها كانت لما عرفت الست اللي ربتني واعتبرتها أمي عملت إيه ..
تساءلت بحيرة:
- أمي؟ عملت إيه؟
أشار إلى شخص ما خلفها مردفًا:
- هو هيحكيلك عملت إيه.
استدارت لتجد والدها قادمًا نحوها بابتسامة ولا يبدو أنه استمع لأي حرف من حديثهما. اقتربت منه فحضنته بسرعة قائلة:
- بابا! اتأخرت ليه؟
مسد على شعرها مجيبًا بحنو:
- آسف يا حبيبتي بس كان فيه شغل لازم أخلصه.
انتبه إلى رسلان فنظر إليه نظرة تعني "ماذا هناك؟" فأجاب:
- بدور عايزة تعرف ماما عملت إيه زمان عشان تطلقها.
ابتعد عنها ليجد في عينيها نظرات تؤكد له ذلك. تنهد بقلة حيلة ثم قال:
- طيب، بس اللي هتسمعيه دلوقتي مش هيعجبك.
بدأت تشعر بالقلق من القصة لكنها جلست معه بفضول لتستمع إليه وهو يقص عليها ما حدث:
- زي ما قولتلك بعد ما اتجوزت ليليا عملتلها بودي جارد عشان فادي ما يعرفش يوصلها وقعدنا مع بعض عشر سنين تقريبًا وكانت كل حاجة كويسة لحد ما كنا هنسافر عشان فرح ابن عم بابا، بس ليليا كانت تعبانة وقالتلي إنها مش هتقدر تيجي معانا فأنا فضلت معاها وخليت الأولاد يروحوا مع بابا وإخواتي عشان ما يتعبوهاش أكتر، وأنتِ لأنك لسه صغيرة طبعًا فضلتِ معانا.
بدأ الألم يظهر على ملامح وجهه لكنه تابع:
- وفي اليوم اللي بعده، طلبت مني أنزل أشتريلها حاجات ليكي وأنا نزلت وسيبتها في القصر وكنت حاطط عليها حراسة بس لما رجعت ما لقيتهاش وهما قالولي إن ما فيش حد منهم شافها. اتوقعت إن فادي عرف يوصلها ولما اتكلمت معاه قالي إنها راحتله بإرادتها وعايزة تطلق.
وقبل أن يكمل قاطعته بدور بصرخة مفاجئة:
- ما تقولش إنك صدقته؟
نفى برأسه مجيبًا:
- ما كنتش مصدق في الأول لحد ما قابلتها وهي بنفسها طلبت مني الطلاق ولما سألتها عن السبب، قالت إنها ما كانتش بتحبني وكانت عايزة تكسرني بعد ما اتعلق بيها زي ما أنا كسرت أخوها ..
سكت ينظر إلى ردة فعلها لكنه لم يستطع أن يحددها. أخذ نفسًا عميقًا وواصل:
- بعدها ما افتكرش حصل إيه، لما صحيت لقيت نفسي في المستشفى وكل العيلة حواليا وعرفت إني كنت في غيبوبة وهما طبعًا ما كانوش عارفين حاجة. بعد مدة قابلتها مرة تانية ووافقت أطلقها ولما سألتها عنك قالتلي إنك متي، وأنا من الصدمة ما فكرتش أتأكد .. لحد ما قابلت خالتك وأنتِ عارفة حصل إيه بعدين.
نظر إلى بدور يحاول التقاط الصدمة من ملامحها لكنه لم يستطع، فقد كان الجمود يغطي وجهها تمامًا. شعر بالقلق فاحتضن وجهها بكفيه متسائلاً:
- بدور انتِ كويسة؟
نفت برأسها قبل أن تتغير ملامحها وتنفجر فجأة في البكاء. أمسكت بقميص والدها وهي تردد:
- ماما مبتعملش كده! مستحيل تعمل كده أنا متأكدة!
جذبت القميص بحركة مفاجئة حتى فصلت أزراره وصاحت به بلوم:
- أنت ظلمتها يا بابا! كان لازم تتأكد إنها عملت كده بإرادتها الأول، مش ممكن يكون خالي هددها مثلاً؟
شعر بالضعف وهو يرى حالتها ولم يستطع سوى أن يسحبها إلى أحضانه وهو يقول:
- أنا برضه عايز أصدق إنها بريئة، بس هي كان ممكن تقولي أو حتى تلمح لي، وهي عارفة إني مش متسرع وهفهم إنه هددها وهتصرف بحكمة، بس أنا كنت شايف الكره في عينيها.
هدأت بعد وقت قصير ثم سمعها تتمتم بثقة وإصرار:
- ماما مستحيل تعمل كده، فيه حاجة غلط، أنا واثقة.
تنهد أكرم بضيق ولم يحاول مناقشتها أكثر، ربما من الأفضل لها أن تبقى على هذه الفكرة.
كان رسلان يراقبهما منذ بداية الحديث ويراقب ردة فعلها كذلك لكنه لم يستغرب تكذيبها لما سمعت فقد كان يتوقع ذلك. وقف من مكانه متجها إلى غرفته بصمت وهو يفكر في شيء ما.
كانت تقف أمام باب القصر مستغربة لعدم وجود أي حراسة. رنت الجرس ثم انتظرت قليلاً حتى فتح الباب الحديدي الكبير وظهرت من خلفه إحدى الخادمات قائلة عند رؤيتها:
- أهلًا وسهلًا يا آنسة، اتفضلي؟ فيه حد من العيلة عايزة تشوفيه؟
أجابت بسرعة:
- آه أنا عايزة أشوف عائشة.
نظرت إليها الخادمة بشك ثم قالت:
- آسفة، بس خالد بيه مانع أي حد من إنه يشوفها من غير إذنه.
لوت شفتيها متمتمة بتهكم:
- لا والله؟ يعني البنت هاربة من سجن أبوها عشان تروح لسجن أخوها؟ طب قوليله إن صاحبتها مريم هي اللي عايزة تقابلها.
تجاهلت جملتها الأولى ثم أومأت قائلة:
- ماشي، استني دقيقة.
أغلقت الباب ثم اختفت قبل أن تعود إليها ثانية وتقول:
- تعالي معايا.
سارت خلفها بطاعة فتوجهت بها الأخرى إلى الجزء الجانبي من الحديقة والذي كان يجلس به خالد مع عائشة وياسين. ركضت نحو عائشة متجاهلة الجالسين قربها وحضنتها بقوة وهي تصرخ بفرحة:
- عااااائشة! وحشتينييي!
بادلتها عائشة الحضن قائلة:
- وأنتِ كمان وحشتيني أوي يا مريوم!
ثم أبعدتها بحماس وأشارت إلى الورقة التي كانت تمسك بها فنظرت إليها مريم باستغراب قبل أن تفتح عينيها بصدمة صائحة:
- وااااو! شبهك بالظبط! مين اللي رسمها؟
أمسكت بالصورة وهي تنظر إليها بفرحة وكأنها حصلت على جائزة للتو ثم أجابت:
- مش مهم مين اللي رسمها، بس حلوة صح؟
نظر إليها ياسين بسرعة وهو يفتح عينيه بصدمة متمتما تحت ضحكات خالد التي انطلقت عند رؤية ردة فعله:
- أنا سمعت غلط صح؟ يعني مش بعد ما كسرت إيدي عشان أرسمها تقولها مش مهم مين اللي رسمها!
كانت مريم تمسك الورقة وتدقق فيها قبل أن تبتسم بخبث وتصيح قبل أن تبدأ في الركض:
- حلوة بس هقطعها يعني مش معقول انتِ تبقي عندك رسمة كده وأنا لا!
اتسعت عينا عائشة بفزع ثم ركضت خلفها بصراخ:
- لااا استني يا مريم! أي حاجة إلا الرسمة!
نظر ياسين إلى خالد بعد اختفائهما متسائلاً:
- هي مين دي اللي كانت مع أختك؟
أجابه وهو يسحبه متجها إلى داخل القصر:
- واحدة صاحبتها، بس أنا مش مرتاح لها بصراحة فتعالى معايا عشان نوقفها قبل ما تعمل مصيبة.
ومن الجهة الأخرى، وقفت مريم وعائشة وهما تنظران إلى بدور التي تقبع بين أحضان أبيها دون أن ينتبه إليهما أي منهما. فهمست مريم بصدمة:
- إيه ده؟ مش ده الشوجر دادي بتاعي؟ هي مين البنت اللي خطفته مني دي؟
ضربت عائشة رأسها بخفة قائلة:
- مش ده مش ده! ده ابنه، بس هما شبه بعض شوية.
أومأت بتفهم ثم اقتربت منهما بغباء قائلة:
- السلام عليكم.
التفتا إليها بفزع فقالت بدور:
- انتو هنا من امتى؟ وانتِ مين أصلًا؟
كادت مريم تجيبها لولا دخول خالد وياسين تلاه عودة رسلان. نظرت إليه مريم بصدمة ثم صرخت بشكل مفاجئ:
- رسلااان!
رفع رأسه إليها باستغراب تحول إلى صدمة. ركضت إليه بفرحة تحت اندهاش الجميع وعانقته قائلة:
- وحشتني أوي يا حبيبي، ما جيتش عندنا ليه من زمان؟
رواية اسرار عائلتي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اروى مراد
كادت مريم تجيبها لولا دخول خالد وياسين تلاه عودة رسلان.
تطلعت إليه مريم بصدمة ثم صرخت بشكل مفاجئ:
- رسلااان!
رفع رأسه إليها بإستغراب تحول إلى صدمة.
ركضت إليه بفرحة تحت إندهاش الجميع وعانقته قائلة:
- وحشتني اوي يا حبيبي، مجيتش عندنا ليه من زمان؟
وقبل أن يفيق أحدهم من دهشته كانت عائشة تتساءل:
- هو انتِ تعرفي رسلان؟
إلتفتت مريم إليها ثم قالت بتفكير:
- ايوه، وأعتقد اني حكتلك عنه قبل كده.
عقدت حاجبيها بمحاولة للتذكر لكنها لم تستطع فقالت:
- حكيتيلي عنه امتى؟ أنا مش فاكرة اني سمعت إسم رسلان قبل كده أصلا!
- لا حكيتلك عنه، فاكرة لما كنت بقولك ان عندي أخ في الرضاعة قمر ولو مكنش أخويا وماما رضعته مع اخويا الكبير كنت اتجوزته؟
ضحك أكرم في تلك اللحظة هاتفا:
- مريم؟! معرفتكش والله كبرتِ واتغيرتِ اوي.
طالعته بإستغراب ثم فتحت عينيها بصدمة وصاحت:
- لا لا! متقوليش ان ابن الشوقر دادي بتاعي طلع عمو أكرم!
تطلع إليها الجميع بعدم فهم بينما تمتمت عائشة بغيظ:
- فضحتينا!
تجاهلت نظراتهم ثم إتجهت نحو أكرم وهي تفتح ذراعيها مستعدة لإحتضانه لكنها شعرت بيد تدفعها بعيدا فنظرت إلى صاحبها لتجد تلك التي كانت تحتضنه تطالعها بنظرات نارية.
إقتربت منها مريم بغضب وصرخت:
- انتِ مجنونة؟ عملتِ كده ليه؟ وانتِ مين أصلا؟ أنا فاكرة ان مفيش بنات في عيلة رسلان.
أجابت ببرود محافظة على نفس نظراتها:
- انتِ متقربيلوش حاجة، يبقى ملكش حق تحضنيه، وأنا ابقى بنته والبنت الوحيدة في العيلة ولو مش عاجبك في حيطان كتيرة في القصر اختاري منهم واحد واخبطي راسك فيه.
إستفزتها طريقتها في الكلام كثيرا وكادت تحضرها من شعرها لولا أكرم الذي تدخل وهو يهمس لبدور:
- خلاص يا بدور! هي عملت ايه لكل ده؟
لوت شفتيها بتذمر هامسة:
- كانت هتحضنك! وانا مسمحش لاي بنت غيري انها تحضنك!
قرص خدها قائلا بضحكة:
- بتغيري عليا؟
أومأت بتأكيد قبل أن تنتبه إلى تلك التي تنظر إليها من أعلى إلى أسفل بقرف، إغتاظت بشدة من نظراتها لكنها تظاهرت بعدم الإهتمام وحضنت والدها قائلة بصوت عال:
- محدش مسموح ليه يحضن بابا غيري!
خطفت نظرة نحو رسلان قبل أن تركز بنظرها نحو غريمتها الجديدة بتحدي.
إبتسمت مريم بخبث حين لاحظت نظرتها السريعة نحو أخيها فإقتربت منه وحضنته قائلة بإستفزاز:
- مش مهم، أنا حضن رسلان مكفيني!
واصلت إظهار اللا مبالاة رغم الغيرة التي تكاد تأكلها من الداخل وهتفت ببرود مصطنع:
- ميهمنيش، أنا لما بحضن بابا بحس بحنانه بس رسلان ده بارد ومش حنين خالص!
صدحت ضحكات أكرم وخالد في المكان بينما رفع رسلان حاجبه بإستنكار.
إلتفتت إليها مريم وصرخت بغضب:
- متقوليش على أخويا بارد! ده كل البنات بتتمنى بس بصة منه.
إبتعدت عن والدها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وتهز كتفيها بعدم إهتمام قائلة:
- أنا مش منهم ..
وقبل أن تنطق الأخرى كان رسلان يكمم فمها بكفه هامسا بملل:
- خلاص يا مريم، بطلي خناق معاها!
أبعدت يدها عنه وهمست هي الأخرى بغيظ:
- طب يرضيك الي بتقوله البت دي الي مش عارفة لحد دلوقتي هي بنت عمو أكرم ازاي وعمو أكرم كان عنده بنت وحدة وما ...
قطعت كلامها وهي تفتح عينيها بصدمة ثم تطلعت إليه فأومأ مؤكدا:
- ايوه، هي دي بنته الي كنا فاكرين انها ماتت.
- ازاي؟
نظر إلى بدور التي بدأت تحدث عائشة متصنعة عدم إهتمامها لما يقولان.
لوى شفتيه بسخرية ثم حاوط كتف مريم بذراعه بحركة أشعلت غيرتها وهي تطالعهما بطرف عينيها، وإستأذن الجميع ليصعد بها إلى غرفته بنية الحديث معها....
دخل غرفة والده حين أذن له بذلك فوجده يجلس على سريره ويمسك بإطار يحمل صورة إبنته الراحلة وعائلتها، جلس بجواره بصمت فبادر والده بالحديث قائلا:
- اتكلمت معاها يا عامر؟
- ايوه، وكلامي كان صح، هناء مخرجتش معاه لمجرد انها حبته أو انه عرف يضحك عليها.
- امال خرجت معاه ليه؟
سكت قليلا ينظر إلى صورة أخته ثم أجاب بتردد:
- قالتلي ان الي كانت بتخرج معاه هو .. هو الي ق'تل أختي حلا وجوزها عابد.
تطلع إليه والده بصدمة ثم قال:
- وهي عرفت منين؟
- قالتلي ان عابد وأبوه كان بينهم عدا'وة، وهي شكت فيه لما بدأ يتقرب منها بعد مو'ت عابد وحلا.
عقد حاجبيه بحيرة متسائلا:
- أبوه الي هو مين؟ وهي عرفته منين أصلا؟
- بتقول ان اسمه كامل الدمنهوري، عارفه؟
ضيق عينيه بتفكير ثم نفى برأسه قائلا:
- حاسس اني سمعت اسمه قبل كده بس مش فاكر فين.
أومأ عامر بتفهم ثم تنهد قبل أن يستمع إلى صوت والده يردف:
- وايه سبب العدا'وة الي بينه وبين عابد؟
قوس شفتيه بجهل مجيبا:
- معرفش، وحتى هناء متعرفش وكل الي هي عارفاه ان في بينهم عدا'وة كبيرة وبس.
أخفض رأسه بحيرة ثم رفعه محدثا عامر:
- سيبني لوحدي دلوقتي يا ابني.
هز عامر رأسه بطاعة ثم خرج من الغرفة ونزل إلى قاعة الجلوس وما قصته عليه هناء لا يزال يشغل باله.
وجد إبنة أخته الصغرى دينا ترتدي ملابس الخروج وتحاول إقناع هناء بالخروج معها.
جلس قريبا منهما وقال مقاطعا دينا:
- هناء متعاقبة يا دينا، لو عايزة تطلعي روحي لوحدك.
لوت شفتيها بتذمر وصاحت:
- يعني ايه متعاقبة؟ هي مش صغيرة عشان تتعاقب من الخروج وبعدين انا رايحة عند جيراننا هنا يعني مش بعيد!
نفى برأسه بإعتراض فإتجهت نحوه وجلست بجانبه هامسة:
- بليز يا خالو! أنا عايزة اعمل اي حاجة عشان اطلع هناء من المود الي هي فيه، وأنا متأكدة انها لو اتعرفت على بدور هتطلعها منه.
عقد حاجبيه بإستغراب وتساءل:
- بدور مين؟
أجابت وهي تشير إلى مكان عشوائي:
- صاحبتي في الجامعة وهي ساكنة هنا جنبنا.
مط شفته السفلى بتفكير قبل أن يومئ بموافقة:
- اوك، بس خدي بالك منها ..
- أكيد!
صاحت بها دينا ثم عادت إلى إبنة خالتها وقالت بحماس:
- يلا اطلعي جهزي نفسك عشان نروح!...
كانت تجوب الغرفة ذهابا وإيابا مسببة الإزعاج لتلك التي تجلس على السرير وتراقبها بملل.
توقفت أخيرا متمتمة بنفاذ صبر:
- أنا مش فاهمة بيعملوا ايه في الاوضة من ساعة؟
أبعدت الأخرى الكتاب الذي كانت تقرأ فيه وزفرت بضيق قائلة:
- يعني هيكونوا بيعملوا ايه يا بدور؟ واحد وعايز يتكلم مع أخته الي مشافهاش من زمان لوحدهم عادي!
صرخت وهي تجلس أمامها بعنف:
- لا مش عادي يا عائشة مش عادي! انتِ عارفة يعني ايه الي بيحصل ده؟
رفعت حاجبها بإستغراب وتساءلت:
- يعني ايه؟
رفعت بدور رأسها بتفكير ثم طالعتها قائلة بقهر:
- معرفش، بس الي انا عارفاه انه يعني حاجات كتيرة اوي!
قلبت عائشة عينيها بملل ثم قالت قبل أن تعود لقراءة كتابها:
- بطلي غيرة يا بدور، ومتنسيش انها أخته مش حد غريب عنه.
عقدت ذراعيها أمام صدرها ورفعت رأسها متمتمة بلا مبالاة مصطنعة:
- مش غيرة ولا حاجة، أنا بس حاسة انهم بيخططوا لحاجة مش كويسة، مانا أخته برضه وعمره ما قعد معايا لوحدنا كد ...
قاطعتها عائشة بنظرة غريبة:
- أنا عارفة انك مش أخته، مش محتاجة تمثلي قدامي.
نظرت إليها بإستغراب وتساءلت:
- عرفتِ منين ومن امتى؟
- من بعد ما جيت، خالد حكالي عن حاجات كتير وعرفت كل حاجة عن العيلة تقريبا.
أومأت بتفهم ثم سكتت قليلا قبل أن تسأل بتردد:
- طب هو ممكن أعرف .. عمي محمد طلق مامتك ليه؟
أجابتها بهدوء على عكس توقعها:
- ماما كانت بنت متدلعة وعيلتها كانت من الطبقة الغنية وعايشين في قصر وعندهم خدم زي هنا بالضبط، ومكنتش مهتمة غير بأصحابها وخروجاتها وحفلاتها وكده، ولما اتعرفت على عمو محمد حبوا بعض وعمو محمد مهتمش بانها متعرفش تعمل حاجة في البيت لانه عايش في قصر فيه خدم زيها فاتجوزها، بس بعد ما خلفت اخواتي حس انها مهملة اوي ناحيتهم وكان ديما بيحذرها بس هي مهتمتش، لحد ما أخويا عدي كان هيغرق قدامها وهي موجودة ومخدتش بالها منه وعمو محمد لحقه بس طلقها لانه شاف انها متنفعش تكون أم ليهم ..
إستطاعت بدور ملاحظة نبرة الحزن التي حاولت الأخرى إخفاءها فتمتمت محاولة مواساتها:
- متزعليش طيب، انتِ دلوقتي عندك خالد وعدي ...
- أنا مش زعلانة منها، أنا زعلانة عليها .. هي صحيح مكنتش مهتمة بيا اوي زي مانا عايزة بس عمرها ما عاملتني وحش ابدا.
- زعلانة عليها ليه؟
لم تنتظر إجابتها كثيرا عندما سمعت صوت ضحكات مريم يصدح في أرجاء الرواق.
تحولت ملامحها إلى الغضب وتمتمت بغيظ وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
- بصي بتضحك ازاي؟ ده كان بارد ومصدرلنا الوش الخشب ولما حبيبة القلب جت اتحول تماما وبقى بيضحك وبيضحكها ..
حاولت عائشة منع إبتسامتها من الظهور قائلة بنبرة ذات مغزى:
- أولا، دي أخته مش حبيبة القلب، ثانيا .. وانتِ مالك بيهم أصلا؟ على فكرة انتِ ملكيش حق تغيري عليه لأن مفيش بينكم حاجة اعتقد، إلا لو كنتِ معجبة بيه أو حاجة زي كده ...
نظرت إليها بدور بإستنكار وهتفت سريعا:
- معجبة بيه؟! لا يا بنتي ده مش ذوقي أصلا، وانتِ فاهماني غلط، أنا مش غيرانة عليه ولا حاجة .. أنا بس بعتبره أخويا وخايفة عليه من الساحرة الشريرة الي برا دي!
حركت رأسها بقلة حيلة ثم قالت:
- انتِ بتغلطي في البيست الفريند بتاعتي على فكرة!
طالعتها بدور بعدم فهم قبل أن تفتح فمها بصدمة صائحة:
- نعمم؟! بقى انتِ يا عائشة بتصاحبي ساحرات شريرات زي دي؟ لا ده انتِ خيبتِ أملي فيكِ يا عائشة!
قالت جملتها الأخيرة بخيبة أمل مصطنعة، وقبل أن تنتظر رد فعل عائشة على كلامها كانت تتجه نحو الباب لتفتحه قليلا وتختلس النظر إلى تلك الساحرة الشريرة ورسلان.
إحمر وجهها من شدة الغيظ وهي ترى كيف تتعلق برقبته من الخلف وتقول بدلال:
- اشتريهالي النهاردة يا سولي .. بلييز!
عضت على شفتيها بغضب وحاولت رؤية ملامحه لكنها لم تستطع لأنه كان يوليها ظهره وإكتفت بالإستماع إلى ما يقول:
- ماشي يا مريم، هشتريهالك بس مش النهاردة لاني تعبان.
أخفضت ذراعيها عن رقبته قائلة بإستسلام:
- ماشي ..
لاحظت بدور إلتفاته ليظهر لها وجهه الذي رسم عليه إبتسامة صغيرة وربت على شعر مريم ثم تركها ونزل إلى الأسفل.
أغلقت بدور الباب بغيظ ثم قالت بسرعة مخاطبة عائشة بعد أن وقفت أمامها:
- بصي، أنا ميهمنيش الساحرة الي برا دي هي ايه بالنسبالك بس عايزاكِ تسأليها هو ايه الي عايزة رسلان يشتريهولها؟
أجابتها دون أن ترفع عينها عن الكتاب الذي تقرؤه:
- دي أكيد عايزة تشتري رواية.
رفعت حاجبيها متسائلة بدهشة:
- ايه ده؟ هي طلعت مثقفة وبتقرا روايات؟
كتمت ضحكتها ثم نفت برأسها قائلة:
- مثقفة ايه يا بنتي؟ دي بتقرا روايات رومانسية عشان تتعلم ازاي تتعامل مع جوزها في المستقبل!
ضحكت بدور بسخرية معقبة:
- رومانسية؟! وأنا الي انصدمت لما افتكرت انها مثقفة بس الاشكال دي مش ممكن تكون مثقفة أبدا .. ده حتى الرومانسية مش لايقة عليها!
فتح الباب بعنف إثر إنتهاء كلامها لتدخل من خلاله مريم وتتجه للوقوف أمامها صائحة بشراسة:
- مين دي الي الرومانسية مش لايقة عليها يا عينيا؟!
أجابت ببرود وإبتسامة مستفزة:
- انتِ ..
إحمر وجهها وأخذت شهيقا عميقا تنوي إطلاق سلسلة من الشتا'ئم من بين شفتيها لكن إنفتاح الباب ثانية منعها عن ذلك، إنتبهت بدور إلى دينا التي دخلت وهي تسحب خلفها فتاة تبدو أكبر منهن سنا فهتفت بإستغراب:
- دينا؟ بتعملي ايه هنا؟
أجابت وهي تجلس بجانب عائشة على السرير:
- زهقت وكنت عايزة اكلمك بس فونك كان مقفول فجيت عشان اطمن عليكِ وجبت معايا هناء عشان اعرفك عليها.
أشارت في نهاية حديثها إلى التي أحضرتها معها والتي إبتسمت لها ببعض الحرج وهي تلعن دينا بداخلها، بادلتها بدور الإبتسامة دون أن تحدثها حين شعرت بإحراجها ثم استمعت إلى سؤال دينا وهي تشير إلى عائشة ومريم:
- وانتِ مش هتعرفيني على الي معاكِ؟
أشارت بدور إلى عائشة قائلة:
- دي عائشة، أخت خالد ابن عمي من أمه ..
ثم أشارت إلى مريم وهي تلوي شفتيها بقرف مضيفة:
- ودي وحدة عقر'بة والا حرباية والا جرادة مش عارفة ايه بالضبط بس هي اي نوع من الحشرات غير الفراشة أكيد!
رفعت دينا حاجبيها بإستغراب بينما إتسعت عينا مريم بصدمة ثم أخذت شهيقا ثانيا مستعدة لشت'مها حقا لكنها فشلت هذه المرة أيضا بسبب دخول التوأم سرين وإيلين وإسراعهم نحو بدور قائلين بلهفة وبصوت واحد:
- انتِ كويسة يا بدور؟
تطلعت إليهما بإستغراب متسائلة:
- اه، في ايه؟
أجابت إيلين بتنهيدة راحة:
- فونك كان مقفول من اول ما روحنا من الجامعة وسبناكِ عشان كده قلقنا عليكِ.
رفعت حاجبيها بتعجب ثم إبتسمت هاتفة بمرح:
- ايه ده؟ كل ده عشان فوني كان مقفول بس؟ امال لو استخبيت وعملت نفسي مخطوفة هيحصل ايه؟
كانت تقول ذلك وهي ترمق مريم بنظرات ذات مغزى وكأنها تريد أن توصل إليها رسالة ما، لكن الأخرى لوت شفتيها بقر'ف وأشاحت بوجهها بعدم إهتمام إستفز بدور وبشدة....
كانت الفتيات تتبادلن أطراف الحديث بغرفتها بعد أن إنضمت إليهم براءة وكذلك رحمة التي قدمت لتطمئن على والدتها.
نظرت بدور إلى ساعتها لتقطع الحديث قائلة بحماس:
- بنات! ايه رايكم تفضلوا هنا لحد العشا ونتعشى مع بعض؟
أجابت رحمة سريعا:
- أنا كده كده كنت هفضل مع ماما وسيبت اخويا الصغير عند جارتنا، سوو موافقة!
تبع كلامها موافقة دينا وهي تقول:
- وأنا وهناء هنفضل هنا برضه، أكيد خالي هيوافق!
همست لها هناء بإعتراض:
- خلينا نروح يا دينا، خالي أصلا لو عرف اننا في قصر العمري المعروف بأن كل الي فيه شباب هينفخنا.
هزت كتفيها بعدم إهتمام قائلة:
- متقلقيش مش هيعرف.
إلتفتت بدور إلى إيلين التي إلتفتت بدورها إلى سرين فأجابت الأخيرة برفض:
- أسفة، بس احنا لازم نروح.
صاحت إيلين بإعتراض:
- ليه يا سرين؟ احنا لو كلمنا ماما هتسمحلنا نفضل هنا عشان بدور ..
قاطعتها توأمها بإصرار:
- ده لانها واثقة فينا، بس أنا مش هقبل باني افضل في قصر اصحابه كلهم رجالة وانتِ عارفة سمعنا ايه يومها عن ...
قطعت كلامها وهي تشير إلى براءة بنظرة خاطفة ففهمت إيلين قصدها وكذلك بدور التي سارعت بالحديث:
- احنا مش هنختلط بالشباب أبدا متقلقيش، وبعدين الموضوع ده انتِ فاهماه غلط وأنا هشرحلك بعدين ..
كانت بقية الفتيات تنظرن إليهن بعدم فهم ولكن لم تتجرأ إحداهن على السؤال فمن الواضح أنه سر بينهن ولا يحق لهن معرفته، ولكن رغم ذلك حاولن جميعا إقناع سرين إلى أن رضخت إلى طلبهن في النهاية.
تطلعت عائشة إلى مريم متسائلة:
- وانتِ يا مريم؟ أكيد أخوكِ هيسمحلك تفضلي لو عرف ان رسلان وعمو أكرم هنا.
كادت مريم تجيبها لكن بدور قاطعتها هاتفة بإعتراض:
- وهتفضل معانا ليه؟ انا مكنتش بقصدها مع البنات، أنا مستحملاها بالعافية أصلا بس مش عايزة ابقى قليلة الذوق معاها واطردها ومستنياها تحس على نفسها وتروح بكرامتها احسن ما تروح من غيرها!
جحظت عينا مريم ثم ضغطت على أسنانها وصاحت بغيظ:
- على اساس انك ذوق اوي معايا يعني! وبعدين أنا قاعدة هنا عشان عائشة مش عشان سواد عيونك مثلا؟!
إبتسمت بإستفزاز وتمتمت:
- ميهمنيش قاعدة عشان مين، بس الي انا اتأكدت منه انك عديمة الكرامة لاني طردتك بطريقة غير مباشرة وانتِ لسه قاعدة هنا.
وقفت مريم من مكانها وهي تصرخ بغضب مشيرة لنفسها:
- أنا عديمة الكرامة يا قليلة الذوق يا زبا'لة انتِ؟!
أخذت نفسا عميقا تهدئ به نفسها ثم أردفت بتوعد:
- ماااشيي! انا هشتكيكِ لرسلان، وعلى فكرة هو مش هيسكتلك!
توجهت للخروج من الغرفة لكن سكوت بدور إستفزها فوقفت وهي تضيف:
- وهقوله برضه انك بتعملي معايا كده لانك غيرانة مني لاني حضنته وانتِ لا، وهقوله كمان انك معجبة بيه!
غادرت الغرفة قبل أن تفيق بدور من صدمة ما قالته وكذلك الفتيات اللواتي صدمن أكثر وهن يرون بدور وهي تتجه نحو أحد الأدراج وتخرج منه مشرطا حادا ثم تتجه ناحية الباب تتبع مريم وهي تصرخ:
- استني هنا يا بنت الك'لب! مين دي الي غيرانة منك؟ أنا بقى هقتلك واخلص منك!
فزعت الفتيات عند رؤية المشرط وركضن خلفها غافلين عن وجود الشباب بالأسفل وحيث تتجه مريم وخلفها بدور.
كانت دينا تركض خلف الفتيات عندما لاحظت عدم وجود هناء معهم، وقفت قليلا تفكر في الأمر لتجد أن بدور لا يمكن أن تؤذي مريم وأنها فقط قد جنت قليلا فهزت كتفيها بلا مبالاة ثم صعدت الدرج ثانية لتعود إلى أختها، ولكن قبل وصولها وعند وقوفها في منتصف الدرج سمعت صوتا رجوليا لم تعرف صاحبه يهتف بإسمها:
- دينا؟
رواية اسرار عائلتي الفصل السادس عشر 16 - بقلم اروى مراد
كانت دينا تركض خلف الفتيات عندما لاحظت عدم وجود هناء معهم.
وقفت قليلا تفكر في الأمر لتجد أن بدور لا يمكن أن تؤذي مريم وأنها فقط قد جنت قليلا.
فهزت كتفيها بلا مبالاة ثم صعدت الدرج ثانية لتعود إلى أختها.
ولكن قبل وصولها وعند وقوفها في منتصف الدرج سمعت صوتا رجوليا لم تعرف صاحبه يهتف بإسمها.
"دينا؟"
إلتفتت إليه لتجده أحد شباب العائلة والذي لم يكن سوى يامن، شقيق ياسر وياسين.
فعقدت حاجبيها بإستغراب وتساءلت:
"نعم؟ انت مين وعرفت اسمي ازاي؟"
إبتلع ريقه ووقف مكانه وهو يراها تقترب منه وترمقه بنظرات غير مريحة.
حك عنقه بتوتر ثم أجاب:
"ااء .. أنا يامن."
رفعت حاجبها باستنكار قائلة:
"وانا مالي ومال اسمك؟"
نظر إليها بغباء متمتما:
"مش انتِ سألتيني أنا مين؟"
رفعت حاجبها الآخر لتعلو ملامح الصدمة وجهها ثم عقدت كليهما بغيظ وصاحت:
"انت فاهم قصدي، متستغباش! عرفت اسمي منين؟"
"وأنا هعرفه منين؟"
قالها بحاجب مرفوع.
فهتفت بسخرية:
"اه اسفة، سمعت صوت عفريت بينادي باسمي وحسبته انت!"
تحدث متظاهرا بالغباء رغم علمه بأنها متيقنة من أنه هو من نادى بإسمها:
"لا أكيد بيتهيألك! مفيش عفاريت هنا في القصر!"
كزت على أسنانها بغيظ ثم ضيقت عينيها قائلة بتحذير:
"بص يابني، متفتكرش اني من البنات الي سهل تضحك عليهم بكلمتين تمام؟ ولو جربت تقرب مني مش هقولك انا ممكن اعمل فيك!"
قالت كلماتها وسارت مبتعدة عنه فحاول إيقافها صائحا بسرعة:
"استني! انا عارف انك مش منهم متقلقيش! وبعدين أنا مش من الولاد الي بتكلم بنات، متفهمينيش غلط!"
لكنها كانت قد إختفت من أمامه متجاهلة كل ما قال.
تنهد بضيق وإستدار للنزول إلى قاعة الجلوس لكنه وجد إبن عمه أدم يقف أسفل الدرج وينظر إليه بإبتسامة خبيثة.
وعند وصوله إليه هتف بسخرية:
"متقوليش ان دي حبيبة القلب الي بتقعد تتفرج على صورها كل ليلة من غير ما تحاول تتكلم معاها؟"
رمقه يامن بلا مبالاة وتخطاه متجاهلا إياه.
لكن الآخر تبعه مردفا بذات النبرة الساخرة:
"اااهاا فهمت، كنت خايف تهزقك زي ما عملت معاك دلوقتي وضيعت هيبتك قدامي صح؟"
زفر بغيظ لكنه واصل تجاهله حتى دخل قاعة الجلوس دون أن ينتبه إلى تلك الفتيات الثلاث الواقفات على المدخل.
لكن أدم وقف عندهن وبالضبط إلى جانب إيلين وقال بمرح:
"ايه ده؟ القطة الخوافة مشرفانا هنا وانا معرفش؟"
أشاحت إيلين بوجهها متجاهلة إياه.
ولكنها شعرت بتوأمها بجانبها تمسك بذراعها وتخاطب أدم بضيق:
"ممكن متكلمهاش كده؟ ويا ريت لو تبعد عنها خالص!"
طالعها أدم بإستغراب متسائلا:
"ليه؟ أنا كنت بهزر بس، مش قصدي اضايقها!"
طالعته إيلين بإستنكار.
بينما أجابته الثانية بهدوء:
"انت غريب عنها ومينفعش تهزر معاها كده، وأصلا قعدتها معاك لما اتفرجت معاكم على الفيلم كانت غلط!"
هز رأسه بتفهم ثم أردف بنبرة تبدو جادة رغم مزاحه:
"بس أنا مش غريب على فكرة، أنا واحد معجب باختك وعايزها تبقى ليا."
نظرت إليه إيلين بصدمة ثم إلى أختها التي قالت بجدية:
"يبقى تدخل البيت من بابه وتجي تطلب ايدها من بابا."
ضحك على جديتها ثم هتف بمرح قبل أن يتركهن ويدخل قاعة الجلوس:
"لا يا بنتي انا مش من الناس دي، أنا من بتوع السكك الشمال بس!"
نظرت سرين إلى إثره وهي تلوي شفتيها بقرف متمتمة:
"ايه العيلة القليلة الادب دي؟ هو مفيش حد فيهم بيتكسف والا ايه؟ أنا بدأت اخاف على بدور بصراحة!"
تحدثت رحمة في تلك اللحظة والتي كانت تقف معهم وتراقبهم بصمت:
"متقلقيش عليها، هما ممكن يكونوا قليلي الادب بس مش كلهم، والأهم أن عمو أكرم أكتر حد متدين فيهم وبيخاف ربنا وبما انه والدها يبقى متقلقيش!"
تطلعت إليها إيلين بإستغراب وقالت:
"بتتكلمي كأنك عارفة العيلة دي كويس."
أجابتها بثقة:
"مش كويس بس أنا عارفة شخصية كل واحد فيهم تقريبا .."
سكتت قليلا بتفكير ثم تابعت بحماس:
"تعالوا معايا احنا هنطلب من ماما تعمللنا حاجة ناكلها وهحكيلكم حكايات كتيرة عنهم هتعجبكم! ..."
جلس آدم بجوار أخيه أدهم وهو ينظر إلى بدور ومريم اللتان كانتا تتشاجران أمام جميع أفراد العائلة _عدا أمجد وعدي_ بصوت عال.
إلتفت إلى أخيه متسائلا بإستغراب:
"هو في ايه هنا؟"
أجابه وهو يجلس إبنته على حجره ويسرح شعرها بحنان لا يناسبه:
"معرفش، كنا قاعدين عادي لما دخلت علينا البنت دي وراحت لرسلان وبتقوله ان بدور معجبة بيه وبعدها بدور جت وفضلت تكدب فيها ولحد دلوقتي وهما لسه بيتخانقوا."
"وهي مين البنت دي أصلا؟"
"دي مريم، أخت شادي الي رضع مع رسلان، يعني أخته في الرضاعة."
هز أدم رأسه بفهم ثم بدأ يتابع الشجار بمتعة.
أما أدهم فقد إنتهى من تسريح شعر إبنته فإبتسم بفخر منتظرا منها شكره.
لكنها ملست عليه بيدها قائلة بتذمر:
"انت بوظته اكتر يا بابا بدل ما تسرحه، أنا عايزة دادة سماح هي بتعرف تمشطه كويس مش زيك!"
ظهرت خيبة الأمل على وجهه لكنه سرعان ما إبتسم هامسا لها بحنان:
"أنا كلمت جدو وهو وافق اني اجيبها ومن بكرة هتبقى دايما معاكِ، وكمان هسجلك في مدرسة وهتروحيلها كل يوم زي مانتي عايزة!"
إلتفتت إليه بفرحة وصاحت:
"بجد؟!"
أومأت بتأكيد فعانقته قائلة بحب:
"بحبك اوي يا بابا!"
"وأنا كمان يا حبيبتي!"
"اتأثرت اوي!"
رفع عينه لصاحب الصوت ليجد بدور تقف أمامه وتمسح دمعة وهمية من عينيها بعد أن توقفت عن الشجار مع مريم.
طالعها بغيظ لسخريتها ثم تجاهلها ولم ينطق بكلمة.
عم السكوت في المكان لثوان قبل أن يقطعه خالد قائلا براحة:
"ياااه! شايفين الهدوء حلو ازاي؟ اخيرا وقفتوا خناق انتِ وهي!"
لم تهتم بدور لكلامه.
ولكن مريم صاحت به بغيظ:
"وانت مالك اصلا نتخانق والا منتخانقش؟ هو مفيش حد كبير هنا يعلمك متحشرش انفك في حاجة متخصكش؟"
لوى خالد شفتيه بقرف ولم يشأ أن يرد أمام عائلته.
بينما جالت مريم ببصرها على الجالسين حتى وقع على صاحب الشعر الأبيض الذي كان يحاول إخفاء وجهه منذ مجيئها.
ضيقت عينيها وهي تتطلع إليه بتركيز قبل أن تصيح:
"الشوقر دادي بتاعي!"
عض عبد الرحمان على شفتيه وهو يراها تقترب منه وتقول بمرح تحت نظرات الجميع المستغربة:
"انت مستخبي مني من بدري ليه؟"
تظاهر بالغباء محاولا الحفاظ على هيبته أمام أحفاده وقال:
"انتِ بتقولي ايه يا بنتي؟ هو انا شفتك اصلا قبل كده؟"
أجابت بإيماءة وبصوت سمعه الجميع:
"ايوه في الفيديو كول لما كنت بتكلم مع عائشة وقلت انك موافق تتجوزني، انت مش فاكر؟"
إبتلع ريقه وحاول قول أي شيء ينفي ما حدث ولكن صوت إنكسار صدر فجأة منعه عن ذلك وشغل الجميع عنه.
نظروا إلى أشلاء ذلك الكأس الزجاجي الذي كسر بين يدي رسلان عندما كان يضغط عليه بقوة بإستغراب.
لم يكد أحد يسأله عما حصل حتى وجدوه يقف بأعين لا تبشر بالخير ثم يسحب مريم ليخرج بها أمام أعينهم دون أن ينطق بحرف.
شعرت بالخوف من نظراته التي تراها لأول مرة، فهو لم يكن يغضب منها أبدا.
وقف بعيدا عن قاعة الجلوس ثم صاح مخاطبا إياها:
"انتِ اتخطيتِ حدودك اوي يا مريم! ظهرتِ قدام الشباب كلهم وفضلتِ تتخانقي مع البنت التانية قدامهم برضه بصوتك العالي ومتكلمتش لاني عارف ان محدش هيبصلك لانك اختي ولاني مكنتش عايز ازعقلك قدام الكل، بس انك تتكلمي مع جدي بالطريقة دي ولا كانه صاحبك ده الي مش هسمحلك بيه، ودي اخر مرة هتعملي فيها حاجة زي كده يا مريم فاهمة؟"
هزت رأسها بطاعة وخوف فترك يدها وهم بالحديث ثانية لولا صوتها الذي صدر من خلفه قائلا:
"ما شاء الله! طلعت بتحس وبتعرف تغير!"
إلتفت إليها بغضب وصاح بها هي الأخرى:
"ملكيش دعوة انتِ ومتدخليش في حاجة تخصني انا واختي، وارجعي لليفنج قبل ما اعمل فيكِ حاجة مش هتعجبك!"
لوت بدور شفتيها بغيظ رغم خوفها الباطني ثم أشاحت بوجهها قبل أن تغادر من أمامه عائدة إلى قاعة الجلوس.
إلتفت رسلان إلى أخته ثانية وواصل:
"أخوكِ شادي لو عرف انك بتتعاملي كده مع أي حد مش هيسكتلك على فكرة، وأنا مش هقوله بس بشرط .."
نظرت إليه بخوف منتظرة سماع شرطه فأردف:
"اوعديني انك هتعدلي طريقتك دي مع الشباب وهتحطي بينك وبينهم حدود من دلوقتي."
هتفت بسرعة:
"اوعدك والله بس متقولش حاجة لشادي يا رسلان أرجوك!"
"مش هقوله متقلقيش، بس لو معملتيش الي بقولك عليه هتصرف معاكِ أنا بطريقتي!"
قالها بتحذير ثم إبتعد عنها عائدا إلى حيث كان يجلس منذ قليل تاركا إياها تنظر إليه بصدمة من عصبيته التي تراها به لأول مرة.
جالسة على السرير تنتظر عودة الفتيات حتى لا تبقى لوحدها أو تضطر للخروج، فهي صدمت حين أحضرتها إبنة خالتها إلى هذا القصر الذي خرج منه ذلك الذي كان زميل حبيبها المزعوم، ولا يمكنها أن تتجرأ وتخرج من الغرفة حتى لا تقابله صدفة.
إنتظرت لمدة قاربت الربع ساعة لكنها لم تستطع الإنتظار أكثر.
خرجت بحذر وهي تنظر يمينا ويسارا ثم إتجهت ناحية الدرج لتبحث عن الفتيات.
ولكن لسوء حظها الذي يبدو وأنه يشمت بها، سمعت صوته من خلفها يهتف بسخرية:
"أهلا وسهلا! وانا بقول القصر منور ليه!"
تعرفت على صوته بسرعة فأغمضت عينيها بشدة تلعن حظها.
ثم إلتفتت إليه قائلة وهي تحاول رسم الجمود على ملامحها:
"عايز ايه؟"
إقترب منها وهو يضع يديه بجيب بنطاله متسائلا:
"هو جدك ازاي سمحلك تطلعي من بيتكم تاني بعد الي شافه في اليوم الي خرجتِ فيه مع وائل؟"
لوت شفتيها بغيظ منه وصاحت:
"وانت مالك؟"
أجابها بسخرية ونبرة مستفزة:
"أنا بس كنت خايف يضحك عليكِ تاني لو شوفتيه صدفة."
عقدت ذراعيها أمام صدرها وتحدثت بثقة:
"متقلقش، مش هناء عابد الي اي حد ممكن يضحك عليها بسهولة، وعلى فكرة أنا كنت عارفة نيته من البداية!"
إبتسم بتهكم وتمتم قبل أن يتخطاها لينزل الدرج:
"لا واضح!"
رمقته بغيظ وهمت بالعودة إلى غرفتها لكنها وقفت قليلا تفكر في شيء ما.
فركضت خلفه وإستوقفته بسرعة:
"استنى!"
توقف وإستدار إليها فتساءلت:
"هو انت ووائل كنتوا صحاب قبل كده؟"
لوى شفتيه بإستنكار وصاح:
"طبعا لا! أنا مش بصاحب حيوانات زيه!"
ظن أنها ستغضب منه لشت'مه لحبيبها ولكنه تفاجأ بها تقول:
"أنا عايزاك تساعدني."
إستفسر بحاجب مرفوع:
"اساعدك في ايه ان شاء الله؟"
أجابت بتردد وهي تخفض رأسها:
"أنا مش بحب وائل زي مانت فاكر، أنا كنت شاكة انه قتل بابا وماما ومثلت اني بحبه عشان اتاكد من ده، وو .. انت اكيد عارف عنه حاجات كتيرة وممكن تقدر تعرف اذا كان هو الي قتلهم والا لا!"
رفعت عينيها إليه عند نهاية كلامها فوجدته يرمقها بنظرات غريبة قبل أن يقول موليا إياها ظهره:
"اسف بس مش هقدر اساعدك."
تابع نزول الدرج.
فزفرت بإحباط وهمت بالعودة إلى الغرفة لولا سماعه يصيح:
"مين دي؟ وايه الي وقعها هنا؟"
لحقت به بفضول ونظرت إلى ما ينظر إليه بإستغراب تحول إلى صدمة وصرخت برعب:
"دينااا!!!"
إستمع الجالسون بقاعة الجلوس إلى صوت صراخها فهرول جميعهم إلى مصدره وأولهم يامن الذي تجمدت قدماه عن الحركة وهو يرى حبيبته السرية واقعة أسفل الدرج مغمى عليها.
رفع نظره إلى عدي الذي نزل ليحملها فصاح بصوت أفزع الجميع:
"سييبهاا!"
رواية اسرار عائلتي الفصل السابع عشر 17 - بقلم اروى مراد
إستمع الجالسون بقاعة الجلوس إلى صوت صراخها فهرول جميعهم إلى مصدره وأولهم يامن الذي تجمدت قدماه عن الحركة وهو يرى حبيبته السرية واقعة أسفل الدرج مغمى عليها. رفع نظره إلى عدي الذي نزل ليحملها فصاح بصوت أفزع الجميع:
- سييبهاا!
إنتفض عدي من صراخه وإبتعد عنها وهو يرمقه بإستغراب، تحرك يامن نحوها ببطئ وأبعد الفتيات التي تجمعت حولها بقلق ثم جلس على الأرض حذوها وأمسك برأسها ووضعه على حجره تحت دهشة الكل .. إقترب منهما ياسين وجلس أمامها ليفحصها بما أنه طبيب عظام لكنه وقف ثانية بهدوء دون أن يلمسها حتى. رفع يامن أنظاره إليه متسائلا:
- في ايه يا ياسين؟ مالها دينا؟
أجاب ببرود:
- كويسة ومفيهاش حاجة، واضح انها بتمثل أصلا.
إلتفت إليها يامن بسرعة فوجدها تفتح عينيها وتجلس بسرعة وهي تصيح مخاطبة ياسين:
- ولما انت عارف اني بمثل مسيبتنيش اكمل تمثيلي ليه؟
تجاهل صياحها ولاحظ الشباب في تلك اللحظة تواجد عدد من الفتيات بالقصر، ضحك أدهم بسخرية وهتف وهو يختطف بعض النظرات إلى سرين التي قدمت بسرعة مع رحمة وإيلين عند سماع صراخ هناء:
- برافو والله، القصر الي مكنتش بتدخله ولا ست قبل كده بقى بيعرف بنات كتيرة من أول ما بدور جت هنا، لا وكمان بيدخلوا من غير ما نعرف.
لوت بدور شفتيها بتذمر من سخريته، بينما لاحظ ياسر وجود رحمة معهم فصاح:
- وانتِ ايه الي جابك تاني؟
- وانت مالك؟
إلتفت بإستغراب إلى جده الذي قال ذلك بحدة وكذلك الجميع، نقل عبد الرحمان نظره بينهم ثم خاطب الشباب بنبرة حادة لا تقبل النقاش:
- مفيش حد بيدخل القصر ده من غير ما أعرف، وأنا الي سمحت للبنات انهم يدخلوا ومش عايز حد يعترض على ده!
تبادلت الفتيات نظرات الإنتصار التي إستفزت الشباب وخاصة ياسر فهتف بإعتراض:
- بس ...
قاطعه بحزم:
- انا قلت مش عايز اعتراض يا ياسر، ودلوقتي هتطلعوا كلكم للجنينة لاني محتاج اتكلم معاكم، وانتو خدوا راحتكم بالقصر ..
قال جملته الأخيرة مخاطبا الفتيات ثم إقترب من إبنه أحمد وهمس له بشيئ ما فأومأ له الآخر ثم إلتفت إلى يامن قائلا:
- تعالى انت معايا يا يامن.
تطلع إلى والده بإستغراب لكنه أومأ له بطاعة عندما إستمع لهمس تلك التي مازالت تجلس مكانها على الأرض:
- أنا لسه محاسبتكش على لمسك ليا على فكرة.
رسم على ثغره إبتسامة ساحرة وهمس بدوره:
- هسيبك تحاسبيني زي مانتِ عايزة بس لما تبقي ليا يا روحي!
علقت الكلمات بحنجرتها بسبب ذلك الذي أحرجها بكلماته وغادر مع والده بعد أن غمز لها بنفس إبتسامته الساحرة تلك. حاولت محوها من عقلها وإقتربت من الفتيات اللواتي إجتمعن معا يفكرن فيما سيفعلنه إلى حين موعد تناول العشاء.
...
- أمجد فين؟
تساءل عبد الرحمان وهو يجول بنظره حول الجميع فأجابه عدي قائلا:
- في اوضته، مش عايز ينزل لانه لسه زعلان على صاحبه الي اتوفى.
هز رأسه بتفهم ثم خاطب رسلان بأمر:
- روح ناديله يا رسلان.
حاول الإعتراض لكن أكرم وكزه بخفة وأشار له بعينيه ليطيع أمره. إتجه إلى الداخل ووقف في البهو يستمع إلى صراخ الفتيات السعيدات أو ربما الشامتات بهم لظنهن أنهم طردوا من قصرهم بسببهن. إنتظر لثوان قبل أن تلاحظه إحدى الخادمات وتقترب منه متسائلة عن سبب وجوده:
- اتفضل يا بيه، في حاجة محتاج اساعدك فيها؟
أومأ برأسه قائلا بلباقة:
- ايوه، ممكن تروحي لأمجد فوق وتقوليله يجي هنا لو سمحتِ؟
- حاضر.
إبتعدت عنه لتلبية طلبه فوقف ينتظرها مكانه لكنه فوجئ ببدور تظهر أمامه بعد ثوان. ظن أنها تريد محادثته بشيء ما لكنه رفع حاجبيه بتعجب وهو يراها ترمقه بغيظ من صراخه عليها قبل قليل ثم تشيح بوجهها وتختفي عن أنظاره ثانية.
مط شفتيه باستغراب من تصرفها ثم رفع كتفيه بعدم إهتمام وأسند ظهره على الحائط واضعا أحد كفيه بجيب بنطاله منتظرا قدوم أمجد. مرت دقيقة عندما إستمع إلى صوت خطوات تسير بإتجاهه، رفع رأسه ظنا منه أنه أمجد، لكنه وجدها هي ثانية بنفس نظراتها الغاضبة وهذه المرة كانت تحمل بيدها حقيبة الإسعافات الأولية.
عقد حاجبيه بحيرة من تصرفاتها الغريبة، نظر إليها بتعجب حين مدت له يدها بالحقيبة لكنه فهم مرادها حين تمتمت:
- ايدك بتنزف من بدري، مينفعش تسيبها كده.
نظر إلى كفه الذي كان ينزف حقا منذ كسره للكأس ثم حول بصره إليها وجاهد لمنع إبتسامته من الظهور وهو يلتقط منها الحقيبة قائلا:
- شكرا.
أشاحت بوجهها متظاهرة بأنها لا تزال غاضبة منه رغم دقات قلبها التي لا تدري سبب تسارعها، نظرت إليه من طرف عينها وهو يعقم جرحه ويضمده لكنها لاحظت نصف إبتسامة صادقة ترتسم على شفتيه. إبتسمت هي الأخرى وإلتفتت إليه هاتفة بعفوية:
- ابتسامتك حلوة اوي على فكرة.
لاحظ مراقبتها له فمحى إبتسامته سريعا وعاد البرود يغلف وجهه وهو يواصل تضميد جرحه. تضايقت من ذلك وصاحت:
- هو انت مش بتحب تبتسم قدام حد ليه؟
أجاب ببرود وقد إنتهى مما كان يفعله:
- انتِ عارفة ليه ..
طالعته بحزن ثم إقتربت منه وأمسكت بيده التي كانت تنزف قائلة:
- مهما كان السبب قوي، الدنيا دي مبتستهلش نزعل عشانها ..
سحب يده ببطئ دون أن يتخلى عن بروده لكنها تابعت:
- طول مانت عايش لازم تبتسم ..
واصل هو إتخاذ الصمت جوابا فصاحت بغيظ طفولي:
- انت عارف انك لو مبتسمتش النهاردة انا هعمل ايه؟
طالعها بإستفهام وترقب فتابعت بنبرة بدت له مضحكة:
- هعيط.
أشاح بوجهه عنها فأخفضت رأسها بيأس دون أن تدرك أنه الآن يبتسم على طفولتها وبشدة. رسم البرود على ملامحه ثانية عندما إلتفت إليها في اللحظة التي ظهر فيها أمجد وإقترب منهما بملامح حزينة.
إنتبهت بدور عليه فحضنته عند وصوله إليها وقالت محاولة التخفيف عنه:
- متزعلش يا جوجو، هو دلوقتي في مكان احسن وعايزك تدعيله مش تزعل عليه!
جاهد لرسم إبتسامة صغيرة على شفتيه متمتما:
- ربنا يرحمه.
ثم حاول تغيير الموضوع قائلا:
- عملتِ ايه النهاردة؟
أجابت بهمس:
- كنت هتكلم مع ملاك بس ...
تغيرت نظرته الحزينة إلى الإهتمام وقال بلهفة:
- بس ايه؟
طالعته بنظرات غريبة قبل أن تنفجر في الضحك فجأة. عقد أمجد حاجبيه بإستغراب وتمتم:
- بتضحكي ليه؟
أجابت بخبث:
- مش ملاحظ انك من أول ما جبت في سيرتها نسيت صاحبك وبقيت ملهوف عليها؟
إبتلع ريقه بإحراج وقال:
- لا مش كده، انا بس ...
- انت معجب بيها صح؟
نظر إليها بحيرة ثم تنهد قائلا:
- معرفش، بس أنا حاسس اني مهتم بيها اوي، عايز اعرف عنها كل حاجة، أنا متأكد ان ورا وحدتها دي حكاية وعايز اعرفها ..
مطت شفتيها بتفكير وقالت:
- انا برضه حاسة بكده .. لما دينا اتكلمت معاها وحاولت تصاحبها قالتلها انها مش عايزة صحاب ومعتقدش ان في إنسان عادي هيرفض يبقى عنده صحاب من غير سبب.
- هنعمل ايه طيب؟ احنا لازم نساعدها تبقى ..
- روح اتقدملها.
رفع حاجبيه بتعجب وردد:
- اتقدملها؟
أومأت بتأكيد قائلة:
- يب، انت معجب بيها متنكرش، ممكن لو وافقت عليك هتقدر تصاحبها وتعرف هي ليه مش بتحب تصاحب.
- هفكر ...
كان كل ذلك الحديث يدور أمام رسلان الذي كان يركز بأنظاره على بدور، لم تكن فاتنة أو ساحرة الجمال، مجرد فتاة عادية لكنها محبوبة بأفعالها وتصرفاتها، ذكائها أو غبائها أحيانا، مرحها وإبتسامتها التي ترتسم على ثغرها دائما، محاولاتها في إسعاد غيرها .. ربما لديها بعض العيوب، لكنها مناسبة لأن تكون فتاة أحلام أحدهم ..
مهلا لحظة! ما هذا الذي يفكر فيه؟
نفض تلك الأفكار من رأسه ثم تنحنح حتى ينتبها له وقال مخاطبا أمجد:
- يلا يا أمجد، جدو بيستنانا برا.
- يلا ..
...
كان يسير حول المسبح بالفناء الخلفي بصمت، وإبنه يقف بالقرب منه ينتظر منه المبادرة بالحديث، إستدار إليه أخيرا بعد بضع دقائق قائلا وهو يضيق عينيه بشك:
- مين دي الي كانت بتمثل انها وقعت من السلم، وايه علاقتك بيها يا يامن؟
إبتلع ريقه ثم حك رأسه وهو يلوي شفتيه بتردد من الإجابة، تطلع إلى والده الذي كان يضع يديه خلف ظهره وينظر إليه بترقب فتنهد مجيبا وهو يخفض رأسه:
- إسمها دينا ..
رفع رأسه إليه ثانية عندما لم يتلقى أي رد فعل من والده فأكمل:
- هي ساكنة هنا جنبنا، إنتقلت من فترة قصيرة مع عيلة أمها.
إنتهى من كلامه وهو يشير بإصبعه بإتجاه منزلها، هز أحمد رأسه بصمت منتظرا مواصلة إبنه لحديثه. وضع يامن كفه على مؤخرة عنقه وأخفض رأسه متفاديا النظر إليه دون أن يضيف كلمة أخرى.
زفر الآخر بنفاذ صبر ثم صاح:
- مقولتليش ايه علاقتك بيها؟ وليه كنت خايف عليها اوي ومنعت عدي من انه يشيلها؟
أجابه وهو يلعب بحصى صغيرة وجدها على الأرض برجله دون أن يرفع رأسه:
- بحبها ..
رفع أحمد حاجببه بدهشة ثم تساءل:
- من امتى؟
- من وانا عندي عشرة سنين.
- وانت شوفتها فين أصلا؟
توقف عن اللعب بالحصى لكنه ظل ينظر إليها بشرود، إنتبه أحمد إلى تلك الإبتسامة اللطيفة التي إرتسمت على شفتيه فإبتسم هو الآخر وإقترب منه حتى توقف أمامه، وضع يده على رأسه وبعثره ليفيق يامن من شروده ثم قال بنبرة حانية:
- بتحب من وانت عندك عشرة سنين ومخبي على أبوك؟ ناوي تحكيلي امتى طيب؟
رفع رأسه إليه ثم أجاب:
- هحكيلك دلوقتي بس بشرط ..
رفع حاجبيه بإستنكار فتابع يامن سريعا:
- أنا عايزك تخطبهالي!
تظاهر أحمد بالتفكير ثم إبتسم قائلا:
- موافق، يلا احكي ..
...
ضيق عينيه وهو ينظر إلى ذلك القادم رفقة رسلان ووجهه يبدو عليه التعب الشديد، إبتسم له بحنان فور وصوله وفتح له ذراعيه قائلا وكأنه يحدث طفلا صغيرا:
- تعالى في حضن جدو يا حبيبي تعالى!
إبتسم أمجد مدركا أنه يسخر منه لكنه إستقبل دعوته برحابة صدر وجلس بجانبه سامحا له بإحاطة كتفيه بذراعه. إرتفعت أصوات الشباب الساخرة من تعلقه بأحضان جده كالطفل الصغير، حتى أن أدم كان قد أخرج هاتفه وقام بتصويرهما بإستمتاع ..
لكن أمجد لم يهتم بكل ذلك بل كان ينظر إلى الفراغ بشرود أثار القلق في قلب عبد الرحمان فتساءل:
- مالك يا أمجد؟ حالك مش عاجبني خالص.
أجاب بهدوء:
- ولا حاجة يا جدو متقلقش، أنا بس زعلان على مو'ت صاحبي ..
رمقه بشك هاتفا:
- أمجد! انت مكنتش قريب منه اصلا عشان تتأثر بموته بالشكل ده .. أنا مش غبي عشان اصدق ان حالتك دي بسبب انك زعلان عليه، ده غير انك اكتر واحد مؤمن بقضاء ربنا .. يعني اديني سبب تاني عشان اصدق!
تنهد بتعب ثم قال:
- آه أنا مش قريب منه، بس الي مأثر عليا هو انه انت'حر زي مانت عارف.
طالعه بعدم إقتناع لكنه تنهد بإستسلام قائلا:
- طيب ..
إلتفت إلى بقية أحفاده وجال بنظره عليهم بصمت دام بينهم لدقائق، قطعها هو وهو يردف مخاطبا خالد:
- وانت أختك هتفضل هنا لحد امتى؟
تفاجأ خالد من سؤاله الذي ألقاه على غفلة لكنه أجاب بهدوء:
- لحد اما تتجوز ..
رفع عبد الرحمان حاجبه بإستنكار وهم بالحديث لكن خالد منعه عن ذلك وهو يردف:
- آسف يا جدو بس أنا مش موافق على إقتراحك ومش هعرض على حد من العيلة انه يتجوزها عشان بس تفضل معانا ..
- يبقى ترجع لعيلتها!
عقد حاجبيه بغضب من إصرار جده الغريب .. يعلم جيدا أنه منزعج من عدم زواج أي من أحفاده إلى الآن، لكن ليس لدرجة أن يستغل وضع أخته ليزوجها من أحدهم على الأقل!
زفر بضيق ثم قال:
- مستحيل ارجعها لابوها خاصة بعد ما عرفت انه مجرم!
رمقه الجميع بعدم فهم بينما ردد والده محمد بإستفهام:
- مجرم؟
أومأ برأسه ثم أضاف بتردد:
- ايوة .. بصراحة ...
- احنا قابلنا ماما امبارح وهي الي عرفتنا انه مجرم.
قالها عدي نيابة عنه وبدون تردد فبدا عدم التصديق على وجوه الجميع، بينما أردف خالد وهو يحدق بوالده ويترقب ردة فعله:
- وطلبت مني اساعدها عشان تتطلق منه ..
لاحظ إنعقاد حاجبيه ومحاولته لكبح إعتراضه عن هذه المقابلة. حول أنظاره إلى جده لكنه تفاجأ به يردد بإصرار:
- برضه مش هتفضل معانا إلا لما تتجوز حد من العيلة.
لوى شفتيه بإستنكار وضغط على قبضة يده بقوة في محاولة منه لمنع نفسه عن الصراخ بوجه جده. أخذ نفسا عميقا يهدئ به نفسه لكن عيناه إتسعتا بصدمة وهو يستمع إلى ما ينطق به إبن عمه ياسين بكل برودة أعصاب:
- أنا هتجوزها!
إلتفت إليه ببطئ وتعابير مستنكرة بدت مضحكة للبقية وهتف:
- نعم ياخويا؟!
طالعه ياسين بحاجبين مرفوعين وتساءل ببراءة مصطنعة:
- ايه؟ هو انا قلت حاجة عيب؟
رمقه بغيظ ثم تمتم:
- متحاولش تستفزني يا ياسين، انت عارف اني مستحيل اجوزها لاي حد منكم عشان ...
قاطعه بهدوء:
- وأنا مش هتجوزها للسبب ده.
- امال هتتجوزها ليه؟
- لأني شايفها مناسبة ليا، وأنا زهقت من العزوبية وعايز اتجوز وابني حياتي ..
لوى شفتيه بإعتراض لكنه سكت يستمع إلى بقية حديثه:
- بس طبعا مش هطلب منك انك تجبرها عشان توافق، أنا هتقدملها زي أي واحد بيتقدم لوحدة، عشان كده انا عايزك تحددلي معاد اجي اتقدم فيه.
قال جملته الأخيرة بمزاح لكنه لاحظ شرود خالد به، تنهد هذا الأخير بإستسلام ثم حدق به متسائلا بشك:
- انت متأكد من قرارك ده؟
أجابه ياسين بتأكيد وإصرار:
- اه متأكد، وانت اكتر حد عارف اني مش باخد قرارات متسرعة وأكيد مش هفكر اتجوزها لسبب زي ده وانت كان ممكن تلاقي حل تاني.
زم خالد شفتيه بتفكير ثم قال:
- ماشي، بس لو عائشة رفضت أنا مش هجبرها على حاجة.
كان الجميع يتابع ذلك الحوار بصمت حتى تدخل عبد الرحمان قائلا بإبتسامة راضية:
- كده اتفقنا، بس لو وافقت هنكتب كتابهم على طول ومش هقبل بغير كده.
طالعه خالد بضيق لكنه أومأ بطاعة قبل أن يتمتم:
- ده لو وافقت ..
...
جلست الفتيات حول الطاولة المستديرة بقاعة الطعام وهن يأكلن من ذلك الطعام الذي تضعه الخادمات أمامهن بإستمتاع وكأنهن سيدات القصر، إقتربت كريمة من إبنتها ووقفت خلفها ثم همست في أذنها بغضب طفيف:
- هو أنا مش قلتلك متظهريش قدام الشباب ابدا عشان مش عايزين مشاكل؟
هزت رحمة كتفيها بلا مبالاة قائلة:
- عادي يا ماما مش أنا بس الي ظهرت دول شافوا قدامهم شلة بنات مرة واحدة في قصرهم الي مكنتش في بنت غيري بتدخله ..
وضعت الطعام بفمها ثم واصلت حديثها بفم ممتلئ:
- وبعدين مفيش حد بيعرف اني بنتك غير الواد ياسر ابن عمو أحمد يعني مش هعملك مشاكل متقلقيش!
تنهدت كريمة متمتمة:
- وأنا معنديش مشكلة مع حد هنا غيره.
إبتلعت رحمة ما بفمها ثم إستدارت إلى والدتها متسائلة بشك:
- هو ضايقك يا ماما؟ طريقته في الكلام معاكِ مش عاجباني ولو بجد ضايقك في حاجة قوليلي وأنا هربيه من أول وجديد!
إبتسمت بسخرية معقبة:
- هتعملي ايه مثلا؟
أجابتها ببساطة:
- هشتكيه لعبده!
- عشان تعملي مشاكل بينهم وكرهه ليا يزيد صح؟
نظرت إليها ولم تجب فتنهدة مردفة بجدية:
- أنا هعرف اتصرف معاه يا رحمة، متشغليش بالك بيا ومتقوليش لعبد الرحمان بيه حاجة عشان متبقيش سبب في مشكلة بينهم، ويا ريت لو تقللي من هزارك معاه برضه.
لوت رحمة شفتيها متمتمة بضيق:
- أنا مش عارفة ليه معترضة على هزاري معاه كده!
- لانه مينفعش! احنا صح عارفين نيته ومتأكدين من انه مش بيفكر ياذيكِ بس برضه هيفضل راجل غريب عنك، وبعدين ده خلص السبعين يعني اكبر منك بخمسين سنة تقريبا والمفروض تحترميه مش تهزري معاه .. انتِ مستوعبة يعني ايه أكبر منك بخمسين سنة؟
زفرت بملل ثم قالت بعناد:
- العمر ده مجرد رقم يا ماما، ده عبده ده كيوت خالص ولما تتكلمي معاه بتحسي انه لسه في عز شبابه يعني عادي!
تنهدت كريمة بقلة حيلة وهمست وهي تسير مبتعدة عنها.
- ربنا يهديكِ يا بنتي.
إلتفتت رحمة إلى دينا التي كانت تجلس على يمينها وهتفت:
- بت يا دينا!
طالعتها دينا بإستفسار فسألتها:
- مقولتيش، ليه كنتِ عاملة نفسك مغمى عليكِ؟
همست لها مجيبة:
- بصراحة كده، وأنا بطلع كنت شايفة هناء بتتكلم مع واحد من شباب العيلة ولما شفته جاي ناحيتي نزلت بسرعة ومعرفتش استخبى فين فعملت نفسي وقعت.
تدخلت بدور التي تجلس بجانبها من الجهة الأخرى قائلة وقد إستمعت إلى همسها:
- كانت بتتكلم مع مين؟ هي عارفاهم منين اصلا؟
مطت دينا شفتيها بعدم معرفة قائلة:
- معرفش، بس هي كانت بتتكلم مع الولد الي كان هيشيلني في الأول.
رفعت بدور حاجبيها بإستغراب وتمتمت:
- عدي؟ طب سمعتِ هما كانوا بيقولوا ايه؟
نفت الثانية برأسها بأسف فضيقت بدور عينيها بتفكير وأردفت:
- لو كان حد تاني كنت ممكن اقول انه معجب بيها بس عدي؟
سكتت قليلا تواصل التفكير في السبب الذي يجمع إبن عمها وهناء، لكن سؤال سرين الذي طرحته بصوت عال أخرجها من تفكيرها:
- هو رسلان بيقربلك ايه يا بدور؟
طالعتها بدور بإستغراب ثم قالت:
- أخويا! مانتي عارفة أصلا؟
- امال ليه اتعصبتِ لما مريم قالت انك معجبة بيه؟
فتحت فمها بغباء بينما إبتلعت مريم ريقها عندما إستوعبت فضحها لسر يخص العائلة وهي تعلم جيدا أن هذا أمر لن يمرره رسلان بسهولة.
تلعثمت بدور وهي ترى نظرات البنات المركزة عليها وحاولت الإنكار لكنها أجابت في النهاية بإستسلام:
- فعلا، هو مش أخويا ..
- ازاي؟
تساءلت رحمة فتبادلت بدور النظرات مع عائشة ومريم ثم أجابت كاذبة:
- بابا كان متجوز وحدة أرملة قبل ماما وكان عندها طفل من جوزها الاول وهو رسلان ..
رواية اسرار عائلتي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اروى مراد
استيقظ من نومه في وقت مبكر بسبب رنين المنبه العالي والذي تكاسل عن إغلاقه. توقف عن الرنين بعد ثوانٍ، فاعتدل في جلسته على الفراش وحرك أنامله بين خصلات شعره السوداء وهو ينظر إلى الساعة بعينين ناعستين. وقف بتكاسل بعد وقت احتاج فيه استيعاب ما عليه فعله، ثم اتجه إلى الحمام ليستحم ويصلي صلاة الفجر قبل أن يبدأ في الاستعداد للذهاب إلى العمل.
انتهى من صلاته بعد وقت ليس بقصير، ثم اتجه ناحية الباب وهم بفتحه، لكن رؤيته لقصاصة صغيرة ملقاة تحته منعته عن ذلك. عض شفتيه محاولًا ألا يبتسم، لكنه فشل في ذلك واتسعت ابتسامته رغما عنه. انحنى ليحملها، ثم اتجه ناحية أحد الأدراج وفتحه ليظهر فيه عدد كبير من القصاصات المشابهة.
أخرج بعضًا منهم ووضعهم فوق المكتب يحدق بهم بابتسامته التي فشل في محوها. كانت قصاصات مميزة باللون الزهري صنعت من الورق المقوى وذات رائحة زكية، تضع منها بدور كل ليلة قصاصة أسفل باب غرفته منذ ذلك اليوم. وفي كل قصاصة كتبت فيها جملة قصيرة تدفعه إلى الابتسام رغما عنه.
"ابتسامتك حلوة أوي على فكرة!"
"ابتسم وأنا هديلك شوكولاتة، وعد!"
"شوفتك النهاردة وانت بتحاول تداري ضحكتك لما غمزتلك من البلكونة."
"ما تبتسم يا قمر انت!"
"بيقولوا إن ممكن يجرالي حاجة لو مبتسمتش، يرضيك يجرالي حاجة؟"
"الأبيض لايق عليك على فكرة."
"انت عارف إنك لو مبتسمتش النهاردة أنا هعمل إيه؟ هعيط!"
كان يعيد قراءة ما كتب على بعض تلك القصاصات، لكنه توقف عندما وصل إلى تلك الجملة الأخيرة. ازدادت ابتسامته اتساعًا وهو يذكر ذلك اليوم الذي قالت له فيه تلك الجملة عندما كانت تتصرف معه بغيظ طفولي بسبب صراخه غير المقصود بوجهها. مرت شهور منذ ذلك اليوم لم تحدثه فيهم ثانية، وكانت فقط تكتفي بتلويح يدها له كلما رأته. وهو أيضًا لم يخاطبها أبدًا، حتى أنه لم يبارك لها تخرجها من الجامعة. ورغم ذلك، فقد كانت هي تحاول جاهدة رسم الابتسامة على ثغره عبر وضع قصاصة من تلك القصاصات تحت باب غرفته كل ليلة. ولا ينكر أنها نجحت في ذلك حقًا.
وضع القصاصة التي التقطها قبل قليل على المكتب ليقرأ ما كتبته هذه المرة:
"شفت صورك وانت صغير في ألبوم الصور في أوضة بابا، كنت كيووت أوي وكانت عندك غمازة صغننة على خدك الشمال."
رفع حاجبيه بضحكة ثم التفت إلى مرآة معلقة بزاوية ما بالغرفة. ابتسم ليلاحظ حقًا أن لديه غمازة على خده الأيسر. وضع كفه على رأسه وعض على شفته السفلى هامسًا:
"مش مصدق إن هبلة زيها عملت فيا كل ده!"
أعاد جميع القصاصات إلى الدرج ثم خرج من غرفته لينزل إلى غرفة الطعام. توقف أمام غرفتها لبرهة وهو يطالع بابها بشرود. ابتسم بعد ثوانٍ ثم تابع نزوله وهو يفكر في شيء ما كان قد علق بباله منذ أيام.
دخلت غرفة الطعام بعد استيقاظها في وقت متأخر على غير عادتها، فوجدت عائشة وبراءة تجلسان معًا وتتناولان طعام الإفطار. ابتسمت لهما قائلة:
"صباح الخير."
"صباح النور."
غابت قليلًا داخل المطبخ ثم عادت وبيدها كوب من الحليب الساخن وجلست بجانبهما مردفة:
"رحمة رنت عليا وقالت إنها هتجي النهاردة هي وأخوها الصغير سيف."
طالعتها عائشة بحاجبين مرفوعين هاتفة بحماس:
"هتجيبه بجد؟ أنا متحمسة عشان أشوفه."
"وانتِ يا بيرو؟ مش متحمسة عشان تشوفيه؟"
تساءلت بدور مخاطبة براءة، فهزت الثانية كتفيها بعدم اهتمام قائلة:
"مش أوي، أنا عايزة أصاحب بنات في سني وهو ولد وأكبر مني بأربعة سنين."
ضيقت عينيها بشك وتمتمت:
"هنشوف!"
ارتشفت قليلًا من كوب الحليب ثم أردفت بتفكير:
"وبما إن أمجد فاضي النهاردة، إيه رأيك نقوله يودينا الملاهي مثلًا؟"
أومأت عائشة باستحسان:
"فكرة حلوة، بس لو مش هنضايقه طبعًا."
"لا لا متقلقيش مش هيتضايق، أمجد ده أطيب خلق الله وهيوافق على طول، مش زي بعض الناس في أم العيلة دي!"
"خالد برضه طيب على فكرة هو بس هو مشغول، وياسين كمان طيب!"
همست عائشة بتذمر، فلوت الأخرى شفتيها معقبة بسخرية:
"طبيعي هيبقوا طيبين بس معاكِ انتِ وبس، لأن الأولِ أخوكِ والتاني جوزك."
أخفضت عائشة رأسها بخجل عند سماع كلمتها الأخيرة، فرفعت بدور أحد حاجبيها مصطنعة الصدمة وهتفت:
"إيه ده؟ انتو مخطوبين من خمسة شهور وكاتبين كتابكم امبارح وانتِ لسه بتتكسفي لما تسمعي اسمه؟"
ثم زمت شفتيها وهي تضيف بحسرة:
"والله ياسين صعبان عليا أوي، مش عارفة هتعملي فيه إيه تاني بعد الفرح، بس تصدقي؟ متوقعتش يبقى هو أول حد يتجوز من العيلة بس عرف يختار."
ختمت كلامها ببسمة، فبادلتها عائشة ببسمة صغيرة وتمتمت:
"عقبالك انتِ ورسلان."
طالعتها بدور بصدمة وتحدثت بتلعثم ووجه متورد:
"رسلان إيه يا بنتي؟ انتِ بتهبدي في إيه؟"
غمزت لها الثانية بخبث قائلة:
"فاكراني مش شايفة نظراتك ليه كل ما تشوفيه؟"
لم تستطع بدور الإنكار أو حتى إجابتها، فاكتفت بالإشارة لها بعينيها إلى براءة، لكنها تفاجأت بهذه الأخيرة تقول ببرود دون أن تنظر إليها:
"عادي عادي، خليها تقول اللي هي عايزاه، أنا برضه ملاحظة نظراتك ليه وبابا برضه ملاحظ."
اتسعت عينا بدور بدهشة، بينما أضافت براءة بتفكير:
"أعتقد إن عمو رسلان برضه ملاحظ، والكل عارف تقريبًا إن في حاجة بينكم."
"مفيش حاجة والله!"
صاحت بدور باندفاع، لكنها فوجئت بعائشة ترمقها بنظرات ماكرة وتقول:
"يعني بتنكري إنك بتحبيه؟"
"نفيت برأسها سريعًا: لا طبعًا، بحبه إيه ده أخويا!"
"كلنا عارفين إنه مش أخوكِ متحاوليش تنكري، ده حتى مريم لاحظت غيرتك عليه من أول مرة جت فيها هنا."
زفرت بدور بتذمر وصاحت:
"قولتك مش غيرة ولا حتى حب انتِ ليه مش عايزة تفهمي؟ أنا شايفاه زي أخويا وبس!"
ابتسمت عائشة باستمتاع ولم تكد تتحدث حتى لاحظت دخول أمجد وهو يلقي عليهم تحية الصباح:
"صباح الخير."
"صباح النور."
جلس بجانب بدور ثم وضع رأسه فوق ذراعيه على الطاولة وأغمض عينيه في استعداد تام منه للعودة إلى النوم. طالعته بدور باستغراب ووكزت ذراعه قائلة:
"أمجد؟ انت كويس؟"
"تمتم دون رفع رأسه: أيوه، بس منمتش كويس امبارح."
أومأت بتفهم ثم أردفت:
"طب مين اللي هيودينا للملاهي دلوقتي؟"
لم تتلق أي رد فقد غط في النوم في ثوانٍ، أخفضت بدور رأسها بيأس وهمست مخاطبة عائشة وبراءة:
"للأسف، مفيش ملاهي..."
دخلت القصر وهي تمسك بيد شقيقها الصغير عندما وجدت والدتها تتجه نحوهما ثم تنحني لتقبل وجنة ابنها هاتفة:
"سفسف حبيب ماما عامل إيه؟"
"ابتسم لها قائلاً بتذمر: إسمي سيف يا ماما، سيييف مش سفسف."
ضربت رحمة مؤخرة رأسه قائلة:
"احمد ربك إنها بتعبرك أصلاً! أنا بنتها الكبيرة والأولى ومش بتعبرني زي ما بتعمل معاك."
ضحكت كريمة ووقفت لتعانقها قائلة بحب:
"بنتي الغيورة رحومة عاملة إيه؟"
"بادلتها العناق وهي تجيب: الحمد لله يا ماما، المهم بقى أنا رايحة للبنات، هما فين؟"
قالت الأخيرة بحماس، فأشارت لها والدتها إلى قاعة الجلوس لتمسك بيد شقيقها ثانية وتتجه به إلى الداخل مردفة:
"طيب أشوفك بعدين يا حبيبتي."
لمحت الفتيات تجلسن بقاعة الجلوس فصاحت:
"صبااح الخير يا قمرات!"
التفتت ثلاثتهن إليها ثم رددن بصوت واحد:
"صباح النور."
اقتربت منهن وهي تشير إلى أخيها:
"ده أخويا الصغنن اللي حكيتلكم عنه، سيف."
حك سيف رأسه ببعض الإحراج وتوردت وجنتاه رغما عنه، ثم رفع رأسه مستعدًا لإلقاء التحية، لكنه وجد بدور تجلس أمامه ثم تقرص وجنتيه وتصيح رافضة تركهما:
"احلفي؟ ده كيوت خاالث هو وخدوده الحمرا اللي أنا عايزة أكلها دي!"
أبعد يديها عنه وصاح بتذمر:
"أنا مش صغير عشان تعمليلي كده على فكرة، أنا عندي عشرة سنين."
كتمت بدور ضحكتها على طريقته ودنت منه عائشة قائلة:
"فكك منها يابني، بدور دي بتعامل الكل كده."
أنهت كلامها وهي تقف أمامه وتنحني لتصل إلى مستواه مردفة:
"أنا عائشة."
مد يده ليصافحها كالكبار، فسحبت خاصتها بعد ثوانٍ وأضافت مشيرة إلى براءة:
"ودي براءة."
طالع تلك الفتاة الصغيرة التي تشير إليها عائشة، فهم بالحديث وإلقاء التحية، لكن براءة أشاحت بوجهها قائلة:
"أنا مش بسلم على ولاد على فكرة."
لوى شفتيه بقرف وتحدث:
"وأنا مكلمتكش أصلاً."
اغتظت منه لكنها حافظت على برودها ولم تجب، بينما كانت الفتيات تتبادلن نظرات الاستغراب بينهن، ثم انفجرن في الضحك. زفرت براءة بضيق منهن ووقفت لتذهب إلى غرفتها التي خصصت لها، لكنها توقفت وهي ترى سيدة تدخل القصر، فركضت نحوها صائحة:
"دادة سمااح! اتأخرت ليه النهاردة؟"
استلقى على فراشه بتعب فور عودته إلى البيت ونظر إلى سقف غرفته بشرود. كان يفكر في تلك التي سلبت عقله منذ سنين، والتي لم يتقدم لخطبتها سوى منذ ثلاثة أشهر بعد أن أخبر والده بإرادته تلك. ولكنها رفضته!
زفر بهم وهو يذكر عندما أخبره خالها بأنها رفضت رؤيته حتى. لكنه لم يستسلم وقام بخطبتها ثانية، وها هو يتلقى الرفض الثاني.
مسح على وجهه وكأنه يحاول إزالة همه عندما وجد ابن عمه يفتح الباب فجأة ويدخل الغرفة دون استئذان. اعتدل يامن في جلسته على السرير هاتفا بضيق:
"كام مرة هفضل أقولك استأذن قبل ما تدخل يا آدم؟"
تجاهل آدم كلامه وهو يقترب منه ثم جلس بجانبه قائلاً:
"رفضتك تاني؟"
"أومأ يامن بتنهيدة، فزم الآخر بضيق وأردف: ما تفكك منها يابني؟ دي رفضتك مرتين مش مرة؟"
"كنت متأكد إنها هترفضني أصلاً."
رفع آدم أحد حاجبيه باستغراب وتساءل:
"ليه؟"
"لأنها لما شافتني أول مرة هنا كانت فاكرة إني كنت عايز اتسلى بيها."
زم شفتيه بتفكير ثم قال:
"طب ما تتكلم معاها؟ أنا متأكد إنها لو عرفت إنك بتحبها من وانت صغير مش هترفضك."
شرد يامن في كلامه ثم أومأ باستحسان قائلاً:
"فكرة برضه.. بس يا ريت توافق تسمعني!"
كانت عائشة تقف في شرفة غرفتها الجديدة بعد مغادرة رحمة، وتراقب ذلك الذي أصبح زوجها منذ البارحة وهو يجلس في ذلك المكان الذي خصصه لنفسه للرسم، ولم تكن تعلم بأنه رغم أنه كان يوليها ظهره إلا أنه شعر بوجودها وابتسم رغما عنه. ابتعدت بعد ثوانٍ عندما استمعت إلى صوت شقيقها يطلب منها الإذن بالدخول، فصاحت:
"ادخل يا خالد."
دخل خالد ببسمة مزيفة رسمها على ثغره فور رؤيتها، فشعرت بالقلق وتساءلت:
"مالك يا خالد؟ انت كويس؟"
أغلق الباب واتجه ليجلس على سريرها بعد أن قام بمحو تلك الابتسامة وتمتم:
"في حاجة عايز أقولهالك."
جلست بجواره وقد اعتلت ملامح الحيرة وجهها وانتظرت منه المبادرة في الحديث. أخذ نفسًا عميقًا ثم حاول إخراج الحروف من حلقه لكنه عجز عن ذلك، جاعلًا القلق يتسرب إلى قلبها أكثر. نطق أخيرًا بعد ثوانٍ بهدوء:
"أبوكِ دخل السجن يا عائشة."
قال ذلك ثم طالعها بطرف عينه مترقبًا لردة فعلها، لكنه تفاجأ بهدوئها رغم لمعة الحزن التي ظهرت بعينها للحظة. ظن أنها لم تسمعه، فكرر كلامه بقلق:
"عائشة، بقولك أبوكِ دخل السجن!"
أومأت برأسها مؤكدة له سماعها لما قال، أغمضت عينيها غافلة عن تلك الدمعة التي نزلت على خدها وهمست بهدوء عكس حالتها:
"كنت عارفة إن ده هيبقى مصيره، ربنا يهديه بس مش عارفة أقول إيه غير كده."
تنهد بحزن ثم سحبها ليحتضنها وأخذ يربت على ظهرها بحنان، حتى تحدثت هي بعد بضع دقائق:
"وماما؟"
"اتطلقت منه خلاص."
أومأت بتفهم ولم تنطق بحرف. عم الصمت بينهما لبعض الوقت قبل أن يقطعه صوت طرقات على الباب. ابتعدت عن شقيقها باستغراب ثم هتفت بعد تبادلها النظرات معه:
"ادخل."
فتح الباب ليظهر منه ياسين بابتسامته الهادئة، ثم دخل وهو يلقي السلام قبل أن ينظر إليهما باستغراب لوضعهما. أخفضت عائشة رأسها بخجل يسيطر عليها كلما رأته، بينما رمقه خالد بحاجب مرفوع وصاح:
"عايز إيه من أختي يالا؟"
تجاهله ياسين وهو يجلس إلى جانبها من الناحية الثانية، ثم قدم لها ورقة كانت بيده محافظًا على نفس بسمته وهمس:
"بصي رسمتلك إيه؟"
أمسكت بها بتردد ونظرت إليها قليلاً قبل أن تتورد وجنتاها بخجل وتخفض رأسها هامسة هي الأخرى بصوت يكاد يسمع:
"ش.. شكراً."
اختطف خالد نظرة نحو الرسمة رغم غيظه من تجاهل ابن عمه له، لكنه تفاجأ به قد رسم أخته وهي تجلس في ركن من الحديقة وتلاعب طفلاً كانت ملامحه مشابهة لملامح ياسين تمامًا. تجاهل أمر الطفل وهتف بحدة مخاطبًا إياه:
"انت لحقت تحفظ ملامح وشها امتى عشان ترسمها من غير صورة ليها؟"
أجابه بهدوء مستفز وهو يمسك بيدها متسببًا في إحراجها أكثر:
"كانت خطيبتي ودلوقتي بقت مراتي، يعني يحقلي أبصلها زي ما أنا عايز."
عقد خالد حاجبيه بغيظ وفتح فاه بنية الصراخ في وجهه، لكنه صمت وهو يرى ياسين الذي تجاهله تمامًا وهو يحدث أخته بلطف قائلاً:
"طب هتعلقيها فين دي؟"
قال ذلك ثم رفع رأسه ينظر إلى جدران الغرفة التي امتلأت بالصور التي كان يرسمها لها في فترة خطوبتهما وأردف:
"إحنا لازم نلاقي لها مكان مميز هنا."
اغتظ خالد بشدة وهو يرى تقربه منها وإمساكه ليدها ثم طريقة حديثه معها، فوقف بغضب واتجه نحوه ثم سحبه ليقف بمواجهته قائلاً:
"تعالى."
حاول سحبه للخروج، لكن ياسين أبعد يده عنه متسائلاً باستغراب:
"في إيه؟"
"محتاج أتكلم معاك في موضوع مهم."
قال ذلك وهو يسحبه ثانية إلى أن وصل إلى الباب، لكن ياسين أبعد يده عنه ثانية وهتف:
"دقيقة واحدة!"
عاد بخطوات سريعة إلى تلك التي لا تزال تجلس مكانها وتنظر إليهما باستغراب، ثم أمسك ذقنها بكف يده اليمنى وانحنى قليلاً مقربًا شفتيه من خدها الأيمن ليقبله بخفة. اتسعت عينا عائشة بصدمة وإحراج كما فعل خالد، لكنه اتجه إليه بغضب وأمسك بياقة قميصه مزمجرًا:
"انت بتعمل إيه يا..."
قطع كلامه وهو يختطف نظرة إلى تلك التي تضع يدها على خدها بإحراج، ثم عاد بنظره إلى ياسين الذي يطالعه ببراءة وصاح وهو يسحبه من ياقته للخروج:
"تعالى ياخويا تعالى، في حسابات كتيرة لازم أصفّيها معاك!"
أنهى كلامه وهو يخرج به ويصفع باب الغرفة بغضب، تاركًا شقيقته على نفس وضعها، تضع كفها على خدها وكأنها تحاول منع تلك القبلة من الهروب، وقد بدأت ابتسامة حمقاء بالارتسام على شفتيها بالفعل.
"بس ده واد مستفز أوي يا بابا!"
كان أدهم يستمع إلى حديث ابنته عن ذلك الضيف الذي يدعى سيف باهتمام. رغم أنه كان موضوعًا تافهًا بالنسبة له، إلا أن حديثها معه بطريقتها المحببة له يزيد من رغبته في الاستماع إلى كل ما تقول.
أنهت هي التعبير عن شدة حنقها منه، لكن أعقبت حديثها بجملة أثارت انتباهه:
"بس أنا بحسده بصراحة!"
عقد حاجبيه باستغراب وقلق وهو يرى بريق حزن في عينيها، فتساءل:
"ليه؟"
"لأن مامته بتحبه أوي، وفضلت معاه كتير وهي كل شوية تسأله محتاج حاجة؟ جعان؟ زهقان؟ ومسابتوش لوحده خالص."
أردفت بنبرة آلمته وهي تلوى شفتها السفلى بتساؤل:
"هو أنا ليه معنديش ماما زيه؟"
أخفض بصره للأرض وتنهد بضيق، ثم رفعه ثانية وهمس:
"آسف!"
عقدت حاجبيها باستغراب وهمت بالاستفسار عن سبب اعتذاره، لكنها وجدت عينيه تتسعان فجأة وكأنه اكتشف أمرًا مهما للتو وأسرع يقول:
"يعني انتِ عايزة يبقى عندك ماما؟"
أومأت بعدم فهم وترقب، فأضاف بتردد:
"أنا ممكن أتزوج.. وحدة ممكن تعتبريها مامتك."
سكتت قليلاً تطالعه بتفكير ثم تساءلت:
"يعني مرات بابا؟ زي الأفلام؟"
رفع أحد حاجبيه بعدم فهم وتابعها وهي تقوس شفتيها باعتراض قائلة:
"لا لا! أنا مش عايزة وحدة شريرة زي اللي في سندريلا!"
ابتسم على براءتها وقال:
"مش كلهم كده على فكرة."
ثم رفع رأسه بتفكير قبل أن يخفضه ثانية مردفًا بمرح:
"إيه رأيك تختاريها لي أنا؟"
"إزاي؟"
بدا مترددًا قليلاً لكنه اتخذ قراره فتحدث:
"مين أكتر وحدة من البنات حاسة إنك مرتاحة معاها؟"
"أجابت دون تردد: بدور."
"غير بدور؟"
فكرت قليلاً ثم قالت:
"عائشة."
"غير عائشة برضه، دي مرات ياسين وأنا عايز وحدة مش متجوزة."
فكرت أكثر ثم أردفت:
"رحمة!"
ضيّق أدهم عينيه قليلاً يحاول تذكر صاحبة الاسم لكنه لم يستطع. تطلع إلى براءة بحيرة متمتما:
"أعتقد إني معرفهاش بس مش مهم.. المهم إن انتِ موافقة تبقى مامتك؟"
تساءلت بحاجب مرفوع:
"رحمة؟ تبقى ماما؟"
ضيّقت عينيها بتفكير ثم نفت سريعًا:
"لا لا مش موافقة، كده الواد المستفز اللي حكيتلك عنه هيبقى خالي وأنا مش عايزة كده!"
زم شفتيه بحيرة ثم تساءل:
"طب مين أكتر واحدة مرتاحة معاها غير بدور وعائشة ورحمة دي؟"
فكرت للمرة الثالثة قبل أن تجيب:
"سيرين."
امتعض وجهه ولم يكلف نفسه عناء التفكير وهو ينفي برأسه معترضًا:
"لا لا غير سيرين، أنا مش بطيقها."
"إيلين طيب؟ رغم إني مش قادرة أتخيل إنها ماما."
نفى برأسه ثانية قائلاً:
"دي برضه مش بطيقها."
أخفضت براءة رأسها بحيرة، ثم رفعته ثانية متمتمة:
"كنت هقولك دينا، بس دي تخص عمو يامن."
زفر بقلة حيلة ثم تساءل:
"والباقي طيب؟ مش مرتاحة معاهم؟"
نفت برأسها مجيبة:
"مش بالظبط، مريم وحدة بتحب الخناقات كتير وأنا بصراحة بنت هادية ومبحبش المشاكل، وهناء بخاف منها ومن هدوئها ساعات وأنا أصلاً متكلمتش معاها خالص ومش عارفة هيبقى تعاملها معايا إزاي لو اتجوزتها. ده لو وافقت أصلاً!"
ضرب أدهم رأسها من الخلف بخفة قائلاً بتذمر مصطنع:
"وهترفض ليه؟ متخلقتش لسه اللي ترفضني، أبوكِ مجنن البنات كلهم لو مش عارفة."
قال كلمته الأخيرة وهو يمرر يده على شعره بغرور، فضحكت براءة بخفوت ثم تساءلت بعد ثوانٍ من الصمت:
"ممكن أعرف انت مش بتطيق سيرين ليه؟"
ألقى عليها نظرة سريعة ثم نظر أمامه وقد تغيرت تعابير وجهه وأجاب:
"لأنها مستفزة، ده غير إنها بتحشر مناخيرها في حاجات متخصهاش!"
رفعت حاجبيها باستغراب متمتمة:
"بس دي طيوبة خالص معايا وأنا بحبها!"
لوى جانب شفتيه بضيق ولم يعلق. أردفت براءة بعد ثوانٍ بحماس:
"إيه رأيك تصالحها وتتجوزها؟"
وقفت أمام الباب تنتظر أي أحد يفتح لها حتى فتح أخيرًا وظهر من خلفه رجل يبدو في الأربعينات لكنه ما زال يحافظ على وسامته. نظر إليها باستغراب فأسرعت تهتف بتوتر:
"آء، أنا آسفة لأني جيت من غير معاد.. أنا بدور صاحبة دينا وكنت عايزة أشوفها!"
ابتسم لها بهدوء ثم أفسح لها المجال للدخول مرحبًا:
"اتفضلي يا بنتي، انتِ مش محتاجة معاد عشان تجي أصلاً."
ابتسمت له بدورها وسارت معه إلى الداخل متسائلة:
"انت خالها صح؟"
"أومأ برأسه مجيبًا: أيوه، تعالي معايا عشان أوريكِ أوضتها."
تمتمت سريعًا:
"أنا جيت هنا قبل كده وعارفة مكانها، ممكن أروح لها لوحدي.. لو مش هسببلك إزعاج يعني!"
همست بجملتها الأخيرة بصوت منخفض وإحراج، فنفى برأسه قائلاً:
"ولا إزعاج ولا حاجة، اتفضلي البيت بيتك."
اكتفت بإيماءة صغيرة ثم تركته وصعدت سريعًا نحو غرفة صديقتها. طرقت بابها وانتظرت قليلاً حتى سمعت صوتها يأذن لها بالدخول. دخلت بهدوء ثم أغلقت الباب وهي تنظر إلى تلك المستلقية على فراشها بملل. اعتدلت دينا في جلستها عند رؤيتها لها وهتفت بترحيب:
"أهلاً وسهلاً، اتفضلي اقعدي."
قالت ذلك مشيرة إلى السرير، فاقتربت بدور منها وجلست حيث أشارت متمتمة بمرح:
"متقوليليش إنك نايمة كده طول اليوم من غير ما تعملي حاجة؟"
قوست دينا شفتيها بملل وقالت:
"امال عايزاني أعمل إيه؟ من أول ما اتخرجت وأنا مش لاقية حاجة أعدي بيها يومي.. حتى الفون زهقت منه!"
"ما تدوري على شغل طيب؟"
نفت دينا برأسها وهي تهز كتفيها برفض مجيبة:
"مش عايزة أشتغل بصراحة.. على الأقل مش دلوقتي."
أومأت بدور برأسها بتفهم وعقبت:
"أنا برضه مش عايزة أشتغل، أنا عايزة أتزوج!"
ضحكت دينا بخفة ولم تعلق. عم الصمت بينهما لثوانٍ حتى قطعته بدور فجأة بقولها:
"ممكن أعرف انتِ رافضة يامن ليه؟"
ظهرت ملامح الاعتراض على وجه دينا قبل أن تتمتم بملل:
"وهو لازم يبقى في سبب عشان أرفض؟"
"أجابت الثانية بغيظ: آه لازم! لما يبقى في حد متمسك بيكِ بالطريقة دي وانتِ رافضة يبقى أكيد في سبب!"
قلبت دينا عينيها بضيق ثم سكتت قليلاً تنظر إلى الفراغ بشرود. رفعت بدور أحد حاجبيها باستغراب وهمت بالسؤال عما يشغل بالها، لكنها تفاجأت بها تهمس فجأة:
"لأني بحب حد تاني!"
كان يسير باتجاه غرفته فور عودته من العمل. توقف فجأة عندما وضع يده على مقبض الباب وهم بفتحه. نظر إلى باب غرفتها بطرف عينيه بنظرات غامضة وبدا أنه يفكر في شيء ما شغل تفكيره ومنعه عن الانتباه لعدد الدقائق التي مرت وهو يقف بنفس وضعيته أمام الباب.
أفاق من شروده على يد وضعت على كتفه تلاها صوت خلفه يهتف بقلق:
"مالك يا رسلان؟ انت كويس؟"
التفت برأسه إلى صاحب الصوت ثم أومأ بهدوء مطمئنًا إياه:
"أنا كويس يا أمجد متقلقش."
ثم عاد ينظر أمامه بتفكير وأردف:
"بس في حاجة شاغلة تفكيري وعايز أعملها النهاردة قبل بكرة!"
رفع أمجد أحد حاجبيه باستغراب وتساءل:
"هي إيه؟"
أرخى رسلان يده من قبضة الباب والتفت إلى أمجد بكامل جسده متسائلاً:
"بابا فين؟"
"في أوضته أعتقد.. بس في إيه يا رسلان؟"
انتظر إجابته لكنه تفاجأ به يبتسم بهدوء ويتمتم وهو يبتعد عنه متجها ناحية غرفة أكرم:
"هتعرف قريب!"
رفع أمجد كتفيه بقلة ثم نزل تاركًا رسلان يدخل غرفة أكرم بعد استماعه للإذن بالدخول. وجده يستند على ظهر فراشه ويفرد ساقيه واضعًا حاسوبه على فخذيه ويبدو منهمكًا في العمل. أغلق الباب واتجه ليجلس بجانبه على السرير دون أن ينطق بحرف.
رفع أكرم حاجبيه باستغراب ونظر إليه متسائلاً باهتمام:
"في حاجة يابني؟"
حك الآخر عنقه بتوتر متمتما:
"آه.. أنا محتاج أتكلم معاك في موضوع.."
أغلق أكرم الحاسوب ووضعه على الجانب الآخر من السرير ثم اعتدل في جلسته وولاه كامل اهتمامه قائلاً:
"اتكلم.. سامعك."
حاول رسلان الحديث وحرك شفتيه محاولًا إخراج الحروف من حلقه، لكن الاحمرار بدأ يسيطر على وجهه مما جعل أكرم يرمقه بقلق وريبة.
أخذ نفسًا عميقًا ثم أسرع يقول بنبرة بدت.. محرجة:
"أنا عايزك تجوزني بنتك!"
رواية اسرار عائلتي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اروى مراد
دخلت القصر بعد عودتها من منزل دينا وهي شاردة الذهن تفكر فيما قصته عليها قبل قليل.
وصلت إلى قاعة الجلوس فوجدت الجميع هناك تقريبا عدا والدها ورسلان وخالد.
ألقت عليهم التحية ثم جلست بجانب أمجد بهدوء ولم تمنع نفسها من إختطاف نظرة نحو يامن فوجدته ينظر إلى الفراغ بشرود.
"أقوله إزاي أنا دلوقتي إنها بتحب حد تاني؟"
إنتبه أمجد إليها فعقد حاجبيه بإستغراب وتساءل:
"كنتِ بتقولي حاجة؟"
نفت برأسها بصمت لكن تعابير وجهها الحزينة لم تفته. وضع كفه على وجنتها متسائلا بإصرار:
"مالك يا بدور؟ لو في حاجة مضايقاكِ ممكن تحكيلي!"
أخفضت رأسها بضيق ثم رفعته وقالت بنبرة قريبة للبكاء:
"هو إحنا ليه بنتجنب اللي بيحبونا واللي بنحبهم بيتجنبونا؟ ليه ميبقاش الحب متبادل بين كل اتنين وميبقاش في طرف تالت بيفضل يتوجع من الحب ده؟"
إتسعت عيناه بدهشة من كلامها المفاجئ ودموعها التي أطلت لتتجمع في عينيها. رمش بعينيه بعدم فهم ولم يعرف بما يجيب، لكن دموعها التي أصبحت تنذر بالهبوط جعلته يجيب بمرح:
"ممكن لإنه ناس بتحب تهزق وتتهزق؟"
طالعته بتفكير وهي تزم شفتيها ثم أومأت موافقة:
"منطقي!"
أتبعت كلمتها بتنهيدة ضيق فإستفسر أمجد بقلق:
"مقولتيليش مالك؟ وإيه اللي خلى الكلام ده يجي لبالك أصلاً؟"
"أنا كويسة متقلقش، بس يامن..."
قطعت كلامها وهي تلقي نظرة سريعة عليه ثم تابعت:
"انت عارف طبعاً هو بيحب دينا جارتنا إزاي.. مع إني مش عارفة عرفها منين ولا حبها إمتى بس كلنا عارفين إنه هيموت ويتجوزها.. بس النهاردة لما اتكلمت معاها وسألتها هي رفضته مرتين ليه قالتلي إنها بتحب حد تاني."
رفع أمجد حاجبيه بدهشة ثم نظر إلى يامن سريعا قبل أن يعود ببصره إلى بدور التي أردفت:
"وطلبت مني أعرف يامن بكده عشان يستسلم وميحاولش معاها تاني.. بس لما سألتها عن الشخص اللي بتحبه قالتلي إنه سابها من زمان ومسألش عنها خالص!"
رفعت عينيها إلى أمجد عندما لم تجد منه ردة فعل فوجدته يتطلع إلى يامن بحزن. عاد ينظر إليها لثوان حتى تمتم بتساؤل:
"لو كنتِ مكانها هتعملي إيه؟"
أجابت سريعا:
"كنت هختار اللي بيحبني طبعاً!"
لكنها أخفضت رأسها مردفة:
"بس هي بتقول إنها خايفة تظلمه معاها."
لوى شفتيه بتفكير ثم همس بقلة حيلة:
"معرفش المفروض نعمل إيه لإني مش خبير في المواضيع دي، بس أعتقد إن الأحسن إنك تتكلمي مع يامن وهو لو بجد متمسك بيها وبيحبها هيتصرف."
أومأت برأسها بصمت ثم شردت قليلاً قبل أن تلاحظ دخول والدها بوجه يعتليه الضيق. وقفت بنية الحديث إليه لكنها وجدته يتجاهل الجميع ويقترب من عبد الرحمان ويهمس له بشيء ما قبل أن يقف هذا الأخير ويتبعه نحو غرفة المكتب.
عقدت حاجبيها بإستغراب وترددت في الذهاب خلفه لكنها تراجعت أخيرا وجلست مكانها محاولة كتم فضولها لمعرفة ما يشغل بال والدها.
دخل الإثنان غرفة المكتب بهدوء لكنهما تفاجآ بخالد مستلقياً على الأريكة ويضع سماعات أذن ويبدو منشغلاً في عالم آخر. إنتبه إليهما فإعتدل في جلسته ونزع السماعات قائلاً وهو يرى الضيق على وجه عمه:
"إنت كويس يا عمي؟"
جلس عبد الرحمان خلف المكتب وجلس أكرم بمقابلته دون أن يجيب. رفع خالد أحد حاجبيه بإستغراب وهم بتكرار سؤاله لكنه سكت وهو يستمع إلى عمه الذي تحدث فجأة:
"رسلان.."
نطق بذلك ثم سكت ثانية فتساءل عبد الرحمان بقلق:
"ماله؟"
"عايز يتجوز بدور!"
رفع بصره إليهما بعد إلقائه الخبر باحثاً عن أي أثر للصدمة لكنه تفاجأ بخالد يعود للإستلقاء على الأريكة وهو يزفر براحة:
"أخيراً!"
حملق أكرم به بتعجب ثم صاح بنفاذ صبر:
"أخيراً إيه؟ بقولك رسلان عايز يتجوز بدور! لأ وكمان بيقولي إنه عايزها هي ومش هيتجوز غيرها!"
رفع عبد الرحمان كتفيه ببرود مستفز وقال:
"وإيه الجديد؟"
حول أكرم بصره إلى والده وهتف بغيظ:
"بابا! إنت متأكد إنك سامعني كويس؟"
"أيوه.. قلت إن رسلان عايز بدور ومش عايز يتجوز غيرها، وإحنا كلنا عارفين ده!"
رمش أكرم بعينيه بسرعة بعدم استيعاب ثم ضيق عينيه متسائلاً بشك:
"عارفين؟ ومن إمتى؟"
أجابه خالد بدلاً عنه:
"أيوه عارفين وكلنا لاحظنا تقريباً النظرات اللي بينهم حتى إنت، بس إنت مكنتش عايز تقتنع إنها كانت نظرات إعجاب.."
قوس أكرم شفتيه بإعتراض بينما أردف خالد بإستغراب:
"بس أنا مش فاهم، إنت معترض على الفكرة دي ليه؟"
"لإنهم أخوات!"
صرخ بها وهو يكاد يجن من برودهم، لكن عبد الرحمان أجابه بنفس هدوئه السابق:
"إنت بتكدب علينا ولا على نفسك يا أكرم؟ كلنا عارفين إنهم مش أخوات وممكن يتجوزوا عادي!"
أخفض أكرم رأسه بضيق ثم رفعه ثانية وتمتم:
"بس..."
إعتدل خالد في جلسته وتحدث بهدوء مقاطعاً إياه:
"بس إيه يا عمي؟ أنا مش فاهم برضه إنت معترض على جوازهم ليه وأنا وإنت متأكدين إن بدور هتوافق عليه؟ ولا إنت مش عايزهم يفرحوا؟"
نفى الآخر برأسه سريعاً وقال:
"لأ طبعاً بس.. مش عارف ليه الفكرة مش عايزة تدخل دماغي! وبعدين الناس هتقول إيه وهما فاكرين إن رسلان ابني و..."
قاطعه خالد ثانية:
"وإحنا مالنا ومال الناس؟ وإنت من إمتى بيهمك كلامهم أصلاً؟"
إلتزم أكرم الصمت ولم يجب فتنهد الثاني وتابع:
"فكر كويس يا عمي! إنت أكيد متفاجئ إن رسلان خد خطوة زي دي وإنت فاكر إنه مش هيحب خالص!"
ظل الضيق يغلف وجه أكرم فإبتسم عبد الرحمان ووقف من مكانه متجهاً إلى ابنه ووضع يده على كتفه قائلاً:
"إنت بتغير على بدور من رسلان صح؟"
إتسعت عينا خالد بدهشة وقد فهم أخيراً سبب اعتراض عمه على طلب رسلان خاصة وأنه لم ينكر ذلك. جلس عبد الرحمان على الكرسي المقابل لابنه وأردف بابتسامة باطنها ساخر:
"دي سنة الحياة يابني ولو متجوزتش رسلان هتتجوز حد تاني وإنت مش هتفضل ترفض العرسان طول عمرها!"
أخفض أكرم رأسه وتمتم بإنزعاج:
"بس أنا لسه شايفها يا بابا وعايزها تفضل معايا مدة أطول!"
"وهي هتروح فين يعني؟ ماهي هتفضل هنا جنبك ومش هيفرق اتجوزت أو لأ!"
أومأ خالد مؤكداً وأردف:
"بس لو اتجوزت حد تاني ممكن ياخدها بعيد عنك ومتشوفهاش إلا كل شهر مثلاً، ده غير إن رسلان ابنك والمفروض تفكر فيه برضه وتوافق إنه يتجوز البنت اللي بيحبها."
زفر أكرم بقلة حيلة وهمس بإستسلام وإبتسامة متكلفة:
"طيب.. بس الأهم بدور توافق!"
أومأ عبد الرحمان بتفهم ثم استند بمرفقيه على ركبتيه وشبك كفيه تحت ذقنه متمتماً:
"دلوقتي ياسين اتجوز، ورسلان كمان هيتجوز.. وإنت ناوي تاخد الخطوة دي إمتى؟"
ختم كلامه ملتفتاً إلى خالد فرفع الأخير حاجبه وتساءل مدعياً الغباء:
"إنهي خطوة؟"
"الجواز."
زفر خالد بملل وتمتم:
"مش عايز اتجوز دلوقتي، أنا مرتاح كده!"
لوى عبد الرحمان شفتيه بعدم رضا وقال:
"امال هتتجوز إمتى؟ إنت عارف أبوك اتجوز وهو عنده كام سنة؟"
قلب خالد عينيه مجيباً:
"اتجوّز وهو عنده اتنين وعشرين سنة، عارف وقولتلي كده أكتر من ألف مرة وأنا قولتلك ألف مرة إني ملقيتش البنت اللي تناسبني زي بابا ولحد ما ألاقيها هفضل عازب!"
تمتم عبد الرحمان بعدم اهتمام وهو يشيح بوجهه بعيداً عنه:
"على كده إنت مش هتتجوز خالص!"
قال ذلك قبل أن يشرد قليلاً ثم يهمس بنبرة منخفضة وإبتسامة ماكرة:
"بس أنا هجيبلك البنت دي قدامك وهخليك تيجي تقولي إنك عايزها في شهر واحد، بس هي إني وحدة من البنات؟"
شرد في أفكاره ثانية دون أن ينتبه إلى خالد الذي غادر غرفة المكتب أو إلى أكرم الذي كان يحدق به بإستغراب. هم هذا الأخير بالحديث لكنه تفاجأ بوالده يصرخ فجأة وكأنه عثر على شيء مهم:
"رحمة!"
كانت لا تزال تجلس بقاعة الجلوس مستندة بخدها على كتف أمجد تحاول قمع فضولها وعدم الذهاب وإستراق السمع إلى الحديث الذي يدور بين والدها وجدها. رفعت رأسها إلى أمجد الذي كان شارداً في شيء ما فتساءلت دون أن تبعد رأسها عن كتفه:
"مالك يا أمجد؟"
إنتظرت منه رداً لكنه لم يجبها ولم ينتبه إليها من الأساس فإعتدلت في جلستها ووكزته من جنبه بخفة. أفاق من شروده حين انتبه إليها أخيراً وقبل أن ينطق بحرف كانت بدور تغمز له قائلة ببسمة خبيثة:
"بتفكر فيها صح؟"
تساءل بعدم فهم:
"هي مين؟"
"ملاك! هتكون مين يعني؟"
إبتسم بقلة حيلة وقال وهو يدفع وجهها بعيداً عنه بمزاح:
"إنتِ مش هتفكيّني بقى! ولا فاكرة إني مش بفكر في أي حاجة غير ملاك؟"
أومأت بتأكيد وتساءلت:
"أيوه، مش إنت بتحبها؟"
رفع كتفيه متمتماً بحيرة:
"لسه مش عارف بصراحة!"
"طب ماتفكر في كلامي وتروح تخطبها؟ أنا متأكدة إنك معجب بيها على الأقل!"
أخفض أمجد رأسه وهمس بقلق:
"ولو رفضتني؟"
رفعت بدور كتفيها بلا مبالاة قائلة:
"مش هستبعد إنها ممكن ترفضك بس لو محاولتش ممكن تخسرها وياخدها منك حد تاني."
لوى شفتيه بضيق واعتراض واضح على تلك الفكرة لكنه لم يعلق. تنهدت بدور بتعب ويأس منه فإلتزمت الصمت هي الأخرى وعادت تسند رأسها على كتفه ثانية.
جالت بنظرها على إخوتها وعميها وأبنائهم الجالسين بصمت وهدوء أفسده همسات ياسين لعائشة القابعة جواره والتي كانت تخفض نظرها إلى الأرض بخجل واضح.
إبتسمت بدور بإستمتاع وهي تراقب محاولات ياسين الفاشلة في مداعبة شعرها، فهو وعلى الرغم من الجرأة التي يظهرها أمام عائشة وأمام الجميع، إلا أنه يخفي في باطنه خجلاً يجاهد على عدم إظهاره.
ضحكت بدور بخفة وتابعت مراقبة حركاته لبعض الوقت حتى استمعت إلى صوت خطوات تقترب منهم فرفعت رأسها ليقع نظرها عليه وهو يسير نحوها بملامحه الباردة.
إعتدلت في جلستها فوراً وإبتسمت له كعادتها كلما رأته لكنه أخفض رأسه وتظاهر بأنه يفرك شعره بينما كان يحاول أن يمنع ابتسامته من الظهور. رفع رأسه عندما وصل إليها لكنه لم يستطع الحفاظ على البرود الذي كان يغلف ملامحه فور مجيئه وبدا من الواضح أنه يجاهد على عدم الابتسام.
حدقت به بدور بإستغراب وإنتظرت منه أن يخاطبها بسبب وقوفه قربها لكنها وجدته يجلس بالمساحة الشاغرة بجوارها بصمت. إبتلعت ريقها وهي تشعر بحرارة تسري في داخلها جراء قربه منها، هذا غير دقات قلبها التي تسارعت وبدا وكأن صوتها مسموع للجميع.
مرت بضع دقائق بطيئة وهي تجلس بمكانها وتنظر إلى حجرها بتوتر لاحظه أمجد فتساءل بقلق:
"بدور؟ إنتِ كويسة؟"
أومأت له محاولة العودة إلى هدوئها، لكن رسلان لم يسمح لها بذلك عندما قرب وجهه من أذنها وهمس لها بعد تأكده من انشغال أمجد بالحديث مع إخوته:
"عايزة مني إيه؟"
عقدت حاجبيها بعدم فهم وأنفاسها بدأت تتسارع بسبب حرارة أنفاسه على أذنها، لكنها فهمت مقصده عندما رفع يده أمامها وبها القصاصة التي وضعتها تحت باب غرفته ليلة الأمس. إبتسمت بغباء ونظرت إليه فأردف بنظرة غريبة:
"ليه مصرة تخليني أضحك؟ ضحكتي تهمك في إيه؟"
دارت علامات الإستفهام حول رأسها محاولة التفكير في إجابة مقنعة لسؤاله لكنها لم تجد. لأنها ببساطة هي نفسها لا تعلم لم تجاهد لرؤيته يبتسم!
هزت كتفيها بجهل فتنهد وهو يبتعد عنها قليلاً ونظر إلى الأمام بصمت لثوان معدودة قبل أن يكمل بهدوء:
"ضحكتي هتشوفيها في حالة واحدة!"
لمعت عيناها بلهفة فأردف وهو يلتفت إليها بنظرة بدت لها.. نظرة حب:
"لو وافقتِ!"
دق قلبها لنظرته تلك ولكنها عقدت حاجبيها بإستغراب من جملته وتساءلت بسرعة:
"على إيه؟"
أجاب وهو ينظر إلى مكان ما:
"هتعرفي دلوقتي."
إلتفتت إلى المكان الذي ينظر إليه فوجدت والدها يقترب منها وملامح الضيق لم تمحى من وجهه بعد. وقف أمامها وألقى نظرة سريعة على رسلان قبل أن يعود ببصره إليها ويقول:
"تعالي معايا!"
وقفت بإستغراب لكنها أومأت بطاعة:
"حاضر."
هم بالتوجه إلى الأعلى وتحديداً نحو غرفتها لكنه توقف كما توقفت هي عندما استمع الجميع إلى صوت مألوف لهم يقول:
"مساء الخير!"
زفرت بدور بغيظ وإلتفتت لتقابل عيناها تلك المزعجة التي رمقتها بدورها ببرود. إبتسم لها أكرم عند رؤيتها وهتف:
"إزيك يا مريم، بقالك فترة مجيتيش!"
تقدمت مريم لتقف قرب رسلان وهي تجيب:
"معلش بقى يا عمي انشغلت شوية."
همست بدور بصوت منخفض وهي تلوي شفتيها بقرف:
"يا ريت تبقي دايما مشغولة ومتجيش هنا خالص!"
إستمع أكرم إلى همسها فوكز ذراعها بخفة وهتف بلوم:
"بدور! مينفعش تقولي كده!"
رفعت بدور كتفيها بلا مبالاة وأمسكت بكفه قائلة:
"يلا نروح."
لكنها توقفت مكانها وهي ترى مريم تتجاهلها وتجلس بجوار رسلان وتحديداً في المكان الذي كانت تجلس به هي. أخرجت زفيراً مغتاظاً ثم تركت يد والدها واقتربت من مريم هاتفة بحدة:
"ده مكاني على فكرة!"
رمقتها مريم ببرود ثم ألقت نظرة سريعة على الأريكة قبل أن تعود ببصرها إليها وقالت بنبرة ساخرة:
"بس أنا مش شايفة اسمك هنا."
إغتاظت بدور أكثر وصاحت بإصرار:
"بس أنا كنت قاعدة هنا وإنتِ أكيد شفتيني وقعدتِ هنا بالذات عشان تغيظيني!"
"بدور!"
صرخ بها أكرم بنفاذ صبر فلوت بدور شفتيها بتذمر وهي ترى مريم تستند بظهرها على ظهر الأريكة وترمقها ببرود مستفز. زفرت بضيق وقد قررت تجاهلها مؤقتاً وعادت تمسك بيد والدها قائلة:
"طب يلا نروح بسرعة، حاسة إني هتخنق لو فضلت هنا أكتر!"
زفر أكرم بقلة حيلة وأخذها ليصعد بها إلى الأعلى متجهاً نحو غرفتها. أقفل الباب عند دخولهم ثم جلس على سريرها فجلست بجانبه وتساءلت:
"كنت عايزني في إيه يا بابا؟"
نظر إليها قليلاً بتفكير ثم تنهد قبل أن يتساءل هو متجاهلاً سؤالها:
"ممكن أعرف إنتِ مش طايقة مريم ليه؟"
قوست شفتيها بضيق لذكر سيرتها وتمتمت:
"لإنها مستفزة أوي، وإنت شوفت كانت بتتكلم معايا إزاي أول مرة جت فيها هنا!"
"بصراحة، إنتِ اللي استفزيتيها الأول مش هي!"
عقدت حاجبيها بغيظ وصاحت:
"إنت معايا ولا معاها يا بابا؟"
رفع كتفيه قائلاً:
"ولا واحدة، بس كنت عايز أتأكد من حاجة."
"هي إيه؟"
لم يجبها وظل يرمقها بغموض لثوان قبل أن يلقي عليها ذلك الخبر:
"في عريس متقدملك."
رمشت بعينيها للحظات وتمتمت بعدم استيعاب:
"عريس؟"
أومأ بتأكيد فإتسعت عيناها بفرحة وقفزت وهي تصرخ بصوت عال:
"أحلف كده؟ أنا متقدملي عريس؟!"
طالعها بتعجب وأومأ متسائلاً:
"آه.. مالك مبسوطة أوي كده حتى من قبل ما تعرفي هو مين؟"
إنتبهت لنفسها أخيراً فجلست مكانها ثانية وأخفضت رأسها بخجل متمتمة:
"آسفة، أنا بس اتحمست شوية.."
رفع أحد حاجبيه بإستغراب فأردفت بابتسامة شبه حزينة:
"مفيش حد اتقدملي قبل كده لدرجة إن ثقتي في نفسي بدأت تقل عشان كده اتحمست دلوقتي!"
رمش بعينيه بدهشة وتمتم:
"محدش اتقدملك إزاي؟ ده أنا لو كنت مكانهم كنت اتقدمت من غير ما أفكر كتير لإنك حلوة بشخصيتك وأخلاقك وقلبك وكل حاجة.."
إبتسمت بفرحة لمديح والدها لها بينما أردف بشك:
"حاسس إن في حاجة غلط.. مش عايز أفكر كده بس أنا متأكد إن خالك هو السبب.. مش مكفيه اللي كان بيعمله فيكِ وعايز كمان يحرمك من الجواز ويخليكِ تعنسي جنبه!!"
قال جملته الأخيرة بتفكير وغضب فإتسعت عيناها بصدمة وهمست:
"معقول يعمل فيا كده؟!"
إنتبه إلى دموعها التي بدأت تترقرق على وجنتيها فسحبها إلى أحضانه وأخذ يربت على ظهرها ويقول مهدئاً إياها:
"خلاص يا حبيبتي! إنتِ دلوقتي جنبي ومعايا ومحدش هيقدر يعملك حاجة وحشة."
سكت قليلاً ثم إبتسم وأردف:
"مش عايزة تعرفي مين العريس؟"
رفعت رأسها إليه بإنتباه ثم أومأت بفضول فقال بترقب:
"رسلان!"
"نعمممم؟!! عايز تتجوز المستفزة دي؟"
صرخت بها مريم فور معرفتها برغبة رسلان، والذي رمقها بنظرة تحذيرية جعلتها تتحكم في أعصابها وتجلس متمتمة بغيظ:
"عايزة أفهم إنت مصر تتجوزها هي بالذات ليه؟ من قلة البنات يعني؟"
زفر بملل وأجاب ببرود:
"لإنها دخلت دماغي.. ومش عايز غيرها!"
رفعت أحد حاجبيها وتساءلت بشك:
"مش عايز غيرها؟ يعني بتحبها؟"
رمقها بنظرة سريعة ثم أخفض بصره للأرض وتمتم:
"عايزها.."
"يعني بتحبها؟"
رددت بإصرار لكنه تجاهلها ولم يجب فتأكدت من شكوكها وتمتمت بتذمر:
"مش فاهمة برضه بتحبها على إيه؟"
واصل تجاهله لها فقوست شفتيها بغيظ وإلتزمت الصمت مرغمة. ولم يمض وقت كثير قبل ملاحظتها لدخول خالد شقيق صديقتها وإقترابه من رسلان متجاهلاً إياها هو الآخر وهو يقول بإبتسامة مستمتعة:
"بقى عايز تتجوز بدور ومقولتليش؟"
أشار له رسلان للجلوس على يساره بينما كانت مريم تجلس على يمينه وهو يقول:
"أنا برضه مكنتش عارف تصدق؟"
رفع خالد حاجبيه ورمقه بنظرة تجمع بين السخرية والإستغراب، فأردف رسلان مفسراً:
"كنت متردد، لأني متوقعتش إني ممكن أفكر في الجواز خالص.. بس في حاجة خلتني أروح أكلم بابا بسرعة ومن غير تفكير لأول مرة، ومش عارف عملت كده ليه."
إبتسم خالد بسعادة باطنية ثم غمز له بإستمتاع:
"حاجة اسمها الحب صح؟"
رمقه رسلان ببرود وتجاهله هو الآخر، بينما زفرت مريم بغيظ وبطريقة جذبت انتباه خالد فتساءل:
"مالك بتنفخي كده ليه؟ إنتِ معترضة على حبه ليها ولا إيه؟"
رمقته بطرف عينها بضيق وقالت:
"ملكش دعوة!"
أمسك رسلان بيدها وضغط عليها محذراً إياها من التمادي فأشاحت بوجهها بضيق وإلتزمت الصمت. أما خالد، فقد استغرب ضيقها المبالغ فيه من الأمر لكنه لم يشغل باله بها كثيراً وأخرج هاتفه يلعب به قليلاً لتمضية الوقت.
إنتبه بعد قليل إلى أكرم الذي دخل غرفة الجلوس لوحده بملامح لا يظهر عليها أي شيء. وقف رسلان فور رؤيته وإقترب منه قائلاً بلهفة حاول إخفاءها:
"قالت إيه؟"
لم يجب أكرم على سؤاله بل أشار إلى الخارج بيده وقال:
"تعالى نتكلم برا."
عقد رسلان حاجبيه بإستغراب لكنه أومأ موافقاً وتبعه إلى الخارج. جلس أكرم على أحد المقاعد ثم تنهد بتفكير قبل أن يرفع رأسه إلى الآخر وتساءل:
"ممكن أعرف ليه اخترت بدور بالذات من بين كل البنات؟"
سكت رسلان وهو يشيح بوجهه ويفرك شعره بحيرة، ثم عاد ببصره إلى أكرم وقال:
"مش عارف!"
رفع الآخر أحد حاجبيه بإستنكار ثم تساءل:
"يعني مش بتحبها؟"
أخفض رسلان رأسه إلى الأرض ولم يجب، فتنهد أكرم متمتماً:
"فهمت.. يعني مش هتتأثر لو قولتلك إنها رفضت صح؟"
رواية اسرار عائلتي الفصل العشرون 20 - بقلم اروى مراد
- ده طلب ايدي يا سرين عارفة يعني ايه ؟
هتفت بدور وهي تدور بغرفة التوأم فنظرت إليها سرين بملل كما فعلت إيلين المستلقية على سريرها وقالت :
- يعني ايه ؟
توقفت أمامها وهي تجيب بحيرة :
- مش عارفة .
وقفت سرين ووضعت يدها على جبين صديقتها قائلة :
- انتِ متأكدة انك كويسة يا بنتي ؟
أومأت بدور بتأكيد وأردفت :
- ايوة ، أنا بس مصدومة .
إبتسمت سرين ثم خطفت نظرة إلى إيلين قبل أن تتساءل :
- طب مش انتِ وافقتِ ؟
- لا .
طالعتها الفتاتان بصدمة وإعتدلت إيلين في جلستها وهي تصيح :
- رفضتيه ؟
أكملت عنها سرين بتساءل :
- رفضتيه ليه وانتِ بتحبيه ؟
زمت بدور شفتيها بتذمر وصاحت :
- مش عارفة انتو طلعتوني بحبه من امتى ، بس أنا كنت شايفاه زي أخويا انتو مش عايزين تفهموني ليه ؟
لوت إيلين جانب شفتيها بسخرية وتمتمت :
- لا واضح اوي !
- وبعدين أنا مرفضتوش .
إنتبهت كلتا الفتاتين إلا كلامها فواصلت :
- أنا بس قلت لبابا اني محتاجة وقت افكر فيه .
- تفكري في ايه يا بنتي انتِ عايزة تجننيني ؟
صاحت بها إيلين بنفاذ صبر فتحدثت بدور بتذمر :
- ايه ؟ هو مش من حقي اخد وقتي عشان افكر ؟
أجابت الأخرى بسخرية :
- لا من حقك ياختي ، خدي راحتك ؟
تجاهلت بدور سخريتها وجلست على السرير ونظرت أمامها بشرود .. مرت ثوان صامتة حتى قطعته قائلة بحيرة :
- بس أنا لسه مصدومة بصراحة ، هو حبني امتى وازاي ؟ أنا مفكرتش خالص انه ممكن يفكر فيا أصلا !
- لأنك غبية .
هتفت بها إيلين ببرود فطالعتها بدور بغيظ ولم ترد .. بينما جلست سرين إلى جوارها وقالت :
- السؤال هنا هو انتِ عملتِ ايه عشان تخليه يفكر فيكِ ؟
رفعت عينيها إليها مجيبة ببراءة :
- ولا حاجة ، أنا أصلا مكلمتوش من يوم ما عرفتكم انه مش أخويا .
طالعتها الفتاتان بإستغراب وهمت سرين بالتعقيب على كلامها لكنها توقفت عندما إستمعت إلى أصوات طرقات على الباب تلاه دخول والدتها وتقدمها من بدور بإبتسامة مرحبة وهي تردد :
- أهلا وسهلا بيكِ يا بنتي ، وحشتينا .
وقفت بدور وإقتربت منها ثم عانقتها قائلة :
- وانتِ كمان وحشتيني اوي يا طنط علا .
إبتعدت عنها علا وهتفت بإبتسامة :
- يبقى النهاردة هتتغدي معانا .
عضت بدور طرف إبهامها متمتمة بحرج :
- أنا أصلا كنت جاية عشان اقولك اني هاخد البنات وهنتغدى برة !
عقدت علا حاجبيها بإعتراض وقالت :
- وتتغدوا برة ليه والأكل موجود هنا ؟
أجابت بدور بسرعة :
- عشان .. بنت أخويا هي الي عايزة كده .
- براءة ؟
أومأت بدور بتأكيد فأردفت علا بإصرار :
- طب ما تجي هي كمان تتغدى هنا ؟ وإلا أكلي مش حلو ؟
قالت جملتها الأخيرة بحزن مصطنع فأسرعت بدور تهتف :
- لا طبعا ، وهو في أكل بيتقارن بأكلك أصلا ؟
إبتسمت علا في نفسها بينما أردفت الأخرى :
- بس أخويا معاها برضه وهو أكيد هيرفض يتغدى معانا هنا ودماغه ناشفة ومش هتعرفي تقنعيه !
...
- ايه رايك في الأكل يابني ؟
- حلو اوي تسلم ايديكِ .
كانت تلك كلمات أدهم التي نطق بها مجيبا على سؤال علا وهو يجلس معها هي وزوجها وإبنتيها وبدور وبراءة على مائدة الطعام يتناولون الغداء .. إبتسمت علا بإتساع بينما كانت بدور ترمق أدهم بإستغراب وريبة من تصرفاته ، فقد خالف ظنونها تماما عندما عرضت عليه علا تناول الغداء عندهم ووافق على الفور .
أما إيلين فقد كانت تأكل بصمت ولا مبالاة على عكس سرين التي شعرت بالضيق لمجرد تواجدها بمجال يسمح له برؤيتها .. فمنذ أول لقاء بينهم وإعترافه لما فعله بكل برود وهي لا تطيقه ، حتى بعد تعلقها بإبنته ، وحتى بعد معرفتها بأن الذنب الذي إقترفه لم يكن مقصودا ، لكنه في النهاية أخطأ بإلتجائه إلى الخمر والذي وجب عليه إجتنابه مهما كانت الظروف التي دفعته إلى شربه ، ولأنها تبغض الشباب المستهترين بدينهم وهي ترى أنه ينتمي إليهم .
أفاقت من شرودها وأفكارها على صوت براءة التي تجلس بينها وبين والدتها تحدثها :
- انتِ هتجي معانا صح ؟
- اجي معاكو فين ؟
- للمول ، أنا عايزة اشتري هدوم ليا وعايزاكِ تبقي معايا ممكن ؟
إبتسمت لها سرين وهي تومئ بتأكيد :
- طبعا هاجي وهو في حد يقدر يرفض للقمر طلب ؟
سعدت براءة وأرسلت لها قبلة في الهواء فضحكت سرين على طفولتها ورغما عنها ، وجدت نفسها تقارن بينها وبين والدها ، غافلة عن أنه من المفترض لها أن تدعو له بالهداية بدل إنتقاده في سرها كلما رأته .
...
جلس خالد بجوار رسلان الشارد على مائدة الطعام وطالعه بإستغراب .. حول نظره إلى أكرم ليجده يتناول طعامه بهدوء فهمس مخاطبا رسلان :
- مالك سرحان من امبارح بعد ما اتكلمت مع عمي ؟ هو قالك ايه ؟
أجاب رسلان وهو يقوس شفتيه بضيق :
- قالي متزعلش لو قولتلك ان بدور رفضتك .
رفع خالد حاجبيه بتعجب وتساءل :
- هي رفضتك ؟
- لا بس موافقتش .. محتاجة وقت عشان تفكر فيه بس بما انها موافقتش على طول يبقى في احتمال ترفضني .
قال جملته الأخيرة بضيق شديد لم يستطع إخفاءه فقال خالد بإبتسامة وهو يطمئنه :
- متقلقش أنا واثق انها هتوافق ، دي باين عليها انها مهتمة بيك على فكرة .
عقب رسلان بثقة :
- وأنا عارف ده كويس بس عارف برضه انها غبية وممكن تفسر إهتمامها بيا على انه حب أخوي .
ضحك خالد بقوة ثم أخفض صوته عندما إلتفت إليه الجميع وهمس لرسلان :
- مش هستبعد انها تفكر كده لأنها غبية فعلا .
هتف رسلان وهو يرمقه بتحذير :
- متقولش عليها غبية ! أنا بس الي اقولها كده .
رفع خالد أحد حاجبيه وقال بضحكة :
- انت هتبداها من دلوقتي والا ايه ؟ طب متنساش اني ابن عمها .
نظر رسلان أمامه وتمتم ببرود :
- بس ده ميديلكش الحق في انك تشتمها .
طالعه خالد بإستنكار لكنه لم يعلق ، بدأ في تناول طعامه الذي لم يمسه بعد بسبب حديثه مع رسلان ، ولم تمض دقائق حتى سمع تنهيدة تصدر منه فإلتفت إليه ليجده عاد لشروده دون تناول شيء من الطعام أمامه .
وكز كتفه ليفيق رسلان وينظر إليه بتساؤل فقال :
- طب انت متضايق ليه ؟ لانها موافقتش عليك على طول ؟
نفى رسلان برأسه فأردف :
- والا لأنك خايف ترفضك ؟
لم يلق أي رد منه ليعلم أن هذا هو سبب ضيقه .. رفع رأسه إلى السقف بتفكير ثم عاد ينظر إليه قائلا :
- طب أنا عندي فكرة عشان نخلي بدور تفهم مشاعرها ناحيتك .
تساءل رسلان وقد لمعت عيناه بلهفة :
- هي ايه ؟
- الغيرة .
رمقه رسلان بعدم فهم فردد خالد بشرح :
- قصدي خليها تغير عليك يعني عشان تفهم انها بتحبك أو معجبة بيك .
- وده ازاي ؟
- شوف أي بنت كده وبين انك مهتم بيها قدام بدور و ...
قاطعه رسلان وهو ينفي برأسه بإعتراض :
- لا يابني أنا مش بحب الحركات دي .
رمقه خالد بغيظ ثم تظاهر بالبرود ورفع كتفيه قائلا :
- براحتك ، بس متجيش تشكيلي لما ترفضك !
هتف الآخر ببرود مشابه :
- مفتكرش اني جيت وشكيتلك مرة ، انت الي ديما بتزن عليا عشان احكيلك الي شاغل بالي .
إغتاظ خالد أكثر لكنه تابع تصنع البرود وقال :
- بس أنا متأكد انك هتيجي تشكيلي لما تشوف بدور وهي بتتجوز حد تاني .
لمعت عينا رسلان ببريق غريب وهو يتخيلها بين أحضان رجل آخر ، تبتسم في وجهه كل يوم .. تحاول إسعاده دائما .. يستمتع بغبائها وحركاتها التي لا تحسب لها حسابا !
نفض تلك الأفكار من رأسه رافضا ذلك رفضا تاما ، ثم إلتفت إلى خالد وتحدث بتردد :
- طب .. طب أنا موافق بس .. هنجيب البنت دي منين وبدور أصلا مش بتشوفني غير هنا وهنا مفيش بنات ؟
إبتسم خالد بإنتصار وأجاب :
- هنفكر في النقطة دي بعدين ، اتغدى دلوقتي انت مكلتش حاجة من أول ما قعدت !
أومأ رسلان برأسه وبدأ بتناول طعامه بالفعل ولم يشعر بنفسه وهو يشرد بأفكاره ثانية ، ولم يفق منها إلا على صوت جده الذي قال جاذبا إنتباه الجميع :
- في حاجة مهمة كده نسيت مقولتلكمش عليها .
تطلع إليه الجميع بإهتمام فركز بنظره على محمد وأكمل :
- بنت أختي بثينة هتجي بكرة هي وبنتها .
ظهر الضيق على وجه محمد بينما تساءل خالد بإستغراب :
- مش طنط بثينة دي الي كانت بتلزق في بابا وكانت عايزاه يتجوزها على ماما زمان ؟ أنا بقالي كتير مشفتهاش هي خلفت ؟
أومأ عبد الرحمن بتأكيد وهتف بقلة حيلة :
- ايوة خلفت والمصيبة ان بنتها نسخة منها وهي عايزة تسيبها هنا لأنها هتسافر مع جوزها عشان يعمل عملية برة مصر !
غلف الضيق وجوه الجميع هذه المرة ، فالجميع يعلم كيف كانت بثينة قبل زواجها تلتصق بمحمد كالعلكة أينما ذهب ، حتى أن يمنى _ طليقة محمد _ ذات مرة كادت تقتلها بسبب ذلك لولا أنهم إستطاعوا تخليصها من بين يديها ، وبما أن إبنتها نسخة عنها ، فلا بد أنها ستكرر فعلة والدتها مع أحد الأحفاد هذه المرة !
لكن من بينهم كان هناك من يبتسم بخبث ثم يلتفت إلى رسلان هامسا له :
- اهي جتلك على طبق من دهب !
رفع رسلان حاجبه بعدم فهم فأردف خالد :
- يعني هنستغل بنت طنط بثينة دي عشان نخلي بدور تغير .
ظهرت ملامح الإعتراض على وجه رسلان لكن خالد قاطعه قبل أن يقول شيئا :
- عارف انك خايف تلزق فيك أكتر بس متقلقش أنا هبعدها عنك أول ما بدور توافق عليك ، وعد !
نظر رسلان إلى طبقه ثم عاد يطالع خالد قبل أن يومئ بتنهيدة :
- تمام ، إتفقنا .
...
إرتشفت من كوب العصير أمامها وبصرها معلق على باب المقهى ، تنتظر قدوم ذلك المدعو وائل والذي إتصل بيها وطلب منها مقابلته ، ومن الواضح أنه يريد إصلاح ما بينهما وهي لن ترفض بكل تأكيد .. فهي قد تركته عندما علمت بأنه كان يكلم فتيات غيرها ، فقط لتبدو وكأنها فتاة تغار على حبيبها وتغضب من كذبه عليها حتى لا يشك هو بنيتها الخفية .
إنتبهت إليه يدخل المقهى وهو يلتفت يمينا وشمالا يبحث عن مكانها فرسمت الجمود على ملامحها .. إقترب منها عند رؤيتها وجلس أمامها قائلا بإبتسامة صغيرة :
- ازيك يا هناء ؟
إرتشفت من كوب عصيرها ثانية ثم هتفت ببرود :
- كويسة ، من غيرك .
تنهد وائل وقال محاولا إرضاءها :
- صدقيني يا هناء ، أنا كنت خايف اخسرك وعشان كده خبيت عليكِ اني كنت بكلم بنات .
قلبت عينيها بملل ولم تجبه فأردف بسرعة :
- بس أنا والله محبتش وحدة فيهم قد ما حبيتك انتِ !
قوست هناء جانب شفتيها قائلة بسخرية :
- انت عايز تقنعني انك مكنتش بتقول العبارة دي لكل بنت كنت بترتبط بيها ؟
نفى وائل برأسه مجيبا :
- لا والله ، أصلا مكنش في واحدة فيهم بتعترض على إرتباطي بواحدة قبلها .. انتِ الوحيدة الي زعلتِ ، والوحيدة الي حسيتها بتغير عليا !
قال جملته الأخيرة بنبرة حاول جعلها دافئة قدر الإمكان وهو يمسك بكفها على الطاولة رافضا تركه .. وللأسف فقد دق قلب هناء لتلك النبرة رغما عنها ، ورغم علمها ويقينها بأنه لا يحبها وإنما يحاول الإقتراب منها لسبب تجهله .. ولكن يبدو بأن قلبها قد قرر خيانتها والتمرد عليها لصالح ذلك الحقير .
نفضت تلك الفكرة من رأسها سريعا وتجاهلت قلبها وهي ترمق وائل بجمود ثم تسحب كفها من يده قائلة :
- أنا كان ممكن أسامحك لو كنت كدبت عليا وبس ، بس الحركة الي عملتها لما زعلت منك وشفت جدي وقولتله اني خرجت معاك دي الي مش هقدر اسامحك عليها .
عض وائل على شفته ثم هتف بتبرير :
- أنا مكنش قصدي والله بس انتِ استفزيتيني لما قلتِ عليا خاين ، وانتِ عارفة اني بزعل بسرعة ، والمفروض انك بتحبيني بعيوبي !
منعت هناء بسمة ساخرة من الإرتسام على ثغرها لكنها لم تعلق .. تنهد وائل ثانية ثم قال بنبرة قريبة من الرجاء :
- هناء ! أنا مستعد أعملك أي حاجة وترجعيلي ، قوليلي انتِ عايزة ايه وأنا هعملهولك .
نظرت إليه هناء بغرابة لبعض الوقت ثم هتفت بما فاجأه :
- خدني للفيلا بتاعتك .
...
وضعت كوب الشاي أمام شقيقها الذي كان يلعب مع إبنتها لعبة بنك الحظ .. تنهدت بعدم رضا وهي ترمق إبنتها التي تستمتع باللعب دون أن تبالي بذلك المسكين الذي رفضته مرتين .. جلست بجانبها ورغما عنها كانت تنطق بلوم :
- انتِ بتلعبي هنا ومبسوطة ولا همك إحساس الولد بعد ما رفضتيه مرتين ؟
رفعت دينا رأسها إليها وهي تلوي شفتيها بضيق .. كادت تجيبها لولا تدخل خالها قائلا بهدوء :
- سيبيها يا علياء ، هي مش عايزاه !
هتفت علياء بغيظ :
- بس هو شاريها ، والولد واضح انه كويس ومحترم ودخل البيت من بابه !
- واحنا مش هنغصبها على الجواز ، هي كبيرة كفاية عشان تقرر بنفسها هتكمل حياتها مع مين .
أومأت علياء بعدم إقتناع وهي تنظر إلى دينا التي ظهر الضيق على وجهها من حديث والدتها ، إلتفتت إليها بعد صمت وقالت :
- أنا حرة في اختياري يا ماما ، ولو اتجوزت يامن مش هبقى مرتاحة معاه لاني أصلا مش طايقاه فلو عايزاني اتجوزه ومش مهم راحتي هتجوزه .
تضايقت علياء من طريقة كلامها لكنها تجاهلت ذلك وعقبت :
- أنا مش معترضة على رفضك ليه ، أنا معترضة على رفضك لأنك تديله فرصة وتشوفيه ، مش ممكن تحبيه ؟
نفت دينا برأسها ببرود :
- مش ممكن .
ثم تركت أوراق اللعب ووقفت مردفة وهي تخاطب خالها :
- أنا عايزة اطلع شوية بعربيتك ، ممكن ؟
أومأ عامر بتفهم لرغبتها في الإختلاء بنفسها فشكرته ثم خرجت حتى دون أن تغير ملابسها .. دخلت الجراج بعد أخذها لمفتاح سيارة خالها ثم فتحت بابها وهمت بركوبها لكنها توقفت عند شعورها بشخص ما خلفها .
حاولت الإلتفات لترى هوية ذلك الشخص القابع خلفها تماما لكنه أمسك بذقنها بقوة يمنعها عن ذلك ثم وضع منديلا مخدرا على أنفها قبل أن تفكر في الصراخ ..قاومت دينا في بادئ الأمر وحاولت إبعاد يديه عنها لكن قدرتها على المقاومة بدأت تتلاشى شيئا فشيئا حتى سقطت بين ذراعيه فاقدة للوعي .
...
كانت براءة تسير بجوار سرين في المجمع التجاري عندما لاحظت غياب والدها الذي كان يمشي خلفهما فإستدارت لتجده يجلس بعيدا على مقعد شاغر والتعب باد على وجهه .
سحبت يد سرين ثم عادت إليه معها ووقفت أمامه متسائلة :
- مالك يا بابا ؟ انت تعبت بالسرعة دي ؟
نظر إليها بإستنكار وصاح :
- بالسرعة دي ايه ؟ احنا بنلف من ساعتين تقريبا وانتِ لسه مشتريتيش حاجة !
ثم حول بصره إلى سرين التي كانت تقلب فستانا ما في المحل الذي يجلس قربه وأردف بصوت وصل إليها :
- وأنا كنت فاكر انك انتِ بس الي هتشتري هدوم ليكِ وإلا مكنتش هوافق اجي معاكم عشان أنا عارف البنات لما يفكروا يعملوا شوبينج !
طالعته سرين بضيق وهي تشعر أنه يقصد بأنها هي من تقوم بتعطيلهم فتركت الفستان وقالت وهي تسير وتتخطاه :
- طب يلا نشوف حاجة نشتريها لبراءة بسرعة عشان نروح ، وأنا آسفة على التعطيل .
وكزت براءة ذراع والدها بلوم فشعر هذا الأخير بالذنب وقال يستوقفها :
- استني أنا مكنش قصدي ، وممكن تشتري الفستان ده لو عجبك .
كان يتحدث مشيرا إلى الفستان الذي كانت تقلبه قبل قليل فإلتفتت إليه قائلة :
- شكرا مش عايزاه ، سعره غالي أصلا .
ثم واصلت سيرها وتبعتها براءة بينما وقف أدهم ونظر إلى الفستان الذي بدا أنه أعجبها ولكن بسببه تراجعت عن شراءه ، فكر قليلا قبل أن يدخل المحل مقررا إصلاح الأمر بينهما كما أقنعته براءة .
بينما في جهة أخرى من المجمع التجاري ، كانت بدور وإيلين تتبادلان أطراف الحديث وهما تنتقلان من محل إلى آخر بعد أن تركتا سرين وحدها رفقة أدهم وبراءة ، حتى تطرقت بدور إلى الحديث عن يامن والذي كان موضوعه مع دينا يشغل تفكيرها فقالت بحزن :
- يامن صعبان عليا اوي يا إيلين ، انتِ مش شايفة حالته بقت ازاي لما دينا رفضته للمرة التانية .
نظرت إليها إيلين بملل قائلة :
- البت دي غبية زيك ، هو في حد عاقل بيرفض النعمة مرتين ؟
هزت بدور رأسها توافق كلامها وعقبت :
- فعلا ، انك تلاقي حد شاريك زي يامن دي نعمة بتتمناها كل البنا ...
قطعت كلامها وهي تنتبه إلى جملتها الأولى فوقفت فجأة وصاحت وهي ترمق إيلين بغيظ :
- قصدك ايه بانها غبية زيي ؟ يعني أنا غبية ؟!
أومأت إيلين ببرود وأردفت متجاهلة نظرات بدور الغاضبة :
- غبية طبعا بما انك شايفة ان رسلان أخوكِ مع انك انتِ برضه من جواكِ بتحبيه ، بس هتضيعيه بغباءك .
أشاحت بدور بوجهها بلامبالاة وتمتمت :
- مش عارفة ليه كلكم مصرين ان إهتمامي بيه حب .
إستمعت إيلين إلى تمتمتها فقالت ببساطة :
- لأنك غبية .
زفرت بدور بغيظ منها ثم سحبتها قائلة :
- فكك مني دلوقتي وتعالي نروح العربية ونستنى أدهم والبنات هناك لأني تعبت .
رضخت إيلين لطلبها وسارت معها حتى وصلا إلى موقف السيارات ووقفا بجوار سيارة أدهم .
رفعت بدور هاتفها إلى أذنها لتتصل بشقيقها وتسأله عن مكانه ، لكنها أخفضته ثانية وهي تنظر إلى تلك السيدة التي تركب سيارة حمراء وتشغلها إستعدادا للرحيل .
أوقعت الهاتف وهي تنظر إلى السيارة التي إنطلقت من مكانها وهمست بصدمة :
- ماما ؟