رقية وهي تتصنع القوة: تقصد إيه يا مصطفى؟ وأوعى علشان لازم لأودي الصحون المطبخ وأغسلها، وعمومًا كويس إنك جيت بدري نص ساعة بحالها بدل ما بتيجي متأخر كل يوم. مصطفى بضحكة شريرة: وماله روحي رجعي الأطباق. دخلت بسرعة وأخذت بلهفة الكبريت وكأنه حمايتها ووضعتُه بجيبها، لم ينتبه مصطفى لذلك. رقية: يا ريت تستخدم الباب بلاش شغل العيال ده، سلام. لكنه جذبها بعنف إليه حتى اصطدمت بصدره. رقية: فيه إيه؟
مصطفى: وحشتني النظرة دي، نظرة الخوف لما تشوفيني، إنتِ هتباتي معايا النهاردة زي أي ست مع جوزها. رقية: جوزها إزاي؟ من زمان متفقين وواخدة وعد منك أكتر من مرة، ولا زي ما بيقولوا (في ناس نسبها قرف، بتكيل بميت مكيال، ما تاخدش منهم كلمة كأنه كلام عيال) مصطفى: أهي طولة لسانك دي يا رقية هي اللي بتزود فيا حب الانتقام، مع إنك في سوق الحريم شبشب حمام.
زفرت رقية بيأس منه: إنت اللي مش قادر تفهم أو تستوعب إن الحياة الزوجية مودة ورحمة، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. صدق الله العظيم. فكرني كده إمتى كان فيه بينا مودة؟
إنت طول الوقت عاوز كل شيء، بمعنى كل شيء يتقدم لك في نفس الوقت، بخيل بكل شيء. إنت أجبرتني أعيش معاك مع إنك عارف إني كرهت حياتي معاك، يمكن من أول يوم. سيبني أمشي يا مصطفى، أنا بقالي أيام حتى النوم مجافيني، بلاش تجبرني أصرخ، إنت ابنك في الأوضة، عيب. مصطفى: اصرخي، إحنا قبل العشاء والناس روحوا من الغيطان من بدري من كتر البرد. تعرفي أنا عملت إيه يا رقية؟ أنا نطيت للسطوح ونزلت وجهزت الأوضة (وضحك بهستريا)
وظبطت كاميرتين على التصوير جوا، هتكوني ليا النهاردة بكيفك أو غصب عنك، حتى لو فكرتي إني منفعتش، بس هتكوني ذليلة ليا، وأنتِ من غير حاجة أعمل ما بدي وأصوره، وآهادي نسخة منه لحبيبة قلب أمها، وهتعملي اللي هقول عليه. بصي وفكري في جسمك قد إيه ضعيف وصغير وأنا قد إيه قوي وزي ما قولتي قبل كده تور. رقية بصوت هادئ وساخرة عكس ما بداخلها: وإنت فاكر أنا هسكت وأرضى بالأمر الواقع؟ والله لو على موتي ما هسمح لك. (صرخت بقوة)
أنا أم ابنك، يعني المفروض شرف ابنك، إزاي عاوز تصورني كده؟ مفيش عقل، إنت مش هتكسرني لوحدي لأ، وابنك كمان. أتى صوت عمر الباكي من خلف الباب، فقد جرى على الباب عندما أحس بأن أحدًا ما يغلقه بقفل: أبوس إيدك يا بابا لأ، كفاية راميني هنا وأنا عارف إنك وعمتي السبب، حرام يا بابا علشان خاطري. مصطفى: ومش حرام إن ست تسيب جوزها طول الفترة دي؟ ومش حرام تفضحني في البلد أنا وعمتك؟ ومش حرام تحرم نفسها عليا طول الوقت ده؟
أنا بس باخد حقي وحق أختي وحقك إنت كمان متشحتت كل شوية في بلد. رقية: ماهو إنت ما كونتش راضي بإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ولو هتحاسب يبقى شوف إنت عملت إيه الأول. أجبرتني أتعامل معاك كده، أنا كنت ديما رد فعل على عمايلك وعمري ما بدأت بأذى حد، لا إنت ولا غيرك. امشي يا مصطفى واستعيذ بالله من الشيطان وأختك اللي وسوست لك، وخاف انتقام ربنا.
مصطفى: لأ، أنا مزاجي أشوفك مزلولة، وما تخافيش يا عمر مش هيشوف الفيديو غيري أنا وأمك وحبيبة أمها. واتجه إلى رقية التي سارعت وفتحت علبة الكبريت تشعل بسرعة عددة أعواد وترميها في اتجاه الحبال المغطاة ببلاستر طبي قطني، ليضحك مصطفى وهو يقول: بتولعي في البيت؟ الصالة فاضية، الظاهر عقلك خف. وحملها ودخل بسرعة غرفته وأغلق الباب.
لم يدري أن أحد الأعواد قبل أن يحترق بالكامل لامس جزءًا من أحد الحبال، ولأنها كانت مغموسة بالجاز اشتعل الحبل، ليتجه الاشتعال نحو الباب الرئيسي ثم للخارج حول المبنى وأيضًا بالداخل الصالة، لترجع عند باب غرفة مصطفى. كان مصطفى ترك موتوسيكل بجانب أحد حوائط البيت وثبت عليه سلم معدني ليعتلي السطح ومفاجأة رقية.
بعدما أدخلها عنوة بدأ بخلع ملابسه، لكن ببطء كي يستمتع برعبها وخوفها. أصبح يقف أمامها فقط بشورت قصير، ثم قام بإشعال كاميرتين ثبتها مواجهة السرير وأخرى مواجهة لجانب السرير. مصطفى: كده أنا جاهز، هتخلعي ولا أجي أقوم بالمهمة دي. رغم رعبها منه جاء صوتها قوي: مستقوي كده ليه بصحتك وجسمك؟ قادر ربنا ياخد منك نعمة. قولي يا حضرت الناظر الخطة دي مين صاحبها؟ إنت ولا كالعادة مشيت وراء كلام أختك؟
مصطفى: عاوز أسمع صوتك الحلو ده بعد اللي هعمله فيك. رقية: وصوتي يروح ليه؟ إنت مش هتاخدني غير جثة، واحتمال تقضي حياتك بالسجن. مصطفى: لأ ماتخافيش، مش هتعافى عليك جامد، بس هربيك من أول وجديد، هخليك تقومي من نومك بكوابيس مني، آخرك انهيار عصبي. فجأة سمعوا صوت انفجار قوي، ليشحب وجه مصطفى: إيه ده؟ رقية بثقة: قضاء ربنا، ده صوت حاجة انفجرت جنب الباب وريحة حاجات بتتحرق. أسرع مصطفى لفتح الشباك والنظر من وراء
حديد الشباك ليشهق ويقول: الموتوسيكل انفجر، ده مليان بنزين وحوالين البيت نار، منين ده؟ إحنا في الشتاء، إيه اللي ولع الدنيا كده؟ (لينظر إلى رقية بغضب) معقول كام عود كبريت يعملوا كده في عز البرد ده.
رقية: رحمة ربنا بقى، الدنيا ما مطرتش من أربع أيام، الجو برد آه، والبيت في الفضا والهوا ممكن يزود الحريق، خصوصًا زي ما بتقول الموتوسيكل مليان بنزين، ماتستبعدش تكون النار وصلت السطح وإنت عارف السطوح مليانة قش والأبواب والشبابيك خشب. بسرعة تعالي نفتح لعمر الباب ونهرب قبل ما البيت يتحرق وإحنا فيه. مصطفى بتفكير: لأ، مفيش حوالين الدار غير شوية تراب والنار حوالين الدار مش هتلاقي حاجة تمسك فيها، هتتطفي لوحدها.
رقية: ما تعقل الكلام شوية، فيه أحبال حوالين الحيطان في كل مكان، بسرعة علشان لو وصلت لباب المطبخ الأنبوبة هتنفجر، وبعدين مش سامع صراخ ابنك اللي قفلت الباب عليه؟ مصطفى بسخرية: الأنبوبة تقريبًا فاضية، وإنتِ بتجيبي الأكل من بيتك عشان كده. رقية بصراخ: الراجل بتاع الأنابيب جاب لي واحدة جديدة في توكتوك أول إمبارح، أومال بسخن الأكل على إيه، وابنك بيصرخ ليه؟ جايز الشباك بتاعه ولع، يخربيتك هتموتنا بعندك وغبائك. مصطفى وهو
يمسك رقية بعنف من ذراعها: ذكائك خانك النوبة دي. راهنت على إني هخاف على نفسي وأجري، صح؟ خلاص عرفت تفكيرك الخبيث. أيوه بخاف على نفسي قوي، بس إنت مش هيكون عندك الجرأة تحرقي البيت وابنك المدمن فيه. وبدأ في السيطرة عليها ليخلعها ملابسها وسط صراخها، لكن فجأة حدث انفجار أشد من الأول، وما كان إلا انفجار أنبوبة بتجاز المطبخ، ليغمى على رقية ومصطفى لقرب حجرتهم بالمطبخ بعد تحطم الجدار الفاصل بين المطبخ وحجرتهم. في تركيا
علمت نهر بوفاة برهان حينما حاولت أن تذهب إلى حجرتة، فانهارت هي الأخرى لتقع بعد سماع صوت صراخ عمران وفيروزة باسم برهان، ويهرع إليها الممرض المرافق لها ويرجعها حجرتها، وبعدها يعطي لها الطبيب حقنة مهدئة ومنومة. بعد فترة غير قليلة يدخل إليها إيمري ويأمر الطبيب أن يوقظها عاجلاً، لتفتح عينها ببطء وتسترجع ما حدث، لياخذها إيمري فورًا
بحضنه ويقول: لازم تقومي عشان تودعي جدك، نهر هو اتغسل خلاص وهيتكفن دلوقتي على الطريقة الإسلامية، وما صدقت مفيش حد من العيلة دلوقتي معاه علشان تقدري تودعيه. نهر بدموع: ساعدني أروح له عمو. بالفعل وصلت لهناك لترى جثة برهان، ويقف ما كان يغسله وسيكفنه ومعه طاهر. طاهر: أقنعت آدم يتركه بأعجوبة بعد ما حضر الغسل وسنتركك معه عشر دقائق، صغيرتي. إيمري صمم يأتي بك رغم تعبك. خرج الجميع. نهر بانهيار وهي تجلس على ركبتها
وتمسك أعلى ذراع برهان: كده ينفع؟ مش اتفقت معايا هتعوضني وتكون لي أب؟ ينفع أديك الأمان وتغدر بيا تاني؟ إنت عارف دي المرة الكام اللي بتخلف كلامك معايا؟ طب قوم وأنا هسمع كلام آنه ومش هدور من وراها على أهلها. إنت تعبت بسببى صح؟ كان لازم أفهم إني نحس، كام وعشرين سنة أمي بتتعذب بسببي وإنت مستني أتعرف عليك وتمشي؟ حرام عليك والله، إحنا ما كملناش أسبوعين. (لتنظر إليه وتقف وتشم ريحته وتقبل وجنته وعينيه)
أنا مشبعتش منك ومقهورة منك أوي، دي عاملة تعملها فيا؟ حرقت قلبي وروحي يا برهان. (لتري بعد ذلك دموع تنزل من جانب عين برهان فتمسحها) هو إنت بتبكي وإنت ميت؟ ولا يكون غلطوا وما موتش؟ اقتربت لتضع أذنها على قلبه ويدها على رقبته وتجهش بالبكاء: مفيش نبض خالص يا برهان، طب بتعيط ليه وإنت ميت؟ أنا زعلتك كده؟ (أخذت شهيقًا وأخرجته ببطء) ليدخل إيمري في تلك اللحظة.
إيمري: البقاء لله حبيبتي، لازم تتحكمي في نفسك شوية واصبري، لأن عائشة هتتسند عليك. أنا ماقولتلهاش، والدفنة كمان شوية، تخفي الأول وترجعي مصر ونقول لها علشان تكوني جنبها. نظرت لبرهان وقالت: هو كمان قال هخف وهعمل وهعمل وولِّد فيا آمال وأحلام، بس العمر خلص وما قدرش يعمل حاجة، رغم نفوذه وقوته. ما دائم إلا وجه الله. والرُّوحُ فيكَ وديعـةٌ أودعتَهـا ستَردُّها بالرغمِ منكَ وتُسلَـبُ
وغُرورُ دنيـاكَ التي تسعى لها دارٌ حقيقتُهـا متـاعٌ يذهـبُ اللهم اربط على قلوبنا واجعلنا من الصابرين. احجز لي غدًا عمو، مش هقدر أروح المدافن معاكم اليوم، هروح له بكرة أقعد معاه شوية لوحدنا وسأسافر. اقترب منها طاهر ومسح دموعها التي تنزل بسخاء، ثم أخذها بحضن دون وضع يده على ظهرها، لطلق آهة قوية، وأسندها إيمري ومد لها كرسي متحرك تجلس عليه، ويتجه بها لغرفتها، ثم يرجع ليكون بجانب عائلة برهان في الدفن والعزاء. في مصر
كانت بمثابة معجزة عندما أخرجوا كلا من رقية ومصطفى المغمى عليهما، وقد احترقت منهما أجزاء كبيرة من جسمهما. أما عمر، فقد كانت آخر حجرة تصل لها النار لأن رقية لم تضع بها حبلًا أو تضع حولها من الخارج، لكن الانفجارين اللذين حدثا أشعلا النار في الأخير بباب ثم الحجرة. ولولا أن مصطفى كان مقيد رجل عمر بسلسلة طويلة، كان من الممكن أن يهرب، لكن احترق جزء من الجهة اليسرى لجسمه بما فيها وجهه. ولولا أن رحمة الله لما تم وصولهم للمستشفى.
رقية ومصطفى في حالة خطرة وحرجة، لا يؤثر بهم مخدر غير لحظات. رافقت انتصار رقية، كما اتصلت على علي وأخبرته بالحالة. كانت آهات الألم تملأ المكان، وكانت الجروح بشعة، وكان سريرا مصطفى ورقيه جنبًا لجنب. مصطفى بصراخ: منك لله يا رقية، حرقتنا أنا وابني. يا رب نجي ابني يا رب. انتصار: هو إيه اللي حرقتكم؟ ماهي يا حبة عيني حالتها أوحش منك. نظرت لرقية (مش كان فيه طفاية؟ ما وقفتيش الحريق بدري ليه قبل ما يمسك في الدار؟
مصطفى: كمان كان معاها طفاية؟ رقية بدموع: قلت له نهرب قبل ما الدنيا تولع، لكن شيطانه اتحكم فيه وكان عاوز يصورني وأنا معاه علشان يذلني. الحمد لله كده أحسن من لو كان عمل اللي في دماغه. قال عاوز يذلني ويقهر نهر. تنكر لما الانفجار الأول حصل؟
قلت لك نفتح لعمر ونهرب، بس البعيد أعمى البصيرة. هاتي يا انتصار تليفونك أسجل عليه لنهر تاخد بالها من أخوها وتعالجه ومتتخلاش عنه. احكي لها يا انتصار عن اللي عمله مصطفى وعزيزة في عمر، وإن جسمه ضعيف وبيحتاج يتعافى من الإدمان، وصي نهر وإدوارد على عمر. مع كل كلمة لرقية كان مصطفى يصرخ وجعًا، وهي تحاول كبت آهاتها لتوصي انتصار. مصطفى: دلوقتي عاوزة تحمي ابنك؟ وكنتي فين لما كان مش عارف يكون في أسرة وبيت؟
أنا اتحرقت أنا وابني بسببك. بس لأ وربي لحرق قلبك. تعرف أنا اللي بوظت موتوسيكل أحمد التمرجي وهو طلع يجري عشان اتأخر، أصل أنا عملت له خناقة في المستشفى وخليت اللي ما يشتري يتفرج عليه وطلع ملهوف وعربية خبطته. شهقت انتصار بفزع، بينما رقية نزلت دموعها بوجع وقالت: ورغم إن الأعمار بيد الله وحده، ورغم إنك سبب في يتم نهر، لكن برضه ضميرك ما حنش لها في يوم وعوضتها ولو ساعة واحدة عن أبوها؟
ربنا لما بيعاقب حد بينزع الرحمة من قلبه وتبقى أقسى من الحجر. عاوز تقهرني حتى وأنا وإنت بين إيدين ربنا؟ طب اعمل لآخرتك، خاف ربنا. أقول لك على حاجة حلوة تعملها؟ طلقني يا مصطفى، مش عاوزة أموت على ذمتك. ورحمة أبوك تطلقني.
مصطفى: طالق، طالق، طالق. أنا بكرهك وبكره بنتك، بس قصاد ده وصي نهر على أخوها. أنا كنت بدلت فلوسي دولارات وحطيتهم في الأوضة اللي في البيت اللي اتحرق، خلاص بقيت على الحديدة وأنت السبب، وما ليش ملك. قولي لنهر تتكفل بأخوها.
رقية: الحمد لله يا رب عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. انتصار ادفني جنب أحمد في المدفن اللي اشتراه. نهر في مستشفى تعبانة، ادعي لها يصبرها ربنا وتقدر تقف على رجلها تاني، وكوني لها أم، خليكوا حواليها وقوها تاخد شهادتها، عاوزة تسافر بعد كده لأهلي تسافر. قولي لها إني راضية عنها وداعِية لها من قلبي، وخلي بالك من آدو وعمر ولادي. دخل محمد وعزيزة
في تلك اللحظة وعزيزة تصرخ: يا حبيبي يا أخويا، لسه عارفين دلوقتي وش الخراب حرقتكم. انتصار: وش الخراب إنت وأخوك، ربنا يحرقكم دنيا وآخرة إنت وهو. (أشارت على مصطفى) لينظر لها محمد بعتاب ويأتي
الطبيب والممرضين وهو يقول: إحنا في مستشفى بلاش دوشة، إحنا عقمنا الجروح بس حالتهم خطرة، حتى الشاب مانعته ضعيفة وربنا رحمة ودخل غيبوبة، بس لما يقوم هيتألم دلوقتي. أنا حتى مش عارف أدي حقن الحروق كبيرة جدًا، كفاية صراخ الراحل ده اللي يقعد يسكت خالص. انتصار: أنا مرافقة لرقية وعاوزة لها أي مكان تاني غير ده، الله يسترك الحلوف ده هيموتها بكلامه اللي زي السم. صباحًا
كانت رقية أسلمت روحها لخالقها مع ركوب نهر للطائرة للعودة لمصر. أوصى مصطفى بعد علمه بوفاة رقية محمد أن تدفن بمدافن عائلته نكلاً بها، فكلما تألم زاد ذلك من حقده. بينما انتصار اتصلت بإدوارد مساءً وجاء إليها فجرًا وشهد معها وفاة رقية أمه الثانية، وسمع منها رغبتها بالدفن بجانب إحمد. كما اتصل محمد بعبد الله وجاء صباحًا لأبيه وسمع من عمته ما زاد غضبه من رقية وأنها أشعلت النار بالبيت في لحظة جنون منها.
وصل خبر وفاة رقية بسرعة لهم لأنهم بنفس المستشفى. وانقسموا لفريقين بالمستشفى عن من المسؤول عن تغسيل ودفن رقية، وإصرار انتصار وإدوارد بأنهم المسؤولين وسيتم دفنها بجانب إحمد، بينما محمد وعزيزة وعبد الله أصروا على أخذ الجثة ودفنها بمقابر أسرة مصطفى. انتصار: والله يا ناس طلقها، وحياة عيالي طلقها يا محمد، حرام عليكم، هي عاوزة تستريح جنب جوزها، يا ناس.
عبد الله: كفاية يا أمة بقى بلاش حبك لها يعميك، عمي ما طلقهاش وهو جوزها وهو حر تدفن فين. إدوارد: ما كفاية بقى إيه الجبروت ده؟ حتى وهي ميتة عاوز يتحكم فيها؟ هي أوصت تدفن عند أبو نهر، وأنا لو على رقبتي هعمل بوصيتها، أو نستنى نهر تيجي، هي أولى بها. استدعوا الأمن لإدوارد وأجبروه بالخروج، لكن ظل بخارج المستشفى.
إدوارد حاول الاتصال بنهر وهو لا يعرف أنها بالفعل بمصر، كما لا يعرف بما حدث لها بتركيا غير أنها خطفت وتم استرجاعها، وبالمستشفى مع الإغاثة. كانت قد ركبت تاكسي لمحطة القطار تريد أن تكون بين الناس، فمن المحتمل أن يطغي صوتهم على صوت عقلها الذي لم يهدأ، تريد لعقلها وقلبها الممزق أن يهدأ أي منهم من وجعه. تذكرت مقولة لإليف شافاق، وهي كاتبة وروائية تركية -بريطانية
تقول: "نحن لا نكبر عندما يشير التاريخ بسبّابته إلى يوم ميلادنا البعيد، لا نكبر عندما ينهش الشيب فروة رأسنا، لا نكبر عندما تتساقط أسناننا مهاجرةً دون إذن منا بعد عقود من العمل المضني، لا نكبر عندما نصبح عاجزين عن الحياة بلا نظارة ملتصقة في وجوهنا. نحن نكبر حين يمرّ عزيز في حياتنا، ولا يلبث أن يسرقه الموت منا."
هذا هو حالها، فما بال ما سيؤول عليه حال أمها التي تمتعت بحنان ولهفة وحب الأب الذي ما لبثت أن ترجع لأحضانة لتفقده. استرجعت ما حكته له أمها منذ حادثة القطار إلى هذا اليوم، لتفيق على محصل القطار يسأل عن تذكرتها ثم يقول: طب يلا جهزي نفسك، إحنا داخلين على المحلة. نهر بتفاجؤ: بجد؟ الظاهر القاعدة جنب الهوا والشباك خلاني أسرح. المحصل: تحبي أساعدك تقومي.
نهر بهدوء: شكل ووشي متبهدل، بس رجلي سليمة، شكراً يا عمي. قامت وتحركت ببطء، وتذكرت فونها، فأخرجته وفتحته، واستغربت ثلاثين مكالمة من آدو. اتصلت به فورًا، لياتي صوته الباكي: أيوه يا نهر، إنتِ هتخرجي إمتى من المستشفى؟ نهر: أنا خرجت آدو، وفي مصر كمان. معلش ملحقتش أكلم حد، بس آنه وحشتني قوي وأنا في المحلة دلوقتي. إدوارد بصدمة: سبتي جدك وجيتي ولا حاجة حصلت؟
نهر: مش قادرة أتكلم آدو، في حاجة، هبقى أحكي كل حاجة، أصلاً أنا محتاجة تيجي البلد وتكون جنبي عشان عاوزة أفاتح آنه في موضوع مش هينفع أكلمك فيه على التليفون، لازم خطة الأول. بكى إدوارد بعنف ولم يستطع
التحكم بشهقاته وهو يقول: نهر أنا آسف، بس أمنا ماتت واتغسلت كمان. وصيتها تدفن جنب باباك، بس مصطفى الشيطان عاوز يدفنها في مقابر عيلته، مع إن خالتي انتصار قالت طلقها ثلاث مرات، والحيوان بينكر، ولأني مش ليا صفة عليها ومسيحي، الأمن طردني من المستشفى. نهر ماما وصتني أقولك أنها راضية عنك وبتحبك قوي وسامحيها لو قصرت في حقك.
كانت دموعها تنهمر على وجهها، وهي التي اعتقدت أن دموعها جفت على مقبرة جدها، أحست بضيق الصدر واختفاء الهواء، وتستمر قدمها بالأرض. ليصرخ إدوارد ببكاء: نهر إنت معايا؟ مش وقت صدمة، أبوس إيدك فوقي عشان ندفنها زي ما وصت. شغلي عقلك، ولما ندفنها نقعد ونعيط ونصوت وننصدم، فوقي، مش لازم تتبهدلي في كل بلد شوية. يا الله، حتى الوداع حرمت منه. استغفرت الله وقالت: مين معاها دلوقتي تيزة انتصار؟
إدوارد: أيوه، وبتتخانق مع ابنها وابوه وعزيزة جوه. نهر: اقفل واستنى عندك، هكلمك تاني. اتصلت فورًا بانتصار التي ردت بسرعة. نهر: أنتم فين بالضبط؟ أنا في المحلة وعرفتي اللي حصل. انتصار: نهر الحقيني، خرجوا من باب جانبي عشان آدو ما يشوفناش وإحنا قربنا وداخلين البلد. نهر: ماشي تيزة، على ما يوصلوا البلد أكون وصلت، خصوصًا العصر فاضل عليه ربع ساعة. أكيد هيصلوا بعد العصر. فيه حد معاك في العربية عارف إنك بتكلميني؟
انتصار: لأ، أنا وهي وقدام السواق وحد معاه معرفوش. ما رضيتش عزيزة تركب معانا عشان رقية ما تتأذيش. نهر: ما تجيش سيرة لحد إني جيت أو كلمتك، اتصرفي كأنك لوحدك، سلام. اتصلت بإدوارد وقالت له: طير على بلد مصطفى، أخدوا آنه وأقربوا يوصلوا، روح القسم وبلغ إني مش عاوزة أمي تدفن هناك لأنها اتطلقت من مصطفى وعندي شهود، بسرعة عشان نلحق.
اتصلت بعدها برقم ضابط تعرفه كي يكون هناك قوة تنتظرهم، ولتوكد ما سيقوله إدوارد، ثم اتصلت بإبراهيم جارهم ليبلغ شيخ الجامع في ميكروفون البلد عن وفاة رقية وأن صلاة المتوفي بعد ساعة ونصف تقريبًا. كان محمد مع مصطفى بالمستشفى، بينما ركبت عزيزة مع عبد الله للبلد مع شحنة بالافتراء على رقية.
امتلأ المسجد بالمصلين ليصلوا بعد العصر على رقية، مع ذهول المصلين من كمية البشر التي تجمعت للصلاة. بعد خروجهم تفاجأ الجميع بنهر وإدوارد وقوة من الشرطة. لتقف نهر وتقول: سعيكم مشكور، بس أمي هتدفن في بلدنا مش هنا. ليتقدم عبد الله: باي بحق جوزها، قال تدفن هنا. وضعت إصبعها بقوة
على صدر عبد الله وقالت: إلا آنه يا دكتور، عمك طلقها وأنا هعمل بوصيتها ومعايا شهود إنها مطلقة، ودادك شهادة وإدوارد سمع من آنه إنه طلقها، بلاش تقف في وشي عشان ما تخسرش. الضابط: آنسة نهر قدمت شكوى أنها الوحيدة حاليًا التي لها حق تدفن أمها. عزيزة وقد كانت تنظر بالخارج: لأ أخويا جوزها وأبو ابنها ومطلقهاش، وتثبت الأول إنها طلقت. اقتربت نهر من عزيزة وعلى وجهها نظرة مرعبة، لتقبض على ذراع عزيزة
وتقترب من أذنها وهي تقول: شايفة الخريطة اللي على وشي دي؟ هبلي عليك وأقول إنتِ اللي عملتي فيا كده وأحبسك، وفي الحبس هبعت حد يرش على وشك ماية نار. بلاش تختبري صبري، أنا أعمل عشان أمي اللي ما يخطرش على عقل القذر. غير إني أكشفك لعبدو وتيزة انتصار معايا، فاقفلي بوقك عشان ما تطلعيش شياطيني عليك. ارتعشت عزيزة، فلهجة نهر كانت قوية ومرعبة.
بعد فترة قليلة أخذت نهر رقية وتم الصلاة عليها ودفنت، ومشى الناس إلا نهر وانتصار وإدوارد وعبد الله الذي خاف على أمه وأراد أن يأخذها معه. بعدها سمحت نهر لنفسها بالانهيار وهي تقول: سيبوني لوحدي معاها شوية. وقف الباقي على بعد مناسب منها. إدوارد: خايف عليها يا خالتي؟ نهر بتموت. انتصار ببكاء: انصدمت، ما كنتش عاوزة تسافر وتيجي تشوف أمها، رقية اللي قالت لها تسافر.
عبد الله: اعملي حسابك نطمن على عمي وهتسافري معايا، ده جزاء اللي تخرب بيوت الناس. إدوارد: إزاي؟ دكتور وغبي قوي كده؟ عمر أمي أو نهر ما خربوا بيوت حد، لكن خليك إنت كده سيقاك عمتك. رفع عبد الله يده، فاندفعت انتصار تحمي إدوارد وتقول: أوعى تمد إيدك عليه، فاهم؟
لولاه كنت خسرت مستقبلك وكانت مراتك وابنك ماتوا. هو اللي لحقني وقت ما ولدت أحمد، واللي خرب بيتي ستك وعمتك. وقصت عليه ما حدث حتى إجبار أبوه على الزواج وما فعلت عزيزة ومصطفى برضا.
أكمل إدوارد: اللي هرب قبله رضا كان أخوك دكتور علي، عشان راجل حقاني، اتفق مع صاحبه وكان بيبعت لها دوا ويتابع حالتها. وجه مخصوص ولدها وبعد الولادة كان بيبعت لها نفقة بدل أبوك لغاية ما قدرت تكسب فلوس، وبعد كده رفضت تاخد منه حاجة. نهر وأمي آه ساعدوا أبلة رضا، بس لأنها طيبة ونيتها صافية، ولأنها كانت مغلوبة على أمرها، لا هي ست لعوب ولا لفت على أبوك عشان يتجوزها، هي بس كانت عاوزة حقها الطبيعي إنها تعيش الأمومة، مش زي عمتك ما قالت.
نظر لعبد الله لأمه بذهول وقال: طب ليه ما قولتيش من زمان؟ ليه دلوقتي؟ انتصار: ماكنتش عاوزة أكون السبب إنك تخاصم أهلك، قلت خلاص إنت في بلد وهم في بلد، بس إنت ما بتسبش فرصة غير وتوجع نهر، وأنا خلاص بعد رقية هاخد نهر في حضني هي والواد ده لغاية ما يتجوزوا. عبد الله بضحكة: إنتم بتهزروا؟ مش معقول كل ده حصل؟ عاوزة تقعدي مع نهر تقومي تألفي كل ده؟ ياما والله تنفعوا تعملوا روايات.
إدوارد: بقولك إيه، امشي من هنا، إحنا قلوبنا وجعانا، روح ارمي نفسك في حضن أهلك وامشي. بلاها ضحك ومسخرة على المقابر. انتصار: اسأل أخوك، ياما قالي أقولك الحقيقة وأنا خفت أقولك أعمل فرقة بينك وبين أبوك. أبوك آه يضحي بنفسه عشانكم، لكن ما يضحيش أبدًا بإخواته حتى لو غلطانين. امشي يا عبد الله، خليني أروح للمسكينة دي. إدوارد: امشي، أنا واقف معاهم لغاية ما نهر تخلص على قبر ماما.
اتجهت انتصار لنهر لتجد نهر تقرأ القرآن ببكاء وخشوع. انتصار: الدنيا ليلت يا نهر، وغلط نقعد في المقابر بالليل يا حبيبتي. نهر: اتوجعت جامد يا تيزة؟ انتصار: بيقولوا اللي تموت وهي بتولد والمبطون والمحروق شهيد يا نهر، ماتت وهي راضية عنك، استحملت كتير، وإن شاء الله في الجنة، كانت صوامة قوامة وصابرة وربنا بإذن الله هيجزيها خير.
نهر: علمتني كل حاجة إلا إني أقدر أعيش من غيرها. حاسة قلبي هيوقف من كتر ماهو موجوع، حاسة روحي نافرة مني. جدي لسه ميت امبارح يا تيزة، وأنه النهاردة، يا رب رحمتك. أقول إيه بس؟ والله إن القلب ليحزن والعين لتدمع، وإني لفراقك يا أنة لمحزونة.
انتصار: تعالي نروح البيت والصبح بدري نجي. يلا أمك هتتعذب بعذابك، يلا يا حبيبتي يلا، وشك ورم من البكا، يلا، الواد آدو هيموت هو كمان من الفجر ما حطش لقمة في بطنه وخد علقة محترمة في المستشفى عشان يخرج. نهر: شوية كمان تيزة، شوية كمان. عند مقربة منهم سأل عبد الله إدوارد كيف تعرف على نهر وتوثقت علاقته بها، وحكى له وهو مركز عينيه على نهر، وحكى له عما فعلته رقية معه في البداية من علاجه لرجوع حقه من عمه وهي في مرضها.
رن هاتف عبد الله ليرد ويجد أنه وصل القاهرة وفي طريقه للبلد. وأخبره عبد الله أن رقية قد ماتت وتم دفنها. بالترجي والمحايلة أدو استطاعت أدو وانتصار وإدوارد أخذ نهر من المقابر للبيت، ما أن وصلت حتى دخلت غرفة أمها وفقدت الوعي. ما كان من عبد الله إلا أن استدعى طبيبة التي ركبت لها عددة محاليل مع مهدئ كي تنام وتريح جسدها وعقلها. نهر بالحلم رأت رقية تلبس ثوبًا أبيض وفي وسط مكان به خضرة وماء. جرت إليها واحتضنتها.
نهر: كنت عارفة إنك مش هتسبيني وما كنتش مصدقة. رقية: هكون معاك وأزورك كل فترة. لازم تفهمي كويس إن الموت حقيقة لكل المخلوقات، ما دائم إلا وجه الله. إن طالت أعمارنا أو قلت في الآخر هنموت، وإنتِ عارفة كده. عمومًا اطمني عليا، أنا هنا أحسن. شوفي رجعت شباب وبكامل جسمي. وضعت يدها على صدرها. مفيش فيا بتر، وجنب بابا كمان. أتى مهرول إليهم برهان وقد صغر سنه. هو أنا ما وحشتكيش أنا كمان ولا إيه؟ ثم اقترب منها وضَمَّها.
نهر: إنتوا إزاي مع بعض؟ برهان بمرح: هو إحنا هنتفرق دنيا وآخرة ولا إيه؟ نهر: طب ما تاخدوني معاكم؟ أنا مش مستريحة هنا. ظهر أحمد ليقول: بعد الشر عليك حبيبتي، العمر الطويل ليك ولكل أجل كتاب، وربنا بيحدد الأعمار. نهر: يعني أسيب الصحبة الحلوة دي وأرجع هناك لمين؟ رقية: لأخوك تراعية، تعبان قوي يا نهر، ومعاك ناس بيحبوك، انتصار ورضا وأدو وياما. برهان: آسيل محتاجاك، وفيروزة وعمران وعيالها هينزلوا مصر.
أحمد: لازم ترجعي لمستقبلك وجوز المستقبل وعيالك، الدنيا مش بتقف على حد، وكل ما هتشتاقي لينا هنيجي. تقلبت على السرير وهي تشم ما تبقى من رائحة أمها، وفتحت عينيها ببطء لتري علي ورانيا وانتصار، فتحاول القيام. علي: براحة يا نهر، ما تتعنفيش على نفسك، أهدي شوية. رانيا وهي تحضنها: البقاء لله، كلنا معاك. انتصار: رضا عرف، وفي الطريق مع أستاذ محمود.
علي: قومي عشان الواد إدوارد وقع من طوله هو كمان ومركبين له محاليل، وتعرف مين معاه بيتابعه؟ عبد الله. نهر: عاوزة أقرأ قرآن. علي: ارتاحي وكلي لقمة ونقرأ كلنا، لازم ترتاحي، بكرة يوم طويل والمعزين هيملوا البيت، خالتي طوب الأرض بيحبها. انتصار: اطلعوا أنتم، أنا هاكلها سندوتش. نهر: ماليش نفس. انتصار: عشان خاطر تيزة يا نهر. نهر: طب هتحكي لي إيه اللي حصل وإيه سبب الحريق وأنا أسمع كلامك.
انتصار: هحكي كل حاجة، ما أنا مش هخبي تاني، ما أنا خبيت على عبدو ودلوقتي خصمني أنا وأخوه. في المضيفة كان إدوارد نائمًا وعبد الله يراقبه مع المحلول، وشرد فيما عرف مؤخرًا بعد مواجهة علي بما علم وعدم إنكار علي، فثار عليه أنه ليس طفلًا كي يخفوا عنه كل تلك الأشياء. أفاق على رن هاتفه ليرد محمد: أيوه يا عبد الله، من ساعة ما خرجت وما جتش ليه؟ أنا لوحدي مع عمك يا بني. عبد الله: ومفروض أجي أقعد بيه؟
أباه أنا عرفت الحقيقة وكل اللي حصل، وليه طلقت أمي؟ ليه ما قولتش إن ستي وعمتي السبب؟ ليه ما خليتني أخسر خالتي رقية ونهر وأذيهم بكلامي ونظراتي؟ محمد: عمري ما قولت لك إن رقية السبب ولا لمحت بكده.
عبد الله: بس كنت عارف إن عمتي بتقولي إيه وستي كمان. حرمتني يا أبا من خالتي اللي كان زي أمي، وحرمتني من نهر اللي كانت في ظهري ديما أخت وصديقة. بعدي عنهم جاب لي الهم والحزن. ما كنتش بلاقي في حزني وضعفي حد أشكي له على بعد، وكنت بخاف أحكي لنهر أشيلها. اللهم كفاية عليها البيت والدراسة وأحمد. صدقني مش مسامحهم ولا مسامح نفسي. أنا أصلاً خلاص، رغم إن قطع الرحم وزر، بس مش هقدر أبص في وشهم.
محمد: هتسبني لوحدي يا عبد الله في الحوسة دي؟
عبد الله بجمود: ما إنت سبتنا عشانهم وحرمت علي من حب حياته عشانهم، كنت هتموت يحي وعهد برضوا عشانهم. طلقت أمي واستغنيت عن العشرة والعيش والملح ورميتها عشان ما تبعدش عنهم مع إنك كنت هتكون في نفس البلد. إنت من زمان مختارهم يا أباه. أي حاجة أنا هكون في ظهرك إلا هما، حتى لو ماتت عزيزة ومصطفى مش همشي في جنازتهم. وعمومًا علي جاه، هبلغة لو حب يجي لك، سلام عشان في مريض لازم أهتم بيه.
تركت انتصار نهر بعد ما حكت لها كل شيء، بل وأطعمتها سندويتش صغير، بعدها قامت نهر بالوضوء والشكوى إلى الله، ثم قامت بعد أن رأت حقيبة أمها لتفتحها وتشَم رائحة أمها بها، ووجدت جوابًا بداخلها مكتوبًا عليه من الخارج لنهر، ابتسمت بحزن وهي تقول: كاتبه لي جواب ليه يا رقية؟ وفتحت الخطاب لتتفاجأ بأن نهر كتبت التاريخ والساعة، وكانت قبل الذهاب لعمر في ذلك اليوم الذي حدث به الحريق،
فقرأت بصوت ضعيف: بسم الله الرحمن الرحيم. إلى تؤام روحي، لا أعلم بما أبدأ وأنا ما زلت لم أراك بعد. ما حدث بتركيا لا أعلم مدى إصابتك، لكن من المؤكد لي أنك لست بخير، حتى بعد أن كلمتني عددة مرات. أصلي وأدعو لك حبيبتي. أكتب إليك لأني أحس بقرب أجلي. قال أحد الصحابة ليواسي صاحبه:
(هوِّن عليك فما هي إلا دنيا فأيامٌ ونَمضِي؛ فلا تحزن فكل ما فيها مُتعِب، وكل من فيها مُتعَب، الحَمدللّٰه أنَّها ليسَت دَارَنا ولا دِيارَنَا وأنّ المُستقر بجوارِ رَبِّ العَالمين، الحمدلله أنها دُنيا وسَتنقضي، وعسَانا فى الجنة نأنَس ويُؤنَسُ بنا، لبَّيك إنَّ العيشَ عيشُ الآخرة)
. مش واثقة في مصطفى يا نهر ومش خايفة لا منه ولا من الموت، حزينة عليك وعلى أخوك اللي مصطفى دمره وخلّاه جبان وأنانِي، مش ذنبه ده سوء تربية. حبيبتي لو رجعتي وكنت انتقلت لجوار الله، بلاش هتنهاري، احزني زي ما تحبي، لكن كوني قوية لأني والحمد لله ما أذيتش حد وما ظلمتش حد، وادعي لي وافتكري الكلام ده:
("قل للّذي نامَ والأحزانُ تَخنقهُ وهمّهُ في ظَلام الليّل يُشقيهُ هَون على قلبكَ المحزونُ إنّ لهُ ربًا سَيملؤهُ نُورًا و يَرويهُ") . أنا أعزيكِ فيا، فما توجعيش قلبي عليكِ، واعرفي إني بحبك وراضية عنك وداعِية لك. ربنا يجبر بخاطرك ويحميكِ، وشكراً لأنك ساعدتيني أكلم والدي ونتصافى، قد إيه سعيدة وعارفة إن وجودك معاه أسعده. أمك التي تعشقك.
ذهبت نهر لمصطفى في اليوم التالي كي تأخذ منه توقيعه على أن تكون هي المسؤولة عن عمر ويكون تحت وصايتها هي، كما استطاعت أن تأخذ منه تقريرًا كتابيًا على أنه طلق رقية، وعند مغادرتها. مصطفى: هنيجي لي تاني وتطمنيني على ابني يا نهر.
لم تلتفت له وقالت: ههتم به ويتعالج، معايا شوية فلوس في البنك ولو ما كفتش هشتغل. لو حب يطمنك مش همنعه، لكن أنا من اللحظة دي همسحك من حياتي، لا كره ولا حب ولا أي إحساس مني ليك، كأنك ما دخلتش حياتي. سرقت كتير قوي من حياتنا وأماننا، وكفاية كده. ومشت دون أن تلتفت إليه.
بعدها بيومين مات مصطفى، لم يصلي عليه إلا القليل، ولم يمشي في جنازته أكثر من عدد أصابع اليد فقط، محمد وعلي مع من ساعدوا بحمل النعش، مع دعاء الناس لرقية لما لها من أفضال. ولتدخل عزيزة في حالة ذهول بعد أن تأكدت من أنها لن ترث من مصطفى أو حتى أن ترث جنيها من رقية، بعد توثيق طلاقها من أخيها، لتفقد الباقي من عقلها وهي تقول: منك لله يا مصطفى، حرمتنا إننا نورث رقية، وغباءك خلاك تخسر فلوسك.
هنا ينتهي الجزء الثاني، وآسفة على قسوة الفصل الأخير، بس هي دي الدنيا، ما فيش دوام لحد، في الآخر عملك أو ولد صالح يدعو لك، هم فقط ما تأخذه معك. الجزء الأول والثاني أكملوا تسع وتسعين فصلًا، أتمنى أن تنال الرواية إعجابكم وشكرًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!