أفاق برهان بعد فترة ليري أمامه إيمري وطاهر. وقد جاء كل من آدم وعمران وفيروزة. برهان وهو يستعيد ما سبق ليقول: آدم، خذ أمك وجدتك وآسيل وارجعوا القصر. الوقت تعدى العاشرة ليلاً. فيروزة: فهمنا أن حالتك تهورت، وأكيد مش هنسيبك كدة. الطبيب قال إن علاماتك الحيوية انخفضت جداً نتيجة صدمة عصبية. وفي الآخر آسيل قالت: "علشان المربية أو الممرضة ما جتش لك، إيه يعني ما جتش؟
إحنا مش نقدر نجيب ألف أحسن منها. حرام عليك يا برهان، هنموت بسببك". برهان: أنا كويس، كويس جداً، ولازم أكون كويس. اتفضلوا، آدم خدهم يا حبيبي. صدقني أنا كويس. آدم: أنا لو شوفت الممرضة دي هخنقها. يعني إيه صدمة علشان ما جتش؟ كل ده علشان آسيل حبتها، تلاقيها عايزة فلوس زيادة. طاهر: اسمع كلام جدك يا آدم، إنت مش فاهم حاجة. آدم: ما قولنا فهمونا إيه أهمية البنت دي؟ ويعني إيه ممرضة مصرية تجي من مصر؟
يعني باجدي من قلة ممرضات تركيا؟ إيمري بعصبية: كفاية بقى، امشي واسمع كلام جدك بدل ما حالته تتهور من المناهدة. وإحنا معاه، هنكلمكم لو حصل جديد. إنتوا كمان في الشغل طول النهار، يعني تعبتوا. آسيل: أنا عاوزة أبقى هنا علشان لو رينا جت، أنا ممكن أكلمها. لو سمعت صوتي هترجع. برهان: حبيبتي، لو جت هتصل بيكي. تجي يلا، مع السلامة.
خرجوا بحزن وغضب، وهم متأكدون أن لهذه البنت قصة مع الأغا يعرفها طاهر. وثبتت هذه الشكوك عندما كان يتشاجر كلاً من طاهر وبرهان في أحد الأيام، وسمعت فيروزة بنفسها طاهر يقول له: "إبعد رينا عن خطر معاذ ورفيق، لأنهم ممكن يدمرونها. هي ذكية، لكن هم مجرمين. كفاية جفاءك معاها". وعندما رأوها
صمتوا وسألوا برهان ليقول: "إنها فتاة يحبها جداً طاهر، وهو يراها فتاة انتهازية، لكنها دقيقة في عملها، وقد أوكل لها عمل بمصر، وطاهر خائف عليها". في غرفة برهان: برهان: مفيش وقت نضيعه، لازم نفكر كويس مين ممكن يخطف رينا وليه؟ وهل حد عرف بقربها مني؟ أنا أهلي لسه ما يعرفوش أصلاً. حد منكم اتكلم؟ طاهر: ولا حتى عيالي يعرفوا، و"صهري" مستحيل يقول. والتحاليل معاك يا برهان. إيمري:
وسنام، إلي فهمته منها إنها كانت مشغولة الفترة الأخيرة من أكثر من ثمان شهور، يا دوب سلامات ويطمئنوا على بعض إنهم بخير. حتى إمبارح لما عرفت إن نهر جاية، سألتني ليه؟ وقُلت لها إن حضرتك محتاجها كممرضة ومرافقة لآسيل بعد ما حبتها. قُلت نهر ممكن تضايق مني لو عرفت سينام، لأن ممكن تقول لرقية والدنيا تبوظ، ساعتها رقية هتزعل من نهر. برهان: سينام عارفة نهر هتيجي إمتى يا إيمري؟ إيمري:
أيوه يا أغا، أنا قُلت لها. ما أنا اللي حجزت لنهر. لكن بتفكر في إيه يا أغا؟ سينام من كتر ماهي طيبة، ممكن أي حد يضحك عليها، مش تخطف. برهان بعصبية: ولما هي طيبة وأي حد ممكن يضحك عليها، ليه تخليها تكمل في دولة أجنبية؟ معقول مش خايف على بنتك؟ حد يضحك عليها؟ بنت جميلة وغنية، عادي تسيبها في إسطنبول، لكن إيطاليا ليه؟ ما تبصش كده. لما بعت عائشة أمريكا، كنت محصنها كويس ومش سهل حد يضحك عليها، وكانت بتشتغل علشان تصرف على نفسها.
طاهر: إيه علاقة ده بخطف نهر؟ ركز يا برهان. برهان: معاك رقم إدوارد يا إيمري؟ لما كنا في مصر، كان معاك لسه محتفظ بيه؟ إيمري: أيوه. برهان: سينام لسه في تركيا ولا سافرت؟ إيمري: لا، هتسافر غداً. برهان: وصلت تركيا بعد ما نهر تركتها وهتسافر غداً؟
ارجع الفيلا وتابع مع الشرطة. ولو سمحت قول لبنتك إنها مش هتسافر تاني. وما تخفش، دي حركة عاوز أشوف رد فعلها على ناس معينة. وممنوع تخرج من غيرك. إيمري، أرجوك استحملني كذا يوم بس، وهفهمك كل شيء بعدين. إيمري: أنا هتجنن. يعني إيه تتخطف بمجرد ما تخرج من المطار؟ نهر مالهاش أعداء، إلا إذا كان معاذ عرف بنقل ملكية بعض الأصول وربط اهتمامك بها ووجودها معاك ومع بنته هنا. طاهر:
صح يا برهان. هو أكتر حد طماع وممكن يكون عاوز مراته وآدم بس، الورثة. برهان: أنا مش نايم على وداني. أنا عامل حراسة عليه من يوم ما عرفت بجودة في تركيا، وكل حركاته عندي. غير إنه ماسألش عن بنته ولا حتى شافها. بني آدم غريب. وحتى لو إيزيل حكت له، هتقولوا له إيه؟ ممرضة أو مرافقة أطفال؟ إيه في كدا ممكن يخليه يأجر حد يخطفوا رينا؟
أنا أساساً مش عاوز أعرفها بالعيلة علشان ما يغدرش بها. والسبب الثاني إني لازم الأول أتصفى أنا وعائشة الأول. إيمري بتعجب: يعني مستبعد معاذ وبتشك في بنتي؟ برهان: أنا قلت كده طبعاً لأ. اللي أقصد إنه بنتك ممكن تقع بلسانها في الكلام قصاد حد، لكن أبداً مش إنها مشاركة في خطفها. إيمري: علشان كده همنعها من السفر؟ برهان:
شاكك بشيء يا إيمري. وعلشان أكون واضح أكتر معاك، رينا كانت مضايقة جداً من بعد سينام عنها، وإنها بتعطي لها أعذار كتير علشان ما تتواصلش معاها. شاكك إن حد وقع بينهم. ولأن نهر مستحيل تسمح لحد إنه يدخل بينهم، لكن سينام لخبراتها القليلة في الحياة ممكن. رينا قالت إن سينام كانت عارفة إنك وعائشة ونهر رايحين العمرة، وما راحتش معاكم غير أول مرة تقضي إجازة الصيف بعيد عنهم، رغم وجود فرح ريفي. فهمت.
هز إيمري رأسه دليل عدم اقتناعه، رغم أن الشك بدأ يدخل عقله، لكنه نفى ذلك بسرعة: مستحيل سينام تأذي حيوان، فما بالك بمن هي في مقام أختها. بعد أن مشى إيمري: طاهر: ليه شاكك بسينام يا برهان؟ برهان: كلم الأول إدوارد، اتأكد منه على حاجة، وهفهمك.
وبالفعل اتصل به وتأكد منه أن سينام لم تعلم بعد علاقة برهان بنهر. كان متأكداً أن نهر حكت لإدوارد كل شيء، فعلاقتهم قوية. وقد أخبره برهان بخطف نهر، لذلك كان إدوارد يريد السفر لتركيا، إلا أن ما يمنعه عدم وجود باسبورت له. كما أخبره عن شكوكه، وقد وافق بذلك، وهو ما شجع برهان أن يقوم بخطوة سريعة منه، وأخذ رقم سينام الدولي منه. اتصل برهان بسينام. سينام: هالوة، مين معايا؟ برهان بقوة:
أنا برهان أغا، وبكلمك قبل ما والدك يوصل، فإسمعي كويس يا سينام. قولي للحيوان صديقك ديفيد يترك نهر، وربي لأخليه ما يعرفش يخرج من تركيا. أنا عندي صحيفة سوابقه في أوروبا لأني تحريت عنه، وعارف إنه وصل معاك هنا تركيا. ماتجبرنيش أقول لإيمري عنه. أنا بس اكتفيت إن إيمري هيمنعك من السفر، لكن متأكد لو قررت أقول لإيمري مش هيعطيك الأمان تسافري أبداً. فاهمة؟ سينام: جدو، حضرتك ليه بتقولي الكلام ده؟
أنا معرفش أصلاً إن نهر مخطوفة، وبعدين ديفيد هيخطف نهر ليه؟ برهان: تنكري إنه عارف ميعاد وصول طيارة رينا؟ وأيوة عاوز يبعدك عن رينا لأنه عارف إنها كشفتة، ومصلحتك تبعدي عنه. سينام: لأ، حضرتك فاهم غلط. نهر هي اللي بتبعت له رسائل وعاوزاه يصاحبها. برهان: نهر مش بتصاحب ولاد، وإنتِ عارفة أخلاقها. كونه إنه استغل غبائك ده مش ذنب رينا. ثم إنه مش مسلم علشان رينا تجري وراه. حرام أصلاً علاقة مسلمة بملحد مش معترف بالله. سينام:
ديفيد مسلم يا أغا، مش علشان ما غيرش اسمه يبقى مش مسلم. برهان: مش مسلم يا سينام. فتحي عينيك، وبلغيه إنه لو رينا ما ظهرتش، أنا مش هتردد أوظف كل ثروتي في ملاحقته وسجنه طول حياته. ده إن ما قتلتوش. فاهمة؟ لو ما ظهرتش، أنا هفضح سرك لوالدك، وابقي قابلي العواقب. غير إنه مش هيسمح لك بالسفر أبداً. سلام، وأغلق الخط. طاهر: فهميني يا أغا، إيه اللي سمعته ده؟
حكى له برهان ما قالته له نهر قبل سفرها، وأنه تحرى عن صديق سينام وعلم أنه جاء إلى تركيا. وأكمل: أنا بقيت على يقين أن كل المعلومات اللي بعثتها رينا لسينام عنه تم تدميرها، لأن مستحيل تكمل في علاقة مع ملحد. طاهر: علاقة؟ برهان:
أيوه يا طاهر، دي الكارثة اللي اكتشفتها. سينام كانت الفترة الأخيرة عايشة مع الولد ده. وواضح إنه عامل لها غسيل مخ. وزي ما فهمت دلوقتي، مفهمها إنه مسلم. طبعاً لما رجعت تركيا، عايشة مع إيمري وبتتعامل معاه برضو. المعلومات دي لسه عارفها أمس، وكنت ناوي أنا ورينا نكشفه لسينام. هو أكيد اللي عمل كده، لأن رينا بتتواصل الاتصال بسينام، وممكن نكشفه لها. وهو من صائدي الأموال، وسينام وريثة إيمري. مجاش في بالي إنه يعرف بقدوم رينا.
طاهر: ليه بتقول على نهر "رينا"؟ ما أنت عارف اسمها الحقيقي؟ برهان: ده وقته. أنا اتعودت أقول رينا. غير إني هتعود على نهر لما تكون في حضني هي وأمها وأخوها. بس يا رب ما تكونش اتآذت. والحيوان ده عمل فيها حاجة. المشكلة إنه اختفى من أمس ومش عارف هو فين، وإلا كنت جبتُه تحت رجلي. بس بعت صورته لوزير الداخلية والخارجية. طاهر: خايف يكون مش هو. وخايف إيمري يعرف؟ هتبقى له صدمة كبيرة إن بنته عايشة مع شاب. يا رب يكون متزوجها. برهان:
حتى لو متجوزها، أكيد بورق مزور. وأنا بعت أستفسر عن كده، لأنه مش مسلم أصلاً. أنا تعبان آآآه، لكن مخي شغال. ولولا رينا حكت لي قبل ما تسافر عنه، ما كنتش عرفته وتحريت عنه. أنا عملت كده لأني محتاج أرد جمايل إيمري عليا، خصوصاً أنا متأكد بحبه لعائشة. أرتب أموري بس وأطلقها من الحيوان اللي في مصر وأجوزهاله. مش هلاقي حد زيه آمّنه على بنتي.
بعد ساعتين، تلقى إيمري خبراً بوجود فتاة بمواصفات نهر التي أبلغ عنها، مغمى عليها على جانب أحد الطرق خارج إسطنبول. فأسرع وخرج سريعاً، ووصل مشفى على أطراف المدينة ليصدم من شكل الفتاة ويتعرف عليها. هي نهر، لكن من الواضح أنها تعرضت للتعذيب. كان وجهها متورماً، ونائمة على جنبها، وظهرها مكشوف وبه كثير من الدماء والكدمات. نظر بذهول للطبيب: هو فيه إيه بالضبط؟ الطبيب بأسف:
تعرضت للجلد والسحل، وده واضح من اتجاه جروحها ونوعها. وأعتقد الكثير من الصفع، وواضح إن ده حصل من ساعات قليلة. وفقدت دم كتير، ولازم قبل ما تذهب لمشفى آخر، ننقل لها دم وننظف ونعقم جروحها. إيمري وهو يمسح عينيه من الدموع: ليه الرعشة دي؟ الطبيب: واضح إنه تم ترهيبها والضغط العصبي عليها كان كبير. هي بالأساس نحيفة، لكن مفيش كسور الحمد لله. وأعتقد إنها هتحتاج دعم نفسي كبير. إيمري:
أنا موجود هنا لغاية ما ينفع أنقلها لمشفى آخر مجهز بإمكانيات أكثر. أعتقد أن هذا مجرد مشفى محدود صغير. اتصلت في تلك اللحظة رقية. لينظر إيمري بصدمة للهاتف ويفهم أنها اتصلت بنهر ولم تجدها. حسم أمره وفتح الهاتف. رقية: إيمري، نهر ما كلمتنيش من بالليل والفجر قرب يأذن، وتلفونها مغلق. أرجوك اتصرف وخليها تكلمني، لأن تلفون الأغا ديما مشغول. إيمري: عائشة، إهدي. أنا معها، لكنها نايمة. حصل حادث صغير وهتقوم بالسلامة، ما تقلقيش.
رقية: حادث بسيط؟ إيمري، قول الحقيقة. أنا قلبي واجعني على بنتي قوي. حادث إيه؟ صحيها واسمع صوتها وتنام تاني. إيمري: مش هينفع. واخدة مخدر. الصبح حاضر، هكلمك. رقية: هو ده اللي كنت خايفة منه. أنا عارفة ومتأكدة إن الأغا عرف إنها حفيدته، لكن مقدرش يحميها. مين غدر بها يا إيمري؟ حد من أولاد عمران ولا المسعورة معاذ؟ إيمري:
الأغا عرف. أقسم بالله أنا ما ليا علاقة بمعرفته الحقيقة. بس هو كمان مخبي على العيلة علاقته بيها، مستني لما يقدر يرجعك لحضنه. علشان كده ما تظلميش حد. رقية: إنت معاها بجد؟ إيمري: والله معاها في نفس الغرفة. رقية: صور لي بنتي يا إيمري، عاوزة أطمن عليها. وأوعي تقول الكاميرا بايظة. إيمري:
ماكنش لازم أرد. مش هقدر أصورها. اسمعي يا رقية، نهر اتخطفت، وبصراحة انضربت. أقسم بالله مافي كسور، لكن الأغا مقوم الدنيا كلها، وأنا وهو وطاهر أغا جنبها. ووعد هترجع لك بخير. اهتمي إنت بعمر، مش قرب يتعافى. رقية ببكاء: إنت بتلهيني يا إيمري. بنتي اتبهدلت، صح؟ إيمري:
أرجووووووك يا عائش، أرجووك. أنا والأغا ما نمناش من امبارح، وكلنا على وشك الانهيار. نهر اللي مانعانا، لأننا مجبرين نكون بجانبها. كنت ممكن أكذب، لكن صعب على أم أو أب يشوفوا بنتهم مضروبة. اهدي، وغلاوتك عندنا، هناخد حقها. رقية: ضروري يا إيمري، نهر تكلمني أطمن بس عليها. إيمري:
فهمت إنها كانت مجهدة الفترة الأخيرة. والطبيب قال يتركها أكبر فترة ممكنة نايمة، فهتطول شوية. يعني ممكن تكلمك بعد ثمان تسع ساعات على الأقل. أنا مش هتركها، دي بنتي زي سينام. رقية: هنتظر يا إيمري. خلي بالك منها.
بعد أن أغلق معها، اتصل ببرهان وطمأنه أنه وجدها. وعرف أن عنده علم، بل وطاهر في الطريق إليه. فأتصل بسينام أنه سيرسل لها أحداً كي تأتي وتكون بجانب نهر. لكنها رفضت بشدة، وقالت إنها لا تتحمل رائحة وجو المستشفيات، وأنها تعاني من البرد ولا تريد أن تزيد الطين بلة وتعدي نهر. استغرب جداً موقفها، وصور نهر بظهرها المكشوف، حيث ما زالوا يطهرونه ويعقمونه الأطباء، ووجهها. وبعث بالصور لسينام، لتنصدم سينام وتتصل فوراً بديفيد. سينام:
إيه ده يا ديفيد؟ ممكن أفهم ليه عملت كده في نهر؟ ماشي، قُلت هتخطفها وتخوفها تقرب منك، لكن ما قُلتش هتبهدلها كده. نهر أختي وصديقتي. ديفيد: أنا اتفاجئت برضه باللي خطفوها وعذبوها. لما روحت لهم، ما عرفتش أبداً إنهم هيعملوا كده. صديقني. سينام: يعني إيه عذبوها من نفسهم؟ برهان أغا هيفتش عليك حتى لو تحت الأرض، ومش هيرحمك. ووالدي مش هيعدي الموضوع بسهولة. منعني أخرج من البيت. إنت اتورطت؟
أنا قُلت لك أكلمها وأعرفها إني عرفت إنها بتطاردك وتضايقك، وإنت أصرت. قال تعلمها درس. نهر عمرها ما تبص لحاجة غيرها. أنا أعرفها، كانت هتخجل مني ومش هتضايقك. ديفيد:
سينام، أنا حالياً مسافر بحري تهريب، لأني لازم أسيب البلد، لأني مش هيركوني. والغبي اتغابى عليها. هتروحي الفندق وتدفعي لي الحساب وتاخدي متعلقاتي. أنا سايب لهم خبر. وتحجزي أقرب تذكرة لإيطاليا. الغبي اللي ضربها قال اسمي، وطبعاً هي هتستنتج إنك معايا. واحتمال تقول لوالدك، فبسرعة اخرجى من تركيا. (لم يضرب نهر من استأجرهم، لذلك بل فعل هو بنفسه ذلك، ويكذب على سينام) سينام: إنت بتقول إيه كده؟
بابا ممكن يعرف إني حامل. أنا هحجز تذكرة وأهرب من البيت. سلام. بكت بعد أن أغلقت المكالمة، وأمسكت صورة لها ولنهر، وهي تقول:
عمرك ما كنتي بتبصي لحاجة حد. حاولت أصدقك كذا مرة علشان تفهمي إني زعلانة منك، لكن ما أخدتيش بالك. عمري ما أتمنى لك شر، بس أنا ضعيفة. نهر، وأنا حامل في الرابع وبطني قربت تظهر. مش هقدر أسيب ديفيد لأني بعشقه، ولا ابني لأني منتظراه بفراغ الصبر. وعارفة إني لما اتجوزت من ورا بابا، غلطت. مسحت دموعها، بس هيعرف أول ما ديفيد ينجح في شغله، وهيفتخر به وبيا كمان. سامحيني، ما عرفتش إنك هتتأذي كده.
(لم تدري سينام أن ديفيد يفتري على نهر، هو فقط حصل على الرسالة التي بعثت بها نهر لها توضح لها حقيقته، ومسحها بسرعة. فقد أعملته سينام بكلمة سر فونها، ومن بعدها استطاع أن يهكر فون سينام ويمسح أي رسالة تصل لها من نهر. لم تتواصل به نهر مطلقاً، أو تعلم له رقم هاتف) . تنازل واحدة تقدمه الفتاة للشاب ليجر معه تنازلات وأخطاء لا تدرك مدى خطورتها إلا بعد فوات الأوان. وصل طاهر المشفي الصغير على أطراف المدينة، لتتفاجأ بحالة نهر.
طاهر بغضب: هم أقل من ست ساعات؟ إزاي يقدروا يفرطوا بالبراءة دي كده؟ برهان لو شافها مش هيستحمل، ممكن يروح فيها. هو أساساً عايش على الأجهزة. إيمري: هيصر يشوفها. هنعمل إيه؟ طاهر: هاتصل بالمشفي، ولازم يضعوا له منوم لأكبر فترة ممكنة، على ما نهر تفوق. جائز نوصل لمعرفة مين عمل كده. إيمري:
غلط، لأنه مش هيستحمل منوم لفترة طويلة. غير إنه حالياً بيعمل على ضمان أخذ نهر لحقوقها. وعلاقاته وعلاقتنا نقدر نوصل للي عمل كده، لأني مش ناوي أسيبه عايش. طاهر: الطبيب قال مش لازم توتر، وهو اللي اقترح ينيمه، لأن أجهزة جسمه بتنهار. على الأقل يرتاح شوية، بعد كده نشوف أي حجة نمنع بها إنه يشوف نهر.
بالفعل تم ما أرادوا، وتم نقل نهر لمشفى برهان، مع عدم رؤيته لها يومين كاملين. أما نهر، كانت تقوم كل ثمان ساعات تكلم رقية ثلاث دقائق بصعوبة شديدة، وتأخذ بعض الأدوية والطعام لترجع لتنام مرة أخرى. إيمري:
وجد ورقة من سينام تخبره فيها أن أعصابها تالفة مما حدث لنهر، وخصوصاً بعدما رأت صورها. وأنها يجب أن ترجع لوجود عمل ضروري لها في إيطاليا، لأنها كانت تعمل بإحدى الشركات المشهورة للموضة. غضب في بادئ الأمر، لكنه أحس بالنهاية أن ذلك أحسن لابنته، نظراً لأنها من الممكن أن تنهار، لما في مكانة أختها.
غضب برهان عندما علم بسفر سينام واختفاء ديفيد. لكنه بعث بمن يراقب سينام، التي لاحظ أحد رجال ديفيد أن أحداً ما يراقبها، فأبلغ ديفيد. الذي لم يصل إلى إيطاليا بعد، فقد وجد امرأة أخرى لينصب عليها، وقرر الرجوع لإيطاليا فيما بعد.
في الليل، دبر برهان أمر أن يرى نهر بمساعدة أحد الممرضين، الذي ذهب إليه بعد منتصف الليل ليأخذه لحجرة نهر. فقد أيقن أن طاهر وإيمري يريدان أن لا يرى حفيدته، لذلك يتفننوا بخلق الأعذار. أخذ الممرض برهان على الكرسي المتحرك، ووصل به لغرفة نهر، التي كانت تبدأ في فتح عينيها بعد تقليل المخدر لها خوفاً على ارتخاء الأعصاب والعضلات. فأنّت بخفوت، لكن كتمت أناتها مع دخول أحداً ما بكرسي متحرك، تبين فيما بعد أنه برهان. فتبسمت له بضعف. أما هو، فنزلت دموعه من شكل وجهها، وشهق بفزع. تقدم منها، فحاولت أن تنهض، لكنها تألمت من ظهرها.
برهان: ساعدها يا بني لتقوم. حبيبتي، حصل لك إيه؟ وجهك بعد يومين مدمر، وده بعد علاج يومين. كان الممرض في قسم الحالات الحرجة، وهو قسم برهان، ولم يعلم بجروح ظهرها. فعندما حاول مساعدتها، وضع يده بقوة على ظهرها، لتصرخ بألم: براحة، ظهري واجعني. برهان: كمان ظهرك؟ الحيوان عمل إيه بالضبط؟ نهر: لا تخف أغا، ياما شفت في حياتي، هكون بخير إن شاء الله. وبعدين عرفت منين إنه راجل؟ برهان:
أكيد مش ست. مفيش ست هتعمل كده في بنت أبداً. في خدك آثار صوابع ضخمة. عرفتي مين عمل كده فيكِ؟ نهر: أنا ما اعتقدتش إن ليا أعداء يا أغا، غير إنهم كانوا مغطين عيني ومش تركي، لأنه بيتكلم تركي بالعافية، لكن بيتكلم إنجليزي وإيطالي كويس. والحمد لله إنه غطى عيني، وإلا كانت عيني راحت. برهان: الحيوان، واضح إنك عارفة شكله، لكن لا تعرفين صوته. وده بيأكد ظنوني. مش أنا يا رينا، ولا علاقتي بك السبب في اللي حصلك.
نهر وهي تمسك رأسها بضعف: حتى لو كنت السبب، مش هحاسبك على أعدائك، لأني منك، وأعدائك أعدائي. بقولك، قول لهم إني متعودة أتحمل الألم. وبلاش مخدر ومنوم، عاوزة أفوق، علشان متأكدة إن آنه مرعوب عليا، ومش عاوزها تتعب. عاوزة أرغي معاها، هي دوائي وأنا دواها. ابتسم برهان بحنان:
تعرفي إن علاقتك بأمك كانت نفس علاقتي بها. ويمكن ده كان بيجنن فيروزة، لأن حبنا لبعض كان كبير لدرجة تغير من بنتها. مبسوط بك وبذكائك وحنينك، ومتأكد لو أي فرصة جت لك هتثبتي نفسك. إنتِ خليط مني وعائشة. وبالمناسبة، الإمام الشافعي قال: المرء يُعرف في الأنام بفعله وخصائل المرء الكريم كأصلها صبر على حُلو الزمان و مُرِّهِ و اعلم بأن الله بالغٍ أمره..
عاوزك تحفري اسمك في الدنيا بالخير والعمل الصالح. اشتغلي بكل قوتك وقاومي، وإياك حد يكسرك. وما تخافيش غير من ربك، وأوعي والحرام، حتى لو ليرة، لأنها ممكن تاخد منك جبال حلال. نهر: كنت فاكرة إن حبي للعربي الفصيح لأنه بتحبه، لكن طلع الموضوع وراثة. تعرف دي من القصائد اللي أنا وإنتِ حفظناها. حتى بيتنا المفضل هو: في الجو مكتوب على صُحُفِ الْهَوى من يعمل المعروف يُجزَ بِمثلِهِ.. برهان:
وبيِتي المفضل أيضاً، وأنا حفظت أمك القصيدة دي بعد جزء عم، كانت ثمن سنوات. نهر: واضح عليك الألم وإنك بتقاوم. (نظرت للممرض وقالت: وديه أوضته، مش صح يقوم فترة من على الأجهزة) برهان: مش قبل ما أشترك معاك في مكالمة عائشة. أسرعت نهر بالتقاط الهاتف، فقد كان بجانبها على السرير، واتصلت لترد رقية بسرعة: حبيبتي، عاملة إيه دلوقتي؟ نهر:
أحسن آآآه، لكن احتمال أقعد أكتر من أسبوع. يعني مش معقول أتعالج وأمشي على طول، محتاجة أقعد مع الأغا شوية. برهان:
عائشة، أنا معاها. سامحيني يا بنتي، ما كنتش أعرف إنها هتتأذى لو وصلت تركيا. كنت فاكر إني هفهمها حقها وإزاي تحافظ عليه، وأقرب بينها وبين فيروزة وعمران. عائشة، لم يبق في العمر وقت. أنا محتاجك جنبي وفي حضني، محتاج أشم ريحتك، ودني مشتاقة تستمتع بصوتك، رغم إنه اتغير. أنا اللي محتاج حضنك. والله يا بنتي، ما كنت أعرف بموضوع نديم. وآدم اتولد في السابع، بعد ما أمك أجبرت عمران ونديم يتجوزا، لأنها كانت عاوزة حاجة من ريحتك. وهما كمان اتظلموا في حياتهم، مش زيك، لكن ما حدش خانك. أول مرة من عشرة أيام أعرف إن نديم شرب يوم جوازه وتخيلك إنتي، وده قهر عمران. اللي عرفت بحملها بعد ما نديم رجع يكمل دراسة للترم الثاني. مفيش حد قدر ينساك.
(مسك يده على قلبه بألم) لتصرخ نهر على الممرض: خذه بسرعة لغرفته، أرجوك، ده تعبان قوي. جاء صوت رقية ببكاء وهي تقول: بحبك يا برهومي، وسامحني. بعدي عنكم كان خوف ورهبة للمستوى اللي وصلتوا له. خفت على أولادي يدخلوا صراعات أو يتعاملوا بخشونة وعنف. وخفت من فضايح الصحافة لكم، وإن اسمكم يضر مني، وكنت محتاجة أقفل وأراجع حاجات كتير هنا. حبي لك عمره ما قل، لكن كنت بكابر. بدليل عملت لك بإيدي المعطف اللي اتفقنا عليه.
ابتسم برهان للذكرى: مسامحك يا صغيرتي. ولو في عمري أيام بس، هحاول أجي وآخدك. نهر: كفاية بقي جدو مريض، سلام أنا. برهان: جدو يا نهر؟ نهر: اتفقنا ترجع أمي لحضنك، أكون لك حفيدة وابنة. إنت بابا وجدي في نفس الوقت. تهدّج برهان رغم مرضه، ليحتضن نهر وهو يقول: الله يرضى عليك، طمنت قلبي وأسعدت حياتي.
لكن نهر تاوهت بضعف، لينظر هو بخوف لظهرها الذي يعقمه ويطهره فقط الأطباء دون أن يغطوه، نظراً لكبر حجم الجروح والكدمات. فقط، لبس المشفى المربوط من الخلف بعدة أربطة، فيشهق من منظر ظهرها الملون، وتصرخ نهر، لياخذها الممرض لغرفته بسرعة. بعد خروج الممرض ببرهان، ضغطت نهر زر التمريض. ممرضة: أفندم. نهر: برهان أغا في قسم العناية، أرجوك روحي وطمنيني عليه. الممرضة: يعني مش عاوزة مسكن أو تروحي الحمام دلوقتي؟ نهر:
عاوزة أطمن عليه بسرعة، من فضلك. ذهبت الممرضة ورجعت تقول لنهر: وضعوه على الأجهزة، ووضعوا له أدويته. هيكون كويس. مش كويس، يجهد نفسه. هو حالياً نام، اطمني.
الحقيقة أن حالة الأغا تدهورت، لكنه مستريح القلب والبال، فقد تصالح مع ابنته، وأحس بحب وعاطفة نهر له، وقد ضمن لنهر وعائشة حقهما بثروته بعد مجهوده. ابتدأت أجهزة جسمه تنهار ببطء لكبر سنه وضعفه وإجهاده الأيام الأخيرة، لكنه كان مستقبل كل تعبه برضا وامتنان لخالقه، أن رزقه الله الخلف والنجاح والرزق الحلال وحب بناته وأحفاده. صباحاً، جاء كل عائلة برهان بعد إبلاغ الأطباء عن خطورة حالته، وكذلك جاء طاهر وإيمري.
دخل برهان بغيبوبة، لكنه أفاق قبل المغرب ليسأل عن إيمري، وبعدها دخل مع طاهر إليه، فأوصاهم بحماية نهر. وأوصى إيمري بالعمل السريع على رجوع سينام تركيا، وأن لا يتركها وحدها. عندها دخلت فيروزة وعمران وآدم، لينظر لهم برهان بتعب ويقول بصوت خافت: سامحوني لو أخطأت في حقكم، زي ما سامحتني عائشة. وحافظوا على بعض. ونهر تشاهد الشهادتين، وتوفى. في نفس اليوم، بعد أن خرجت رقية من حجرة عمر بعد أن قامت بإطعامه، لتصدم بمصطفى أمامها.
رقية: إنت دخلت إزاي؟ أنا قافلة الباب من جوة. مصطفى وهو يدفعها بعنف ويغلق الباب على عمر من الخارج: جه وقت الحساب، وهتدفعي تمن كل غبائك وجبروتك معايا. مصطفى ناوي على إيه؟
هنعرف. مع إني كنت فاكرة إن ده هيكون آخر فصل، لكن ما لحقتش أخلصه. وأسفة أن نهاية الجزء الثاني قاسية، لكن فيه حقيقة ثابتة، وهي أن كل شيء لزوال إلا عملك. وإن مش لازم نأجل في ظهور حقائق اعتماداً على أن الظروف تسمح، ما دامت حقائق وحق. حاول بكل طاقتك تقول وتعمل، وتحاول توصل لحقك قبل ما القدر يأخذ منك حلمك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!