أكملت فيروزة: أيوة هو أمين ومجتهد، لكن الطبيب كان وشه متفسر لي كويس قوي يا أغا، أنت كنت أقوى لما جانا خبر بنتنا هتنهار عشان نديم. برهان بذهول: عشان نديم!!! أنا مصدوم منك؛ أحياناً بحس إني معرفكيش. ناس كتير بيقولوا عليك قاسية، حتى بناتك، لكن أنا شايفك غير كده. ليه القسوة في الكلام كده يا فيروزة؟
فيروزة: عندنا مسئوليات كتير يا برهان، زي عمران وأولادها. خلاص ياما عدينا محن، عارفة إنك معتبر نديم ابنك وهو عندك محل ثقة واحترام، لكن قضاء ربنا كده. نحمد ربنا إن الحادث ده ما كانش معاه حد من الأولاد أو بنتي. أنا متقبلة الخسارة، لكن مش هتقبل خسارتك. فاهم يا أغا؟ لازم تقوم وتقف على رجلك وتسندنا كلنا. بنتك أهية جاية علينا. نظر برهان إلى ابنته: عرفتي حاجة جديدة؟
عمران: واضح إن الحالة صعبة ومش قادرين يسيطروا عليها. أنا كلمت دكتور يلماز يجي يشوف حالته تسمح بنقله مستشفى تانية. (نظرت إلى أمها) أنا أقول للأولاد ولا أعمل إيه؟ هو هيبقي كويس صح؟ صح أنا؟ أنا مش هقدر أعيش من غيره. أنا نديم، أنا بعشقه مش بحبه، رغم إني عارفة إنه مش بيحبني ربع حبي ليه. برهان: إيه الكلام ده؟ نديم مخلص طول الوقت ليك ولبيته، ما يعملش كده غير واحد بيحب أهل بيته.
عمران بتوهان: بيحب أهل بيته وبيحب أولاده، لكن مش أنا. لازم يعرف إني بحبه، أنا عمري ما قولته واعترفت بمشاعري ليه. هتحسر لو مات وهو ما يعرفش قد إيه بحبه. والله بحبه. برهان بنظرة لفيروزة: واحدة تعيش مع زوجها أكتر من عشرين سنة وما تقلوش بحبك؟ ليه؟ أومال عايشة معاه إزاي؟ الراجل محتاج الكلمة الحلوة. أنت ما علمتيش بنتك حاجة خالص يا فيروزة. لا حول ولا قوة إلا بالله. في مصر
أدخلت عائشة أنهار ورانيا وقالت لهم إن نهر ستغيب اليوم وغداً. أنهار: تغيب ليه؟ عندها امتحان النهاردة؟ هي تعبانة؟ عائشة: لأ، متعاقبة مع أخوها في الخزانة. رانيا: مين دي اللي متعاقبة يا خالتي؟ هي نهر بتكسر لك كلمة أو حتى بتهمل في حاجة؟ دي أطيب واحدة فينا. عائشة: روحوا مدرستكم عشان ما تتأخروش وما تجوش بالليل، وقولوا للمدرسين إنها غايبة اليومين دول. أنهار: إحنا جايين بدري زي كل يوم. ممكن نشوفها بس دقيقتين.
عائشة: أنا كنت هطلب منكم توصلوا للخزانة غطا ليها وشوية كتب ومخدة والأدوية بتاعتها. أنهار: ماشي يا خالتي، حاضر. يلا يا أنهار. ممكن يا خالتي تاخدي بالك من الشنط. عائشة: خدي شنطتك معاك أوضة نهر، لأني معايا مفتاح الخزانة. هاجي معاكم عشان تدخلوا لها الحاجات. (وابتسمت لهم) هاسبكم تقعدوا معاها شوية، بس ما تتأخروش عشان المدرسة.
مشت أمامها كل من رانيا وأنهار إلى حجرة نهر، وضعوا شنطهم وحملوا أغطية وأكثر من وسادة وبعض الكتب، وذهبوا إلى باب الخزانة بانتظار فتح القفل الموجود على الباب. فتحت لهم القفل ودخلوا، رتبوا المكان وتأكدوا من أن نهر تستطيع أن تنام ببعض الراحة على أرض الخزانة الصلبة. ثم خرجوا. أنهار: ممكن نقف نتكلم معاها يا خالتي.
عائشة: أنا داخلة هقعد في المضيفة وأفتح بابها عشان أعرف لما تمشوا وأقفل البوابة وراكم. كلموها من الشباك وسيبوها، لأنها ما نامتش كويس بالليل. سلام. نظروا في آثارها إلى أن اختفت من أمامهم وجروا إلى الشباك. أنهار باندفاع إلى الشباك: أنت يا هباب البرك يا محراك الشر، وقعت بين أمك وأختك بإيه؟ خليت أمك تقلب عليها وتعاقبها! ما هو بالعقل، نهر عمرها ما زعلت خالتي رقية أبداً. انطق يا مصيبة. عمر لم يرد عليها وأدار وجهه عنها.
نهر: ما عملش حاجة يا أنهار، سيبه في حاله. هي بس أنا عرفت إني جبت له أكل بالليل وهي كانت منبهة عليا بالليل. رانيا: ليه ما كان بياكل؟ ليه منعت عنه الأكل؟ أكيد عمل مصيبة، صح؟ هببت إيه هو؟ شكله امبارح كان مش على بعضه. عمر: أه. أكلت شوية كتب وقلت مش هذاكر معاهم، وعورت عم إبراهيم وهو بينقلني هنا. رانيا: بسسس كده؟ لأ، حلال فيك التعذيب مش الجوع. ما سمعتش الكلام ليه يا نهر؟ أو ما أكلتهوش في الخباثة ليه؟ أنهار: ودي عايزة كلام؟
بتقولك عرفت إنها أكلته، مش شافت إنها أكلته. (ونظرت لعمر) أنت قلت لها عشان تعاقب نهر؟ عادي، ما أنت نهر عاملة لك برجلة في مخك، أنت وأبوك. وطبعاً أبوك موصيك الوصايا العشرة كلها على إزاي تؤذي نهر وتزهق خالتي في عيشتها، صح يا أبو الغضب؟ رانيا: يخربيت مخك بجد يا عمر؟ طب هتستفيد إيه؟ على الأقل لما كانت بره كانت ممكن تساعدك. نهر: بس يا بنات، هو أصلاً ما كانش عاوزني أتحبس. حتى دافع عني وقال لآنة تسبني أمتحن النهاردة.
أنهار بلوي شفتيها لأعلى: أيوة كان طيب، كان حنين. إتنيلي على خبتك! هو أما يقولها حاجة هتعملها وهي زعلانة منه؟ طبعاً هتعند وتعمل العكس، وده بالظبط اللي هو عايزه، مش كده؟
ابن أبوك بصحيح، والعرق دساس. عمره ما هيكون قلبه عليك. خلاص أبوه زرع فيه الغل والحقد من زمان، وهيكون ديماً شوكة في ظهركم. عمره ما هيكون قلبه عليكم. إحنا رايحين المدرسة وأنا راجعة هاجي أطمن عليك وأبقى آجي أذاكر معاك بعد العصر. خدي بالك من نفسك. وأنت يا سي عمر، ربنا يعينك على نفسك.
خرجوا وذهبوا للمدرسة، وعائشة أغلقت البوابة وراهم. بعدها أحبت أن تطمئن إلى أن نهر ستنام، مشيت بهدوء بعدما خلعت ما بقدمها حتى لا يلاحظوا صوت. عندما اقتربت من الخزانة، كان الهدوء هو سيد الموقف. التفتت لتغادر،
لكنها سمعت صوت عمر يقول: أنا فعلاً اللي قلت لماما إنك أكلتيني، وعشان أغظها وريتها قشر الموزة واليوسفي، بس ما كنتش حاسب إنها هتحبسك. قلت مش هتهوني عليها، خصوصاً إنك لسه تعبانة وكمان عندك امتحان، وهي عارفة إنك سهرانة تذاكري طول الليل. ماتخيلتش إنها تحبسك، صدقيني. قلت بكده هاخد حجة إنها بتعاملني بطريقة وبتعاملك بطريقة، وإنها مش عادلة وما تقدرش تيجي عليك. أنا يا نهر، ديماً لوحدي. ما فيش حد بيحبني غيرك أنت بس. أيوة، أنا
عارف ما فيش حد بيهمه أمري، أنت بس اللي بتحسسيني إني بني آدم. بابا مش مهم حاجة في الدنيا غير إنه يحافظ على ماما تحت جناحه وتخدمه وبس. وماما كنت شايف إن كل اللي يهمها أنت وبس. اتجوزت عشان تجيب لك عيلة، بتهتم بكل حاجة ليك، قلبها عليك. حتى لما حبت ترجع وهي فاقدة الذاكرة، رجعت عشانك. قالتها لي أكتر من مرة، أنت ليك عيلة، أختك لأ. أنا مش مهم أبداً يا نهر، وأنت عشان تقدري تعيشي بتشتغلي طول الوقت. أيوة بتقعدي معايا شوية، لكن
قليل. نهر، أنا بسمع كلام بابا مش حب فيه، لأ، خوف ورعب منه. مش قادر أنسى منظرك وإنتي فستانك غرقان دم، ولا قادر أنسى منظر ماما وهي بتجري وراه بالسكينة. بابا هان عليه يعمل فيكِ كده وأنتِ بنت زي ما بيقولوا، أومال أنا هيعمل فيا إيه؟
أنتِ فاهماني؟
أنا بابا بيجيب لي حاجات كتير، أيوة، ومش حارمني من شيء، بس حارمني من أهم حاجة وهو الحنية، أو بمعنى أصح، الأمان. أنتِ ماما بتحن عليكِ وتحميكِ، لكن أنا لأ، مش زيك. أو بتحن عليا شوية، لكن مثلاً ما تقدرش تبعديني عن بابا أو تؤذيه. أنتِ تقدري تعيشي بعيد عننا في بيت لوحدك، لكن أنا لأ. أنا تحت رحمة أبويا وهفضل تحت رحمة أبويا. هفضل معاه حتى لو ماما أخدتني فترة، مش هيسيبني. مع إنه مش بيقعد معايا، بيرميني لمرات عمي تهتم بيا أو عمتي أو ستي يقعدوا يكرهوني في اليوم اللي اتولدت فيه. مرات عمي حنينة، لكن عندها ولادها بتهتم بيهم أكتر. عارف إنك مش فاهمة أنا بقول إيه، ولا أنا كمان والله ما فاهم حاجة.
نهر: كل ده في قلبك يا عمر!!!
ياااااه، ما طلعتش هايف زي ما كنت فاكرة وطلعت معبي وشايل. اسمع يا روح أختك، أنا وأنتي روحنا فيك وبنحبك أكتر من روحنا. سيبك من إن أنا بتقسي علينا أحياناً، بس بتعشقنا. وإذا كانت بتحبني لأني زي ما بتقول يتيمة، بتحبك لأنك أنت سندها وسندي بعد ربنا وفي المستقبل. عمر، أنا إذا كانت مطمئنة عليك فلأنك راجل ولك عيلة، وعمرها ما بخلت عليك بحب أو رعاية. بس سواد الليل اللي كانت بتجي لي فيه، مطمنة إنك في بيتك مع أبوك، ويا هتلعب على الكمبيوتر يا هتنام. أنت معظم الوقت رافض تكون معاها. قرب منها شبر هتقرب منك ميل، صدقني. وأنا أسمح لي أكون جزء من حياتك. بص إيه رأيك في الإجازة؟
أخدك معايا شرم، الغردقة، أسوان، أي مكان وهعلمك فيه السباحة وركوب الخيل وتسوق بسكليتة. عمر بضحك: يا لاااااهواااااي! أنت راشقة في أي تعليم وخلاص. نهر: تعليم اللعب حلو، هيقوي جسمك وهيطلع طاقتك الزيادة ويصفي ذهنك. عمر: موافق، لو الست الوالدة ما حبستناش. نهر: الست الوالدة هتسامحنا لو اعتذرنا وسمعنا كلامها. خلي بالك، هي بقت مسئولة عننا لوحدها ولازم نساعدها على قد ما نقدر. أرجوك يا عمر، خلينا نكون في حضن بعض ونحمي بعض.
عمر: هفكر يا نهر، بس ما تزعليش مني لو أخذت صف بابا مش صفكم. ساعتها هيكون غصب عن قلبي وهيكون تفكير بعقلي. نهر: أنا مش عارفة أنت إمتى كبرت قوي كده. عموماً، خد وقتك، سواء معانا أو علينا، أنت جوه قلوبنا. انسحبت عائشة بهدوء مثلما جاءت وأخذت تفكر في كلامهم. في تركيا
صحى إيمري من نومه متأخر، وذلك لسهرته على الاب وهو يعمل إلى ساعات متأخرة من الليل. نادي على سينام فلم يجد رد. فتح الموبايل ليرى أن الساعة تجاوزت العاشرة، عرف أن سينام ذهبت للجامعة. نزل بكسل السلم وصنع لنفسه سندوتش وكوب كبير من النسكافيه. وضع الطعام على رخامة المطبخ وبدأ يأكل. تفحص الهاتف وجد أن عائشة طلبت له مكالمة واتس كما تعودت. اتصل بها واتس وكلمها. علم منها ما حدث مع نديم، وكيف أن نديم مصمم على أن يخبر أباها
بوجودها على قيد الحياة. وأنها أوهمته أنها تتكلم من السنترال وكانت تكلمه من فونها. وأخبرته إنها بعثت بما أوكله لها من عمل على إيميله. أغلق الهاتف معها، وقد طمأنها أنه سيحاول مع نديم أن يكتم سرها قليلاً إلى أن تستقر نفسياً على الأقل مع أولادها.
عبث بهاتفه ليفتح على أخبار البلد وصدم من عنوان كبير يقول: حادث مروع لرجل الأعمال والمهندس المعماري الفذ في شركات برهان آغا للاستثمار العقاري. وصور للسيارة وأخرى وهم يخرجونه وهو فاقد الوعي من العربة. ليلبس ثيابه ويتوجه بسرعة إلى المشفي حيث ذكر الخبر اسمها.
كان الخبر منتشراً بقوة وقد علم أولاد نديم بالخبر من الميديا واتجهوا أيضاً للمشفي. وصل أولاده وإيمري في نفس الوقت ليصعدوا للطابق المراد. فإيمري بنفوذه استطاع الدخول والصعود إليهم. أما أولاد نديم فهم أبناء المصاب وكان من الطبيعي صعودهم. وأمام المشفي كان الكثير من الصحافة والإعلام ليغطوا هذا الحدث. جرى كل من آدم وأيزل باتجاه أمهم عندما رأوها منهارة والطبيب يقول: المريض أعطاكم عمره. ممكن تدخلوا تودعوه.
جرى الجميع إلى الغرفة. كان برهان آغا جالساً على كرسي بجانب نديم وهو متشبت بيده. ودخل عليهم كل من فيروزة وعمران، بعدها آدم وأيزل وهم غير مستوعبين فقدان والدهم. خرج برهان آغا خارج الغرفة وهو يشير إلى فيروزة لتلحقه. فيروزة باستغراب: إيه يا أغا؟ ليه خرجتني؟ هو نديم كان عايزك ليه؟ فيه حاجة مهمة قبل ما يموت قالها لك؟ سمع إيمري هذه الجملة وتصنم مكانه. برهان: مش فاهم حاجة.
كل اللي قاله: "أنقذ عائشة بنتك واعرف من إيمري مكانها". فيروزة بدموع: كان واعي وهو بيقول كده؟ برهان: مش عارف. كان شبه تايه. أعتقد. هو يعرف عائشة بنتنا يا فيروزة؟ فيروزة بارتباك واضح: إيه يا أغا؟ مش هو بعلاقات والده قدر يجيب لنا جثتها وكان معانا في الدفن؟ واتعرف على عمران وقتها؟ يعني عارف إننا كان عندنا بنت اسمها عائشة. برهان: إزاي أنقذها؟ هو يقصد إيه؟ وإيمري مين اللي يسأله عليها؟
فيروزة: مش وقته يا أغا. زي ما بتقول كان تايه. واللي أعرفه إن فيه تحت يده مهندس اسمه إيمري في الشركة، أو ممكن سكرتير عمران. برضوا إيمري. عموماً، لازم نكون سند لأحفادنا وبنتنا دلوقتي. وأنا هبقى أشوف إيمري بعدين. يلا يا برهان، يلا.
كان برهان آغا في دنيا أخرى. فقد ارتفع عليه الضغط ولم يعد يدري بنفسه من ذكرى موت ابنته وصدمته في موت من كان بمثابة ابنه. فسحبته هالة سوداء ولم يعد قادر على الصمود ليقع. ولكن فيروزة كانت أسرع منه فسندته سريعاً وصرخت ليأتي من يساعدها وينقلوا برهان آغا لداخل غرف المشفي.
صدم إيمري من كلامهم ومشى لاستقبال المشفي ومن بعض معارفه أراد أن يعرف سير التحقيقات في الحادث. وعلم أن نديم كان بطريقه الصحيح لكن بسرعة أكبر قليلاً. أما سائق الحافلة فقد كان مخموراً وأخذ اتجاهاً عكسياً عند مفترق طرق ولم يستطع أحد منهم التحكم في القيادة ليفادي الآخر. إذاً فالخطأ خطأ سائق الحافلة وأيضاً قضاء وقدر. فكر إيمري: ما هذا القدر؟
في اليوم الذي يقرر فيه نديم مصارحة الأغا يموت هذا الميتة. وإيضاً يوجد أكثر من إيمري في حياتهم. لماذا يلعب القدر هذه اللعبة؟ لماذا لم يخطر ببالهم هو؟ ربما لأنه بعيد عنهم وفي مدينة أخرى. هم يعرفوه لكن ليست معرفة شخصية بل معرفة عمل. انتهى من فكرته واحتار: أيقول لعائشة لتكون بجانب أسرتها أم يتركها في مشاكلها الخاصة حالياً لتستطيع القدوم في أقرب وقت.
ثاني يوم حضر إيمري مراسم الجنازة مع عدم وجود برهان آغا، الذي كان غائباً عن الوعي بالمشفي، لا يدري شيئاً عن الحياة. عند نهر أتت أنهار بعد المدرسة كما أمس، ومعها ماذا درسوا اليوم شعبة رياضة وصور بالموبايل لما كتبوا اليوم في الحصص.
أنهار: بصي يا ست الناس، أنا استأذنت الست الوالدة إني أديكِ الموبايل بتاع رانيا تكتبي اللي صورناه من زمايلك في الفصل. رانيا هتيجي تاخد منك الموبايل العصر. بت يا نهر، أنا قلت لأبويا يجيب درة مشوي وهجيبه لك سخن المغرب. أجيب كام كوز درة. نهر: سخن وتفضحنا وتشتم ريحة الدرة أنا وهو، ويبقى ناقص تيجي تتحبسي معانا. ضحك عمر بصخب: آة واللهي تعملها دي! حبست نهر وهي عندها امتحان؟
تروح تقول لأبوك لو سمحت هحبس بنتك مع عيالي عشان ما سمعتش الكلام. أنهار: ما شاء الله لكم نفس تهزروا. أولاً، خالتي ما قالتليش ممنوع أديكم حاجة. ولعلمكم هي قصدة ما تقوليش، أومال يعني هتعيشوا إزاي بالتغذية الذاتية زي النباتات؟ أنتم محبوسين من امبارح الصبح من غير أكل. فكرتيني؟ بت يا نهر، أنا جبت لك الشيكولاتة اللي بتحبيها. يلا فاشيت الحصالة وقولت أعمل معاك واجب. ما تديش الواد ده عشان اتسبب في حبسك. نهر: ليه كده؟
مش كنتي بتحوشي لعيد الأم؟ أنهار: هو تمن شيكولاتة هيأثر؟ دول كلهم خمسة عشر جنيه. يالله حظ أمي. شكلي هأقعد أجيب لها طقم الكوبيات اللي أجل غير مسمى. لتضحك نهر وتقول: يعني هو طقم السنة اللي فاتت لسه عايش. أنهار: على رأيك والله يا بنتي، ما في حاجة بتدوم الأيام دي. سلام بقى عشان هتأخر على أمي. باي يا نهر، باي يا مصيبة يا صغيرة. أتت عائشة لهم بعد خروج أنهار. عائشة: يلا عشان تاكلوا حاجة، كفاية جوع كده. أنا مش عايزكم تتأذوا.
عمر: لا والله! إيه الحنية دي؟ لسه فاكرة؟ على فكرة نهر بتاخد دواها على معدة فاضية، بس مايه. نظرت له عائشة دون كلام، ثم فتحت الخزانة ليخرجوا ويأكلوا. دخلوا المطبخ وجدوا رز وسلطة وسمك بلطي مشوي ومقلي. عمر: يا عصافير بطني اللي بتهوهو. أكلوا جميعاً من غير كلام وغسلوا أيديهم. وكانت عائشة معلقة على الشاي. لم يصدق عمر نفسه عندما صبت لهم الشاي. عمر: مش مصدق عنيا! أنت هتشربينا شاي كمان؟ أنت سخنة ولا حاجة.
عائشة: كل واحد يجي ياخد كوبايته ويغسلها بعد ما يشرب، والحوض بعد كده يتغسل المواعين اللي فيه. كاد أن يتكلم عمر، لكن نهر وضعت يدها على فمه لتقول: حاضر يا آنة، كفاية إنك تعبتي نفسك وعملتي أكل. ليبتسم عمر ويقول: والله ألذ أكل أكلته من زماااااان. ولا الواحد من كتر الجوع حس إن الأكل حلو. بالنسبة لي أنا فاكر إني مش بأكل السمك، بس والله السمك ده طلع لذيذ قوي يا رووووقة. لتنظر له عائشة باستغراب وتقول: رووووقة؟
عمر: آة، ما أنا نويت أدلعك. بقولك إيه؟ هو ينفع تسامحيني ونفتح صفحة جديدة؟ تسمعيني وأسمعك، ولا لسه قلبك أسود من ناحيتي؟ عائشة: عمر، الأم ما يبقاش قلبها أسود من ناحية أولادها.
عمر: طب أنا آسف، وفعلاً أنا زودتها. وبجد مش بضحك عليك عشان يعني محبوس ومضايق وكنت جعان وشرقان شاي وعصير، ولا عشان جنبي وجعني من نومة الأرض، ولا عشان ببرد بالليل وعايز أنام على سرير زي مخاليق ربنا، ولا عشان البت نهر صعبانة عليا وهي مش قادرة تتحرك. نو، روقة، أبسولوتلي. أقسم بالله أنا أقر وأعترف إني هحاول أتعدل، بس بالله عليك يا شيخة، واحدة واحدة عليا. أنا زي ابنك برضو.
نهر: وأنا كمان آسفة يا آنة إني زعلتك. ممكن تسامحينا. نظرت لهم عائشة وقالت: ماشي، شوفوا هتروحوا فين، بس خدوا الحاجات اللي في الخزانة واغسلوا الأطباق والكوبيات. آة، عمر، أنت هتقعد فين؟ معايا ولا مع نهر. عمر: لا، معاك أنت. نهر صاحباتها رغايين قوي وبيقلبوا دماغي. أقسم بالله قاعدتهم أصعب من الحبس في الخزانة. لتضحك نهر وهو معها. نهر باستغراب: مالك يا آنة؟ شكلك مش مبسوطة وقلقانة؟ خير. عائشة: مفيش يا نهر، ما تشغليش بالك.
نهر: وحياة عمر عندك، فيه إيه؟ مش يمكن أساعدك! عمر: لأ بقى، ما دام قولتي وحياة عمر يبقى مش هتقول. دي بتعزني قوي. عائشة: أنت اللي جحش ومش عارف أنت عندي إيه. ماشي يا نهر، عشان حلفتيني بالغالى. إحنا أصلاً في مركب واحدة. (وصمتت قليلاً لتتنهد بعمق وتقول) : أولاً، قلبي مقبوض من امبارح، حاسة فيه حاجة غلط بتحصل عند أهلي، خصوصاً والدي. ثانياً، فيه حاجة غريبة حصلت امبارح. إيمري كلمني، صوته كان زي مخضوض، مصدوم.
قالي: "عندي ظروف هتخليني مقدرش أتابع شغلي وبعت لي إيميله والباسورد وكمان لينك أدخل به على حسابه وأعمل اجتماعات وصفقات في شغله مع ناس من كذا دولة". إزاي جاله قلب يخليني وأنا قليلة خبرة وأعتبر جديدة في الشغلانة أمسك مسئولية زي دي؟
أنا عندي خلفية عن شغله بما إنها بترجم وبقوم بشغل حسابات معاه، بس مش لدرجة أكون مكانه في اجتماعات مهمة زي دي. امبارح كان فيه اجتماع من الساعة ستة إلى الساعة تسعة بالليل، ماتتخيلوش أنا كنت مرعوبة ومش قادرة أسيطر على أعصابي. لولا إني اتحججت بأن الكاميرا عطلانة، كانوا أكيد ما كملوش الاجتماع. أنا كنت بغرق في عرقي من التوتر. والنهاردة كمان كان فيه زووم ميتنج، بس مع كذا مسئول من الشركة. وبحاول أكلمه آخد رأيه في حاجات، مش بيرد، تخيلوا؟
عمر: هو حر في قراراته. صحيح، ما ينفعش يمسك شركته لواحدة ست، على رأي المثل "مسكوا الحمار مفتاح القرار". نهر: لسانك يا عسل! إيه كمية الدبش اللي طالعة من بوقك دي؟
اسمعي، أنتي حضرتك ذكية ومجدة، وأهم صفة فيك أمينة، وهو متأكد من كده. غير إنك عندك فكرة حتى لو بسيطة عن الشغل والأجهزة الطبية. يعني هو أدرى إنت عندك خلفية إيه تقدري بها تمشي الشغل. وعادي جداً لأنه ما لوش اللي يثق فيه يلجأ لكِ. وأكيد أكيد هو عامل حسابه يكون فيه بعض التلفيات أو الخسارة. هو ذكي وعصامي، ولك الفخر إن واحد بأهمية عمي إيمري يثق فيكِ إنك تمسكي شغله. ده غير إن حضرتك من قبل ما تشتغلي عنده، كان أي ورقة بتيجي تحت إيدك تحبي تقرأي فيها. حضرتك عندك معلومات عامة كتيرة جداً، وأنا واثقة إنك هينجحي في الاختبار ده.
عمر: يا بنت! إيه يا نهر؟ تصدقي أنا صدقتك. وأنا كمان واثق إنك هينجحي في الاختبار ده، بس لو ماشيتي الشغل لازم تطالبي بمكافأة وتجيبي لي ألوان ولبس وكده، ماشي؟ ظبطيني. ابتسمت عائشة بحب: شكلك هتتعبني معاك. نهر: لو فيه أي مساعدة أقدر أقوم بيها، أنا معاك وهحضر معاك أي اجتماع تحبيه. لتحتضن عائشة نهر وتقول: ربنا ما يحرمني منكم. لتُدخل في تلك اللحظة رانيا وهي تقول: أووووبا! ده أنا فاتني كتير. أنتم اتصالحتم من ورايا.
نهر: دخلتي إزاي من البوابة؟ رانيا: خالتي قالتلي أعمل إيه وأفتحها من برة عشان مش كل شوية تطلع تفتحها. وقالت كمان لو قولتي لحد هتقطع خبري أنا وأنهار. بس المهم، أنا كنت جايبة لكم حمامتين. بالهنا والشفا. نهر: اتنين؟ إيه الكرم ده؟ رانيا: أيوة ياختي، مهو أنت كنتي محبوسة مع أخوك. لو جبت واحدة، الطفس ده هياكلها ويسيبك جعانة. شفت يا عمر أنا واثقة في ندالتك إزاي؟
عمر بضحكة سمجة: ظريفة قوي. شفتي يا ماما كانوا بيسربوا لنا الأكل وجابوا لنا امبارح كمان. إحبسيها بقى أم لسان طويل دي. عائشة بضحكة: أنت الواحد لازم يفكر قبل ما يعمل معاك معروف. رانيا وهي فاتحة فمها على آخره: ولاااااه! مش أنت في خامسة وأنا ثانية ثانوي، بس أنت فقعت لي مرارتي. (وأخرجت من كيس مخبأ بشنطتها الحمام) خدي يا نهر، أنتِ واحدة وأنا واحدة، وهو لأ.
عمر: كنت بهزر معاك يا أبلة رانيا. وبعدين نهر لسه واكلة سمك يستاهل بوقك، وحابسة بشاي كمان. حتى شوفي المواعين في الحوض قد إيه. أنا مش بحب السمك، صح يا نهر. نهر: أيوة صح. اديله الحمامة اللي طلعت من ذمتك ليا. أنا مش بحب الحمام أوي. رانيا: وحتى لو بتحبي، برضوا هتديهاله، ماشي. خد يا عمر. (وأعطته واحدة) عمر: مش كان طالع من ذمتك اتنين؟
رانيا: لا وربنا ما يحصل. هو واحدة ليك بس. أنا ماخدش منابي وقلت أسيبه لنهر، بما إن نهر مش هتاخد، يبقى آخد منابي. مش هديك الاتنين. (نظرت لعائشة وقالت) هاخد طبق يا خالتي آكل حمامتي وهغسل طبقي ورايا، ممكن. عائشة: طبعاً ممكن. (نظرت لعمر) مش لسه واكل؟ سيبها شوية على ما تهضم. عمر: لا أنا بطني ناشفة بقى لها كذا يوم. هاكلها دلوقتي، إلا لو عايزاني آكل بعدين. عائشة: براحتك. (نظرت لنهر)
اغسلي كوبايتك والأطباق اللي أكلتي فيها، وعمر برضو يغسل كوبايته والأطباق اللي أكل فيها، وادخلي بعدها مع رانيا ذاكروا شوية. (نظرت لعمر) عمر، مش عشان ولد تخلي نهر تغسل بدالك. كلنا هنا لازم نساعد بعض، من فضلك ممكن. عمر: ماشي، هاكل وأغسل وأجيلك الأوضة. بعد مدة قليلة جاءت أنهار ومعها أكواز من الذرة وفرحت جداً لخروج نهر. أكلوا البنات مع بعض، وتركت أنهار اثنين لعمر وعائشة.
كان هناك اجتماع، ولبست عائشة زي رسمي وعقدت شعرها كعكة وفتحت اللاب ونبهت على عمر أن لا يصدر صوت إلى أن تنتهي. كان عمر مبهور بها وثقتها وهي تتكلم. لم يفهم شيئاً مما قيل لعدم معرفته باللغة التركية أو الألمانية التي كانت أمه تتكلم بها. بعد الاجتماع الذي مكث الساعة إلا الربع، وبعد أن أغلقت عائشة الكاميرا. عمر: تصدقي، كأني بتفرج على فيلم أجنبي. إيه اللغات اللي كنتي بتتكلمي بيها دي؟ أنا عارف إن تركي ولغة كمان.
عائشة: كويس إنك لاحظت إنهم لغتين. أيوة، تركي وألماني. حبيبي، ما أنت لو كنت سمعت كلامي زي ما نهر كنت عرفت، لكن مش كنت بترضى أعلمك لغة. عمر: وأوجع دماغي ليه بلغات ملهاش لازمة؟ إحنا هنا بناخد إنجليزي، ولما نكبر شوية هناخد فرنساوي وهنشتغل هنا. أعمل أنا إيه باللغات التانية. عائشة: بصراحة مش فاضية دلوقتي أفهمك. دلوقتي هذاكر مع حضرتك أي مادة لأن سيادتك متأخر في كله. تحب نبدأ بإيه؟ عمر: على طول كده؟ طب استريحي شوية.
عائشة بحملقة بالعين: عووووووومممممممر. عمر: هندسة. نبدأ بهندسة يا ست الكل، بس والنبي أنا طفس. والبت أنهار قالت هتجيب درة. ممكن نشوفها جت ولا لأ عشان دماغي مش هتركز بيها وأنا بفكر في الدرة. عائشة: اللهم طولك يا روح. تعالي نشوف قدامي. في تركيا بعد حضور إيمري الدفن، كان يوجد عزاء في القصر وقرأت قرآن للجميع. كان الرجال في حديقة القصر والنساء داخلة.
جاء فجأة مجموعة من الشباب والشابات وكلهم بكاء وانهيار. دخلت الشابات للقصر، وكان يبدو على الشباب أنهم يعرفون التركية بضعف. ففهم نديم أنهم أقرباء نديم من مصر. بعد قليل اتجهوا إلى آدم وتكلموا معه دقائق، بعدها غضب آدم بشدة وهو يقول: هو ده اللي جابكم؟ عايزين تعرفوا بابا كتب وصية فيها إيه؟ أنتم بتتكلموا في وصية في يوم الدفن؟ عموماً، آهو له ابن وبنت وزوجة، واعتقد شرعاً كده مالكمش ورث. ويا تقعدوا باحترامكم يا سعيكم مشكور.
رفيق: أنت بتطردنا من أول يوم وفاة عمي. آدم: وأنت احترمت وفاة في العزاء؟ بتكلمني في وصية. رفيق: جايز التعبير خانني، لكن تصرفك غبي وبيقول إنك متعرفش في الأصول تطرد قرايب أبوك من عزاه. آدم: أصول إيه؟ أنت عايز تجنني؟ أنا والدي فقدته فجأة، وجدي بين إيدين ربنا، وأنا والله أعلم بحالي. وجاي ما قعدتش عشر دقايق؟ أنت إيه؟ مش بشر؟ إيمري: بس بس! إيه ده؟ رجاء كل اللي صور بلاش نشر أرجوكم واحترموا الميت والبيت اللي إحنا فيه.
فأتجه إلى آدم وقال: مش كده يا ابني؟ القصر كله صحافة. ما تخليش حد يجرّك للغلط. خد قرايبك وادخل القصر واستضفهم فيه عشان خاطر أبوك، وأنا هتصرف لو حد صور اللي حصل. آدم: أنت مين أصلاً؟ إيمري: صديق لوالدك. مش من الشركة. ممكن تلم الموضوع. أنت لسه في بداية طريقك. أرجوك، مش وقتك أو مكانه التهور قدام الناس. حتى لو هما جروك، بلاش. آدم باقتناع: تمام. شكراً ليك. متأكد إنك هتتصرف لو حد صور؟
إيمري: مش بقول كلمة مش قدها. اتفضل أنت وقرايب والدك. أشار آدم لهم وقال لهم بالعربية: اتفضلوا معايا جوا، بلاش فضايح. إيه هيحصل هنشوف في الفصل الجاي. لو عجبكم الفصل لايك أو شير. أسرار الماضي لبنت ناس (بقلم / رينا الهادي)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!