الفصل 18 | من 57 فصل

رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رينا الهادي

المشاهدات
23
كلمة
5,382
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 32%
حجم الخط: 18

جاء صوت من هاتف عائشة. لِتَلْتَقِطَ الهاتف بسرعة وتُشاهد فيديو لبرهان أغا وفيروزة وهما يخرجان من حافلة المستشفى، ويمشيان ببطء للعزاء. يستقبلهما آدم وعمران، فيفتح برهان ذراعيه لهما، ثم يبكيان في حضنه بينما تربت فيروزة عليهما بحنان. أغلقت عائشة الفيديو بارتياح، وبعثت كلمة واحدة فقط لـ "إيغمري": شكراً. ثم نظرت لنهر وهي تقول: "أنا كمان محتاجة حضن، ممكن؟ تحركت لجانب السرير عند الحائط، وهي تفتح ذراعيها لنهر.

لِتَنَامَ نهر وهي تحتضنها، وتقول: "الحمد لله، حاسة أن اللي جالك في الفون ريحك." لِتَهَزَّ عائشة رأسها. نهر: "مش عاوزة تحكي؟ عائشة وهي تدفن وجهها بعنق ابنتها وتأخذ نفساً طويلاً من رائحة نهر: "مش قادرة، ومش وقتها. هحاول أنام. بالمناسبة، فيكِ كتير من حنية جدك ورائحة جدتك." نهر: "جدي حنين؟ عائشة: "قوي قوي، بس على أهل بيته. وزي ما بيقولوا هنا، بيركب الوش الخشب في شغله، يحب النظام والتفاني في العمل، لكن عادل مع الكل."

نهر: "وجَدتي؟ عائشة: "علاقتي اتحسنت بيها بعد ما سافرت أمريكا، وده بسبب والدي اللي ألح عليا أحسن علاقتي بيها. وكان كتير مش بيرد عليا ويخليها هي ترد. ممكن تقولي عليها صارمة ومش بتفوت غلطة. كانت عاملة أوضة عقاب، وغالباً قضيت معظم طفولتي وشبابي فيها. أختي الكبيرة كانت منضبطة جداً، قليل ما كانت تتعاقب. تعرفي والدي أوقات كتير كان ييجي يقعد معايا من وراها وياخدني في حضنه زيك كدة لما عملتي مع عمر."

نهر: "غالباً الأم حنونة، والأب بيكون صارم. إنتِ العكس." عائشة: "بابا كان روحي. لكن الفترة الأخيرة، لما حب يبعد عشان أقرب من إغمري، فتحت لأمي قلبي وقلت لها كل أسراري. انهياري النهاردة لسببين: موت حد عزيز عليا، وعرفت أن والدي محجوز في المستشفى عنده انهيار. والفيديو اللي جه من شوية كان عشان يطمّني عليه، طلع الحمد لله." نهر: "لو راحتك مع أهلك...

عائشة: "ما تكمليش. نهر، أنا بفضفض معاكِ. هما خلاص نسوني تماماً، وهنرجع لهم في يوم أكيد، لكن لما أنتم تكبروا شوية وعظمكم ينشف، وأحل مشاكلي مع مصطفى. عمر له الاختيار يكون معايا أو معاه، كدة كدة هيكبر ويبقى له بيت. لكن ما أقدرش أرجع دلوقتي لأسباب كتير، لما ييجي الوقت هحكي عنها." نهر: "طيب نامي، أنا معاكِ، وجدو هيبقي كويس. نامي إنتِ تعبانة." أغمضت كل من نهر وعائشة عيونها وناما.

دخل عمر عليهما وجدهما بأحضان بعض. تمنى أن يكون وسطهم، لكن السرير ضيق. ذهب للغرفة الأخرى ورمى نفسه على السرير ونام وهو فارِد يديه ورجليه ليأخذ معظم السرير وينام. في تركيا. بعد أن ابتعد آدم عن حضن جده، التفت ووجد إيمري. آدم: "إيمري بيك، حضرتك لسه ما روحتش؟ إيمري: "غيرت رأيي، وقلت أطمئن الأول على برهان أغا." برهان: "أهلاً سيد إيمري، وكيف حال زوجتك؟ (اختنقت كلماته وهو يقول) "نديم قال لي إنها تعبت في الحفلة."

إيمري: "فعلاً، جيه زارني في البيت بعد خروجها من المستشفى. لكن هي مش زوجتي. أنا لما جيت إسطنبول، لقيتها مع بنتي في الفيلا. أصلها تعتبر هي اللي ربت بنتي، وعائشة هانم (وشدد على الكلمة) بتعتبر بنتي بنتها." فيروزة بغضب: "وده يخليك تجيبها معاك حفلتنا؟ هي مربية بنتك؟ برهان: "مش وقته، يلا بينا." آدم: "إيمري بيك معانا تقريباً من الصبح، ومنع الصحافة تصور حاجات كتير، وعرض خدماته لو احتجت حاجة."

نظر برهان أمامه ووجد أبناء أخوات نديم. فنظر لآدم وقال: "إيمري بك كان في الجيش، ولما خرج عمل شركته. أعتقد له علاقات كتير يقدر يساعدنا بيها. ممكن تقعد شوية معانا." إيمري: "أكيد، تحت أمرك أغا." برهان: "ادخلي يا فيروز مع عمران جوا للسيدات، وأنا هقعد شوية أسمع قرآن وجاي." استند على كتف آدم ليمشي. فأسرع إيمري ليسنده من اليد الأخرى ويتجهوا به إلى عزاء الرجال.

برهان: "الله يرحمك يا نديم. كان بيحب يعمل كل العادات المصرية. حضرت معاه عزا والده وعزا أخوه، الله يرحمهم. ووصانا نعمل عزا له لو مات، وأنا وصيته يعمل لي عزا، وكنت متأكد إني هموت قبله... أعمار." إيمري: "الله يرحمه ويصبركم." جاء رفيق ومعاذ وقاسم ليقوموا بواجب العزاء لبرهان أغا. وسلموا عليه. برهان أغا: "وصلتم إمتى؟ قبل أو بعد الدفن؟ رفيق بلغة تركية ضعيفة: "وصلنا من ساعات، أغا. لم نحضر الدفن."

برهان: "عزائي لكم، فقد كان والدكم أيضاً." رفيق: "فعلاً، كان بيعتبرنا أولاده زي آدم وإيزل." برهان: "اقعدوا يا أولاد. ولا تعبانين من السفر." معاذ: "كنا محتاجين نتكلم معاك شوية، أغا." تنحنح آدم وهو يجز على أسنانه: "مش اتفقنا غداً وليس الليلة؟ معاذ بإحراج: "أكيد، بس بعطيه خبر أننا محتاجين إن شاء الله نتكلم معاه." برهان وهو يتطلع لآدم

والشباب وتكلم بالإنجليزية: "اسمع قرآن واستريح واهدي، ونتكلم اليوم. فقد أعطوني فرصة لالتقاط أنفاسي. أرجو من السيد إيمري، لأني سوف أحتاج لخدماتك. فقط البقاء معنا. طبعاً أتكلم بالإنجليزية ليفهمني الجميع." أومأ إيمري بالموافقة. بعد حوالي نصف ساعة تقريباً، طلب الأغا مساعدة آدم له بالوقوف والذهاب لحجرة المكتب. إيمري: "تحب أحضر كرسي متحرك تجلس عليه كي لا تجهد نفسك؟ برهان: "أحب أكون زي ما كنت قدام الناس والصحافة، إيمري."

اتكى على آدم، وأيضاً ذهب إيمري للمساعدة من اليد الأخرى. ونظر للشباب وقال لهم أن يذهبوا إلى المكتب الموجود بالطابق الأرضي، فسبقوه إليه. آدم: "جدي، مش لازم تجهد نفسك. اصبر للغد وتكلم معهم." برهان: "أعلم أنهم يريدون الاطمئنان على أنفسهم. بني، لا تقلق على ساقي، بكم أنا فقط لا أستريح لرفيق ومعاذ. فكل أفعالهم فيها الكثير من حب النفس. لماذا أنت متجهم في وجوههم؟

آدم: "يريدون أن يعرفوا هل ترك أبي وصية أو ترك لهم شيئاً. لم يأتوا للعزاء أو الدفن، جاءوا فقط من أجل أموال أبي. لم يشفع عندهم موته فجأة وخسارتنا له." برهان: "أعلم. فقد حذرت نديم من تدليلهم، وأنهم يحب أن يعتمدوا على أنفسهم. ولكن أبوك وقلبه الرقيق. أفهم أن يعامل الفتيات كذلك، ولكن لخاطر نديم سأعطيهم فرصة أخيرة." وصلوا للمكتب. دخلت فيروزة وعمران. أشار برهان إليهم: "أخرجوا للسيدات، هذا اجتماع للرجال فقط."

همت فيروزة بالكلام، لكن قاطعها برهان: "مش قادر أناقش، فمن فضلك اخرجوا." برهان: "سنتكلم بالإنجليزية كي يفهمنا السيد إيمري، كما أنني لست فصيحاً بالعربية، ولا أنتم تفهمون معظم الكلمات التركية." أومأ الجميع برؤوسهم. برهان: "فهمت من آدم أنكم تكلمتم معه. إن كان نديم ترك وصية، أقول لكم لا، لم يترك أي وصية. لم يكن يتوقع أن يموت هكذا في حادث." رفيق: "تعلم أنه كان متكفلاً بكل مصروفاتنا، من تعليم لسكن لمعيشة. ما الموقف الآن؟

لم يتبق إلا أشهر بسيطة وسنطالب بالدفعة الثانية للترم الثاني هذا بجانب مصروفات المعيشة. لم أحب أن أتكلم بهذا، لكن الموقف صعب جداً."

برهان: "كنت ألح على نديم أن يدخل بأي مشروع شريك ليكون له عون للمستقبل. وكانت إجابته دائماً: استثمر في أولاد أخي، ولا أريد أن يحتاجوا شيئاً. لم يكن يعمل براتب شهري، بل بنسبة مئوية من كل مشروع يساهم به. ورغم أنه كان يأخذ أكثر مما يستحق، إلا أنه كان دائماً يرهق نفسه بمشاريع أكثر وأكثر كي يلبي احتياجاتكم التي لا تنتهي. عفواً رفيق، رغم عدم حصولك على علامات عالية ورسوبك، أصررت على الزواج والإنجاب وتحميل نديم كل مصاريف زواجك قبل وبعد الزواج، حتى تجرأ أخوك أيضاً السنة الماضية وطلب منه الزواج. وعندما اعترض نديم لأنه خاف أن يكون مثلك، فمنذ زواجك وأنت تأخذ كل سنة اثنين. تعرف ما رد فعل أخوك؟

معاذ: "ماذا فعلت؟ لم أتزوج. ثم لماذا كل هذا التوبيخ؟ لم يضرب أحد يدي عمي ليتكفل بنا."

برهان: "بلا، معاذ. فعلت. رفضت طلب عمك أن تكون خطوبة فقط، كأنك تعاقبه. وزدت مصرفك بشكل كبير، حتى إنك طلبت زيادة أربعة أضعاف لترهقه. طلبت تغيير السيارة. آسف، لكن إنتم بأفعالكم لم تتركوا لنديم فرصة ليعمل لنفسه أو لأولاده أي شيء. نديم ليس بالبخيل، لكنه كان يعلم إني لن أترك أنا وفيروزة أحفادنا، ولهذا كان يصرف عليكم كل ما يملك. له ثلاث حسابات في ثلاث بنوك. كنا نحول له نقوداً عليها مقابل عمله فيها، ولا أعتقد أنها بالشئ الكثير، فقد سلمتم جميعاً. لم تدخروا جهداً إلا وفعلتموه لتأخذوا منه كل ما يحصل عليه."

رفيق: "عمي كان معماري فذ، أيعقل أن يكون صرف كل ما يملك على حياتنا اليومية؟ ألم يكن لديه أي أملاك؟

برهان بضحكة استهزاء: "لم يكن يملك إلا النسب التي يحصل عليها ليعطيها بطيب خاطر إليكم. حتى أولى السنوات التي قضاها معي قبل وفاة والدك، أخذ كل ما كسب ونزل إليكم وبنى بكل ما يملك لكم القصر وفيلا الساحل وفيلا باسم عمتكم. وللعلم، جاء وهو مديون للبنوك وبدأ بتقسيط ديونه من عمله. كنتم صغاراً، لم يتمكن منكم الجشع بعد وتزيد مطالبكم. كان يرسل لكم المصروف الشهري ونفقات المدارس، إلى أن طلب رفيق إكمال دراسته بأمريكا، وأصبح الوضع

صعباً جداً عليه. كل عام تريدان تغيير سياراتكم وقضاء إجازة بباريس أو إيطاليا، أو بالإضافة إلى أسبوعين هنا بتركيا. تمنيت أن يحقق حلمه بعمل شركته الخاصة، لكنه فضل أن يهب نفسه لكم. فكان يعمل في الشركة والبيت ويقلل وقت النوم حتى يجلس مع أولاده ساعة أو أكثر كل يوم. أعتقد سيد إيمري، تستطيع معرفة حساب نديم من أرقام حساباته، وسوف أدفعها أنا فوراً لكم كي تذهبوا إلى جامعاتهم. أهذا يرضيكم؟

رفيق: "افرض أن المبلغ فعلاً زي ما حضرتك توقعت بسيط، هنعمل إيه؟ برهان: "إنت متوقع مني أعمل إيه؟ أو نقول عاوزني أعمل إيه؟ أساساً لو مش واخد بالك، مهما كان الموضوع مهم بالنسبة لكم، كان ممكن تقفوا مع آدم هذه الأيام من غير ما تفتحوا كلام في وصية أو حق. وأنكم مستعجلين ترجعوا. وكنتم ساعتها هتكسبوا احترامنا. لكن أنا مش فاهم صراحة، بأي حق بتتكلموا كدة في الوقت ده؟ فرضنا أن المبلغ بسيط، ما دخلي أنا؟

أنا اكتفيت بأن جوز بنتي لم يترك ليرة واحدة لأولاده، والحمد لله ترك لهم سيرة حسنة ورباهم جيداً." معاذ باندفاع: "يعني مش من حقنا نعرف عمي أمن مستقبلنا ولا سبنا للزمن؟ وحضرتك قاعد تبيع وتشتري فينا علشان عاوزين نعرف حقنا."

قعد برهان على كرسيه: "لأ، مش من حقكم. ولا حقك تتكلم وإنت عارف إننا فقدنا عزيز. وتكلم ابنه في العزاء في شيء اسمه أصول وواجب وإحساس. كان أحسن لو كل واحد بعت حتى برقية. وبعد ما الجرح اللي في قلوبنا يهدي، تتكلموا. لكن أتيتم، لم أر في عيون حد فيكم دمعة حزن. كل همكم الفلوس. أوك، الفلوس لكم. ولو أثبتم أن نديم كان له شبر واحد أرض أو أي مبنى، حلال عليكم. ابنتي وأحفادي سيتنازلون عنه لكم. كدة الموضوع اتقفل."

رفيق: "ممكن سيد إيمري تعرف كام في حسابات عمي الثلاثة؟ إيمري: "نديم بيك قالي من يومين، لا يتعدي العشرة آلاف دولار. وده من فمه هو. ممكن أسرع في إجراءات البنوك طبعاً بعد تنازل الورثة، ويكون عندكم المبلغ بعد ثلاثة أيام." رفيق: "والمبلغ ده هيعمل إيه؟ ده ما يغطيش تكلفة شهر ليا وإخواتي."

برهان: "قللوا من مصروفاتكم. إنتم مبذرين. اسمعوا، أنا لم أكن أعلم أن المبلغ بسيط لهذه الدرجة. أنا سأدفع مصاريف الكلية والمدارس الترم الثاني، وكل شهر خمسة آلاف دولار لكم كلكم. رفيق، سأحاول لك ألفين دولار كل شهر، ومعاذ ألف. وألفين ستصل على حساب الوالدة تصرف بها على البيت ونادين ومعتز. وهذا لظهور نتيجة آخر هذا العام. نجحتم، ستعملون وتصرفون على أنفسكم وأخواتكم. فشلتم، ليس لي علاقة بكم. تصرفوا، أصبحتم رجالاً. وبذلك أبقى رضيت ضميري ونديم في قبره. رفاهية أن أحد فيكم يعيد السنة، تنسوها. إما تنجحوا أو تتصرفوا أنتم بأنفسكم. أنا بعمل كده لخاطر نديم، ووعد لجدكم زمان إن نديم وقت ما تحتاجوه يكون سند لكم. كدة خلاص نديم مات."

رفيق: "لكن أنا يا عمي، مش هيكفي معايا ألفين دولار. أنا متزوج وساكن، مش في بيتي." برهان: "أعتقد أن البيت مش بتدفع له إيجار، بس بتدفع خدمات، مش كده؟ أو فاهم غلط؟ أصل البيت ملكي. وبعدين مش لازم رفاهيات سيادتك. الضروري أمشي به. خلص الكلام، اتفضلوا. أنا تعبت." خرج الجميع ما عدا آدم وإيمري. آدم: "جدي، أنا عاوز أصرف على نادين ومعتز، لسه في المدرسة. والأنذال دول مش هيصرفوا عليهم."

برهان: "ما تدخلش نفسك في حياة غيرك. أبوك مأمن لهم أملاك في مصر ممكن يبيعوها. لكن هم مش عندهم كرامة أصلاً. عاوزين يعيشوا ديما عالة على حد. لكن قاسم جاي وما اتكلمتش كلمة واحدة، وظاهر الحزن عليه. يمكن لأنه ليه أب هيصرف عليه، ولأنه حزين على خاله فعلاً." التفت إلى إيمري وقال: "إزاي نديم يعطيك معلومة زي حسابه كام في البنوك؟ إيه الداعي لكده؟

حد معرفتي. حضرتك مورد أجهزة طبية لمستشفى هنا بتركيا، وأيضاً مستشفى الإمارات. مش صديق، مجرد شغل وبس. ونديم أصلاً ملوش أصدقاء غيري أنا وأولاده." إيمري: "فعلاً، اللي بينا كان شغل. لغاية ما فاجأني نديم بيك في بيتي، والتعرف على بنتي وعائشة هانم قبل ما تسافر وترجع مصر. بعدها اتكلمنا كذا مرة، واتقابلنا كذا مرة. مش تبع شغل، واتعرفنا على بعض أكتر."

آدم: "جدو، كفاية النهارده كده. خالي إيمري بيك يروح لبنته، ولو احتجنا منه حاجة، تليفوناته معايا." انصرف إيمري ورجع لبيته. ونام الجميع تلك الليلة بين قلوب مكسورة لفراق، وقلوب حزينة لفقد المال، وقلوب حاقدة وتخطط لانتقام. كان يوم عصيب على الجميع، لكنه انتهى بالنهاية بإشراقة يوم جديد، فالحياة ستستمر ولن تقف لأحد.

أتت انتصار باكر بعربة. على بعد أن حكى لها مصطفى ما حدث مع نهر وعمر من رقية، وكان على قلبه كمرجل من النار من قلقه وغضبه من حبس نهر بتلك الحالة. فقط يريد الاطمئنان لا أكثر ولا أقل. على دق على البوابة، وكانت نهر تغلي كوباً من اللبن لأمها. أغلقت عينيها وذهبت لتفتح لتتلقاها انتصار بالحضن والقبلات. انتصار: "إزيك يا حبيبتي؟ عاملة إيه؟ صحيح أمك حبستك في الخزانة وانت لسه ما خفتيش؟

نهر: "أهدي تيزة، ما أنا زي القرد قدامك أهو. إزيك يا بيه؟ معلش جبناكم بدري وتعبناكم معانا." لِتَلْتَفِتَ انتصار لعلي وتقول: "علي، دخل الحاجة من العربية جوا في المطبخ." كانت أعين علي تمشي على كل جزء بنهر ليطمئن نفسه عليها. قال بصوت هادئ: "نهر، إنتِ كويسة بجد؟ لونك مخطوف وخسيتي عن آخر مرة. فيه حاجة تعباك؟

نهر بمرح: "لأ يا بيه، زي الفل. إنت مش ملاحظ إني جيت أفتح الباب أهو، يعني بقيت بمشي لوحدي كمان. أينعم ببطء، لكن بتحسن. ما كنتش أعرف إن عمر قالكم عن حبسنا. لكن اطمنوا، أنا وهو كويسين، وعادي يا بيه، أي أم وأب بيعاقبوا ولادهم لما يغلطوا." علي: "وانتِ غلطتي لدرجة حبسك وإنتِ مريضة وتجوعك؟ نهر: "أكيد غلطت. تأكد ديماً من حكم خالتك عائشة، مفيش أم بتعاقب حب. في العقاب وإنت عارف كويس قلب أنة ولا إيه؟

علي بابتسامة: "عاوزة تقولي ما تتدخلش بيني وبين أمي، بس بإسلوب كويس. ماشي. المهم إنك بخير. هحط الحاجة وأمشي." (التفت لنهر مرة أخرى) "وقت ما تحتاجي تتكلمي، أنا ديماً مستعد أسمع زي زمان. ما تخليش اللي بيحصل من عمي يؤثر علينا. أي وقت أنا في ضهرك."

نهر: "عارفة يا بيه. أنا أصلاً ماليش صديق غيرك اليومين دول. بس بحاول أحسن علاقتي بأمي، وألم المذاكرة وأحدد أهدافي، وأقرب لعمر. فيه مليون حاجة في راسي شاغليني. لكن وقت الضيق هاجي أرمي حملي عليك." ابتسم علي برضا على كلامها: "وأنا هستنى لما تحبي تفضفضي لغير أمي طبعاً." بعد أن مشى علي. انتصار: "اللهي يريح قلبك زي ما ريحتِ قلب حبيب أمه."

نهر: "تيزة، أنا بعمل لأمك لبن. هعمل لك كوباية معاها وشوفي هي مالها. وأرجوك تيزة، أنا على هو أخويا الكبير، والله أهدّي بقي." انتصار: "ماله يا أختي؟ ده أنا ابني ألف مين يتمناه. وإنتِ أصلاً لسه مفصوعة. ركزي يا أختي في مذاكرتك دلوقتي. الدنيا مش هتطير. داخلة لرقية... ااااااة. صح؟ هي افتكرت حاجة؟ ولا هتقابلني بالوش الخشب." نهر: "خمّني إنتِ؟ مسكت انتصار

نهر من أذنها وهي تقول: "والمصحف، كنتِ صعبانة عليا لما عرفت بحبسك يا بنت رقية. بس دلوقتي عاوزة أحبسك. إنتِ بتغيظيني يا نهر." نهر: "وحدي الله يا تيزة، فيه إيه بس؟ شوفي أنا لسه تعبانة ورجلي وجعاني إزاي." تركت انتصار أذنها: "أكيد افتكرت طبعاً. أومال يعني هتتصل بيا وقت ضيقها ليه؟ سلام يا قردة، أروح أشوف صاحبتي." دخلت انتصار لرقية. ما إن رأيتها حتى ارمت في حضنها تبكي. انتصار: "وحدي الله يا رقية، إيه حصل لكل ده؟

مات لك حد ولا إيه؟ هزت رأسها وقالت ببكاء: "ااااه يا انتصار، والمصيبة أنا السبب." انتصار: "يالهوااي! أهدي كدة واحكي. فيه إيه؟ عائشة: "ساعديني نروح أوضتي ونحكي عشان نهر لو هتذاكر، أو لو هتذاكر لعمر." انتصار: "ماشي يا أختي، أستر يا رب." كان عمر نائماً. لتحركه انتصار برفق: "قوم يا عمر، قوم يا حبيبي، روح الأوضة الثانية. يلا قوم افطر أو كمل نوم هناك. يلا." تأفف عمر بضيق: "إيه ده؟ عاوز أكمل نوم."

انتصار: "قولنا روح الأوضة الثانية كمل نوم. إيه قتيل نايم؟ اتحرك يا ولا." فتح عينيه: "إيه ده؟ خالتي انتصار، جبتي البطة؟ انتصار: "يخربيت طماستك! قوم يا ابن المفجوع، روح أوضة نهر. أمك تعبانة، هقعد معاها شوية وأبقى أطبخ البطة. وبعدين بطة إيه وانت لسه هتصحي؟ عائشة: "قوم يا عمر، مفيش بط غير في الغدا." عمر: "مين هيفطرني؟ وهفطر إيه؟

انتصار: "أنا هفطرك يا حبيبي، بس روح كمل نومك. وابقي قوم بعد أربع خمس ساعات كده، وأنا هعملك فطار. لكن دلوقتي مش فاضيين يا ابن مصطفى لبطنك." عمر وهو ينفخ بضيق: "أفطر بعد أربع خمس ساعات؟ أومال هاكل البط إمتى؟ بكرة، ماشي. يا رب أعرف أكمل نوم." أغلق عمر الباب وراه وذهب لينام بغرفة نهر وهو يقول: "خاليهم مع بعض، وأعرف بعدين ماما زعلانة ليه. المهم أريح العظمتين دلوقتي."

حكت عائشة لانتصار باختصار عن نديم وأختها وما حدث في تركيا، إلى أن انتهت بحادث نديم وموته ودخول والدها المستشفى. انتصار بدموع: "الأعمار بيد الله يا رقية. وده نصيبه، ويمكن ربنا عمل كده فعلاً عشان ما جاش أوان أهلك يعرفوا. إنتِ عندك حق تخافي على عيالك. الدنيا بقت غابة. استني بنتك تقف على رجليها وتخلص إن شاء الله، تاخد بس الثانوية، وخليكِ شوية طمني نفسك من ناحية أهلك، وبعدين شوفي هتعملي إيه. إنتِ بتقولي بتشتغلي دلوقتي؟

وماله، اصرفي على نفسك وعيالك الفترة دي، وخدي عيالك في حضنك وحاولي تصلحي من عمر. وأول ما تحسي إنك مستعدة تواجهي، واجهي. لكن ما تتنازليش عن حق عيالك. كفاية سنين الحرمان والخوف."

عائشة: "أنا مش عاوزة فلوس وأملاك يا انتصار. محتاجة أولادي بأمان، وفي نفس الوقت عاوزة أكون بين أهلي. صعبت عليا نفسي لما عرفت إن نديم اتجوز عمران. وخوفت من رد فعلها لما أظهر في حياتهم، وهي عارفة بأن أنا ونديم كنا هنتخطب لبعض، ومن وضعي الغريب بينهم. لكن برضه دلوقتي خايفة أكتر لما يعرفوا إننا اتقابلنا واتكلمنا. مش عارفة ممكن يفسروا الأمور إزاي. خايفة على عيالي، متلخبطة وخايفة من إن مصطفى يرجع ياخد عمر. حزينة على وضع أختي وأولادها ووالدي. خايفة وتعبانة وحزينة. مش عاوزة أنبهك الكلام، ما حدش يعرفه، حتى نهر. مش عاوزة أشغل بالها غير بمستقبلها."

انتصار: "سرك في بير، زي ما كل أسراري معاكِ. أهدي بقي واعرفي إن إنتِ مش سبب لأي حاجة. وهم هناك جنب بعض. اهتمي بحالك وعيالك على ما تظبطي أمورك. هسيبك تطمني على الأخبار من الراجل اللي هناك، وتشتغلي شوية، وهروح أجهز شوية حاجات يستاهلوا بقك إنتِ والمفجوع ابنك والبنت الغلبانة اللي خسّت النص دي. بالله عليكِ يا رقية، ما تحبسيش نهر تاني. احبسي الواد عمر بس." عائشة: "صعبة عليكِ نهر؟

انتصار: "بحبها، رغم إنها ملّعت قلب الواد القمر ابني، بس برجع وأقول لا محمد ولا أمه هيسيبوهم في حالهم. محمد بيحب علي آه، بس بيجي على أولاده عشان خاطر أخوه. على قد ما كنت بحب مصطفى وبعتبره أخويا، على قد ما أنا مش طايقة خلقته دلوقتي. والمصيبة إنه في نفس البيت."

مضى اليوم سريعاً، ارتاحت فيه رقية بعد أن حكت كل شيء. انتصار و قد نجحت في أن تهدئها واحتوائها، فهي نعم الأخت لها. كما اهتمت انتصار بعمل عدد من الأكلات بمساعدة نهر لها، حتى جاءت كل من أنهار ورانيا، فجلسوا في المضيفة وأصروا على الاشتراك في عمل الكثير من المخبوزات أيضاً. وكانت انتصار سعيدة بهم وهي تعلمهم من فنون الطعام. أما الأكثر سعادة، فعمر لما رأى من أنواع الطعام والمخبوزات الشهية، خصوصاً الفطير والكومّاك

(نوع خبز بالسمن واللبن والسمسم في الريف) ، وأيضاً القرص بالعجوة. عندما استيقظت رقية كانت الساعة الخامسة. فزعت وأسرعت بالنهوض وذهبت سريعاً حيث رائحة المخبوزات. رقية: "معقول يا انتصار، سبتيني كل ده نايمة؟ انتصار: "ما إنتِ تعبانة وما نمتيش امبارح يا رقية. ما صدقت نمتي، والبنات الحلوين دول ساعدوني. دمهم شربات. والنبي اتسليت." رقية: "لكن كده إنتِ اتأخرتي وتعبتي، وما قعدتش معاكِ وسمعتك أخبارك إيه."

انتصار: "بصي، نتغدى كده مع بعض، وهاقعد معاكِ شوية. أنا قلت لعلي يعدي عليا يروحني بعد المغرب." بعد الغداء، غسل البنات الأطباق وذهبوا للمذاكرة. جلست انتصار مع رقية، واتفقت رقية مع انتصار ماذا ستقول لهم في البيت الكبير، لأنهم بالتأكيد سيسألونها عن سبب استدعاء رقية لها.

بعد أن انصرفت انتصار من عندهم، نادت رقية لعمر لتذاكر له. رغم حزنها الذي خففته انتصار كثيراً بكلامها معها، لكنها أصرت أن تذاكر معه. فكفى ما انقضى من أيام لم يذاكر فيها عمر. ما إن وصلت انتصار للبيت الكبير ودخلت، وذهب علي للعيادة، حتى كان الجميع متجمعاً في المندرة. أول من تكلم كانت الحاجة. الحاجة: "ما لسه بدري يا مرات ابني. إنتِ فاكرة نفسك مالكيش بيت ولا إيه؟ من بعد الفجر ماشية، دوك افتكرتي تيجي."

انتصار: "معلش يا حاجة، ظروف. ما كنتش أقدر أسيب رقية. ما إنتِ عارفة بعزها قد إيه. كفاية إنها حتى وهي مش فاكرة حاجة، يا كبدي، اتصلت بيا أروح لها. وبعدين يا حاجة، ما هو اسم الله عليه، علي جايب واحدة تساعد في شغل البيت. ما جتش من يوم. عن إذنكم، اليوم كان طويل وجاية مهدودة. هدخل أريح جسمي كله بيوجعني." الحاجة: "شوفي الباردة! هتسيبنا وتدخلي تتخمدي من غير ما تقولي حصل إيه؟ انتصار باستغراب: "أقول حصل إيه؟ ليه؟

واحدة صاحبتي عزمتني معاها يوم. وزي ما فهمت وسمعت من أستاذ مصطفى، ملوش دعوة بيها. وزي ما إنتِ قولتيلي، روحي عشان عمر. روحت وطبخت وعجنت، وده اللي يهمكم، يعني عمر يكون مبسوط. أما اللي حصل بيني وبين صاحبتي، أحكيه لكم ليه؟ واحدة ائتمنتني على سرها، أقوله ليه؟ لو عاوزاكم تعرفوه، تقول هي. اعذروني، رجلي مش حملاني، هدخل أرتاح." الحاجة: "أعدّلي مراتك يا محمد، بدل ما أقسم بالله أقوم أجيبها من شعرها."

انتصار: "وماله يا حماتي، مش أول مرة ولا هتكون الأخيرة. ما أنا ياما اتدست بالرجلين، بس خلاص. أنا اتفقت مع محمد ابنك، بنتي تكمل سنة جواز ويطلقني، أصل جسمي وصحتي تعبوا خلاص، وما عدش مستحملة بهدلة." (ونظرت لزوجها بعتاب ودموع متحجرة)

"كنت عارفة إنك رضيت أروح لها عشان أوامر الحاجة والأستاذ، مش عشان خاطري أو خاطرها. بس الغباوة اللي كانت في دماغي ربنا أزاحها عني. يا أبو الدكتور، إنتم ما يهمكمش غير نفسكم. أنا ورقيه خدامين، نسمع الكلام ونخدم ونحط صرمة في بؤنا. أنا تحت أمرك يا حماتي، وزخلعت طرحتها. اتفضلي، جبيني من شعري ومرمطي بيا أرض الدار." محمد: "بس، أنتم الاثنين. ادخلي أوضتك يا انتصار." نظرت انتصار لهم: "ادخل يا حماتي، ولا هتغضبي عن أبو الدكتور؟

محمد: "شايفاني عيل يا انتصار؟ قلت ادخلي." انتصار: "عيل إزاي بس يا أبو الدكتور؟ ما إنت واقف وسامع. عاوزك تعدلني، يا إما تجيبني من شعري وإنت واقف بتسمع عادي. صحيح، أخذت على البهدلة، بس ليا رب أشتكي له همي، ما دام ماليش ضهر." مصطفى: "جري إيه يا مرات أخويا؟ الحكاية كلها؟ عاوز أطمن على أم ابني. مهما كان عيش وملح، إنتِ والحاجة كبرتوا المواضيع. والحاجة كبيرتنا وطول عمرك بتقولي لها ياما، مش حماتي. إيه جري لدة كله؟

انتصار: "كنت يا أستاذ مصطفى، كنت. لكن الزمن خلاني أشوف على كبر إني مش بنتها، وإني بنداس من الكبير والصغير، ومليش رأي ولا قيمة. وعادي إنضرب مرة واتنين وعشرة وقدام ولادي، وبرضه عادي تيجوا على ولادي وتكسروا بخاطرهم عشان نفسكم. عاوزين مني حاجة؟ ولا أدخل أوضتي؟ محمد: "ما أنا قولت أدخلي، بس إنتِ حابة تطلعي اللي في قلبك من ناحيتنا." انتصار أخذت طرحتها وذهبت لغرفتها.

الحاجة: "إنتِ اللي عصيتها علينا يا محمد، ودلوقتي واقفة قدامنا وبتحكمنا." محمد: "إنتِ اللي قلتي لي يامة، لما قولتي: أعدّلها أو أجيبها من شعرها. دي مراتي، كرامتها من كرامتي. غير إنك عارفة علي هو اللي أخدها وجابها، ومش في بيت غريب. أول ما دخلت مسكتيها نأرزة، وهي بتتجاب بالكلمة الحلوة. وكبرت، ما عدتش البت أم 18 سنة اللي هتستحمل تريقة وشغل طول النهار." مصطفى: "ماليش فية يا محمد. أعرف رقية كانت عاوزاها في إيه؟

الواد ابن الكلب عمر مش عارف حاجة، كل البطة ولعب وبس." محمد: "أنا خارج بدل ما أتنتق. كل واحد همه مصلحته وبس. وبرضه أهم حاجة نعرف رقية كانت عاوزاها ليه." يا ترى برهان أغا هيربط بين إيمري وعائشة والكلام اللي قاله نديم له قبل ما يموت؟ هنشوف ونعرف بعدين.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...