الفصل 19 | من 57 فصل

رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رينا الهادي

المشاهدات
24
كلمة
5,457
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

خرج محمد من المنزل بقلب مكسور. لقد تأكد أن زوجته، أم أولاده، طفح بها الكيل ولم تعد تريده في حياتها. هي تنتظر الفراق. لما لا؟

فقد حضرت كل ما فعلوه برقية، وتحملت سنوات وسنوات في تربية أخواته وأبنائه، والآن مطلوب منها خدمة الكل بلا كلمة واحدة. لقد طلب منها الذهاب إلى رقية من أجل أخيه وابنه، وأن تجلس معها كما تحب. بل قال لها إن أحبت أن تقضي الليل معها فلتفعل. كان يريد أن يثنيها عن عزمها الابتعاد ويحاول الاقتراب منها كما في السابق. لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وقلبت أمه وأخيه كل شيء على رأسه، ليفيق بأنه غير قادر على حزن أمه منه أو أخيه. وكالعادة، فالتحزن هي. ربما يستطيع مراضاتها. لكن بعد كلامها اليوم أمامهم، فقد تأكد أن طريق الافتراق عن نصفه الآخر أصبح وشيكاً، وهذا من صنع يده هو.

دخل الغرفة بعد صلاة الفجر. حمل الثياب من على الكنبة الموجودة بالحجرة بجانب ماكينة الخياطة، ووضعهم جميعاً على الكرسي، ونام عليها. ورغم أنه كان تعب الجسم والعقل، لم ينم. حاول، لكنه فشل. بعد مدة قصيرة، صدح فون انتصار بجانبها، لتقوم بتعب، رأت محمد بطرف عينيها نائماً على الكنبة. أدركت أنه غير نائم، فهو لا يشخر كما العادة. تظاهرت بعدم رؤيته وأجابت. انتصار: الوووه مين على الصبح كده؟ ...............

صباح الخير يا روقية، عاملة إيه دلوقتي؟ ............... يوووه يا روقية، إنت عاوزة تعذبي نفسك وخلاص يا بنت الناس؟ الأعمار بيد الله ولكل أجل كتاب. وبعدين الحمد لله إن ربنا نجى أبوك وقام بالسلامة. مش بتقولي خرج من المستشفى وحضر العزا؟ يعني أكيد مش هيخرجوه وهو تعبان. بشوف في الأفلام الأجنبي مش بيخرجوا غير لما يطمنوا على العيان. ............... روقية، إنت معاك عيلين لازم تخلي بالك على نفسك عشانهم. ...............

يعني بكلمك من ياما، لسه فاكرة تقولي عائشة مش روقية. ............... طب خلاص يا عائشة هانم، بس ولا في الأحلام تكوني بنت راجل مهم كدة. صحافة وكاميرات وتلفزيونات بتصور أبوك وهو خارج، حاجة تخض، وهو الصراحة راجل هيبة كده. ............... ربنا يديه الصحة والعافية ويطمنك عليه، وحاضر هدعي له في صلاتي. أي جديد طمنيني، ولا لسه مش مطمنة قوي ليا؟ ...............

خلاص يا أم نهر، روحي شوفي عيالك. أنا كمان ورايا شغل. ياما هبقى أتصل بيك في نص النهار أطمن عليك، لأن شكلي مش هعرف أجلك الأيام دي. بس أي حاجة تحتاجيها إنت عارفة رقم علي، هيعملها على طول. ما تعرفيش معزتك عنده زيي، ويمكن أكتر. ............... مع السلامة يا أختي. قامت وهي متجاهلة زوجها. ثم نظرت ناحيته وكأنها تفاجأت. إيه ده؟ هو محمد ماله نايم كده ليه؟ وأنا مالي؟

تلاقيه زعلان على أمه وأخوه، وأنا أغور في داهية. استعنت على الشقي بالله. لم يبدِ محمد أي رد فعل، فمشت وفتحت باب غرفتها للحمام لتتوضأ وتؤدي فرضها. بعد أن صلت، رأت زوجها يتوجه لغرفة أمه. ابتسمت وقالت: كنت عارفة إنك صاحي. ما جالهوش قلب ينام شوية. رايح يقول لأمه على اللي سمعه. يالاه، جايز ربنا يهديهم ويسيبوا رقية في حالها شوية. ما يعرفش إني متفقة معاها على الكلام اللي هقوله. ***

مضى الترم الأول بسلام، وعمر أصبح أقل حدة على أمه وأخته، بل أصبح مرتبطاً بهم ويحب أن يستمع لشرحهم. فقد اكتشف أنه يفهم أكثر بكثير منهم. كما أنه قطع علاقته بأصدقاء المصلحة. عرفت رقية كيف تشغل وقت ابنتها وابنها. ظهرت نتيجة الترم الأول لعمر مع انتهاء نهر من امتحاناتها، ليحصل على 94%. وتلك أول مرة يحصل على نتيجة مرتفعة، أقصى ما حصل عليه 72%.

كانت نهر اتفقت أن تقضي إجازة نصف السنة بالأقصر عند عبد العزيز ليطمئن عليها، وهي أيضاً تطمئن عليه، فقد علمت أنه مريض. رقية: مبروك يا حبيبي، أنا مبسوطة جداً منك، وزي ما وعدت هشترك لك في نادي المحلة في أي لعبة تحبها، بس بعد ما نرجع من الأقصر إن شاء الله. عمر: بعد ما نرجع ليه؟ هنسافر أصلاً، مش نهر بس اللي بتسافر؟ وآخر السنة مش نصف السنة؟

رقية: صحيح، بس نهر عاوزة تروح لجدها عبد العزيز في نص السنة كمان. هو مريض، وأنا عاوزة أروح. اشتقت للأقصر كتير، وعاوزة أشكر مستر أمجد ووالده. صراحة عملوا كتير لينا. إنت بقى لك الاختيار، عاوز تيجي معانا؟ جهز شنطتك. عاوز تروح لأبوك برضه براحتك. أنا هعمل اللي إنت عاوزه. عمر بتفكير: أنا قعدت معاه أسبوع بعد امتحاناتي، مستريحتش خالص. أنا هاجي معاكم، بس طبعاً لازم أقول له الأول. تفتكري هيوافق؟

رقية: قول له ماما ونهر مسافرين، وأنا عاوزة آجي أقعد عندك. هتلاقيه بيقول لك لأ يا ابني، روح معاهم. أومال مين هيجيب أخبارهم؟ أبوك مش هيقتنع إننا نسافر لوحدنا، لسه فاكر نفسه جوزي. عمر: ماشي، هنشوف.

بالفعل، مصطفى خاف من سفر عائشة مع نهر، وخصوصاً وهو يعرف أمجد. فأراد أن يكون عمر كالعادة عين له. ولم تمنع عائشة يوماً أن يبلغ عمر أباه بكل ما يعرف. حيث إن أسرارها تحتفظ بها لنفسها أو مع انتصار، لكن كانت تلمح له أن التجسس على أمه عيب كبير، وكانت تعرف خوفه من أبيه.

سافروا للقاهرة، ومن هناك استقبلهم محمود وفرح بوجود عمر معهم. وقد سافروا جميعاً الأقصر. كانت أول مرة لعمر يركب طائرة، لكنه نسي خوفه من الطيران عندما اندمج مع أولاد محمود بالكلام واللعب. وصلوا مطار الأقصر، وعرفوا من محمود أن عبد العزيز في المستشفى. أصرت نهر أن تذهب له مباشرة، فأوصلها محمود هي وأمها المستشفى بسيارة كانت في جراج المطار، ثم أوصل أولاده وعمر لفندق أمجد بالأقصر.

في المستشفى، جرت نهر على الغرفة، فتحتها وألقت بنفسها على عبد العزيز، تقبل يده بحنان وسط ذهول بناته وسلمى، فقد كانوا بالغرفة. نهر: كده يا عبدو تخضني عليك؟ مش اتفقنا إنت اللي هتمسك إيدي وتديني لعريسي؟ ولا نسيت؟ سلمى بعجرفة: واخد حقنة مسكن ونايم، يعني بلاش التمثيل ده. لما يصحي. رقية: إزيك يا سلمي؟ ونهر مش بتعرف تمثل، أصل كان ليا صاحبة موهوبة بالتمثيل، فأنا بقيت بعرف اللي بيمثلوا كويس. السلام عليكم الأول يا جماعة.

سلمى: تقصدي إيه يا رقية؟ رقية: دي أوضة في مستشفى. هبقى أقولك بعدين لما نخرج. صفية، أخت أمجد: سلمي مرات أخونا نعرفها كويس. إنت وبنتك أغراب. يا ريت تفرقونا، إحنا حزانا على أبونا. اتفضلوا من غير مطرود، مش عاوزين دوشة. أومأت أخواتها برؤوسهن دليل على الموافقة بكلام أختهم. نهر: لا والنبي ما أقدرش أسيب جدو كده. هقعد ساكتة والله بس أطمن عليه. ومسكت يده بضعف، فأمسك عبد العزيز يدها هو الآخر يطمئنها، وفتح عينيه ببطء.

عبد العزيز: أنا مش نايم يا حبيبتي، وكنت مستنيك. نظر لبناته: معلش، الظاهر معرفتش أربي. بكت نهر في حضنه. نهر: لا يا جدو، هم أعصابهم تعبانة عشانك. بس قوم كده وكلنا هنكون كويسين بوجودك وسطنا. عبد العزيز: اتفضلوا روحوا كلكم. نهر ورقية هيقعدوا معايا. أنتم من امبارح هنا، روحوا ارتاحوا وغيروا. هما هيباتوا معايا. ابقوا تعالوا بكرة إن شاء الله. صفية: يعني عامل نايم يا بابا، ودلوقتي صحيت عشانها وبتطردنا عشانها.

عبد العزيز: قلت روحوا، ولا خلاص كبرت وكلامي ما بيتسمعش؟ اتصلي بأمجد يا نهر ييجي ياخدهم. (ثم نظر إلى بناته) إنت وصلتي امتى؟ نهر: من المطار على هنا لما عرفت إنك هنا. عبد العزيز: يعني مش زي ناس تيجي البلد ولما ييجوا مروحين بيوتهم يعدوا عليا يقعدوا نصف ساعة. صفية: أنا كل جمعة باجي لك وأشوف طلباتك.

عبد العزيز: كتر خيرك يا بنتي، مش هنكر. بتيجي تقعدي مع سلمي، وتسلمي عليا. اسمعوا، أنا بحبكم كلكم، وده مش زعل منكم. أنا عارف الحياة مشاغل، لكن نهر غيركم وغير أولادكم. نهر عملت لي حياة، كل يوم تقريباً بتتصل بيا، رغم كل انشغالها، تسمع لي وأسمع لها. هي مش بنتي أو حفيدتي، لكن أقرب ليا منكم. فمن فضلكم امشوا، وأنا عارف إني قاعد مع حد مش متضايق من تعبي ولا وجوده معايا. اتفضلوا، لأني تعبت. دق الباب ودخل أمجد.

أمجد: أنا قولت كده برضه، مدام نهر جت هتصحى. أخبارك إيه يا نهر؟ إزيك مدام رقية؟ نهر ورقية: الحمد لله بخير. عبد العزيز: خد مراتك وإخواتك يا أمجد، وابقى تعالوا بكرة. الأوضة زحمة وهما تعبوا. أمجد: أنا جبت غيارات لهم وحجزت أوضة جنبك للي عاوز يستريح. عبد العزيز: اعمل اللي بقولك عليه. نهر ورقية هيباتوا معايا. يلا يا حبيبي روحهم وروح شغلك.

استغرب أمجد، لكن نفذ كلام أبيه. وفي الطريق، أصر على معرفة ما حدث. حكت له صفية، أخته الكبيرة، ما حدث. ثم اتبعت: المسخوطة بتقول له يا عبدو؟ ده أنا أصغر عيالي أكبر منها، وما يقدرش يقول يا عبدو.

رفع أمجد حاجبه: واضح إن حد حاكي وموصي قوي على نهر. كلكم عارفين نهر من زمان، ومن زمان بتعاملواها وحش، وهي عمرها ما اشتكت، رغم إني بسمع وبشوف، فكنت بقول بتغيروا على أبوكم. نهر حاجة كبيرة لأبوكم. أنا نفسي، رغم حبه ليا، مقدرش أقول إني ممكن آخد مكانها في قلبه. وكلكم عارفين السبب. بابا كان وحيد، رغم وجوده في وسطنا. أيوه، بفطر وأشرب قهوة الصبح معاه كل يوم، وأتعشى كمان، لكن مش فاضي في شغلي وأنتم في حياتكم. وهي الوحيدة اللي بتحكي معاه صبح وليل. أسرارها معاه، وأسراره معاها. ليه خوفكم كده منها؟

دي مجرد طفلة. سلمى: طفلة؟ طفلة إيه دي اللي في ثانية ثانوي يا أمجد؟ اصحى يا بابا، ده أبوك مخصص لها ورث في الوصية. أمجد: وإنت عرفتي منين؟ بتتجسسي على بابا يا سلمي؟ سلمى: مش في نفس البيت. وطلب المحامي من أسبوع. عرفت لما كنت هدخل أضيف المحامي، لاقيتُه بيتكلم عن وصية. أمجد: قمتي مكملة وقوف عشان تعرفي كل شيء، صح؟ صفية: جرى إيه يا أمجد؟ سبت إن البت دي ضحكت على بابا، وماسك في سلمي إنها كانت عاوزة تطمن.

أمجد: أنا عندي ثروة أكبر من بابا بكتير، وكل واحدة فيكم عايشة مستقرة ومش مستنية ورث. بابا صرف عليا كتير وكتب لنا في حياته كتير، وإنتوا عارفين. ساب تقريبا ربع ثروته للزمن عشان ما يمدش إيده لحد فينا. فحتى لو كتب وصية وأدى لنهر جزء، إيه المشكلة؟ إنتوا عيالكم أكبر منها. ترضوا حد يعامل حد من عيالكم كده؟

بابا آه مريض ومن زمان، أمراض الشيخوخة كتير، لكن عقله لسه فيه وكبير وصغير. لما تحصل مشكلة بيحكموا لعقله. تيجوا إنتوا بناته وتشكهوا في إن بنت بسن أحفاده ضحكت عليه وبتستغله؟ والبنت دي أنا اللي دخلتها البيت. ثريا، أحد أخواته: بابا طردنا يا أمجد من عنده عشانها، فاهم؟ كل واحدة فينا جاية من مكان أبعد من الثانية، في الآخر بيطردنا.

أمجد: قال روحوا ارتاحوا وغيروا وتعالوا بكرة. لكن إنتوا أو أختنا الكبيرة هي اللي طردت نهر وأمها. وإنتوا عارفين برضه إنها لسه واصلة. بابا الخمس سنين اللي عرف نهر فيهم اتغير كتير. كان قرب ينسى الكلام أصلاً، وكانت حالته الصحية متأخرة. ومن يوم ما عرفها، كملوا بعض. هي كانت عاوزة أب، وهو عاوز حد ياخد بحسه. بيشوفوا بعض يا دوب أسبوع في السنة، لكن كل يوم بيكلموا بعض. مين فينا اهتم به زيها؟ رغم بعد المسافات.

صفا: بالضبط يا أمجد. كملوا بعض. زي ما اهتمت به، هو اهتم بها وأعطاها أكتر من حقها. وكل شوية هدية. تعرف تقولي لازمتها إيه؟ تبقى في الوصية. لو كان حد من عيالنا ما كانش حد هيفتح خشمه. لكن دي غريبة، أنا مش متقبلها أصلاً. إحنا كلنا لخاطرك وخاطر بابا استقبلناها لما كانت بتيجي لأي حد فينا في الإجازة. وكده كفايا عليها قوي. أمجد بسخرية: استقبلتوها زي أي موظف عندكم؟

كانت ديما في سكن العمال أو بتأجر مكان وتشتغل عندكم، مش برضه كانت بتنام في أوضة حماتك يا صفا وتهتم بأكلها والأدوية؟ يعني ما كنتيش ضيافتها في أوضة لوحدها رغم إن عندك أوض ضيوف. ولا أنا فاهم غلط؟ غير شغلها الصبح في المركز. صفا: ما طلعتش سهلة وحاكية لك كل حاجة.

أمجد: لا يا حبيبتي، جوزك اللي بلغني. كان عاوزها تقضي الصيف معاكم عشان حماتك حبتها ومحتاجاها. قصرة كل اللي فات. سكت، وقولت إنكم مش قاصدين تقلوا منها. لكن وربي لو حد ضايقها هي أو بابا، فما يلومش غير نفسه. واضح الكلام. في الخامسة صباحاً، رن تلفون أمجد. ليجد نهر تخبره بضرورة القدوم للمستشفى. هرول أمجد لأخوته وأبلغهم لو أرادوا القدوم معه، مع سرعة تحضير أنفسهم. ذهبوا سريعاً معه وقابلوا الطبيب وهو خارج من حجرة والده.

أمجد: خير يا دكتور؟ بابا ماله؟ الطبيب: الأخبار مش كويسة أبداً. وأنا قلت لحضرتك إن كلها أيام للأسف. الشيخوخة مالهاش علاج. صفية: سبناه كويس امبارح، إيه جرى له؟ الطبيب: كان فعلاً كويس، وطول الليل صاحي مع البنت وبيضحك ويهزر ويقروا قرآن. لكن طبيعي للأسف يجي أوقات تحسي إن الدنيا تمام قبل الانهيار. هو حالياً واخد مسكن قوي وصاحي، لكن مش قادر يتكلم. دخل أمجد وتبعه إخوته ليقف على رأس أبيه ويقبله.

أمجد: سلامتك يا بابا، كده تخضنا عليك. (تبسم عبد العزيز ولم يرد عليه) صفية وهي تشد يد نهر التي تتمسك بعبد العزيز: أوعي أكد، ليلة واحدة معاه اتنكس. (لكن عبد العزيز تشبث بيد نهر ونظر لأمجد برجاء) أمجد: سيبي نهر يا صفية، بابا هو اللي ماسك فيها. نظرت صفية إلى يد والدها وقالت: عاوزها جنبك يا بابا؟ (أومأ برأسه بنعم) . تركت صفية نهر. صفا: سلامتك يا بابا، إيه حصل بس؟ كنت كويسة. أخذ نفساً

وقال بصوت ضعيف: أمر الله يا بنتي، الحمد لله. كلكم حواليا وأنا عشت عمر طويل. أمجد: ربنا يديك الصحة والعافية يا بابا. هتقوم وهتبقى كويس. عبد العزيز: أنا قلت لنهر تتصل بيك، وكنت عارف هتجيب إخواتك. كنت عاوز تكونوا حواليا، والحمد لله. مش عاوز حاجة تاني. خلي بالك من إخواتك يا أمجد، وحاوط عليهم زي ما ديما بتحاوط عليهم، واعتبر نهر بنتك. (ونظر لبناته)

أو بنتكم. نهر، حفيدتي، حتى ولو مش من صلبي، خلي بالك منهم يا نهر واعتبريهم أهلك. ما تزعليش منهم. نهر: يا جدو، إنت كنت كويس من ساعة واحدة. فُق بقى وما توجعش قلبي عليك. عبد العزيز: اقرئي لي سورة يس والملك يا نهر. أعطت رقية القرآن لنهر وهي ما زالت تمسك باليد الأخرى يد عبد العزيز لتبدأ بالقراءة. ما إن انتهت حتى تشهد عبد العزيز وصعدت الروح لخالقها، لتحس نهر باستسلام يد عبد العزيز في يدها، فتمسك يده بقوة،

وتضع رأسها عليها وهي تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. وتكرر جملتها مراراً وتكراراً وهي تبكي بقهر. تركتها رقية بعض الوقت، ثم ذهبت إليها تبعد يدها ورأسها عن يد عبد العزيز، لكنها تشبثت به، لتنظر لأمجد المتصلب الجسد ودموعه تغرق وجهه، وتتعالى الصيحات من حولها من بناته، التي تأخذ كل واحدة منهن أختها في أحضانها ويبكون بحزن يقطع القلب.

دخل الطبيب يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. البقاء لله. شدوا حيلكم يا جماعة. أستاذ أمجد، تحب نغسل الوالد على طول عشان يدفن مع صلاة الظهر؟ نظر أمجد للطبيب: ادينا وقت نودعه، وأنا اللي هغسل والدي بعد قليل. أمجد: رقية، خدي نهر بره، وإنتوا كمان اقعدوا بره. (واتصل برقم وقال) عاوز ممرضين يجوا يساعدوني في نقل الوالد للبيت. هيتغسل في بيته ويخرج منه. *** بعد أيام.

كانت نهر بغرفتها تنظر للفضاء في فندق الأقصر، فقد أعطى لها أمجد غرفة لها هي وأمها، وغرفة أخرى لعمر، وأسر ابن محمود. دخلت رقية: وبعدين يا نهر؟ أومال إذا ما كنتي عارفة هو كان مريض قد إيه؟ وكمان عارفة إن ده قضاء الله. بناتُه نفسهم هدوا، وكل واحدة مسافرة بعد بكرة لبيتها. مستر أمجد قال جاي بالليل معاهم هنا، وقال لازم تكوني صاحية، عاوزك في موضوع. نهر بشرود: موضوع إيه؟ رقية: مش عارفة، لكن قال لازم نكون موجودين. نهر: عمر فين؟

رقية: بيلعب مع أولاد محمود. هو الوحيد المبسوط بالزيارة دي. نهر بدموع: وحشني جدو قوي يا أنا. اتصلت كذا مرة ويرد عليا عمو أمجد، وافتكر بعد ما أسمع صوته إن جدو مات. قلبي واجعني عليه. رقية: كلنا هنموت يا حبيبتي، ما فيش حد خالد. المهم ندعي له ومننساهوش في الدعاء. هو حاسس بيك دلوقتي، بلاش تعذبي روحه. وكل ما تفتكريه، اقرأي قرآن أو ادعي له. (أخذتها في حضنها وهي تربت على ظهرها بحنان)

نقول الحمد لله، وإن شاء الله يكون في مكان أحسن ومش تعبان أو حزين. في المساء، تجمع الجميع بمكتب أمجد ليقرأ الوصية. المحامي، وكانت تنص أن توزع التركة على بنات عبد العزيز وأمجد ونهر، على أن تأخذ نهر نصيبها كأحد بناته، فكل واحدة السبع، وأمجد ما يقدر بالسبعين. كان أول من عقب على الوصية هي نهر.

نهر: الله يرحمه، كان كريم وهو حي وكريم وهو ميت. لكن بعد إذن الجميع، أنا أخذت كل اللي أحتاجه منه وهو حي، ومش محتاجة حاجة تاني. فيا ريت التركة توزع حسب الشرع من غير ما أكون فيها. أمجد بهدوء: دي وصية يا نهر، وهو حدد كل واحد هياخد إيه بالظبط، وأنا مش هبوظ الوصية. نهر: مش هاخد حاجة مستحقهاش من أصحابها يا عمو. أمجد: والدي كان بكامل عقله لما كتب وصيته، وأنا مصمم. نهر: مع احترامي لك، حضرتك واحد. يا ترى ممكن تاخد رأي الباقي؟

(ونظرت لباقي أخواته) تكلمت صفية: زي ما قولتي يا نهر، الله يرحمه كان كريم وهو حي وكريم وهو ميت. هعتبرها صدقة. بابا خرجها. لتعقب ثريا: بابا وأمجد رجال العيلة، وإحنا فعلاً اعتبرناها صدقة. نهر: وأنا مش محتاجة صدقة من حد. اللي بيني وبين باباكم حب جد لحفيدته، وحفيدة لأبوها وجدها في نفس الوقت. مش عاوزة حاجة يا عمو. وهمت بالخروج، ليوقفها أمجد وقد احمر وجهه وعيناه من الغضب. أمجد: استني يا نهر، وإنت يا رقية، مسمعتش رايك.

رقية: ربيت بنتي كويس، وموافقة على كل قراراتها، مستر أمجد. وأنا معاها. ومش كده وبس، لك عندي اللي صرفته عليا لما سافرت تركيا. دين في رقبتي. إحنا مش بناخد صدقة من حد. أخذت رقية يد ابنتها وخرجت وهي تقول: عن إذنكم، الورث مسألة عائلية وخاصة بيكم أنتم. نستأذن إحنا. أغلقت وراءها الباب. أمجد وهو ينظر لأخوته: تخيلت إن وصية بابا الكل هيكون موافق بها، بس طلعت غلطان. إنتوا تبصوا لشوية فلوس مش هتغنيكم شيء.

صفية بذهول: الموضوع مش فلوس يا أمجد. ليقاطعها أمجد وهو يقول بغضب: عارف الموضوع غيرة ستات ورغي ستات مع بعض. (نظر للمحامي) زي ما قال بابا الله يرحمه، كل واحد ياخد نصيبه من البنات اللي بابا حدده، ونصيب نهر لأنه حدده في الفندق، يتمنى، وأنا هشتريه، وهيُتوزع على إخواتي البنات. صفا: ليه عليا إحنا بس وإنت؟

أمجد بغضب: عشان أنا مش بحب آخد صدقة. خدوا إنتوا صدقة أبوكم. وبيت بابا هسيبه أنا وأولادي، وأروح فيلتي، وهيكون مكان ضيافة أي حد فيكم ييجي الأقصر. عن إذنكم. خرج أمجد بغضب للخارج، وخرج معه عاصم. عاصم: ما تزعلش من أخواتك يا أمجد. بصراحة، هما بيحاولوا يرضوا سلمي مراتك. إنت عارف سلمي نار الغيرة مولعة فيها من نهر وأمها.

أمجد: عارف يا عاصم، وعارف إن سلمي مش مخلية جهد على جهدها عشان توقع بين نهر وأي حد. لكن هما كبار مش صغيرين، ونهر عمرها ما فرضت نفسها على حد. عاصم: بس إنت ما صدقت ووزعت نصيبها على أخواتك.

أمجد: عشان مش عاوز أخسر أخواتي يا عاصم، لأي سبب. كل واحدة فيهم هترجع لبيتها، مش عاوز حد يشيل مني. وإن كان على نصيب نهر، بابا خلا نصيبها ونصيبي في الفندق ده. أنا هتنازل عن نصيبها بعد ما أشتريه لها، وأكون الوصي عليها لغاية ما تبلغ السن القانوني. وطبعاً إخواتي أكيد هيدوني حق إدارة حقهم. يعني هكون زي ما أنا مدير الفندق. الكلام ده سر بينا، مش عاوزة يطلع بره. وحتى نهر مش هعرفها حاجة دلوقتي، لكن هقول لرقية.

عاصم: أنا محظوظ إنك نسبي يا أمجد. والله، وأختك زي الفل، بس تيجي عند نهر وتهنج. بقولك نهر صعبانة عليا، وأنا أجلت السفر لآخر الأسبوع. هاخدها بكرة مزرعة الخيول، هي بتعشق الخيل، خليها تطلع طاقتها في الجري. أمجد بابتسامة: تعرف إني بحبك قوي يا عاصم. عاصم بضحكة عالية: ما تقولش كده، بتكسف. وأنا أكبر منك. آه، أوعى تنسى ده. (ثم نظر لوجه أمجد الأحمر من الغضب) بهزر يا أمجد، ما تقلبش على عمي عبد العزيز كده. صحيح اللي خلف ما ماتش.

أمجد: إنت والنهر اللي تقدروا تخرجوا الواحد من القرف اللي عايش فيه. تعال نروح نقولهم إنهم هيقضوا بكرة في المزرعة ونتعشى معاهم. عاصم: ماشي، يلا. ثاني يوم، نهر بالمزرعة. لبست لبس بسيط، وكذلك رقية. ركبت رقية فرسة هادئة ومشيت بها بهدوء. أما نهر، فسألت عن كل الأحصنة الموجودة، وعرفات أن هناك مهراً لا يخضع لأحد ولا يستطيع ركوبه أحد، وأصرت أن تروضه.

أمضت أكثر من أربع ساعات، فقد كان الحصان يوقعها أرضاً، وبصعوبة. نظروا لمرونة جسم نهر العالية وتحكمها بجسدها. كانت عندما تقع، ترجع لتربت على ظهر الحصان وتبدأ في معانقته وتحاول ركوبه مرة أخرى. أظهرت له كل الاهتمام، حتى أنها تخلت عن اللجام لتركبه بلا لجام. أخذ الكثير من الجهد والوقت، إلى أن تعب من الحركة واستسلم لنهر أخيراً لتركبه وسط صيحات من بالمزرعة، من بينهم عاصم وهو يصفق لها.

عاصم: تلميذتي أنا، تعليمي ما راحش هدر. برافو عليك. عمر: هو إنت عملت حاجة؟ دي المجنونة كانت هتموت تحت رجليه. عاصم: الواد ده رخم زي أكتر من ابن أمجد. أنا اللي علمتها، ولولا السن كان زماني أنا اللي روضته، وأصلاً أنا سبته لنهر. نهر: صراحة، هو وفي وجميل. (نزلت من عليه وهي تعطيه قطع السكر وتربت على ظهره بحنان) وأنا حاسة إن خلاص خلصت من التعب.

عاصم: تعالي معايا أوديك المستشفى، زمان جسمك ورم من الوقعات اللي وقعتيها. لولا إنك خفيفة كان زمانك متكسرة. نهر: ما تخافش عليا يا عمو، عارفة شوية كريمات. أما أروح هاخد شور وأحط. أومال إيه؟ عمر فين؟ عمر: خدت حمار، أقصد حصان على قد حاله كده، بتتمشى بيه. بعد قليل، جاءت رقية. رقية: كنت سامعة أصوات تشجيع كتير. لما هديت، قولت أرجع. إيه حصل؟

عاصم: هو فاتك كتير، لكن أنا شايف إنك مش خايفة وإنت راكبة مرجانة. آه، هي هادية، لكن ركوب الخيل له هيبة برضو. رقية: كنت بركب خيل زمان، مش حاجة جديدة عليا. واتفسحت أنا ومرجانة. شكراً لليوم الجميل ده. نهر، مالك كده؟ شكلك موجوعة. عمر: لا أبداً، ماما. دول هما خمس ست عشر وقعة من على الحصان أبو دم خفيف ده. رقية لنهر: هديتي شوية. نهر بابتسامة: ممكن تقولي اتهديت كتير. هروح أنام للصبح.

عاصم: روحي معاها يا ست رقية، غيروا يكون الأكل جهز، وبعدين ارجعكم الفندق. زمان أمجد قلق عليكم. عمر: أكل إيه؟ هناكل إيه؟ عاصم: خير ربنا كتير. كل على قد ما تقدر. عموماً، هيعجبك الأكل. كله مشويات. عمر: إنت راجل محترم والله زي أستاذ أمجد. الواحد عاوز يعيش هنا على طول.

ثاني يوم، في نفس يوم سفر عاصم وأسرته شرم، سافرت رقية وابناها رغم اعتراض عمر الذي يريد البقاء، فقد أعجبه الفندق واللعب مع أولاد محمود، غير أكل الفندق والاستمتاع بخدمات الفندق. كان يريد تمضية الإجازة كلها في الصعيد.

ثاني يوم رجعت فيه رقية البلد، أخذت عمر لتشترك له في نادي المحلة، فهو النادي الأقرب، وأصلحت موتوسيكل أحمد. وأصرت نهر أن تقف لتري موتوسيكل والدها القديم وهو يعود من حديد. نعم، ليس كما كان، لكن فرحت به، وكانت مع المصلح خطوة بخطوة. علمها كل شيء به، واستطاعت أن تأتي من النت بتفاصيل كثيرة عن أجزاء كثيرة وكيفية عملها. بعد ذلك، استخدمته نهر، وكان قد شفيت بالكامل، في الذهاب به أحياناً للمدرسة ومعها رانيا وأنهار. كما كانت تستخدمه رقية في الذهاب للنادي بعمر. لم تسمح رقية أن يستخدمه عمر خوفاً عليه، لأنه ما زال صغير. انقضت الأيام سريعاً حتى امتحن عمر آخر العام، وظهرت نتيجته قبل امتحانات نهر.

في أحد الأيام، ونهر تذاكر عربي مع كلاً من رانيا وأنهار. نهر: مالك يا أنهار؟ مش مركزة ليه؟ مش عوايدك. أنهار: مخنوقة يا نهر، ومش جاي لي نفس للمذاكرة. رانيا: هي صحيح مادة أدبي، بس لازم تجيبي مجموع يا فالحة، ولا مش هتدخلي طب؟ وإحنا لازم نجيب في المواد المشتركة أعلى درجات. مش هتفرقنا تانية نيلة اللي إحنا فيها. أنهار بضحكة استهزاء: بالنسبة لي خلاص، ما عادش حاجة مهمة. أغلقت نهر الكتاب، وخطفت من أنهار ورانيا كتابه.

نهر: كلنا آذان صاغية. ارغي فيه. إيه مالك؟ مش من النهاردة لأ، من امبارح. أنهار، وقد بدأت الدموع تتجمع في عينيها وتنزل بألم على وجنتيها: لأ، ده الموضوع كبير، ده إنت دموعك عزيزة فيه. إيه؟ وقعتي قلوبنا؟ رانيا: لأ، ده الموضوع كبير. إيه؟ وقعتي قلوبنا؟

أنهار: أول امبارح، لما رجعت لقيت عمتي عندنا. أنا أصلاً مش بحبها، كيادة كده وجامدة. دخلت على طراطيف صوابعي لما سمعت صوتها. كانت بتتكلم مع أبويا إنه يجوزني ابنها عصام. أنا أصلاً أقسم بالله بخاف منه. تخيلي لو اتجوزته؟ أبويا قال لها تطمن، من هطلع بره العيلة، بس مش هيقدر يكلمني غير لما أخلص امتحانات. قال لها تصبر شهر على ما أخلص ويبقوا يعملوا خطوبة، وقبل دراسة السنة الجاية الجواز. المهم روحت جريت على أمي أشكي لها همي.

ردت وقالت: إنت البنت الوحيدة على خمس ولاد، وعاوزين نسترك ونطمن عليك. وغلطتني إني سمعت كلامهم وهزأتني إني بتصنت. ولما قولتلها إزاي أنا نفسي أدخل كلية طب، قعدت تتريق عليا وتقول: طب مين يا بت؟ البنت مكانها بيت جوزها. وكده كده أبويا ما يقدرش يصرف على طب. لسه إخواتي، وكمان ما ينفعش يكون أخويا الكبير معهد، والتاني صنايع، والبنت طب. كده هياخدوا على خاطرهم عشان ولاد، وأنا بنت. (أكملت وهي تخفف دموعها بقهر)

تعرفوا لو اتجوزت فيل السنة الجاية، لا عمتي ولا عاصم هيسمحوا أكمل تعليمي. هبقى يا دوب واخدة إعدادية. قولوا لي كده لازمتُه إيه أذاكر أنا زي المواشي اللي عند أبويا وأمي؟ لا لي رأي ولا قيمة. لولا خالتي رقية ما كنتش دخلت ثانوي أصلاً. ماذا تحمل الأيام لنهر وأمها؟ سنعرف في.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...