زال سحرك لم أعد أشعر بشئ نحوك. ماريانا لجورج: -يالا يا بطل، هساعدك عشان نجهز هدومك. قالها يوسف وهو يحمل محمد معه لغرفته. لقد قررا السفر اليوم لقضاء شهر العسل بشرم الشيخ. أسبوع كامل وهم بعيد عن كل شئ.
ابتسمت ماجدة وهي تلملم الأطباق. كان قلبها يخفق تأثراً من اهتمامه بطفلها. يوسف لم يأخذ وقته بالتعرف على الطفل بل عامله كأنه ابنه منذ البداية. دموع التأثر أحرق عينيها وذهبت مسرعة للمطبخ لكي تغسل الأطباق. بينها انسابت دموعها دون أن تستطيع منعها. يوسف: -ماجدة أنا... قالها يوسف وهو يلج للمطبخ ولكنه توقف فجأة وهو يراها تمسح دموعها مسرعة. عبس واقترب منها وهو يقول: -فيه إيه؟ ليه بتبكي ليه؟ هزت رأسها مبتسمة وهي تقول:
-مفيش، دي دموع السعادة. اقترب وأمسك كفها وهو يقبله بلطف ويقول: -مش عايزك تبكي حتى من السعادة يا ماجدة. عايزك مبتسمة دايماً. ماجدة: -أنا خايفة. خايفة السعادة دي تنتهي. عبس وقال: -ليه تنتهي؟ أنا مش هبطل أحبك، متخافيش. تنفست بعمق وهي تحاول منع دموعها من الانفجار وتقول: -خايفة حاجة تحصل تفرقنا. خايفة من لطيف. هو الحمدلله على كل حال، بس مفيش فرحة بتتم ليا أبداً. خايفة منه أوي. وضع كفه على فمها وقال:
-عيب تقولي الكلام ده. عيب تقولي خايفة من لطيف وأنا معاكي. أنا موجود وهحميكي منه. مش هيقدر يمس منك شعرة طول ما أنا عايش. متقلقيش. سيبي موضوع لطيف عليا. لو كان هو مجنون فأنا أجن منه. جوزك جامد أوي على فكرة. كلامه لم ينجح في محو القلق من وجهها. ظلت ترمقه بقلق وقلبها يصرخ داخل صدرها من الخوف. الخوف من خسارته. لطيف لن يرحمه. لمس وجنتها وقال:
-أنا ممكن أموت عشان أحميكم. ثقي فيا. لطيف مش هيقدر يأذيكي إلا على جثتي. اعتبري ده وعد مني. غطت شفتيه بكفها وهي تقول بهلع بينما الدمع تثقل عينيها: -بعيد الشر، متقولش كده. قبل باطن كفها وابعده عنها وقال: -يبقى متفكريش كتير وعيشي اللحظة. ماجدة: -طيب عايزة أعرف عملت إيه مع لطيف. قول لي وريح قلبي. عشان خاطري. كان القلق يكسو نظراتها. فرد بلطف: -هقولك. والله هقولك بس بعد شهر العسل بتاعنا. أنا مش هخبي عليكي، وعد.
لم تطمئنها كلماته كما تأمل وأراد بشدة. بل ظلت تنظر إليه بقلق. ابتسم وهو يقبل رأسها ويخرج مسرعاً لكي يكمل حزم أشياء الصغير. نظرت إلى أثره وهي تعترف أن الغموض الذي يسيطر على تصرفاته أصبح يخيفها. تتمنى فقط ألا يكون قد فعل شئ مع لطيف سوف يندم عليه لاحقاً. هي لن تستطيع أن تفقده. لا تقدر على هذا.
ولج يوسف إلى غرفة محمد وهو يتنهد براحة. إنها تضغط عليه لكي تعرف الحقيقة. هو سوف يخبرها ولكن ليس الآن. يريدها مرتاحة. يريد أن يراها سعيدة لا أن تقلق بسبب هذا الرجل المجنون. ابتسم يوسف وهو يتذكر ما فعله لكي يمنع لطيف من الزواج منها. يتذكر أن أخبارها له بهوية صديقتها وزوجها ساعده كثيراً. يوسف: -شكله راجل بتاع مزاج. قالها منير وهو ينظر إلى الحانة التي بها حماد زوج سمرا. يوسف:
-راجل زي ده هنعرف نجر رجليه كويس أووي. يالا يا منير. هز منير رأسه وهو يلج للحانة مع يوسف. ضيق يوسف عينيه بتركيز وهو يراه حماد. لقد ظل يراقب منزله مطولاً لكي يعرفه جيداً. هذا الرجل نقاط ضعفه هي المال والنساء. تنهد يوسف وهو يقترب منه. يجلس بجواره على البار. ثم ينظر إليه. بينما كان يمسك في يده كوب الخمر وبجواره فتاة يافعة ترتدي فستان يظهر أكثر مما ينبغي. يوسف: -إيه رأيك تكسب معايا خمسين ألف؟
رفع حماد رأسه بقوة. رغم حالة السكر التي كان بها إلا أنه أصبح واعياً للرقم الذي قاله هذا الغريب. دفع الفتاة بعيداً وهو يقول بنبرة ثقيلة: -إنت مين يا بيه؟ يوسف: -إيه رأيك تكسب خمسين ألف معايا؟ حماد: -أكيد يا بيه. بس إيه المقابل؟ ابتسم يوسف وقال هامساً: -الأدلة اللي معاك ضد لطيف. أنا عارف إنك معاك كذا نسخة منها. ارتبك قليلاً وقال بصوت مشدود: -مش فاهم بتتكلم عن إيه؟ ثم نهض ليذهب ولكن يوسف طوق ذراعه وقال بخفة:
-اقعد يا راجل. الكلام آخد وعطا. الله ده أنا بعرض عليك خمسين ألف. حماد: -قصاد حياتي. شايف خمسين ألف كفاية إني أسلمك حياتي؟ ابتسم يوسف وقال: -متقلقش مش هيحصلك حاجة. حماد: -وأنا إيه اللي يضمنلي ده؟ يوسف: -مفيش ضمانات بس خمسين ألف مبلغ كويس عشان تختفي شوية عن عيون لطيف. هو مش هيكون فاضيلك أصلاً الأيام اللي جاية. حماد: -خمسين ألف مبلغ قليل جداً على أدلة مهمة زي دي. يوسف: -مية ألف. وده آخر كلام.
خرج من شروده وهو يتنهد. لقد أخذ وقتاً لإقناع حماد ولكن الأمر يستحق. لقد تزوج المرأة التي يحبها والذي مستعد أن يقيم حرباً من أجلها. هو ليس ذلك الرجل الجبان الذي يستسلم ويترك حبيبته لغيره. هو يحارب. أما أن يموت أو يفوز بحب حياته. ليس هناك خيار ثالث. الخسارة ليست خيار في حربه. الاستسلام ليس خيار. ابتسم وهو يقترب من الصغير ويفكر. يشعر بعسله مع عائلته الجديدة والرائعة. تلك العائلة التي سوف يحميها مهما كلفه الأمر.
فتح عينيه بتعب وهو يحاول تذكر أين هو. فجأة تدارك الأمر عندما رأى ذراعي سيلا تحيطه. نهض قليلاً وهو يشعر بالتشويش بينما يرى شعر سيلا الأحمر الناري وقد غطا الوسادة بينما ترتدي قميص نوم. رمش وهو ينظر إلى نفسه. رباه ماذا حدث ولكنه تنهد براحة وهو يرى أنه بكامل ملابسه. نهض عنها وهو يبعد ذراعها برفق كي لا يوقظها ثم وقف بقرب الفراش. كان يشعر كأن صدره يضيق. إنه يخطئ. نومه هنا جعله يشعر بالإشمئزاز من نفسه. ماذا يفعل؟
حقاً ماذا يفعل؟ هو ينام في منزل حبيبته السابقة تاركاً زوجته الحامل في المنزل. أخرجه من شروده أزيز هاتفه. نظر إليه بحيرة وهو يفكر من جعل الهاتف على الوضع الصامت. أمسك هاتفه ليجد والده يتصل به. ابتلع ريقه وهو يفكر متى عاد والده من اليونان. وضع الهاتف على أذنه ليرعبه هدير والده وهو يقول: -إنت فين يا بيه؟ مراتك في المستشفى بين الحياة والموت. إنت فين! رمش جورج بارتباك وهو يستوعب الكلمات التي تدخل عقله وقال بصوت ضعيف:
-ماريانا... ماريانا مالها؟ صرخ به والده: -إنت لسه هتتصدم. اتنيل تعالى بسرعة وحسابك معايا بعدين. تعالى على مستشفى***** بسرعة!
أغلق جورج الهاتف بينما بدأت الدموع تتجمع بعينيه. والده لم يخبره أي شيء عن حالة ماريانا. ولكن قلبه يخبره أن الأمر كبير للغاية. ارتدى حذاءه وسترته وهو غير مبالٍ بالدموع التي أصبحت تنهمر على وجنتيه. خرج مسرعاً من المنزل وهو يخرج من البناية بسرعة ويستقل سيارته ثم ينطلق بها وهو لا يرى جيداً بفعل الدموع. وصل للمشفى في وقت قياسي للغاية. لم يهتم حتى بإغلاق باب السيارة وهو يركض مثل المجنون للداخل. بلهث
اتجه للاستقبال وهو يقول: -مدام ماريانا إسحاق. نظرت إليه الموظفة الشابة وهي تقول بتهذيب: -في أوضة ٢٠٥. ركض مسرعاً وهو يستقل المصعد بينما قلبه يقصف داخل صدره برعب. يشعر بالدوران. أخذ يدعو داخله أن تكون بخير. رباه يجب أن تكون بخير وإلا سوف يموت. خرج من المصعد وهو يركض في رواق المشفى بلهث بينما المارة ينظرون لهذا الرجل غير المهندم الدموع تغرق عينيه ووجهه بصدمة. جورج: -بابا.
قالها جورج بلهفة وهو يرى والده يخرج من غرفتها. كان يبدو كالغريق الذي وجد القشة التي كانت ستنقذه. اقترب منه والده ثم امسكه بقوة من قميصه وهو يهدر به: -كنت فين يا أستاذ ومراتك بتواجه الموت؟ مش هتبطل عك! ارتبك وتردد قبل أن يقول: -صديق ليا كان معاه مشكلة عشان كده كنت معاه. مقدرتش أسيبه. وأنا بعت رسالة لماريانا. بس... بس إيه اللي حصل؟ ماريانا حصلها إيه؟ كان منهاراً وهو ينتظر أي كلمة من والده تطمئنه. نظر إليه والده
بغضب ثم دفعه وهو يقول: -فيه حرامية اتهجموا على بيتك وأذوا ماريانا. انسحب اللون من وجهه وأصبح كالأموات تماماً ليكمل والده بقسوة: -ماريانا خسرت الجنين. ابنك مات. خلي صاحبك ده ينفعك.
ولج للغرفة وهو ناكس الرأس لا يستطيع مواجهتها. رفع عينيه ببطء وجد والدته بجوار والدة ماريانا بينما ماريانا جالسة على الفراش. نظراتها جامدة بلا مشاعر تماماً. لا يبدو عليها الإنهيار أو الألم. فقط تلمس بطنها دون إرادة منها على ما يبدو. اقترب منها بإنهيار ثم قبل رأسها ودموعه تنساب من عينيه. لم تأتِ بأي رد فعل. جورج: -ماريانا؟ قالها بقلق وهو ينظر لوالدته بحيرة. كانت تبدو منفصلة تماماً عن الواقع.
طرقة على الباب جعلته ينتبه ثم ولوج رجال الشرطة وخلفهم والده. ابتسم المحقق عدي بلطف وقال: -ألف سلامة عليكي يا مدام ماريانا. حضرتك جاهزة؟ هزت ماريانا رأسها بهدوء. بعد دقيقتين تقريباً. جلس المحقق وهو يأخذ أقوالها. المحقق عدي: -حضرتك شوفتي أشكالهم؟ هزت ماريانا رأسها وقالت بصوت هادئ: -للأسف لا يا فندم. كانوا مغطيين وشهم بقناع. لي واحد منهم اسمه حاتم. هز المحقق رأسه وقال: -ممكن تقولي إيه اللي حصل بالضبط؟
هزت رأسها ثم بدأت تقص له منذ البداية. ماريانا:
-أنا صحيت من النوم على صوت باب بيتفتح. افتكرت جوزي هو اللي جه. قمت وقفت بس فجأة حسيت بحاجة غلط لأن الصوت كان صوت أكتر من واحد. كنت حاسة زي ما يكون فيه اتنين برا من واحد. وقتها عرفت إن ده مش جوزي. روحت مسكت موبايلي بسرعة عشان أتصل بجورج. بس اللي ردت عليا سيلا. قالت لي إنه نايم. قولتلها تصحيه عشان فيه حرامية برا بس رفضت وقالت إنه تعبان لأنه بذل مجهود كبير ومش هتقدر تصحيه. وقفلِت في وشي السكة.
أطلق والد جورج نظراته نحو جورج الذي شحب وجهه كالأموات. شعر أنه بكابوس. لا يصدق أن سيلا تفعل هذا به. المحقق عدي: -مين سيلا؟ قالها المحقق عدي بحيرة لترد هي بصوت ميت: -الأكس بتاعة جوزي. كانت نظرات الجميع مصوبة عليه. وللمرة الأولى يشعر بالخجل من نفسه. هو كان معها. مع تلك الكاذبة المخادعة بينما زوجته تقاوم الموت. المحقق عدي: -كملي يا فندم. لتكمل هي:
-بعد ما قفلت حاولت أتصل بالبوليس بس هما دخلوا عليا. مقدرتش أعمل حاجة. واحد فيهم اللي اسمه حاتم طلع سكينة وهددني لو عملت صوت. هو كمان ضربني ووقعني على الأرض بعدين. بعدين... تكسر صوتها قليلاً وهي تقول بصعوبة: -أتحرش بي! شهقة قوية خرجت من فم جورج. بينما نظرت والدتها إليها بصدمة لتردد ماريانا: -لمسني بطريقة وحشة. كنت أتمنى وقتها إني أموت من كتر القرف اللي أنا حاسة بيه.
انسابت الدموع من عيني جورج وخرج وهو لا يتحمل أن يسمع أكثر من هذا. جلس على الأرض وهو يبكي بقوة. لا يتخيل أن ماريانا تعرضت لهذا كله. يرغب برؤية من فعل هذا بها ليقتله. يقسم أنه سوف يقتله. جورج: -يارب... يارب... تمتم بألم والدموع لا تتوقف عن الإنهمار. خرج والده من الغرفة. نهض جورج وهو ينظر إليه بقلق. جذبه من قميصه وهو يقول من بين أسنانه:
-غبي، إنت غبي. سلمت نفسك ليها لحد ما دمرتك. بس أنا اللي غلطان. كان لازم أكشف وشها الحقيقي ليك قبل ما أسافر اليونان. أنا اللي غبي. نظر إليه جورج دون فهم ليقول هو: -قولي يا حبيبي بررتلك إيه أنها سابتك فجأة؟ قالتلك إيه هي حجتها؟ جورج: -قالت أنها اكتشفت أنها مبتخلفش. ضحك بسخرية وابتعد عنه وقال: -فعلاً حمار وغبي. حتة بنت زي دي ضحكت عليك. جذبه والده إليه وقال بعنف:
-اسمع يا حبيبي السبب الحقيقي. اسمع عشان تعرف قد إيه إنت واحد مغفل. السنيورة سابتك عشان أنا هددتها. شحب هو ليكمل: -تعرف هددتها ليه؟ عشان اكتشفت أن الهانم قربت منك ووقعتك في حبها عشان فلوسك. كانت بتستغلك يا مغفل. ثم دفعه حتى اصطدم بالحائط. جورج: -ده مستحيل! قالها والدموع تحرق عينيه مجدداً. ابتسم والده بسخرية وقال: -تعرف إنك تستاهل عقابك دلوقتي. عقاب أن ماريانا هتسيبك. تستحق العقاب ده. ثم تركه وذهب. أدهم:
-إحنا متفقناش نعمل كده يا حاتم؟ قالها أدهم بغلظة لحاتم الذي متسطح على الأريكة المهترئة في غرفتهم على السطح. نظر إليه حاتم وقال: -البنت كانت جامدة بصراحة. لولا خوفت من سين وجيم وإني أتجبت كنت عملت أكتر من كده. يا بخت جوزها. اقترب أدهم وشده من قميصه القطني وقال: -إنت إيه. بجد معندكش دم. حرام عليك الست كانت حامل. إزاي تعمل كده! حاتم:
-يووه ما خلاص يا عم. مش هعمل كده تاني. هي عجبتني واتمتعت شوية. بعدين يا حبيبي هو إحنا شيوخ جامع؟ فوق يا ننوس عين ماما إحنا حرامية. بعدين واحدة حلوة اتبسطت معاها ليه خربت الدنيا يعني؟ هز أدهم رأسه وقال: -ماشي يا حاتم. ثم تركه وذهب. خرج أدهم من المنطقة التي يسكن بها ثم استقل سيارة النقل العام. بعد قليل. وقف أمام مركز الشرطة وهو يبتلع ريقه. هل ما يفعله هو الصواب؟ أن ينهي كل شيء ويورط نفسه؟
هو منذ الأمس وهو في عذاب لا ينتهي. وجه تلك المرأة لا يفارق عقله. لقد كانت حامل. توسلت من أجل ابنها ولكن حاتم لم يهتم. ذلك الوحش استباح جسد امرأة حامل. صحيح لم يصل الأمر للاغتصاب ولكنه تحرش بها. لمسها بطريقة مقززة. وهو كان واقف مكانه لم يفعل أي شيء ليسامحه. ربما تلك هي الطريقة الوحيدة ليكفر بها عن ذنبه. ولج إلى قسم الشرطة بأعصاب مشدودة. وخلال دقائق معدودة كان أمام ضابط الشرطة. رفع حسام نصار حاجبيه وقال:
-بتعمل إيه يا هنا يا أدهم؟ فرك أدهم كفيه وقال: -أنا جاي أبلغ عن سرقة يا باشا. حسام نصار: -مين اللي سرق؟ أدهم: -أنا وصاحبي حاتم. سرقنا شقة الدكتور جورج الحكيم. ماريانا: -أنا عايزة أخرج من هنا. قالتها ماريانا بهدوء. اقتربت والدتها منها وهي تقول: -يا بنتي أنتِ تعبانة والدكتور قال هيكتبلك خروج بكرة. ماريانا: -معلش يا ماما أنا عايزة أخرج. مش طايقة أقعد هنا.
ولج جورج إلى الغرفة بعد أن غاب لساعتين كاملتين. كانت عينيه حمراء. وجهه ذابل. اليأس يكسو وجهه. نظرت إليه ماريانا بنظرة عابرة ثم أشاحت وجهها وهي تنظر إلى وجهها وتقول: -أنا عايزة أروح. اقترب عزمي منها وقال: -اهدي يا بنتي. هنروحك حاضر. هنعملك اللي إنتِ عايزاه. حقك عليا أنا. سامحيني. بتردد نظرت إليه وقالت: -أنا عايزة أروح بيت ماما. قصف قلبه برعب ولهث وهو يسمع طلبه وصدمه رد والده البسيط وهو يقول:
-حاضر. هوديكي بيت والدتك. وهجيب ممرضة تهتم بيكي. المهم متزعليش. واللي عملوا معاكي كده هيتعاقبوا. ثم نظر إلى جورج وقال وهو يطحن أسنانه: -كلهم هيتعاقبوا واحد واحد! كان يريد جورج التحدث. أن يتوسل إليها ألا تذهب ولكنه كان أجبن من أن يفعل هذا. أغمض عينيه وهو يتذكر لقاءه مع سيلا. سيلا: -جورج... قالتها بإرتباك وهي تفتح الباب له. كان يبدو عليه الإنهيار. كان يبدو في حالة تعيسة بحق. ابتلعت ريقها وهي تقول
بنبرة متقطعة بفعل التوتر: -إنت كويس يا جورج؟ ولج للمنزل دون أي كلمة. عضت شفتيها وهي تفكر أنه ربما لم تخبره ماريانا بشأن أي شيء. جلس على الأريكة وهو يرفع رأسه للأعلى. الدموع تنهمر من عينيه. اقتربت منه وجلست بجواره وهي تقول بلطف وهي تتلمس كتفه: -مالك يا جورج؟ جورج: -ماريانا سقطت. دخلوا عليها حرامية امبارح البيت. ضربوها. واحد فيهم أتحرش فيها وخسرت الطفل.
بهتت للحظات وهي تشعر بتأنيب الضمير. حاولت دفع هذا الشعور بعيداً. هذا ليس ذنبها هي. هي كانت تظن أن ماريانا تتوهم. نظر إليها جورج بعينين منكسرة وقال: -أنا حبيتك يا سيلا. حبيتك وجرحت ماريانا بسببك كتير. وقفت في وش أبويا بسببك. وده اللي نولته في الآخر. ثم نهض وقال: -أكتشفت في النهاية إني سبت الألماس وكنت بدور على التراب. نهضت وهي تقترب منه وتقول بتوجس: -جورج إيه؟ أنا مش فاهمة بتقول إيه؟
استدار وقد تصاعد اللهب بعينيه وأصبحت عينيه أكثر زرقة. مد كفه ثم جذبها من شعرها إليه. توسعت عينيها بصدمة ليقول من بين أسنانه: -ليه... ليه يا سيلا؟ سيلا: -إيه يا جورج؟ قالتها برعب ليصرخ وهو يهز رأسها بقوة ألمتها حتى طفرت الدموع من عينيها: -عملتي كده ليه؟ انطقي. لما ماريانا اتصلت ليه عملتي كده؟ سبتيها تواجه الموت. أنا خسرت ابني بسبب... خسرت حياتي. خسرت ماريانا! سيلا: -صدقني يا جورج... آه... صرخت بينما يخنقها بقوة وقال:
-كدبتي عليا في كل حاجة. خدعتيني. خليتيني مغفل! قولتي أنك سبتيني عشان اكتشفتي أنك مش هتقدري تخلفي. وإنتِ في الحقيقة هربتي عشان أبويا هددك يقولي حقيقتك. شحب وجهها بقوة ليدفعها حتى وقعت على الأرض. كانت الدموع تطرف من عينيها كما تطرف من عينيه هو. وكان دموعه كانت محملة بالألم. ماريانا لن تسامحه أبداً. جورج:
-أبويا قالي حقيقتك البشعة. للأسف قالي بعد فوات الأوان. أنا مش عايز أشوف وشك هنا تاني. لو شوفتك هقتلك. اطلعي من البيت ده! ثم تركها وذهب. خرج من شروده وهو يدرك بألم أنه يخسر. وخسارته تلك المرة ستكون كبيرة. لقد خسر حبه الحقيقي. لم تكن سيلا ولن تكون. هي فقط ماريانا.
في اليوم التالي. خرجت ماريانا من المشفى بعد توسل عزمي لها أن تبقى ليلة فقط لكي يطمئن عليها وهي تراجعت تلك المرة. وكمان وعدها هو بنفسه إلى منزلها هي جورج لكي تحضر حقيبتها وتعود لمنزل والدتها. والدتها كانت تساعدها بينما تخبرها أن ترتاح ولكن ماريانا أصرت أن تحزم ملابسها معها.
ولج جورج إلى المنزل مسرعاً وهو يلهث. كان والده يجلس بصالة المنزل. نظر إليه دون مبالاة ليندف لغرفة النوم. تجمد فجأة وهو يراها قد حزمت حقيبتها وتمسك كف والدتها وهي تستعد للذهاب. اقترب منها ثم ضمها إليه وهو يبكي بشدة ويقول: -عشان خاطري متسبنيش. أنا والله هموت! لم تأتِ بأي رد فعل. لم يتجمد جسدها حتى. بدأ وكأنها منفصلة تماماً عن الواقع. فجأة شعر بأحد يبعده عنها. نظر وواجه والده الذي قال بقسوة: -روحي يا بنتي.
هزت رأسها وهي تذهب. جورج: -ماريانا! صرخ بفزع وهو يراها تنسحب من حياته. شعر بالاختناق بينما تسير ممسكة حقيبتها. بكفها الآخر تمسك يد والدتها. الموت ما شعر به في تلك اللحظة. كانت خسارته عظيمة. عزمي: -جورج كفاية! أمسكه والده بعنف وهو يجذبه نحوه وقال: -إنت اللي عملت كده. إنت اللي خسرتها بإيديك. الدموع انفجرت من عينيه وهو يحاول أن يتحرر من قبضة والده. لقد أخطأ. نعم ارتكب الكوارث ولكن أن تغادر حياته!
هذا ما لا يستطيع تحمله إطلاقاً. سوف يموت هو يعرف. تحرر من والدها بغتة ثم خرج من الغرفة ووقف أمام الباب وهو يمنعها من الخروج. عينيه أضحت حمراء بفعل الدموع وقال: -متعمليش فيا كده يا ماريانا. أبوس إيديكي متسبش البيت. عاقبيني بأي طريقة بس متبعديش عني. كانت نظراتها ميتة وهي تنظر إليه بدون مشاعر لا حب لا كره لا ألم فقط نظراتها فارغة. قالت بنبرة خافتة باردة: -ابعد لو سمحت. جثا على ركبتيه دون تفكير. دون أي اهتمام بكبريائه.
-متسبنيش. صدقيني هموت. جذبه والده بقوة عنهما وهو يقول: -روحي يا بنتي. جورج: -بابا لا! هدر وهو يحاول الفكاك منه بينما يراها تخرج. نظر إلى والده وصرخ: -ليه كده! ولكن والده اخرسه وهو يصفعه بعنف ثم قال: -القلم ده كان لازم تاخده من بدري. أنا المرة دي اللي هقفلك وخليك عارف ومتأكد إني بنفسي هتأكد أن ماريانا مش هترجعلك!
بعد أسبوع. ابتسم بانتصار وهو يراها تخرج. تلك المرة أتم جميع الإجراءات. اليوم ستكون زوجته بكل تأكيد. كانت جيلان ترتعش وهي تمسك كف رحيق. تشعر بغصة في حلقها. تريد البكاء بشدة ولا تستطيع. رفعت نظراتها إلى الذي سيكون زوجها. وجدته يبعد وجهه عنها. ويبدو أنه يقاوم عدم النظر إليها. أطرقت بوجهها مرة أخرى وهي تشعر باليأس. اليوم ستكون له ورغم أنه كان حب حياتها إلا أنها لا تشعر بالسعادة. حتى بعدما أتت أريام إلى جامعتها واعتذرت
لها أمام الجميع لا تشعر بأي راحة أبداً. فالناس لن تتوقف عن الحديث وهي لن تنسى أبداً أنه جرحها مراراً وتكراراً. لم يهتم بها بل أعلن بتمرد أنه سيتزوجها. وكأن رأيها غير مهم. وكأنها خاضعة له. برقت عينيها وهي تفكر أن أمجد مخطئ للغاية. إن كانت خضعت هذة المرة فهي خضعت لأن ليس لها أي اختيار آخر. هي مجبورة والسبب أنها تحبه ولا تتخيل أن تكون ملكاً لأحد آخر. ولكنها سوف يُعاقب على ما فعله بها. جلست على المقعد وهي تطرق برأسها
أرضاً بينما بدأ الشيخ بإجراءات عقد القرآن.
بعد قليل أعلن الشيخ كونهما زوج وزوجة. مضت جيلان بقلب مثقل بالألم. تمنت أن تكون والدتها معها في تلك اللحظة. مهما كانت سعيدة فإن سعادتها منقوصة دون والدتها. اليوم تتزوج الرجل الذي أحبته وسعادتها منقوصة لأسباب عديدة أهمها غياب والدتها. بعد أن تم الأمر نهض وهو ينظر إليها يلتهمها بنظراته. عينيه العسلية كانت مركزة عليها. الآن لديه الحق لينظر إليها بالطريقة التي يريدها. لن يمنعه أحد. مرت عينيه على فستانها الكريمي وحجابها الذي بنفس اللون. جل ما يريده أن ينفرد بها ليرى شعرها. يفعل بها ما حلم به منذ زمن.
يعد قليل. انفرد بها كما يريد. في غرفته. كانت جالسة وهي تفرك كفيها بتوتر. لا تفهم لماذا أتى بها إلى هنا. نظرات دلال وهي تدخل الغرفة لا تفارقها أبداً. تشعر بالخجل عندما تتذكر نظراتها المحملة بمعرفة. كان قلبها ينتفض داخل صدرها. فجأة انتفضت هي نفسها عندما أمسك كفها. نظر إليها بإبتسامة رائعة. مرتاحة ومحبة وقال:
-أنا حلمت باليوم ده كتير يا جيلان. حلمت باليوم اللي أبص ليكي براحتي من غير ما أحس بالذنب. إنتِ الوحيدة اللي خليتي عيني وقلبي يعصوا أوامر عقلي. الوحيدة اللي مكنتش مسيطر على نفسي وأنا جنبها. أنا بحمد ربنا إن اتجوزتك وبقيتي ملكي. أنا بحبك. بحبك يا جيلان. أبعدت كفها ليعبس بشدة بينما تلتمع بريق الدموع بعينيها. -ليه محبتنيش من البداية؟ ليه خلينا نمر بده كله؟
قالتها جيلان والدموع تتصاعد بعينيها. لقد تم عقد قرآنهما بالفعل. تم الأمر سريعاً. دون إرادتها. دون أن يكون لها الحق أن ترفض. فهي بالنهاية المذنبة التي أغوت خطيب امرأة أخرى. تنهد أمجد وهو ينظر إليها. كانت تنظر إليه بإنكسار. شعر بالندم يتآكله. هو من تسبب في هذا. بسبب عدم اعترافه وتصميمه على المضي في خطبة هو لا يريدها. أمجد: -جيلان أنا... قالها وهو يحاول إمساك كفها ولكنها أبعدت كفها وهي تقول:
-لا يا أمجد. إنت السبب في ده كله. أنا عمري ما هسامحك أبداً. إنت خطبت واحدة تانية واختارت تقهرني. حتى مخلتنيش أشوف حياتي مع غيرك. أمجد: -لأن مكنش ينفع تروحي لغيري يا جيلان. لآني هتجنن لو حصل كده. ابتسمت بألم وقالت: -ولا كان ينفع أكون معاك. في كل الأحوال أنا مع الشخص الغلط. شحب وجهه بقوة وقال: -متقوليش كده. إنتِ بتحبيني؟ هزت رأسها وهي تقول بحزن: -الحب مش كفاية يا أمجد. ثم كادت أن تنهض إلا أنه أمسك كفها وهو يقول بعناد:
-لا الحب كفاية. ثم جذبها أكثر وهو يكتم اعتراضها بشفتيه. يقتل أي مقاومة لها. أي شك بحبهما. ولم تجد هي مفر من الاستسلام. في اليوم التالي. مياس: -أنا فاكرة اليوم ده كويس أووي. مش قادرة أنساه. ده اليوم الوحيد اللي بيتعاد في أحلامي كل يوم يا دكتورة. اليوم اللي نفسي أنساه ومبقدرش. أحياناً بدعي إني أفقد الذاكرة بس مبحصلش.
أقالتها مياس وقد انهمرت الدموع من عينيها. كانت ميرا مختار الطبيبة النفسية تنظر إليها. عينيها الرمادية تركز على مياس وتحلل كل حرف تقوله. لقد أخذت وقتاً طويلاً لتتكلم. جلسا معاً مرتين تقريباً ولم تكن مياس مستعدة أن تتكلم بعد ولكن في تلك المرة أظهرت شجاعة وقررت التحدث عن الماضي. مسحت مياس دموعها واكملت:
-كنت خارجة من بيتي. رايحة الكلية وبتصل بعمر عشان أقوله إنه معزوم عندنا. كنت حاسة بفرحة في اليوم ده مش طبيعية. حاسة إن الدنيا بتضحكلي. مخطوبة للي بحبه. حياتي مفيش أحسن منها. بس بتيجي لحظة. لحظة واحدة تدمر ده كله. وتلاقي نفسك لوحدك. واللحظة دي عشتها. نشيج حار هرب من بين شفتيها. النقاب كان يخنقها. أرادت أن تخلعه في تلك اللحظة. ولكن لم تستطع. أكملت وهي تتنفس بعنف:
-كان غريب. معرفش مين هو. عينيه كانت مليانة شر. شر لحد إذاه. بس أنا عمري ما أذيت أي حد. كان بيقرب مني. خوفت منه وكنت هجري لبيتنا بس طلع إزازة غريبة وبعدين... بعدين...
شهقت وهي غير قادرة على الحديث. شعرت أن العالم يضيق بها. نهضت ميرا واقتربت منها وهي تربت على كتفها برفق. أغمضت مياس عينيها بينما تشعر وكأن الماضي يعود مرة أخرى. وكأن الأمان المزيف الذي شعرت به الأيام السابقة اختفى فجأة وكل محله الرعب والخوف. جلست الطبيبة وهي تتحدث معها بصوته المنخفض اللطيف. تحاول أن تصفي ذهنها قبل أن تذهب.
خرجت مياس من غرفة الطبيبة وهي تشعر بالراحة نوعاً ما. باقي الجلسة تكلمت الطبيبة عن أشياء مختلفة. أشعرتها بالراحة. كلامها كان كالسحر. نظرت لتجد سيف يجلس منتظراً إياها. نهض ما إن رآها وقال بلطف: -إيه الأخبار؟ تنهدت وهي تقترب منه وتعانقه. ابتسم وعانقها بدوره. وهو يربت على ظهرها. -متخافيش. أنا معاكي.
في سيارة سيف. كان يقود السيارة بشكل طبيعي نوعاً ما فهو قد أزال الجبيرة أخيراً. كانت هي جالسة وهي تنظر من النافذة. تشعر براحة نوعاً ما. تنهدت وهي تقول: -سيف. سيف: -عيون سيف. ابتسمت وقالت: -عايزة أشرب عصير قصب بالبرتقال. سيف: -عيوني حاضر.
في أحد محلات عصير القصب كان قد أحضر لها عصير القصب بالبرتقال الذي تحبه وأحضر له هو العادي. كانت ترتشف العصير بتلذذ. كان واضح من عينيها التي تبرق من تحت النقاب. نظر إليها وخفق قلبه. كيف احتلت قلبه. كيف أحبها. لن ينكر الأمر بعد الآن. هو يحبها. يحب مياس. يحبها بكل رقتها. عفويتها. تعقيداتها. يحب قوتها وضعفها. يحب تصاعد اللهيب الأزرق في عينيها ويعشق عناقها. تقبيلها. يعشق أن يكون الحامي لها. يحب أن يتخذ دور الشخص الذي سوف يحقق كل أحلامها الذي سيكون معها إلى الأبد. تلك هي طبيعته إن أحب فهو يعطي كل شيء لشريك حياته. ابتسم وهو
يشعر بالسحر نحوها وقال: -مياس أنا بحبك! شهقت وهي تسعل بقوة فابتسم وقال: -على مهلك. نظرت إليه بإرتباك وقالت: -م... متقولش كده. سيف: -أنا بحبك. مياس: -سيف لو سمحت. قالتها بحزن وقد لمعت العيون بعينيها. سيف: -أنا بحبك. كررها للمرة الثالثة لتقول بمرارة: -بس أنا لا. أنا مش بحبك. ابتسم وقال: -هتحبيني. مياس: -هتستنى كتير. ابتسم وهو ينظر إليها بعمق وقال: -مستعد أستنى طول العمر. ماريانا... ماريانا!
كان يصرخ بها بقهر وهو يحاول أن يلج للمنزل لكي يراها ولكن والدتها كانت تقف أمامه وهي تصرخ به: -بطل جنان بقا وروح. بنتي مبقتش عايزاك. أثقلت الدموع عينيه وقال: -أبوس إيديكي خليني بس أشوفها. أنا بقالي أسبوع هجنن بس واشوفها. هموت والله. عزمي: -يبقى اتعود لأنك من النهاردة مش هتشوف شعرة منها حتى. ثم بقسوة أغلقت الباب بوجهه.
كانت تبتسم بسعادة وهي تمسك كفه. لقد عاشت أجمل أسبوع معه. لقد دللها يوسف حتى شعرت أنها عادت صبية صغيرة. لن تنسى تلك الأيام أبداً. فجأة توقفت وهي ترى سمرا أمام منزلها. متشحة بالسواد بينما الغضب يعمي عينيها. ماجدة: -سمرا. قالتها ماجدة بدهشة لتقترب سمرا من يوسف وتمسكه من قميصه وهو تصرخ به: -جوزي حماد مات. أتقتل. قتله لطيف وانت السبب يا يوسف!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!