تحميل رواية «اسرت قلبه» PDF
بقلم سوليية نصار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
خالتو نوال أنا رايحة الكلية. قالتها مياس وهي تأخذ حقيبة الظهر الخاصة بها ثم ارتدتها مسرعة. وضعت النظارة الشمسية على حجابها الوردي بينما كانت ترتدي قميص احمر طويل وبنطال ازرق من الجينز. تضع كحل اسود على عينيها مبرزا جمال اتساع عينيها الزرقاء وأحمر شفاه باهت. يا مياس يا بنتي طب افطري الأول! قالتها نوال وهي تخرج من المطبخ وبيدها تحمل صينية بها بضع شطائر وعصير جوافة المفضل لديها. ولكن مياس هزت رأسها وقالت: هأكل في الكلية سلام يا خالتو. ثم قبلت خالتها وخرجت من الشقة السكنية مسرعة. أخرجت هاتفها واتصلت...
رواية اسرت قلبه الفصل الأول 1 - بقلم سوليية نصار
خالتو نوال أنا رايحة الكلية.
قالتها مياس وهي تأخذ حقيبة الظهر الخاصة بها ثم ارتدتها مسرعة.
وضعت النظارة الشمسية على حجابها الوردي بينما كانت ترتدي قميص احمر طويل وبنطال ازرق من الجينز.
تضع كحل اسود على عينيها مبرزا جمال اتساع عينيها الزرقاء وأحمر شفاه باهت.
يا مياس يا بنتي طب افطري الأول!
قالتها نوال وهي تخرج من المطبخ وبيدها تحمل صينية بها بضع شطائر وعصير جوافة المفضل لديها.
ولكن مياس هزت رأسها وقالت:
هأكل في الكلية سلام يا خالتو.
ثم قبلت خالتها وخرجت من الشقة السكنية مسرعة.
أخرجت هاتفها واتصلت به.
أيوة يا عمر صباح الخير. ازيك.
ابتسمت وهي تستمع لصوته العذب وقالت:
انا رايحة الكلية دلوقتي. متنساش أنك النهاردة أنت معزوم عندنا. أنا هطبخلك بإيدي.
ضحكت بخفوت:
طيب سلام مش هعطلك عن شغلك. ربنا معاك.
ثم أغلقت الهاتف وابتسمت وهي تكمل سيرها خارجة البناية الراقية التي تسكن بها.
لم تنتبه مياس للرجل الغريب الذي كان يراقبها من بعيد وفي عينيه شر كبير. بل كانت مبتسمة وهي تسير تشعر ان احوالها على ما يُرام.
صحيح انها فقدت اهلها بحادث مؤ لم منذ عامين الا ان الله عوضها بخالتها التي تحبها كثيرا فقد ترملت خالتها منذ صغرها ولم تكن تنجب لذلك لم تتزوج مرة آخرى لذلك اعطتها كل العاطفة في قلبها.
تنهدت مياس وهي تفكر لو تزوجت ماذا ستفعل خالتها. لذلك قررت ان تتحدث مع عمر في إمكانية أن تعيش معهما بعد الزواج فهي لا يمكنها أن تتركها.
قررت ان تُسرع قليلا وتستقل سيارة أجرة الا أن فجأة رجل ضخم اقترب منها يضع كِمامه سوداء على وجهه.
نظرت إليه بقلق ونظرت حولها وجدت المكان خالي نوعا ما.
كادت ان تتراجع الا أن هذا الرجل أخرج زجاجة ثم سكبها على وجهها لتصرخ مياس بقوة وتغطي جانب وجهها وهي تشعر بالغليا ن به.
هر ب الرجل مسرعا بينما سقطت مياس على الأرض وهي تصرخ.
في المشفي.
أستاذ عامر ايه اللي حصل.
قالتها نوال وهي تنهت بقوة.
منذ ان اخبرها عامر بوجود مياس في المشفي تركت ما بيدها بسرعة.
اطرق عامر وقال:
أنا كنت خارج من العمارة لقيتها واقعة على الأرض وبتصر خ وهي مغطية وشها. فركبتها عربيتي وجبتها هنا فورا.
ايوة بس ايه اللي حصل؟
قالتها نوال بر عب ثم أكملت:
ليه كانت ماسكة وشها.
ابتلع عامر ريقه وقال:
فيه حد رش حمض على وشها.
لطمت نوال بقوة وصرخت والدموع تحتشد بعينيها وتقول:
يا حبيبتي. يا حبيبتي.
بعد مرور ثلاث أشهر.
وبعد عدة عمليات لم تُسفر عن أي شئ سوى انها زادت من الأ لم الذي تشعر به مياس.
في غرفة مظلمة كروح صاحبتها. لا تدل أبداً على وجود حياة بها.
الستائر منسدلة والمرآة مغطاه بقماش ثقيل.
كانت مياس جالسة على فراشها. دموعها تتساقط بتتابع على وجهها.
طرقة صغيرة على الباب اتبعها دخول خالتها.
بسرعة أنزلت مياس غطاء النقاب الأسود التي ترتديه دوم.
نظرت نوال إليها بشفقة وقالت:
ليه يا بنتي قاعدة في الضلمة؟
معلش يا خالتو أنا مرتاحة كده.
تنهدت نوال بحزن ولكنها لم تجادلها أكثر من هذا.
رغم كل الذي تفعله الا انها لم تستطيع أن تُصلح الضر ر النفسي بمياس.
ابتسمت وقالت لها:
مياس حبيبتي خطيبك برا حابب يشوفك.
عمر.
قالتها بلهفة وهي تمسح دموعها من تحت نقابها لتهز نوال رأسها وتقول:
اخرجيله.
بعد عشر دقائق بالضبط كانت مياس قد خرجت من الغرفة ترتدي فستان أزرق لطيف.
تُغطي وجهها بالنقاب وابتسامة مترددة على شفتيها وهي ترى خطيبها التي كانت ملامحه فارغة تماما.
عينيه السوداء كانت جوفاء لا مشاعر بها إطلاقاً بينما وجهه الوسيم ذو التقاطيع الرائعة كان متجهم.
عمر.
أنا كُنت بجيلك كل يوم الفترة اللي فاتت بس خالتك قالت أنك مش مستعدة تقابلي أي حد.
تنهدت مياس وجلست:
أسفة يا عمر الأيام اللي فاتت كانت صعبة شوية عليا.
عارف يا مياس.
قالها متنهداً ثم أكمل:
أنا أسف عشان بيحصلك ده كله. وأسف على اللي هيحصل بعد كده.
نظرت إليه بحيرة ليقول هو بإرتباك:
أنا مش هقدر أكمل يا مياس.
ترطبت عينيها بالدموع وقالت بإختناق:
ليه. ليه يا عمر؟
ولكنه لم يرد عليها.
فرفعت النقاب وقالت:
عشان ده؟ عشان بقيت مشو هة عايز تسيبني؟
بصلي يا عمر. أنا لسه مياس. مياس حب حياتك زي ما كنت بتقول دايما و…
ولكنها بترت حديثها عندما وجدته يشيح بوجهه وهو يغمض عينيه بقوة وقال:
مش هقدر أتحمل. سامحيني يا مياس مش هقدر أتحمل.
شهقت وقد بدأت الدموع تطفر من عينيها.
لم ينظر إليها وظل مشيحاً وجهه وخلع طوق الزواج من إصبعه ووضعه على الطاولة قائلاً:
بتمنى ربنا يعوضك بالأحسن مني. سلام.
ثم نهض ليُغادر مسرعاً ولكنها قبضت على كفه وقالت بصوت منهار:
عمر. متسبنيش. أنا هعمل عملية تاني وهرجع زي الأول بس متسبنيش أنت كمان.
أمسك عُمر كفها وأبعده عن كفه وقال بحزن:
أنا أسف.
ثم تركها مُسرعاً وذهب خارجاً. تاركاً إياها وهي محطمة.
الفصل الأول (قلوب منهكة)
قلبي منهك وروحي تحترق.
بعد ست أشهر.
بعد أن انتهي الزفاف وقفت في منتصف الغرفة وهي مرتدية فستان الزفاف بقلب خافق.
لقد تزوجته. تزوجت الرجل الذي امتلك قلبها. الرجل الذي قضت نصف عمرها تحبه فقط. الرجل الذي ظنت أنها لن تحصل عليه ابدا.
ولكن هل حقا حصلت عليه. سألت نفسها بأسي.
كيف تحصل عليه وقلبه معلق بآخري. اخري توارت تحت التراب. والاخري تلك تكون شقيقتها. توأم روحها التي ما تت وتركت فراغ كبير. أم مقهورة وشقيقة حزينة وزوج ي.ئس وطفل يتيم.
شقيقة كانت النور في حياتهم المظـ لمة.
كانت مريم امرأة مليئة بالطاقة. تنشر السعادة اينما كانت.
اي شخص يراها يقع في حبها فورا. لذلك لم تندهش عندما اختارها امير زوجة له.
بالطبع في وجود مريم لن ينظر أحد إليها.
خرجت من أفكارها وارتعشت قليلا عندما رأته يدخل.
وقف أمامها بكل برود وبدأ في الكلام:
طبعا انتِ عارفة موجودة هنا ليه. وعارفة ليه اتجوزتك؟
قالها ببروده الخاص بها لترتجف وهي تمسك فستان زفافها وتقول:
عشان عمر. عشان اربيه.
ابتسم وهو يقول:
كويس انك عارفة. وكمان لازم تعرفي أن مريم هتبقي في قلبي للابد. أنا عمري ما هحبك فمتتوقعيش مني الحب.
اختك لما ما تتاهتز صوته قليلا ولكن اكمل:
اخدت قلبي معاها. عشان كده بطلب منك متتعلقيش علي الفاضي وإلا قلبك هيتكـ سر.
تصاعدت الدموع لعيني سما وقالت بصوت مختنق:
متقلقش مش هحط امل خالص. أنا عارفة دوري ايه أنا مربية لابن اختي وانا وافقت علي كده. وصدقني حتي انت لو عايز تخلي جوازنا حقيقي أنا لا.
نظرت إليه بتحدي وهي تحاول استرداد جزء من كرامتها المفقودة وقالت:
انا اصلا مش بحبك. اتجوزتك بس عشان عمر. ودلوقتي ممكن تتفضل عشان اغير هدومي وانام؟
رفع حاجبيه بدهشة وهي تكلمه بكل هذا البرود والثقة المفرطة.
لقد ظن أنها حقا تحبه حتي الجنو ن. كل تصرفاتها توحي بهذا.
نظراتها وتوترها. حتي موافقتها السريعة علي الزواج وهي تعرف انها ستكون مجرد مربية لابنه فقط لا زوجة.
لقد كانت شروطه واضحة الآن وقد صُدم عندما راي قبولها!
ايه مش هتخرج؟
خرج من شروده علي صوت سما التي كانت تنظر إليه بضيق.
ليهز رأسه ويخرج بهدوء الي غرفته الأخري التي جهزها.
بعد أن خرج.
أخرجت سما منامة مريحة لها ثم حاولت خلع الفستان فلم تستطع.
كانت في ورطة الان. هي لا تستطيع الوصول للسحاب الخاص بالفستان.
ماذا ستفعل. هل تذهب له. ولكن كيف سيفكر بها بالطبع سوف يفهمها بشكل خاطئ.
ولكنه قد يتفهم الأمر.
أخذت قرارها وخرجت من الغرفة وهي تهتف بإسم امير:
نعم فيه ايه؟
قالها امير بإنزعاج وهو يخرج من غرفته عاري الجذع.
للحظات تجمدت سما وهي تنظر إليه ولكن سريعا شهقت واستدارت وهي تقول بصوت مرتبك وخجول:
ايه قلة الذوق دي ما تلبس حاجة. فيه واحدة بقت عايشة معاك دلوقتي.
قلب أمير عينيه بسخرية وقال:
اخلصي كنتي عايزة ايه؟
تنهدت بتوتر وقالت:
ممكن تفتحلي سوستة الفستان. مش عارفة افتحها.
ابتسم ساخرا ثم اقترب منها ليفتح السحاب.
اقشعر جسدها بينما هو يلمسها وقد شعرت أنها بالجنة ولكن بعد ثواني أخرجه صوته الساخر من أحلامها واسقطها علي الارض الواقع عندما قال:
اهو فتحت السوستة. يالا تصبحي علي خير.
ثم ذهب.
وضعت كفها علي قلبها وهي تحاول طرد تلك المشاعر من داخلها.
هذا خـ طأ. ما تشعر به خـ.طأ وما تتمناه خـ.طأ.
امير لا يحبها ولن يحبها.
يجب ألا تبني اي احلام بشأنه والا ستكون هي الخاسرة.
ستخسر قلبها وروحها وتفقد نفسها.
أمسكت الفستان ثم دخلت غرفتها وأغلقت الباب جيدا.
ثم بدلت ملابسها وتسطحت.
تساقطت الدموع من عينيها واحتضنت نفسها.
ها هي الليلة التي تحلم بها منذ زمن.
لقد حاكت احلام كثيرة بشأن ليلة زفافها.
ولكن الواقع المرير أنها تنام في فراش بارد بمفردها بينما زوجها في الغرفة الأخري يرثي نفسه علي مو ت المرأة التي أحبها.
وتلك المرأة تكون شقيقتها.
في الغرفة الآخري.
كان امير يمسك صورته هو ومريم بينما الدموع تتسارع علي وجنته ويقول:
سامحيني. كنت مضطر أنتِ عارفة. أنا مستحيل احب حد غيرك يا مريم.
مستحيل ابص لحد غيرك. أنا هفضل مخلص ليكي دايما اوعدك.
ثم نام وهو يحتضن صورتها بقوة.
تسطحت سما أخيرا على فراشها وهي تدعو الله ان يزور النوم عينيها الجافة.
تحاول بأقصى قوى لديها الا تفكر به.
الا تتخيل نفسها وهي بين ذراعيه.
لقد حاولت نبذ مشاعرها له عندما كان متزوج شقيقتها وقد نجحت جزئياً أو هكذا أوهمت نفسها.
والان سوف تحاول من جديد ولكنها ابدا لن تستلم.
لن تدعه يرى حبها له.
هو لن يعرف ابدا بمشاعرها له.
لن تسمح له بأن يعرف بها.
حاولت أن تنام الا انها فشلت تماما.
نهضت وقررت أن تشاهد التلفاز قليلاً.
خرجت من غرفتها بهدوء ثم جلست على الأريكة وهي تفتح التلفاز وتجلس أمامه.
وجدت احد الأفلام القديمة المفضلة لها فيلم صوت من الماضي. وهذا أسعدها كثيرا.
وضعت رأسها على كفها وهي تشاهد التلفاز بشغف.
تستمتع به وتحاول التلاهي عن ليلة زفافها الكا رثية.
كانت مندمجة مع الفيلم ولم تلاحظ الذي خرج من غرفته ينظر إليها بحيرة.
معرفتيش تنامي ولا ايه؟
تساءل وهو يتأملها في منامتها الحريرية الحمراء والتي ناسبتها كثيرا.
تلبدت عينيها البنية بمشاعر كثيفة ولكن اخفتها على الفور وقالت ببرود:
لا شوفت الفيلم ده وانا بحبه فقولت اشوفه وبعدين انام.
مط شفتيه وجلس بجوارها على الأريكة وقال:
وأنا كمان بحب الفيلم ده. من افلامي المفضلة.
الفيلم ده كريتيف اووي.
نظرت إليه بضيـ ق مخفي.
كان ضيـ قها من دقات قلبها التي تسارعت بوجوده.
لا يجب أن تكون ضعـ يفة أمامه لتلك الدرجة.
هي تكر ه ضعفها.
كم تريد أن تنتزع قلبها الذي يحبه وتد.ميه.
تحـ طمه لانه أحب ما ليس له.
لطالما شعرت بالذ نب لأنها أرادت زوج شقيقتها.
ابتعدت كثيرا. سافرت. خُطبت مرتين ولكنه رفض أن يغادر عقلها وكأنها تُعا قب لأنها تركت قلبها يتحكم بها.
لأنها سمحت لعينيها بالإبحار في تفاصيل وجهه الرائعة.
ها هي تدفع ثمن لحظة لم تغض بها نظره.
نهضت فجأة وهي تقول بجمود:
تصبح على خير.
نظر إليها بدهشة وقال:
الفيلم لسه مخلصش.
جمال الفرجة على الافلام بتكون مع الشخص اللي بتتفرج معاه. وأنت كشخص قفلتني من الفيلم لما قعدت جمبي.
يالا تصبح على خير.
ثم تركته وذهبت لتشتـ عل عينيه بنير ان الغـ.ضب.
كيف تجرؤ على هذا. كيف تجرؤ!
ولجت إلى غرفتها وهي تستند على الباب بينما تضع كفها على قلبها.
لا تصدق انها تجرأت وقالت هذا له.
ولكنه يستحق.
لقد كـ سر قلبها مرارا ولن تسمح له أن يكـ سره مرة أخرى.
ستحافظ على قلبها. لن تدعه يتحـ طم.
تنهدت واتجهت إلى الفراش وتسطحت عليه وهي تغمض عينيها.
يجب أن تنام وترتاح قليلا.
ارتعشت بإثارة وهي تقف امام المرآة تنظر الى نفسها ووجنتيها مخضبة بحمرة الخجل.
الحماس يتصاعد داخلها وهي ترى نفسها ملتفة بتلك الغلالة السوداء القصيرة التي تبرز مفاتنها بشكل يدير العقل.
مع لون شعرها الجديد وهو اللون الأصفر.
بالطبع لم تنسى مساحيق التجميل البسيطة التي زينت وجهها الأبيض الدائري.
ابتسمت حتى بانت نواجزها الساحرة ثم ركضت نحو الصالة لتنظر الى الطاولة الرائعة التي حضرتها والتي كان يتوسطها كعكة بالشوكولاتة موضوع بها شمعة واحدة.
كان تلك ذكرى زواجهما الاولى ورغم بروده قررت أن تحاول أن تنفذ داخله.
أن تنقذ زواجها من الضيا ع.
أن تجعله يراها. يحبها.
تنفست بتوتر وهي ترى باب المنزل يفُتح ويطل هو بعينيه الزرقاء الحا دة.
أغلق الباب ووقف برهة ينظر إلى الطاولة وتعلو تقطيبة وجهه ثم قال:
فيه ايه بالضبط؟
فركت كفيها بتوتر وقالت:
هو انت مش فاكر النهاردة ايه؟
مش واخد بالي.
كسا الإحباط وجهها وقالت:
النهاردة عيد جوازنا يا جورج.
تنهد بتعب وقال:
بعتذر منك نسيت. أنتِ عارفة ضغط الشغل عن إذنك.
ثم بالفعل كاد أن يتجاوزها ويذهب لغرفة النوم إلا أنها امسكت كفه وقالت بأمل:
ايه مش هنحتفل سوا؟
انتِ بجد فاضية. يعني بعد اكتر من تمن ساعات وانا شغال وطالع عين اهلي في الشغل والمفروض اجي ارتاح وأنتِ عايزاني احتفل؟
يعني قادر تشتغل اكتر من تمن ساعات مع المرضى ومش قادر تقعد نص ساعة مع مراتك تحتفل معاها وتتكلم معاها شوية.
هو انا ايه في حياتك هوا.
احنا تقريبا مبنتكلمش عاملين زي الغر ب في البيت.
انت بتروح شغلك من الصبح وتيجي بالليل تقولي تعبا ن ومش عايز تبص في وش حتى.
ده حتى في يوم اجازتك بتقضيها برا مع اصحابك و…
بس اسكتي خلاص صدعتيني. هو ده اللي عندي. أنا مش هشتغل واقعد اطبطب عليكي كمان أنتِ مش عيلة.
أنا مش عارفة انت بتعاملني بالشكل ده ليه؟
أنا عملتلك ايه لده كله.
انت بتعامل كل الناس كويس الا أنا.
دايما بتتجاهلني وتكـ سر قلبي.
قولي أنا عملتلك ايه لده كله يا جورج.
قالتها والدموع تطفر من عينيها ليزفر بضيق ويقول:
انا تعبا ن. بقولك تعبا ن وعايز ارتاح.
هو مستوى ذكاءك مش قادر يوصل للنقطة دي.
أطرقت برأسها وهي تصرخ بكاءا.
يخربيت ابو نكـ دك.
قالها بغضب ثم ولج لغرفته.
لتمسح دموعها بقـ.هر وتلج خلفه للغرفة وتقول:
استنى عندك. مش كل يوم هتبكيني وتروح تنام وانا افضل احر ق في د مي للصبح.
أنا عايزة اعرف دلوقتي. هو انت متجوزني غصب عنك عشان تعاملني بالشكل ده.
رد عليا يا جورج انت متجوزني غصب عنك.
ايوة متجوزك غصب عني وانا عارف وأنتِ عارفة والكل عارف كده.
كتمت أنينها داخلها وهي تقول بصوت مرتعش:
محدش قالك تتقدملي ما دام.
ولكنه قاطعها وقال:
ومحدش قالك وافقي لما جيت اتقدملك وأنتِ عارفة أن في قلبي غيرك.
فزي ما انا غلطا.ن. أنتِ كمان غلطا نة فمتدعيش البراءة وخلينا نعيش كده من غير و جع دماغ.
أنا بحترمك وعمري ما هخو نك اطمني من الناحية دي بس متضغطيش عليا عشان الحب مش بالغصب يا ماريانا.
عن اذنك.
ثم وضع حقيبته على الطاولة وأخذ ملابسه من الخزانة وهو يتجه للحمام.
لتجلس هي على الفراش بإنهيار وتضع وجهها بين كفيها ثم تنفـ جر ببكاء مرير.
ولج جورج للحمام ووقف أما صنبور المياه وهو يغمض عينيه.
أنه عا جز عن التوقف عن الاشتياق لها. والتفكير بها.
رغم أن ضميره يجلد.ه بقسوة ويخبرها أنه يخو ن زوجته.
ولكن القلب يعارض. يخبره أنه لم يحاول التواصل معها من الأساس. بل حافظ دوما على وعوده لزوجته.
هو لم يفكر بخيا نتها يوماً.
ولكن هي لا تترك تفكيره وهذا يقتـ له.
يقتـ له أنه يشعر بالذ.نب. الغـ ضب واليأ س.
لماذا الأمر معقد لتلك الدرجة.
لماذا لم يتزوج من احبها بكل بساطة.
لقد تعرض للغد ر من قبل الجميع. الجميع حرفيا.
تنهد وهو يرفع رأسه تاركاً المياه تغرق وجهه وذكرى جميلة لهم اقتحـ مت عقله.
ذكرى لها جميلة كباقي ذكرياتهم سوا.
تلك الذكريات التي تسعده وتقتـ له في آن الوقت.
تذكره انه خـ.سر. خـ..سرها والآن يعاني.
وهو لا يعرف من يلوم بالضبط.
هل يلومها ام يلوم نفسه. ام اهله.
وهل يلوم ماريانا لانها دخلت حياته وهي تعرف ان قلبه ملك لآخرى.
لا يعرف من يلوم بالضبط.
أغمض عينيه وهو يغر زق بذكريات آخرى.
شكل الدنيا هتمطر.
قالتها سيلا مبتسمة وهي ترى شكل السماء بينما تحتضن ذراع جورج.
كانا قد خرج كليهما من كلية الطب حيث يدرسان.
ابتسم جورج بحب وهو يرى عينيها تتألقان.
أنه يحب توهج عينيها.
لديه القدره أن يظل يراقبها لسنوات دون أن يمل.
أنها مبهجة للنظر بشكل لا يصدق.
نظر جورج إلى السماء وابتسم قائلا:
صحيح. واضح أنها هتمطر جامد اووي. عشان كده يالا نلحق نركب مواصلات قبل ما نتبل.
مطت شفتيها وهي تقول بضيق:
أنت ليه شخص ممل كده. مين يكره المطر. أنا حابة نتمشى انا وانت في المطر. نفسي اعيش الأحساس ده.
ضحك جورج وقال:
المسلسلات الكوري لحست عقلك حرفيا.
يالا بقا متبقاش با رد خلينا نتمشى لحد البيت كده كده هو مش بعيد.
يالا يا حبيبي.
قالتها بغنج تعلم أنه يحبه.
تنهد وهو يقول:
ماشي يا آخر صبري.
ابتسمت بسعادة وهي تحضن ذراعه بقوة أكبر وتسير بجواره.
بدأ المطر يتساقط عليهما وعندما اشتد قال:
ايه رأيك نركب تاكسي. احنا كده هنتبل.
يا بني ما نتبل ده المطر يجنن.
قالتها بسعادة وهي تبتعد عنه ثم وقفت تحت المطر وهي ترفع وجهها للسماء وتدور وتقول:
المطر حلو اووي. اوووي يا جورج.
نظر الى وجهها مشدوهاً.
كانت اجمل ما راه في حياته كلها.
ابتسم لها واقترب منها وهو يتناول كفها بين يديه.
استطاع سماع دقات قلبه الصاخبة.
نظرت اليه وهي تبتسم بسعادة وقد التصقت خصلات شعرها النارية بجبينها فبدت كلوحة في غاية الروعة.
اتسعت ابتسامته وهو يشعر انه مسحور.
تلك الفاتنة سحرته. أسر ت قلبه.
سيلا تتجوزيني؟
توقفت عن الابتسام وهي تنظر إليه فاغرة فمها.
رمشت وهي تراه يبتسم لها بحب شديد.
فقالت بصدمة:
بتقول ايه؟
اللي سمعتيه يا حبيبتي. بقولك عايز أتجوزك. تتجوزيني يا سيلا. أنا اكتشفت اني بحبك اوووي. بحبك اكتر مما تتخيلي.
ابتسمت له من وسط دموعها وقالت وهي تهز رأسها:
طبعا موافقة. وانا كمان بحبك يا جورج.
قبل كفها وقال:
بكرة هفاتح بابا في الموضوع عشان اتقدملك.
خرج من شروده وهو يمسح وجهه بقهر.
الذكريات هي الجزء الاسو أ من كل قصة حب فا شلة.
الذكريات هي من تجـ لده الآن.
ذكريات حبها التي تخبره انه لم ولن يتوقف عن حبها يوماً.
خرج من الحمام واتجه لغرفته ليجدها نائمة.
تنهد براحة ونام بجوارها ولم يدرك أنها مستيقظة تكتم أنفاسها بشق الأنفس كي لا يتضح له انها تبكي.
ولجت الى المنزل وهي تتنهد أخيرا براحة بعد يوم طويل من العمل.
اليوم كان الجو حار بشكل لا يصدق.
لقد اقتـ حم الصيف البلدة بدون رحمة.
أخيراً رفعت نقابها وهي تبتسم فتظهر غمازتها الوحيدة على جانب وجنتها وتقول:
ماما دلال أنا جيت.
ثم اتجهت للصالة لتتجمد وهي ترى اعتماد جارتهم.
تلك المرة التي تكاد تجزم انها لم تحصل على عناق واحد منذ صغرها.
لديها لسان حا د اكثر من السـ كين.
ابتسمت رحيق ابتسامة صفراء وقالت:
اهلا بيكي يا ام على ازاي حضرتك؟
لوت اعتماد شفتيها وقالت:
وعلى ايه لابسة النقاب يا بنتي في الحر ده. انتِ مش حلوة يعني عشان تفتني الشباب.
سيبي النقاب للبنات الحلوة.
تجمدت مكانها وحا ربت كي لا تتصاعد الدموع بعينيها.
لقد اعتادت على لسانها السليط.
واعتادت ان تسمع والدتها اها نة السيدة اعتماد لها وتصمت.
نظرت رحيق الى دلال. تترجاها لكي تتدخل ولكن دلال تجاهلت توسلها تماما وقالت:
يالا غيري هدومك وجهزي الأكل عشان اخواتك زمانهم جايين.
أطرقت رأسها بيأس.
ماذا توقعت. هل توقعت ان تقف بجوارها.
هذا لن يحدث.
حاضر يا ماما دلال.
ثم ولجت مسرعة لغرفتها وهي تمسح الدموع التى انسكبت من عينيها.
تأ.لم قلب دلال وهي تنظر لأثرها.
لا تحب ان تعاملها بتلك الطريقة.
ولكنها ابدا لن تنسى انها ابنة ضر تها.
بدلت رحيق ملابسها بعباءة بيتية.
وسرحت شعرها ثم ربطته بكعكة ووضعت على شعرها حجاب كي لا يتساقط بالطعام ثم خرجت متجهة للمطبخ.
وقفت أمام الموقد وهي تبدأ في التجهيز بإعداد المكرونة.
دون ان تشعر وجدت الدموع تنساب من عينيها ثم بدأت تشهق بصوت خافت حتى غطت وجهها بكفيها وهي تبكي أخيرا.
تنهدت دلال ونظرت الى اعتماد بضيق وقالت:
تاني مرة متتكلميش مع رحيق بالطريقة دي. مش معنى اني بسكت اني موافقة على الوضع ده يا اعتماد.
دخلتي بيتي يبقى تحترمي اللي فيه.
نظرت إليها اعتماد بدهشة.
كانت حقا مصدومة منها.
كيف تدافع عنها.
لوت فمها وقالت:
بتدافعي على بنت ضر تك يا دلال؟
ايوة بدافع عنها يا اعتماد ولو سمحتي متغلطيش فيها تاني طالما انتِ في بيتي لاما هزعلك بجد.
كانت كلماتها حا دة وعينيها تشتعلان بالنيران.
كانت اعتماد مصدومة من ان دلال تدافع عن ابنة ضرتها.
لم تفعل هذا من قبل.
لم تدافع عنها بل كانت اعتماد تلقيها بالكلمات السا.مة وتراقب بإستمتاع صمت دلال وملامح الذ نب التي تكسو وجهها.
ولكن دلال قد تغيرت.
نهضت اعتماد بضيق وقالت:
انا ماشية.
ولم تنتظر رد دلال بل ذهبت في حال سبيلها.
بعد ان ذهبت تنهدت دلال وهي تغمض عينيها بتعب.
هي لا تنسى. مهما حاولت لا تنسى.
ولكن الشعور بالذ نب يمنعها ان تتمادى في اذ ية رحيق.
يكفي ما تحملته الفتاة منها منذ صغرها ورغم ذلك ظلت رحيق دوما تحسن إليها.
تعاملها كوالدتها.
آه ماذا تفعل بعقلها الذي يرفض ان ينسى ما فعله زوجها رحمة الله عليه.
كيف تنسى.
انتبهت عندما ولج أمجد للمنزل وهو يحمل حقيبة بلاستيكية ويقول:
ست الكل اخبارك.
ثم اتجه إليها وقبلها على رأسها وقال:
جيبت الايس كريم اللي بتحبيه. وجبت للكل كمان.
ابتسمت دلال له وقالت:
طيب شيلهم في الفريزر لحد ما رحيق تعمل الاكل.
هي رحيق برضه اللي هتعمل الاكل لوحدها يا امي اومال نوران فين يا امي.
اختك في الكلية يا أمجد فيه ايه.
زفر أمجد بضيق وقال:
مفيش حاجة يا أمي. عن اذنك.
ثم ولج للمطبخ وهو يبتسم ويقول:
رحيق. شوفي جيبتلك.
صمت فجأة وهو يراها تستدير بفزع وتمسح دموعها.
نظر إليها بصدمة وقال:
مين زعلك؟
هزت رأسها بسرعة وقالت:
مفيش حاجة يا أمجد. بس عينيا وجعاني.
نظر إليها حتى احمر وجهها وقال:
رحيق متكدبيش مين زعلك؟
ابتلعت ريقها بعسر وقالت:
محدش زعلني. عيني و جعاني بس.
أطرق برأسه وهو يقترب منها وقال:
الست اعتماد كانت هنا صح؟
لم ترد عليه بل انسابت الدموع من عينيها اكثر ليتنهد وهو يعانقها ويقول:
حقك عليا أنا يا رحيق. حقك عليا أنا.
بعد قليل.
خرج أمجد من المطبخ واتجه لغرفة والدته ودخل بعد ان اذنت له بالدخول.
عينيه العسلية كانت تتشبعان باللوم لوالدته وقال:
ماما لحد امتى هتسمعي اها نة الست اعتماد لأختي وتسكتي. ولا تحبي أنا اتكلم معاها.
تركت والدته الصور التي كانت تمسكها وقالت:
أنا نبهت عليها.
التنبيه مش كفاية دي واحدة لسانها سـ م هتفضل تضايق أختي.
وانا مش مستعد اسمع اها.نة لأختي واسكت المرة الجاية أنا اللي هتدخل.
نظرت اليه والدته بحدة وقالت:
أنا اتكلمت معاها خلاص يا أمجد.
أمي انتِ بتسكتي كتير على حق رحيق.
بتحاسبيها على حاجة هي معملتهاش. ملهاش ذ نب فيها.
بس خلاص اسكت.
قالتها بجر ح وقد بدأت الدموع تتجمع بعينيها ليكمل أمجد بأسف:
أمي انتِ أغلى حد في حياتي كلها. أنتِ جنتي وانا خايف عليكي.
رحيق يتيـ مة الأب والأم. وملهاش غيرك فمتجيش عليها لو سمحتي.
عن اذنك.
ثم تركها وغادر لتطرق برأسها وهي تجهش بالبكاء بينما ذكرى بعيدة تعصف بعقلها.
أنا وافقت انك تتجوز عليا وحطيت جز.مة في بوقي وانا بشوفك بتروح لوحدة غيري وكنت بموت وانا بتخيل انك بتقولها نفس الكلام اللي بتقولهولي.
استحملت وصبرت لكن متجيش كمان تحط الملح على الجرح وتطلب مني اربي بنت ضرتي يا حسني.
ده مستحيل اتقبله.
توسعت عينيه البنية بصدمة وقال:
سامعة نفسك بتقولي ايه؟
البنت أمها ماتت. صفية ماتت يا دلال. ورحيـق تبقى بنتي عايزاني اعمل ايه؟
ارميها في الشارع.
مسحت دموعها وقالت:
أكيد لا بس صفية ليها أهل وهما اولى ببنت بنتهم مش انا خالص.
بقولك رحيق بنتي. بنتي. وهتتربى مع اولادي امجد ونوران وده اخر كلام عندي يا دلال.
دي كلمتي اللي محدش هينزلها. حتى انتِ.
خرجت من شرودها والغضب يتصاعد بعينيها.
لن تنسى ابدا. لن تنسى أو تغفر.
في منزل الخالة نوال.
كان صوت القرآن يملأ المكان.
نساء متشحات بالسواد ظ..اليأس يملأ ملامحهم بسبب وفاة نوال تلك المرأة الرائعة.
وأكثرهم حزناً كانت مياس التي جلست في مكان بعيد نوعا ما.
تغطي وجهها بالكامل. لا تبكي. او تصرخ فقط شاردة.
لا تصدق ما هي فيه الآن.
تقول بداخلها ان هذا حلم سئ وسوف تستيقظ منه قريباً.
فجأة نهضت بتحفز وهي تراه يقترب منها.
كيف يجرؤ على الدخول هنا.
البقاء لله يا مياس.
قالها جلال الحسيني وهو يقترب من ابنة اخيه التي تغطي وجهها بنقاب اسود.
ما يظهر فقط عينيها وكم الحقد فيهما له.
كان الحقد موجه إليه.
حضرتك جاي ليه؟
قالتها بجمود ليرد:
جاي اعزيكي في خالتك.
متشكرين عزتني. اتفضل أمشي لو سمحت.
حاول ان يسيطر على نفسه. وتفهم ما تمر به والخطأ الجسيم الذي ارتكبه بحقها وقال:
مش جاي اعزيكي بس يا مياس.
أنتِ هترجعي معايا اسكندرية.
رواية اسرت قلبه الفصل الثاني 2 - بقلم سوليية نصار
اشتعلت النيران في عينيها الزرقاء ونظرت إليه، ثم قالت بنبرة جامدة عكس اشتعال عينيها:
- أفندم حضرتك بتقول إيه؟ أرجع مع مين؟ أنت مين أصلاً عشان أرجع معاك؟
- أنا عمك يا مياس.. يعني حالياً في مقام أبوكي.
- لو سمحت متجيبش سيرة أبويا على لسانك. أنت عمرك ما هتكون زي أبويا. وحضرتك يا عمي اللي زي أبويا كنت فين السنين دي كلها؟ خير. ليه افتكرتني دلوقتي؟ من بعد موت أبويا محدش شافك. أنا أصلاً نسيت إنك عمي.
نظر جلال الحسيني حوله وهو يرى نظرات السيدات الفضولية وقال بهدوء يُحسد عليه:
- مش هينفع نتكلم بالطريقة دي يا مياس. بكرة بعد ما ينفض العزا هنتكلم. هنتكلم لمدة طويلة.
ثم اقترب وقبّل رأسها وقال:
- شدي حيلك.
ارتعشت وهو يقترب منها بتلك الطريقة. بسبب موت والديها المبكر لم تشعر من زمن بحنان الأب والأم، رغم أن خالتها حاولت كثيراً. ولكن مع اقتراب جلال الحسيني منها شعرت بنوع من الحماية، وكأنها ليست وحيدة. هل يا ترى لو كان معها يحميها، لم يكن ليتشوه وجهها؟ لن يجرؤ أحد على الاقتراب منها. فكرت بأسى والدموع تتجمع في عينيها.
ما أن ذهب، جلست على الأريكة ودموعها تتساقط. إنها غاضبة، حزينة، ترغب في حرق العالم كله. بداخلها غضب لا تعلم أين توجهه.
اقتربت منها إحدى السيدات، وهي أم مروان جارهم، وقالت وهي تربت على كتفها:
- كل حاجة هتتحل يا بنتي. كل حاجة هتتحل متقلقيش.
هزت مياس رأسها وهي تنظر للأمام، عينيها لا تتوقفان عن ذرف الدموع. تبكي خسارتها. لقد خسرت الكثير في حياتها، والديها، خالتها، وجمالها، وحب حياتها. عمر، الذي ظنت أنه سيكون معها في الحزن والسعادة، هو أول من تخلى عنها. جزء منها لم يرغب في لومه، ولكن قلبها يحقد عليه بشدة. يتمنى أن يندم على فعلته ويأتي راكعاً لها يطلب الغفران، ولكنها لن تغفر.
كثير من الليالي تسطحت على فراشها وهي تتخيله يأتي إليها نادماً، الدموع في عينيها يتوسل لها أن تعود إليه، وهي من ترفض. نزلت تحلم وتحلم أن يعود إليها نادماً، ولكن تمر الأيام وهو لا يعود. حتى أنها عرفت أنه خطب فتاة أخرى وينوي الزواج منها، وهذا حطمها. عرفت منذ شهر تقريباً، ووقتها انهارت بطريقة سيئة لدرجة أن خالتها، رغم مرضها الشديد، خافت عليها وتم نقلها للمشفى في ذلك اليوم. حقاً لولا خالتها لم تكن لتتجاوز تلك المحنة، لكانت ماتت منذ زمن. وعند التفكير في تلك النقطة، انهارت بالبكاء.
- مياس يا بنتي!
قالتها أم مروان بصدمة وهي تراها تنفجر بالبكاء بتلك الطريقة. لقد كانت هادئة بشكل مخيف عند موت خالتها، لم تفعل سوى أن دموعها كانت تجري بصمت على وجنتها. ولكن الآن، انهيارها الغريب هذا جعل السيدة المسنة تشفق عليها.
ضمتها أم مروان وهي تقول:
- اهدي يا بنتي، ربنا يريح قلبك.
ولكن مياس استمرت في البكاء بهذا العنف.
بعد ساعات…
كانت تتسطح على فراشها، ما زالت مرتدية للنقاب، تشهق بخفوت، بينما السيدة أم مروان معها تربت عليها بإشفاق وتقول:
- يا بنتي وحدي الله، وجعتي قلبك والله. ربنا يريح قلبك يا بنتي. ربنا يريح قلبك يا رب. قومي يا بنتي واخلعي النقاب، واغسلي وشك عشان تأكلي.
- معلش يا طنط، بس أنا حابة أفضل لوحدي. مش عايزة آكل ولا أعمل أي حاجة. معلش يا أم مروان أبوس إيديكي، سيبيني دلوقتي.
تنهدت منال بحزن وقالت:
- زي ما تحبي يا بنتي. بس بالله عليكي لو احتاجتي أي حاجة تعالي خبطي على بابي. الجار للجار يا بنتي، وأنا معاكي في أي وقت، إن شاء الله تخبطي عليا اتنين بالليل.
هزت مياس رأسها وقالت بصوت مختنق:
- أكيد يا طنط. أكيد.
ثم نهضت منال بعد أن ربتت على كتفها وقالت:
- ربنا يريح قلبك يا بنتي.
ثم غادرت وتركتها.
أغمضت مياس عينيها وأخذت تبكي بصوت مرتفع.
بعد قليل…
نهضت مياس وهي مترنحة، أبعدت عنها النقاب ونظرت بكره لانعكاس وجهها على المرآة وصرخت:
- أنتِ ليه عايشة لحد دلوقتي؟ وعايشة لمين؟ انطقي، عايشة لمين! شوفي شكلك، الكل مشي. أنتِ ملكيش حد. ملكيش أي حد.
ثم صرخت وهي تقع على الأرض وتغطي وجهها بكفيها.
- ليتها تموت! ليتها فقط تموت!
- أنتِ اتجننتي يا أما؟ عايزاني أتزوج واحدة مشوهة؟
قالها مروان بصدمة لوالدته بينما يضع الطعام بفمه ويلوكه.
ضربته منال على كتفه وزعقت به:
- بس يا مروان، والله أزعل منك لو قلت كده وأقاطعك كمان.
- هو أنا بكذب يعني؟ ما هي فعلاً مشوهة يا أما. وخطيبها سابها عشان كده. أقوم أنا ألبس فيها؟
- يا واد، مش كنت هتموت عليها وبتقول مستعد أعمل أي حاجة عشان توافق عليا؟
- أيوه كلامك صح، بس لما كانت مياس جميلة. كنت هموت عليها. دلوقتي لما جمالها راح، أعمل إيه بيها يا أمي. بعدين أنا أبص في وشها إزاي يعني؟
نظرت إليه والدته بصدمة وقالت:
- مش معقول يكون ده تفكيرك يا مروان.
- يا ست الكل، ده تفكير كل الرجالة. محدش هيقبل بيها. أومال عايزها تعفني إزاي؟ وأنا هتجوز عشان أعف نفسي ومأقعش في الغلط. لكن لو اتجوزتها، هأقع في الغلط كل يوم.
هزت منال رأسها بيأس وهي تشعر بالحزن على تلك المسكينة. لا تصدق أن ابنها يتكلم عنها بتلك الطريقة. تنهدت بحزن وبدأت تتناول طعامها بكل هدوء. لقد تمنت أن يتزوج ابنها من مياس ويرحمها من حديث الناس، ولكن مروان قد خذلها. ولكن هل يمكن أن تلومه؟ تلك هي حياته الخاصة، وهي لا يمكن أن تجبره على شيء. تلك المسكينة مياس، لقد أصبحت وحيدة تماماً. كم أملت أن يتزوجها ابنها لكي تبقى معها، هي ووقتها سوف تعاملها كابنتها ولن تحزنها أبداً.
وصل أخيراً لغرفته بالفندق الذي يسكن به حتى تعود معه مياس. لقد قرر أنها سوف تعود معه. حتى أنه سوف يعطيها نصيبها ورث والدها الذي رفض أن يأخذه. سوف يرد الأمانة لأصحابها، وسوف يبقى معها حتى تستعيد توازنها. سوف يكون الأب والحامي لها، لن يتخلى عنها أبداً، ولم يسمح لها أن تبتعد عنه.
جلس على الأريكة بتعب وهو يفكر بطريقة ليصلح بها الوضع بينهم. هو يريد أن يكون أمانها، يريد أن يعوضها عن كل ما رأته وعاشته. هو أبداً لم يتخلى عن مسؤوليتها. صحيح حدث تقصير منه، ولكنه كان دوماً يسأل عنها، حتى أنه سأل العديد من الأطباء عن حالتها. تمنى أن تعود كالسابق، تمنى أن تعود سعيدة.
أغمض عينيه بتعب وهو يفكر أنها يجب أن تعود معه لكي يهتم بها جيداً. سيفعل المستحيل كي يعوضها عن عائلتها. هو وسيف سوف يكونون عائلتها الجديدة، ولن يسمح لها أن تغلق على نفسها وتبتعد عنهما.
في اليوم التالي…
أتت الأهل للمباركة للعروسين. جلست سما بجوار أمير وهي تصطنع السعادة بجوار من تحبه. كانت تبتسم حتى ألـمها وجهها. لم ترد أن يشعر أحد أنها تعاني في هذا الزواج. أحضرت معها والدتها عمر، الذي أصرت أن يبيت معها بضعة أيام، تاركة الراحة للعروسين. كانت والدتها تتمنى أن تستقر ابنتها سما مع أمير، فسما قد تجاوزت الثلاثين من عمرها، وكانت ترفض كل من يتقدم لها. وعندما خطبت، تركت خطيبها بدون سبب. لن تنكر معرفتها بمشاعر سما لأمير، لقد عرفت بطريقة ما، رغم محاولات سما لإخفاء تلك المشاعر. عرفتها من عيونها الحزينة، تجنبها الغريب لأمير، كانت لا تكون في مكان هو به، بقدر الإمكان كانت تبتعد عن أي مناسبة تجمعها به. لم يفهم الجميع ما بها إلا هي، هي من كانت تفهم ابنتها جيداً.
ابتسمت سما وهي تقول:
- عمر وحشتني.
ليندفع عمر إلى أحضان خالته، فتضمه إليها وهي تبتسم بحب. فوجه الاستفادة من هذا الزواج التعيس هو عمر، عمر الذي ستحبه وتجعله ابنها، ولن تلتفت لأمير أو تهتم به. نظرت إليه بطرف عينيها لتجده جالساً براحة يتضاحك مع أهلها، وكأنه لم يحطم قلب ابنتهما بليلة زفافها. ولكنها لن تجعله يسلب سلامها النفسي. سوف تتجاهله تماماً وتهتم بعمر. عمر الوحيد الذي يستحق رعايتها الآن، وهذا هو ما ستفعله. لن تدعه يعكر مزاجها ولا حياتها، وسوف توجه كامل تركيزها إلى عمر. هكذا أقنعت نفسها. ستتجاهله كلياً كأنه غير موجود، وكأن قلبها لا ينبض له عشقا ولا تتمناه حبيباً.
بعد ساعة…
غادر أهلها تاركين معها عمر بسبب إصرارها الشديد، فهي لا تريد المكوث معه بمفردها.
بعد ذهابهم…
أمسكت سما كف عمر ثم ذهبت به إلى الغرفة كي تبدل له ملابسه. ذهب أمير خلفهم ليجدها تبدل له ملابسه برفق وهي تتضاحك معه وتلاعبه. كان ابنه يضحك بقوة. كانت السعادة تشع من وجهه. لم يرى ابنه سعيداً لتلك الدرجة من قبل. فبعد وفاة مريم، شعر أن عمر، هذا الملاك، ينطفئ. سما فقط من كانت تخرجه من حالته تلك، ولعل هذا السبب الذي جعله يتقبل أن يتزوج منها رغم اعتراض والدته بشدة. ولكن سما الوحيدة بعد مريم التي سوف يكون مطمئناً وعمر معها. تلك ثقة عظيمة لا يمكن أن يعطيها لأي أحد، إلا هي.
خرجت سما وهي تمسك كف عمر وتجاوزته تماماً وكأنه غير موجود. عبس بشدة وذهب خلفها، لتجدها تكلمه بحب وتقول:
- إيه رأيك نعمل كاب كيك أنا وأنت؟
- موافق يا خالتو.
قالها بسعادة، لتمسك هي كفه وتذهب به إلى المطبخ، متجاهلة تماماً أمير. عبس بشدة وهو يفكر، هي ماذا تحاول أن تفعل؟ هل تنتقم منه لما قاله بيوم زفافهما؟ ولكنها أخذت حقها جيداً، فهي منذ تلك اللحظة وهي تتجاهله بشكل يثير أعصابه. هو يكره التجاهل، يمقتـه.
أراد الذهاب خلفهما، ولكن توقف في آخر لحظة. ماذا ستقول لو رأته يشاهدها بتلك الطريقة؟ هي قررت تجاهله، وهو أيضاً سوف يتجاهلها. هم الاثنان هنا من أجل عمر فقط، فقط يجب أن يتذكر هذا. هز أمير رأسه ثم قرر الدخول لغرفته ليأخذ بعض الملابس. قرر أن يستحم ثم يخرج قليلاً، يريد أن يصفي عقله ويرتب حياته من جديد. لقد تبعثرت قليلاً منذ دخول تلك المرأة لحياته.
دخل الغرفة واتجه إلى الخزانة، وأثناء بحثه فيها، وقع شيئاً ما. عقد حاجبيه وهو ينظر للأرض ليجد دفتراً وردياً ملفتاً للنظر. حمله، لتقع منه صورة. أمسك الصورة واتسعت عيناه بقوة وهو يجدها صورته. فتح الدفتر، والذي لم يكن إلا مذكرات سما، وما وجده جعله يبهت تماماً.
فجأة انتزع أحدهما منه الدفتر. نظر ليجدها سما تنظر إليه بغضب، ثم صرخت به بإنفعال:
- أنت إزاي تتجرأ تفتش في حاجاتي من غير إذن؟ إيه التصرف الهمجي ده؟ مهما كنت مش من حقك تقرأ مذكراتي ولا تبص فيها حتى. عادي بالنسبالك تقرأ أسرار غيرك؟
اقترب منها وهو يقول بغضب:
- إيه الهبل اللي مكتوب في الدفتر ده؟
- ميخصكش.
قالت ببرود، ولكنها لم تستطع منع تلك الرجفة التي ظهرت في صوتها، والتي عبرت بوضوح عن توترها الشديد.
أخذ منها دفتر مذكراتها صارخاً:
- إزاي ميخصنيش والكلام كله عني أنا؟ حبك ليا وإيه اللي حصلك لما اخترت أختك؟ صح ولا غلط؟
- قلت لك ميخصكش.
صرخت به وكادت أن تنهار من شدة الضغط.
- أنا قلت لك متحطيش أمل صح، لأني مش هحبك، ده مستحيل. أنا مش شايفك أصلاً ولا حاسس بيكي، بس أنتِ مصرة تعذبي نفسك.
قالها أمير بإنفعال، بينما يمسك دفتر مذكراتها. لتقترب هي منه وتأخذ منه دفترها وتصرخ به قائلة:
- إيه الجنان اللي بتقوله ده؟ اللي قريته في دفتر مذكراتي اللي مفروض متقرأوش. الكلام ده أنا كتبته من زمان، من قبل ما تتجوز أختي. لكن بعد ما اتجوزتها، أنت بقيت زي أخويا وشيلتك من دماغي.
- يا شيخة، وإيه اللي خلاكي تسافري إسكندرية وتقعدي عند خالتك بعد جوازنا؟ إيه اللي خلاكي تتجنبيني في كل مرة آجي عندكوا لما رجعتي من عند خالتك؟ حتى الاحتفالات العائلية لما بكون موجود، أنتِ كنتِ بتغيبي عنها. ممكن أعرف ده ليه؟ وكمان خطوبتك وفسخ خطوبتك فجأة!
قالها ساخراً، لتضحك سما وتقول:
- أنت أكتر شخص نرجسي قابلته في حياتي. فاكر إن الكون بيدور حواليك وبس؟ فاكر إني سافرت عشان أنساك؟ فاكر إنه كنت مبكونش في التجمعات العائلية بسببك؟ أو إني اتخطبت أو فسخت بسببك؟ فوق يا أمير. أنا صحيح كان في مشاعر جوايا، بس المشاعر دي انتهت. وأنا اتجوزتك بس عشان خاطر عمر. وإن كان على الدفتر اللي مزعلك ده، فأنا هحرقه زي ما مشاعري ليك ماتت من زمان. هحرقه عشان ترتاح وتعرف إنك دلوقتي مجرد جوز أختي وأبو عمر. عمر اللي هربيه إكراماً لمريم. هكون الأم ليه، وياريت تحترم ده وتعاملك معايا يكون بحدود. أنت ليك عندي الأكل والشرب والاهتمام بإبنك، وأنا ليا عندك الحماية والنفقة والاحترام طبعاً وبس. علاقتنا واضحة وصريحة، متعقدهاش أكتر من كده ومتفكرش. لأني مشاعري كانت مشكلة خاصة بيا وانتهت. متوقفش عندها كتير. وصدقني دلوقتي هحرق الدفتر ده.
ثم تركته وغادرت.
- هاتي يا ستي البطاقة عشان أجيب لك عيش. الواحد ميعرفش ينام في البيت ده أبداً؟
قالتها جيلان وهي تمشط شعرها بسرعة. ثم اتجهت إلى طاولة الزينة الصغيرة ووضعت الماسكارا وملمع الشفاه.
- يا بت، أنتِ رايحة تتخطبي عشان تحطي البتاع ده على وشك؟ ده أنتِ رايحة الفرن. ابن عمك لو شافك هيبهدلك يا جيلان.
نظرت جيلان إلى والدتها ببرود وقالت:
- أنا مبخافش منه يا أمي. يعمل ما بداله. هو مش أبويا.
- هتموتيني ناقصة عمر أنتِ. يا بت ابن عمك ده اللي وقف جنبنا بعد موت أبوكي. متبقيش جاحدة كده.
زفرت جيلان بضيق ثم أمسكت الحجاب ولفته بطريقتها المعتادة، حيث أنها بينت خصلات من شعرها عسلي اللون. نظرت إلى والدتها بعينيها العسلية المتسعة وابتسمت وهي تقول:
- هاتي يا ستي أجيب لك عيش. يالا سلام.
ثم ارتدت حذائها ذو الكعب المرتفع وخرجت. كانت حقاً متأنقة بعباءة سوداء أنيقة وحجاب ينسل من تحته خصلات شعرها. ملمع الشفاه كان يلائم جداً بشرتها البيضاء.
- جيلان!
جمدها صوته مكانه. ابتلعت ريقها وهي تنظر وتجد أمجد أمامها. ضمت شفتيها كي لا يرى ملمع الشفاه. كان قلبها يخفق بقوة داخل صدرها. صوته القوي عصف بها بقوة. وقفت ترتعش بقوة وازدردت ريقها بتوتر.
اقترب أمجد وعينيه العسلية تنظران إليها بضيق وقال:
- إيه اللي أنتِ عاملاه في نفسك ده يا جيلان؟ إيه اللبس ده وإيه اللي حطاه على وشك ده؟
ضمت كفيها وهي تشعر بالتوتر، ولكنها تغلبت على توترها لبرهة وقالت بإندفاع:
- وأنت مالك أنت؟
- روحي غيري هدومك وشيلي اللي على وشك ده يا جيلان.
قالها أمجد بنبرة غاضبة، لترد بسرعة بإنفعال:
- وأنت مالك؟ هو أنت ولي أمري يا شيخ أمجد؟ أنت بس ابن عمي مش أبويا ولا أخويا.
- بس يا بت عيب!
أنبتها شربات والدتها بغضب، ولكن جيلان لم تتراجع. كانت النيران تندلع من عينيها البنية. هي تكره تسلطه هذا. صحيح أنه يخيفها، ولكنها لن تجعله يتحكم بها، فهو ليس والدها، خاصة وهو يعاملها بتلك الطريقة ولا يشعر بها.
- عن إذنك عشان عايزة أروح أجيب عيش وأنت معطلني.
وكادت بالفعل أن تتجاوزه، إلا أنه وقف بوجهه وسحب البطاقة من كفها وقال موجهاً حديثه لشربات:
- أنا اللي هجيب لك العيش يا مرات عمي. مادام مش ناوية تغيري هدومها ولا تشيلي اللي على وشها، مش هتخرج من باب البيت ده. يالا ادخلي جوه.
ظلت تنظر إليه بغضب، ليزعق بها:
- قلت لك ادخلي يالا!
ارتعش جسدها ثم تراجعت وركضت لغرفتها وهي تبكي.
نظر إلى أثرها بضيق، لتقترب منه زوجة عمه وتقول:
- حقك عليا أنا يا أمجد. جيلان لسه صغيرة ومهورة، متزعلش.
- مش زعلان يا مرات عمي. جيلان زي نوران ورحيق. هي أختي برضه وواجب أوجهها، ومهما قالت هستحمل.
كانت جيلان قد خرجت من غرفتها وسمعته وهو يقول هذا. احمر وجهها الأبيض من الانفعال وأرادت الخروج والصراخ به، ولكنها مسحت دموعها وركضت مجدداً لغرفتها بطفولية، ثم جلست على الفراش وهي تمسح دموعها التي تنفجر من عينيها بغضب. إذا كان يعتبرها شقيقته، فلماذا هو متسلط معها؟ كيف يقول عنها هذا؟ وكيف يتجاهل مشاعرها نحوه؟
أغمضت عينيها بتعب وهي تتسطح على الفراش، بينما تضع كفها على قلبها النابض. إنها تحبه، تحبه. منذ سنوات، منذ أن وعيت على ذلك العالم، لم يدخل قلبها غيره. ولكن بسبب تدينه، كان تعامله معها بسيطاً. كان يتجنبها بقوة، وهذا كان يزعجها. لذلك دوماً تقصد أن تستفزه وتخرجه عن طوره، تتحداه وتخبره أن لا سلطة له عليها. ترغب بيأس أن يدرك أنها تحبه، ولكن هذا لا يحدث. هو لا يراها، لا يراها أبداً.
غصت بالبكاء مرة أخرى وهي تدفن وجهها بالفراش.
بعد منتصف الليل…
- حتى يوم الإجازة برضه رفضت تقعد معايا فيه وطلعت مع أصحابك. هو أنا حقي فين يا جورج؟ ليه أنا مش موجودة في حساباتك كده خالص؟
قالتها بعتاب وهي تراه يلج للمنزل بعد منتصف الليل تقريباً.
زفر بضيق وقال:
- بشتغل طول الأسبوع، وأهو يوم أخدته إجازة. خرّبت الدنيا يعني؟ ماريانا أبوس إيديكي أنا تعبان ومش ناقص. فعلياً مش ناقص.
- مش ناقص إيه؟ قول لي مش ناقص إيه؟ أعمل إيه أكتر من كده عشان أبسطك؟ عشان تشوفني؟
- متعمليش حاجة. ببساطة متعمليش أي حاجة. أنا مطلبتش منك تعملي يا ستي. خلينا كده. أنا متجوزك وعمري ما هخونك. أنتِ عارفة، ولو حابة فتشي الموبايل براحتك، راقبيني لو تحبي.
- أنت ليه بتتعامل معايا كده؟
قالتها بصدمة، ليرد بملل:
- بتعامل إزاي يعني؟
- كأنك بتعاقبني يا جورج. بتحاسبني. أنت بتحاسبني ليه؟ وأصلاً أنت بتحاسبني على إيه؟ بتحاسبني إني حبيتك؟ بتعاقبني يعني!
صرخت به ماريانا بعنف وقد تجمعت الدموع في عينيها السوداء. نظر إليها بجمود رغم اشتعال عينيه وقال بهسيس غاضب:
- عايز أنام. مش كل يوم نفس الحوار. أنتِ مبتمليش؟
- لا مش هتنام يا جورج. قول لي دلوقتي بتعاقبني عشان حبيتك؟ عشان وافقت بيك وأنا عارفة إن في قلبك واحدة تاني؟ طيب ما أنت كمان جيت طلبتني وأنت في قلبك واحدة تانية. ليه أنا بس اللي أتعاقب؟ ليه أنت كمان متتعاقبش؟
ابتسم بحزن وقال:
- بالعكس، أنا بتعاقب أكتر منك. عشان بعيش حياة أنا مش عايزها.
وكلمته تلك أصابتها بمقتل.
- أنا عايزة أروح أقعد مع ماما شوية. مش عايزة أقعد معاك حالياً. ممكن؟
في مكان ما…
كان يجلس على الأرض وهو يمسك صورتها وابتسامة واسعة تشمل وجهه.
- بحبك يا مياس. بحبك أووي.
ثم قبل الصورة ببطء وقال:
- صحيح مش هتسامحيني على اللي عملته فيكي، بس عملت كده عشان بحبك. عشان أبعد عمر عنك كان لازم أسرق جمالك. عشان أفهمك إنه مبصش على روحك الجميلة. شاف شكلك بس. عشان كده قررت آخد جمالك عشان تعرفي إن أنا اللي بحب روحك مش هو أبداً يا حبيبتي. وقريب هتكوني ليا. ليا أنا وبس يا مياس.
رواية اسرت قلبه الفصل الثالث 3 - بقلم سوليية نصار
يا بنتي إيه اللي حصل بس بينك وبين جورج؟ جه جابك هنا من الصبح وبعدين مشي. قوليلى إيه اللي حصل بينكم؟
قالتها مريم بحيرة، لتحاول ماريانا السيطرة على دموعها وتقول ببهوت:
مفيش حاجة يا ماما، وحشتيني وقولت أقعد معاكي بس كام يوم. ولا أنتِ مش عايزاني ولا إيه؟
لا طبعًا يا حبيبتي، تنوري في أي وقت. بس يا بنتي قلبي مش مطمن لجيتك المرة دي. قلبي بيقولي إن فيه مشكلة بينك وبين جوزك.. مش كده؟
وأنا إحساسي ما يكذبش يا ماريانا.. قوليلي يا بنتي فيه إيه.. ريحي قلبي الله يريح قلبك. أنا خايفة تكون المشكلة كبيرة.
نهضت ماريانا بعصبية وقد طفرت الدموع التي حبستها طويلًا وقالت:
يوووه يا أمي ما قولتلك مفيش أي حاجة. ليه مصممة تضايقيني؟ خلاص لو فيه حاجة هقولك، متبقيش كده مصممة تعرفي عن اللي ميخصكيش!
بهتت مريم وهي تنظر إلى أسلوب ابنتها الغريب وقالت:
مالك يا بنتي.. ليه بتعامليني كده؟ كده يا ماريانا.. الله يسامحك يا بنتي وحقك عليا، مش هسأل عن حاجة متخصنيش تاني.
انهمرت الدموع من عينيها وهي تنظر إلى والدتها التي تجهم وجهها بقوة وظهر على عينيها الانكسار.
جلست ماريانا بجوار والدتها وأمسكت كفها وقبلته بقوة ثم قالت وهي تشهق بقوة:
سامحيني.. عشان خاطري سامحيني يا ماما.. أنا مضغوطة.. منهارة.. حاسة إن الدنيا كلها على دماغي.. حاسة إني حياتي بتنهار.. مش عارفة أعمل إيه.. كل حاجة بتضيع يا ماما.. بتضيع!
ضمتها والدتها بقوة وهي تقول بهلع:
مالك يا حبيبتي قوليلي بس مالك.. يمكن أعرف أساعدك.
ابتعدت ماريانا أخيرًا وهي تقول:
مبيحبنيش يا ماما.. مش شايفني أصلًا.. أنا حاسة إني مجرد ديكور في حياته.. مبيعدش معايا ومبيتكلمش.. أنا صفر على الشمال في حياته.. أنا مش موجودة.. مش موجودة.
طيب اهدي يا بنتي وقوليلي إيه اللي حصل؟
قالتها مريم بخوف على ابنتها وهي تمسح دموعها.
ابتلعت ماريانا ريقها وقالت:
لسه بيحب حبيبته القديمة يا ماما.. رافض يقرب مني.. نادرًا ما بيديني حقوقي.. علطول سرحان ومعظم الوقت مش في البيت.. حتى في الفترات الأخيرة بقى ميجيش البيت إلا على النوم.. حتى في إجازته مبيعدش معايا بيروح يقعد مع أصحابه وسايبني.. أنا عايشة لوحدي يا ماما.. ده يرضي مين بس.
تنهدت مريم بحزن على حال ابنتها وضمتها بلطف وهي تقول:
طيب اهدي.. اهدي.. متعيطيش يا بنتي.. متحرقش قلبي عليكي.. كل مشكلة وليها حل.
مشكلتي ملهاش حل يا ماما.. أنا جوزي مش شايفني أصلًا.. جوزي قلبه مع واحدة تانية.
أبعدتها مريم بلطف ومسحت دموعها وهي تقول:
بس يا بت بلاش هبل.. قلبه هيبقى معاكي.. لازم يبقى معاكي.. اكسبى قلب جوزك وبطلي هبل وعياط.. مش هيفيدك.
اكسب قلبه إزاي.. أنا حاولت يا ماما حاولت.
يمكن محاولتيش صح.. يا بنتي الرجالة دول سهل تكسبيهم.. حبيبتك القديمة خلاص اختفت من حياته وأنتِ اللي موجودة.. ومستحيل يجمعهم أي حاجة.. أنتِ بس اللي في حياته فمتتنازليش عن مكانك ده لأي واحدة.. فاهمة ولا لأ!
طيب أعمل إيه؟
تفكري بعقلك يا حبيبتي.. أديله اهتمام مرة.. وأهمل مرة.. طنشيه شوية واهتمي بيه شوية.. خليه ينشغل بيكي علطول.. حاولي كده تتجاهليه شوية وشوفي إيه اللي هيحصل.
يعني دلوقتي أفضل هنا ومتصلش بيه لحد ما يجي ويعتذر؟
لا طبعًا يا حبيبتي.. أنتِ تتصلي بيه وتصالحيه وترجعي معاه زي الأول وأحسن كمان.. بس فجأة تسحبي اهتمامك ده وتفضلي تهتمي وتهملي لحد ما يتجنن.. فهمتيني؟ يالا اتصلي بيه وقوليلو يعدي عليكي في الشغل النهاردة وياخدك على البيت وبلاش هبل تاني ماشي.
هزت هي رأسها وهي تمسح دموعها.
بعد قليل.
ولجت لغرفتها وهي تمسك الهاتف بينما كفها يرتعشان بشدة. عضت شفتيها وهي تفكر جدياً ألا تتصل به. فكرت في كرامتها للحظات.. كيف أنه أهدرها أكثر من مرة.. كيف تتصل هي به.. يجب أن يتصل هو.
هكذا فكرت للحظات بتمرد ولكنها تذكرت كلمات والدتها.. لن تجعل أي امرأة تحتل مكانها.. ستكون هي الأولى بحياته.. ولن تسمح لأحد أن يسلبها حب حياتها.
أغمضت عينيها وهي تبتسم وترسم ملامحه داخل مخيلتها.. إنه كل ما تريده في تلك الحياة.. لا تريد غيره. لتتنازل قليلاً عسى أن تحصل على قلبه.
فتحت عينيها وهي تقرر الاتصال به.
في عيادة جورج.
كان يجلس في مكتبه وهو يخرج تلك الصورة التي يحتفظ بها.. صورة خطبته هو وسيلا. تأمل ابتسامته.. وتذكر كم كان سعيدًا معها.. عكس حالته الآن.
فجأة أضاء هاتفه معلنًا عن وصول اتصال من زوجته. عينيه الزرقاء أصبحت كقطعة من الجليد وهو ينظر للاسم وأمسك الهاتف ثم فتحه وقال:
نعم.
ارتعشت ابتسامة على شفتيها وقالت:
ابقى تعالى خدني النهاردة من الكوافير بعد الشغل.. ممكن يا حبيبي؟
انفصام ده ولا إيه؟ مش قولتي هتقعدي عند مامتك شوية؟
ابتسمت وقالت بدلع:
اصلك وحشتني.. أعمل إيه.. ابقى تعالى خدني.
زفر بضيق وقال:
حاضر.. هاجي اخدك.
أخوكي ده بارد ومستفز!
قالتها جيلان بضيق لنوران بينما تجلس بجوارها على فراشها.
ابتسمت نوران ببهوت لها وقالت:
بس أنتِ بتحبي البارد ده.
احمر وجه جيلان لتبتسم نوران بشقاوة رغم شحوب وجهها وتقول:
مش هتكسبي قلب أمجد لما تعانديه.. بالعكس هتلفتي انتباهه لما يحس إنك بدأتي تبقي شبهه.. مش هيبصلك وأنتِ لبسك مش على مزاجه.. صدقيني أنا عارفة نوع أخويا كويس.. ده كان عايز يلبسني الخمار وفضل أيام يقنع فيا.
يعني أعمل إيه عشان يشوفني؟
قالتها جيلان بلهفة لترد نوران ببساطة:
البسي اللبس اللي يعجبه.. الطويل والواسع.. اصدميه بعكس شخصيتك.. صدقيني وقتها هيبصلك.
نهضت من فراشها وهي تترنح بقوة. لم تأكل منذ يومين تقريبًا وتشعر أنها سوف تموت. السيدة أم مروان أحضرت لها الطعام وتوسلتها أن تأكل وهي وعدتها أنها سوف تأكل بالفعل. ولذلك هي نهضت الآن. عرفت أنها بحاجة للطعام. سوف تموت بتلك الطريقة. لطالما تمنت الموت ولكن الموت جوعًا بتلك الطريقة وهي بمفردها في المنزل لم تكن أبدًا فكرة جيدة.
أحضرت الطعام من المطبخ ووضعته على الطاولة ثم بدأت في الأكل بآلية. كانت الدموع تطفر من عينيها بينما هي تأكل. تتذكر خالتها العزيزة.. كيف عاملتها كأنها والدتها. تلك السيدة الجميلة التي وقفت بجوارها عندما ظنت أنها وحيدة.
أغمضت عينيها وهي تشهق وتبكي بينما تتذكر مواقف خالتها التي لا تقدر بثمن.
أغمضت عينيها وهي تشم الرائحة بإستمتاع وتقول:
آه.. عملتي الكشري صح؟ الله عليكي يا خالتي نوال.
قالتها ثم ركضت نحو الطاولة وابتسمت وهي تطبق الكشري الكبير يعلوه صوص الطماطم بالطريقة التي تحبه.
ريحته تجنن.. تسلم إيديكي.
ثم جلست لكي تأكل ولكن نوال قالت محذرة:
بت انتِ روحي اغسلي إيدك الأول وغيري هدومك.. الأكل مش هيطير.. أنا مرضتش أحط الأكل إلا لما عرفت إنك قربتي تيجي من الكلية.. ومتقلقيش مش هاكل إلا لما تيجي.. يالا بس الأول غيري هدومك.
نظرت إلى الطعام وبطنها تصدر أصوات دليل على جوعها وقالت:
بس يا خالتو أنا عايزة.
من غير بس.. غيري هدومك بسرعة وتعالي كلي براحتك.. مش هقولك حاجة.
ابتسمت مياس بشقاوة وعينيها الزرقاء تلمع وقالت للطعام:
بس بس ثانية واحدة وهتلاقيني نطالك يا جميل.
ضحكت نوال وقالت:
عوض عليا.. عوض الصابرين يا رب.
ثم اندفعت مياس نحو غرفتها وأخذت منامتها ثم ولجت للحمام. اغتسلت بسرعة ثم ارتدت منامتها البنية المريحة وخرجت وهي تدندن بسعادة.
جلست على الطاولة وبدأت في الأكل بلهفة وهي تغمض عينيها وتستمتع بالطعم اللذيذ:
الله يا خالتوا بجد يجنن.. أحلى كشري عملتيه في حياتك.
ضحكت نوال وهي تهز رأسها وتقول:
يا بت يا بكاشة.. ما أنا علطول بعمله بنفس الطريقة وأنتِ كل مرة تقوليلي الكلمتين دول يا نصابة.
ضحكت مياس وقالت:
الله يا خالتو بجبر بخاطرك.. غلطت أنا.. بس بجد تسلم إيديكي.. ما أظن حد بيعرف يعمل كشري زيك.. أنا نفسي أتعلم والله.
ما أنا قولتلك يا بت أنتِ اقفي جنبي في المطبخ واتعلمي.. ده أنتِ على وش جواز ولا عايزة عمر ياكل وشنا ويقول: "البت متعرفش تطبخ".
عبست وقالت:
على فكرة بعرف أطبخ يا خالتو.
يا ستي مش بقول لا.. بس اتعلمي أصناف تانية.. بدل الموبايل اللي لازقة فيه ليل نهاره بتكلمي عليه خطيبك.. تعالي اتعلمي مني حاجة.. عشان لما أموت بكرة تترحمي عليا وتقولي الله يرحمك يا خالتي علمتيني حاجة.
فجأة توقفت مياس عن الأكل وشحب وجهها ثم ترطبت عينيها بفعل الدموع.
عبست نوال وهي تقول:
فيه إيه يا بت.. مالك؟
لم ترد عليها مياس وبدأت الدموع تتساقط من عينيها.
فيه إيه يا مياس.. خوفتيني؟
قالتها خالتها بخوف لتشهق مياس بالبكاء.
نهضت نوال واقتربت منها وهي تقول:
مياس حبيبتي فيه إيه؟.. قوليلي حصل إيه.
عانقتها مياس بقوة وهي تقول بينما تبكي بعنف:
متقوليش كده يا خالتي.. متقوليش إنك هتموتي.. عشان خاطري.. أنا مش هقدر أعيش من غيرك.. أنتِ كل أهلي.. كفاية إن أهلي سابوني ومشيوا.. متمشيش أنتِ كمان.
أحرقت الدموع عيني نوال وقالت بصوت مختنق:
يا عبيطة أنا بهزر معاكي.. أنا مش هروح حتة.. أنا هطبخ على نفسك لحد ما تزهقي مني.
ضمتها مياس أكثر وقالت:
متقوليش كده تاني ممكن.. أوعديني متجيبيش سيرة الموت تاني.. عشان خاطري يا خالتو متوجعيش قلبي.
ربتت نوال على كتفها وقالت:
خلاص يا ستي وعد.. أنا مش هجيب سيرة الموت تاني.. يالا بقا كفاية دراما وكملي أكل.
خرجت من شرودها وهي تبكي بعنف. كانت تبكي بشدة. ما خافت منه قد حدث.. لقد عانت مجددًا من الخسارة. تذوقت ذلك الألم مجددًا. كما خسرت والديها من قبل.. ها هي خسرت خالتها.. آخر شخص اهتم بها. والآن الحقيقة المرة تواجهها.. هي على الطاولة بمفردها تجلس وتاكل بمفردها ووجهها غارق بدموعه. بينما روحها تحترق من الداخل. تمنت في تلك اللحظة أن تموت وترتاح كليًا من هذا الألم الذي يعصف بها. تمنت أن ترتاح.. ولكنها لا تموت. هي تنهض يوميًا لتواجه حقيقة أنها أصبحت وحيدة منبوذة. الجميع تركها.. أهلها ثم عمر ثم خالتها.. حتى جمالها غادرها. أصبحت منبوذة من الجميع.
أطرقت برأسها وهي تبكي أكثر وتأكل.
بعد قليل كانت قد انتهت كليًا من البكاء ومن الأكل. لقد أكلت كثيرًا.. كانت كأنها تنتقم من الطعام. أكلت أكثر من المعتاد.
توجهت إلى المطبخ وقامت بغسل كل الأواني لتعيدها للسيدة أم مروان.
قررت أن تفيق من غيبوبتها تلك لترى ماذا تفعل. بعد حادثها قررت التوقف عن الذهاب للجامعة. وموت خالتها كانت القشة التي قسمت ظهر البعير. ولكن الآن يجب أن تحقق حلم خالتها.. ستكمل دراستها وستعتمد على حالها. في حسابها مبلغ لا بأس به من المال سوف تستخدمه لإنشاء مشروع لها.
انتهت من غسل الأواني ثم رتبتهم على الصينية وارتدت ملابسها ونقابها وخرجت.
رن جرس المنزل ليفتح الباب ويظهر أمامها. تأملها بعينيه السوداء وقال:
أزيك يا آنسة مياس.
أهلاً بحضرتك. اومال طنط فين؟
مياس حبيبتي اتفضلي.
قالتها السيدة أم مروان وهي تقترب منها.
ابتسمت مياس بلطف من خلف نقابها وقالت:
شكراً ليكي يا طنط.. أنا بس مستعجلة.. اتفضلي الحاجة وكتر خيرك معايا.
يا حبيبتي طيب ادخلي واقعدي معايا شوية.
اتفضلي يا آنسة مياس.. أنا كده كده ماشي.
قالها مروان بنفاذ صبر لترد:
مرة تانية بإذن الله.
ثم استدارت لكي تذهب إلا أن مروان أوقفها ساخرًا وقال:
إيه مش عايزة تدخلي ليه؟ مكسوفة بعد ما رفضتك.
استدارت بحدة وهي تنظر إليه بصدمة وتقول:
أنت بتقول إيه؟
بس يا مروان اسكت!
صرخت والدته به ليقول بتشفي:
إيه يا آنسة مياس.. فاكراني مش عارف إنك أثرتي على أمي وقعدتي تدحلي عشان تخليني أتجوزك؟.. دلوقتي بعد ما خطيبك هرب وجمالك راح بدأتي تفكري فيا صح؟
مروان قولتلك اخرس!
تجمدت نظرات مياس ونقلت عينيها بين مروان ووالدته وقد فهمت ما يرمي عليه. بالطبع والدته بحسن نية عرضت عليه أن يتزوج مياس وهو ظن أنها من أقنعت والدته بهذا. صحيح أن والدته قالت هذا بحسن نية ولكنها لن تسمح لأحد أن يقلل من احترامها.
بدأت بالتكلم ببرود وقالت:
سيد مروان حضرتك غلطان.. أنا مطلبتش من والدتك أنها تكلمك عشان تتجوزني ولا عمري هعمل كده.. لو عايزة فعلاً أتجوزك كنت هقبل بيك في المرتين اللي اتقدمتلي فيهم.. بس أنا رفضتك في المرتين.. فليه دلوقتي أسعى أني أتزوجك.
ابتسم بشماتة وقال:
ده كان زمان قبل ما جمالك.
قاطعته قبل أن يكمل كلامه:
صدقني حتى لو جمالي راح رأيي فيك مش هيتغير يا أستاذ مروان.. وسواء زمان أو دلوقتي إمكانية أني اتجوزك مستحيل مليون في المية.. ولو حتى أنت اللي طلبت هقولك لأ.
لمعت عينيها وهي ترى الغضب الذي عصف بوجهه وابتسمت وهي تقول بنبرة متسلية:
عن إذنكم بقا.. ورايا شغل كتير.. هعدي عليكي شوية يا طنط وشكراً على كل حاجة.
ثم تركتهم وذهبت.
ولجت لمنزلها بسرعة وهي تشهق وتضع كفها على صدرها. أخرجت هاتفها ونظرت إلى الرقم الذي ظهر أمامها بتردد ثم ضغطت عليه وهي تضعه على أذنها وقالت:
أنا هاجي معاك إسكندرية!
وبنتك موافقتش على العريس ليه يا دلال؟ هي عبيطة؟
قالتها اعتماد وهي تلوي فمها ثم أكملت:
ده دكتورها في الجامعة يعني مركز ووضعه المالي ممتاز.. أكيد البت دي محسودة.
قالتها وهي تنظر بطرف عينيها إلى رحيق التي وضعت صينية العصير على الطاولة الزجاجية المستديرة.
نظرت رحيق إلى دلال وقالت:
عايزة حاجة تاني يا ماما؟
لا.. روحي أنتِ.
قالتها دلال بجمود لتبتسم اعتماد بخبث وتقول:
لازم تبخري بنتك يا دلال.. الناس بقت نفوسها وحشة.. أصل مش معقول واحدة في العشرين العرسان بيجروا وراها.. وواحدة قربت تكمل التلاتين ومحدش معبرها.
ترطبت عيني رحيق بالدموع ونظرت إلى اعتماد بقهر وقالت:
تقصدي إيه؟ أنا ببص لأختي يعني؟
والله يا حبيبتي اللي على رأسه بطحة يحسس عليها.. أنتِ أهو عنستي ومحدش عبرك.. واكيد لما المسكينة دي حد اتقدملها النار أكلتك من جوا و…
سيد اعتماد!
صرخة جعلتها تنتفض من مكانها لتنهض وتتسع عينيها بقوة وهي تجد أمجد يقف وينظر إليها بإستياء.
اقترب أكثر وقال:
مش من حقك تدخلي بيتنا وتغلطي في أختي.. لو هتيجي هنا تقعدي بأدبك واحترامك.. لو مش هتقدري أستأذنك تلزمي بيتك ومتجييش.. لأني مش هدخلك.
كده برضه يا دلال.. شايفة اللي بيعمله ابنك.
قالتها اعتماد بعتاب لصديقتها ولكن دلال كانت عاجزة عن الكلام. لقد تعدت اعتماد حدودها وهي لن تتدخل الآن.
دلال.
قالتها اعتماد بصدمة ليكمل أمجد ويقول:
ده آخر تحذير ليكي يا ست اعتماد.
رفعت رأسها بكبر ثم ذهبت مسرعة إلى باب المنزل وخرجت وهي تكتم دموعها!
كانت رحيق منزوية في ركن معين بالصالة وهي تبكي وصوت.
اقترب منها شقيقها ثم عانقها وقال:
حقك عليا أنا.. حقك عليا أنا.
في المساء.
خلاص يا نوران.. أنا اكتشفت إنك مبتحبنيش.. إحنا ننهي كل اللي بيننا ونبقى أخوات.. وربنا يسعدك مع اللي قلبك يختاره.
كانت تقرأ تلك الرسالة بهلع. ترددها مرة بعد أخرى. أمسكت الهاتف جيدًا والدموع أغشت عينيها فأصبحت الرؤية ضبابية. أرسلت له بسرعة رسالة تلو أخرى.. تستجديه ألا يتركها.. تخبره بحبها العظيم له.. تذكره بسنتين من الغرام.. كان لها كل شيء.
صوت تنبيه عن قدوم رسالة على تطبيق الواتس اب جعله ينتبه. أمسك هاتفه وابتسامة خبيثة ترتسم على ثغره. لقد توقع هذا.. أنها تستجديه لكي لا يتركها.
رنين جرس الهاتف جعل ابتسامته تتسع. رد على الهاتف وهو يتنهد بحزن مدعي وقال:
إيه يا نورا.
عادل.. أنت عايز تسيبني.. عايز تسيبني بجد؟
لمعت عينيه السوداء وقال:
الست اللي متثقش فيا متلزمنيش.. وأنتِ مش واثقة فيا يا نورا.. بعد كل اللي عملته معاكي.. يبقى خلاص كفاية وجع قلب لحد كده.
الموضوع مش موضوع ثقة!
اومال إيه يا نورا؟
حكت شعرها بعصبية وهي تقول:
اللي بتطلبه مني مستحيل.. إزاي عايزني أبعتلك صوري من غير.
أغمضت عينيها وهي لا تستطيع نطق الكلمة ليقول بقسوة:
ده اللي عندي يا نورا.. لو مش عايزة خلاص ننهي العلاقة دي.. ما كل أصحابي مرتبطين وبيعملوا كده.. إشمعنى أنتِ يعني؟ أنا أقولك أنهي علاقتك بيا واستني أخوكي أمجد لما يجيبلك عريس زيه يكرهك في حياتك ويخليكي متشوفيش الشارع. سلام.
ثم أغلق بوجهها.. لتسقط هاتفها على الفراش وتدفن وجهها بالوسادة وهي تبكي.
طرقة خفيفة على الباب لم تجعلها تنهض من مكانها. كانت رحيق تقف خلف الباب وقد سمعت بالصدفة بكاءها العنيف وقد قلقت عليها. ولكنها خافت أن تلج فتنفجر فيها غضبًا.
ابتلعت ريقها وفتحت الباب وهي تقول بصوت ضعيف:
نوران.
ولكن لا رد.
ولجت للغرفة واقتربت من نوران التي تبكي وربتت على كتفها وهي تقول بقلق:
نوران.. مالك؟
فجأة فزعت نوران ونهضت وهي تنظر إليها بصدمة وتصرخ بها:
إزاي تتجرأي تدخلي أوضتي؟
ارتبكت رحيق وقالت:
أنا لقيتك بتعيطي ف…
ملكيش دعوة.. سمعتي.. ملكيش دعوة بيا. متلعبيش دور الأخت الكبيرة. لا أنتِ أختي ولا بعترف بيكي أصلًا. أنتِ بت الست اللي سرقت أبويا من أمي.. أمك خطافة رجالة و…
نوران!
هدر أمجد وهو يلج للغرفة بعد أن سمع صوتها المرتفع. كان حقًا مصدومًا من سوء تصرف شقيقته.
أتت أيضًا دلال وهي ترى ما يحدث. كانت تلقي بنظرات اللوم إلى نوران بينما نظرت بشفقة مخفية إلى رحيق التي تكتم دموعها بشق الأنفس.
بتدخلي الأوضة من غير إذني وبتدخلي في خصوصياتي.. رغم إني قولتلها مليون مرة ملهاش دعوة بيا.. بس هي مبتفهمش.. مبتفهمش.. ياريت يا شيخة أي واحد أهبل يتجوزك ويغورِك من وشنا!
أنتِ واحدة…
هدر أمجد وكاد أن يقترب منها ولكن رحيق وقفت بوجهه وهي تقول:
أمجد.. نوران عندها حق.. أنا اللي غلطانة.. أنا اللي اتدخلت في شؤونها من الأول ومكانش لازم أعمل كده. أنا آسفة.
ثم خرجت مسرعة من الغرفة.
نظر أمجد إلى نوران بقسوة وقال:
لحد إمتى هتفضلوا تعاملوها كده؟ هي عملت إيه؟ حرام عليكم.. حرام عليكم!
ثم تركهم وغادر.
نظرت دلال إلى ابنتها بإستياء ثم غادرت الغرفة لتنفجر نوران بالبكاء مجددًا وهي تشعر وكأن أحدهم يعتصر قلبها بقوة.
زفر جورج بضيق وهو يتململ في سيارته بدون راحة بينما ينتظرها لتخرج من المركز التجميلي الخاص بها. وقد قرر ألا ينتظرها بعد الآن.. سيطلب من السائق يحضرها فهو ليس متفرغًا لسيادتها. هي بعد أن أرادت أن تمكث لدى والدتها اتصلت به وأخبرته أنها ستعود معه. أي نوع من الانفصام هي تعاني منه؟
فجأة توسعت عينيه بصدمة وهو يراها تخرج من المركز. كان كل شيء بها هو نفسه.. نفس القميص الزهري الذي ارتدته صباحًا عندما أخذها إلى والدتها ونفس البنطال الأبيض.. ولكن الذي تغير هو شعرها.. شعرها الذي تحول للون الأحمر!
أحمر وجهه بغضب وهو يضغط على مقود السيارة بعنف وأمكنه أن يسمع احتكاك أسنانه ببعضها.
تقدمت ماريانا من سيارته بإبتسامة واثقة وحيته بنعومة:
معلش يا حبيبي اتأخرت عليك.. وحشتك مش كده؟
ولكنه لم يرد عليها وهو ينظر أمامه.. وما أن ربطت حزام الأمان بها حتى انطلق بسرعة رهيبة.
توسعت عيني ماريانا السوداء وهي تنظر إليه. قالت بتوتر:
حبيبي فيه إيه؟
آخرسي!
قالها بقوة لتتراجع وقد خفق قلبها بخوف. نظرت من النافذة وهي تشعر بالدموع تلسع عينيها.. ترى ماذا فعلت هي؟
ما أن وصلا إلى المنزل جذبها من ذراعها ثم دفعها حتى اصطدمت بالحائط.
جورج.. فيه إيه خوفتني؟
إيه اللي عملتيه في شعرك ده؟
قالها بغلظة لتتسع عينيها بصدمة وترد ببلاهة:
أنت زعلان عشان صبغت شعري أحمر.. افتكرت إنك مش بيهمك الحاجات دي.. أنا علطول بصبغ شعري بألوان أغرب من كده.. إشمعنى المرة دي زعلت؟
هزها بعنف وصرخ:
ماريانا متستهبليش.. أنتِ عملتي كده عشان تفكريني بيها صح؟ تفكريني بسيلا!
انسابت دموعها وقالت بنبرة مختنقة:
والله العظيم أنا عمري ما أفكر التفكير ده.. وما عملتش كده عشان أفكرك بيها ولا حاجة.. أنا حبيت اللون عليا عشان كده عملته.
ابتعد عنها وقال ببرود:
وأنا مش مصدقك.. أنا عارف حركات البنات.. عايزة تبقي نسخة منها عشان أحبك.. وأنا قولتلك مية مرة.. اتقبلي الموضوع يا ماريانا.. أنا مش بحبك.. مش عافية هي.
ثم تركها متجهًا إلى غرفته فصرخت هي به:
أنا مرأتك يا جورج.. مش هي خالص! مشاعرك مفروض تكون ملكي مش ملكها!
استدار وأكمل بنبرة قاطعة:
مشاعري مش ملكك ولا هتكون يا ماريانا.. وأنتِ كنتِ عارفة إني مش بحبك ووافقتي.. فمتجيش تعيطي دلوقتي.. بكرة تصلحي الهبل اللي عملتيه ده.. أنا مش عايز أضايقك أكتر من كده.. خلينا نقضي الباقي من عمرنا من غير مشاكل.. ده لو سمحتي!
التجاهل ده غير لايق عليك خصوصًا بعد اللي عرفته يا سما.
قالها أمير بضيق وهو يتذكر كل الأيام التي تجاهلته بها وانشغلت بعمر فقط. كانت سما تجلس ممسكة هاتفها تتفحص شيكات التواصل الاجتماعي بعد يوم طويل من العمل في المنزل عندما اقتحم هذا المتطفل خصوصيتها.
تركت هاتفها ونظرت إليه وقالت:
إحنا اتفقنا إن ده هيكون التعامل ما بيننا.. لو عايز زوجة قولتلك من بكرة أخطبلك واحدة تلبي لك طلباتك.
رفع حاجبيه بسخرية وقال:
عايزة تبيني إنك مش مهتمة بعد كل اللي قريته في مذكراتك؟
أنتِ نرجسي على فكرة.. فاكر إن شوية كلام على ورق كتبته في فترة مجنونة في حياتي هو الصح. رغم إن دلوقتي مشاعري من ناحيتك اختفت تمامًا.. زي ما قولتلك.. أنت أبو عمر وبس.. عمر اللي أنا قررت أربيه إكرامًا لأختي.. فمش هبصلك بطريقة تاني.. تقدر تريح نفسك. ولو حابب تاخد حقوقك الزوجية ليك كل الحق إنك تتجوز غيري وأنا اللي هنقيلك العروسة بنفسي يا زوجي العزيز.
قالتها سما بثقة مفرطة ليرفع حاجبيه بدهشة ويقول:
ثقتك اللي بتتكلمي بيها دي مش هتخد عني يا سما.. بس عمومًا ده أحسن.. فضلي اقنعي بنفسك بكده لحد ما تصدقي إنك مبتحبنيش وتتجنبي كسرة القلب.. لأن من سابع المستحيلات إني أحبك!
نظرت إليه ببرود وقالت:
والله أنا بعيدة عنك وبتجنبك بقدر الإمكان ومطنشاك خالص.. أنت اللي محروق مني عشان مطنشاك وبتنكش وخلاص.. أهدى على نفسك واشغل نفسك بحاجة تانية.. وأنصح أن الحاجة دي تكون ابنك عشان هو محتاجك.. وبطل شغل العيال ده.
ثم تركته وغادرت تاركة إياه يغلي من الغضب!
على باب السينما
تذكرت قديمة
ومعايا حكاية
نفسي اغيرها
وانا مين يديني
فرصة تخليني
ادخل لو مرة
واعيشها بتفاصيلها
ايدي في ايديها
وعينيا عليها
سامع ضحكتها
واحنا بنتفرج
خلصت حكايتنا
والدنيا خدتنا
لا انا عارف ابعد
ولا قادر اقرب
ايدي في ايديها
وعينيا عليها
سامع ضحكتها
واحنا بنتفرج
خلصت حكايتنا
والدنيا خدتنا
لا انا عارف ابعد
ولا قادر اقرب
كان ممكن افضل
كان ممكن تصبر
لكن يا خسارة
تذكرتي قديمة
من باب السينما
داخلين حبيبه
بحكاية جديدة
ونهاية بتقرب
شايف أحلامهم
حاسس بوجعهم
من قبل ما يحصل
ما انا اصلي مجرب
ولا حد شايفني
ولا حد سامعني
وانا واقف بره
على باب السينما
شايف أحلامهم
حاسس بوجعهم
من قبل ما يحصل
ما انا اصلي مجرب
ولا حد شايفني
ولا حد سامعني
وانا واقف بره
على باب السينما
على باب السينما
تذكرت قديمة
ومعايا حكاية
نفسي اغيرها
كانت الأغنية تصدح من سيارته الواقفة بعيد وهو يراقبها. لقد تجاوزته كليًا وها هي سعيدة للغاية مع زوجها. وهو.. هو ما زال مكانه. لا يستطيع أن ينساها. حاول كثيرًا.. سافر وعرف نساء عديدة ولكن لم يطأ قلبه غيرها هي.. هي فقط. كانت نسرين ملكه ولكنه خسرها وفؤاد من فاز وهو لم يحصل إلا على رؤيتها من بعيد بعد أن كانت بين يديه.
الدموع الساخنة انحدرت على وجنته ومسحها سريعا وهو يفكر.. إن لم ينساها الآن سيعاني للأبد.
أدار سيارته وانطلق وهو يعد نفسه للمرة المليون أنه سوف ينساها!
في اليوم التالي.
اتفضلي يا مياس.. ده بيتك.
قالها جلال بينما نظرت مياس إلى الفيلا الواسعة التي ولجت بها والتي تشبه الأحلام في جمالها. هل ستعيش هنا؟
نظرت إلى عمها بإرتباك وهي تعدل النقاب أكثر وتقول:
ماشي.. فين أوضتي عشان…
مياس.
صوت رجولي مميز قاطعها. نظرت إلى مصدر الصوت لتجده يقترب منها. رجل طويل.. حاد الملامح أزرق العينين.. على وجهها ابتسامة سعيدة حقًا تناقض تلك الملامح الحادة.
اقترب منها وهو يقول:
أخيرًا نورتي حياتنا يا مياس.. روحك الحلوة أخيرًا دخلت بيتنا.
في غرفة المعلمين.
كانت مادونا ورحيق يجلسان سويا.
مالك النهاردة يا رحيق مش مركزة ليه؟
قالتها مادونا صديقة رحيق المقربة وهي تعدل من وضع حجابها.
ابتسمت رحيق ببهوت من خلف نقابها وقالت:
مفيش حاجة يا مادي.. بس تعبانة شوية.
ياااه.. عليا الكلام ده.. قوليلي إيه اللي حصل.. مش في المود النهاردة.. قوليلي بقا.
نظرت رحيق إليها دامعة ثم انفجرت بالبكاء.
اقتربت مادونا من صديقتها بهلع وضمتها وهي تقول:
حصل إيه؟ قوليلي حصل إيه بس يا رحيق؟
بكت رحيق أكثر ثم بدأت بقص ما حدث بينها وبين شقيقتها. حكت لها عن كل المضايقة التي تتعرض لها خاصة بعد تقدمها في السن وعدم زواجها!
بعد أن انتهت رحيق ربتت مادونا عليها وهي تقول بإنفعال:
اختك دي عايزة قص لسانها.. والست اللي اسمها اعتماد دي مشافتش ريحة التربية.. متحطيش في بالك.. أنتِ قمر وجميلة والف واحد يتمناك.. وهتلاقي نصيبك بإذن الله. صدقيني يا رحيق أنا حاسة إن قريب هتتجوزي واحد هيحبك بطريقة مش هتصدقيها.
ابتسمت بحزن وقالت:
ما أظن.. ما أظن يا مادونا.
صمتت قليلاً ونظرت إلى مادونا وقالت بإرتباك:
مادونا ممكن أطلب منك طلب؟
عيوني يا حبيبتي.. اتفضلي.
فركت كفيها بقوة وقالت:
ممكن تطلبي من أخوكي إنه يتجوزني؟
رواية اسرت قلبه الفصل الرابع 4 - بقلم سوليية نصار
ارتبكت مادونا وهي تنظر إلى صديقتها التي تنظر إليها بلهفة.
لهفة وكأنها متيقنة أن مادونا لن ترد أي طلب، وستوافق مباشرة.
كان قلب مادونا يعتصر وهي ترى نظرات رحيق اللامعة.
شعرت بالاختناق.
لم تعرف ماذا تقول.
تنهدت مادونا وأمسكت كف رحيق وهي تقول بلطف:
- أنا لو دورت طول حياتي مش هلاقي مرات أخ زيك.
- لو بإيدي كنت جوزتك أخويا من غير تفكير.
تجمدت الابتسامة على وجه رحيق وهي تسمع صديقتها.
لتزدرد مادونا ريقها وأكملت:
- أخويا مرتبط بواحدة وبيحبها وحتى كلم أمي من أسبوع عشان يتقدم لها.
- أنا آسفة يا رحيق.
- مقدرش أقوله لأنه مش هيوافق وأنا مش هقلل منك بالشكل ده.
- أنا آسفة بجد يا رحيق.
كانت تشعر رحيق وكأن أحدهما سكب ماء بارد عليها.
شعرت في تلك اللحظة أنها رخيصة للغاية.
شعرت بالإهانة.
أخفت دموعها بمهارة وهي تحاول أن تخرج صوتها بشكل طبيعي لا مرتجف ولا مهتز وقالت:
- محصلش حاجة يا مادونا.
- أنا بجد غلطت إني عرضت ده.
- أنا بس من قهري من كلام الناس مفكرتش بشكل سليم.
- أنا بجد آسفة.
نظرت إليها مادونا بشفقة.
لتقول رحيق بصوت مختنق:
- متشفقيش عليا.
- عشان خاطري متجرحيش مشاعري وتشفقي عليا يا مادونا.
- متبقيش أنتِ كمان عليا.
ربتت مادونا على كفها وقالت:
- هتلاقي اللي يحبك يا رحيق.
- هتلاقي واحد يحط العالم كله تحت رجلك.
- واحد هيعوضك عن كل اللي عشتيه بس اصبري.
ابتسمت بحزن وقالت:
- مظنش إن ده هيحصل.
- الحمدلله على كل حال.
تنهدت مادونا بحزن وهي تدعو داخلها أن تجد رحيق من يقدرها.
أنهت رحيق أخيرًا عملها وودعت مادونا.
ثم كادت أن تذهب في حال سبيلها إلا أن أستاذة وفاء وهي إحدى المدرسات المسنات التي يعملن مع رحيق في المدرسة أوقفتها وهي تقول:
- رحيق يا بنتي.
ابتسمت رحيق بمودة، فهي تحترم تلك السيدة وقالت:
- إزاي حضرتك يا ميس وفاء.
- حضرتك كويسة؟
- وأخبار ريهام بنت حضرتك إيه؟
- والكل كويس.
ابتسمت وفاء وهي تنظر لتلك الفتاة الطيبة وهي لا تعرف كيف تبدأ معها الحديث.
لا تريد أن تجرح مشاعرها ولكنها تحاول مساعدتها بكل الطرق.
رغم معرفتها أن ما ستقوله لن يناسبها أبدًا ولكن فلتحاول.
- الحمدلله يا بنتي.
- بقولك إيه أنا محبتش أكلمك في الموضوع ده من قبل عشان متتحسسيش مني.
- بس سامحيني أنا سمعتك بيكلمي مادونا عشان أخوها.
- والله ما أقصد أتسمع يا بنتي، سمعت الحوار صدفة حتى موقفتش ومشيت علطول لأن مش من أخلاقي أتجسس.
أطرقت رحيق برأسها.
فقالت وفاء:
- لا لا يا بنتي متتكسفيش ولا حاجة.
- أنا لو تسمحيلي ممكن أرشحلك عريس.
- وممكن لو حصل بينكم قبول ربنا يتمم على خير.
- بس فيه مشكلتين.
- واللي هما؟
قالتها بتوجس.
فركت وفاء كفيها وقالت:
- إنه مبيخلفش.
- والتانية إنه قرب يبقى عنده خمسين سنة.
شحب وجهها من تحت النقاب.
لتربت وفاء على كفها وتقول:
- ليكي الحق ترفضي أكيد يا بنتي.
- أنا مش هجبرك ولا أقول إنك لازم توافقي.
- بالعكس شايفة الموضوع مناسب ليكي وافقي.
- لو لأ ارفضي بكل بساطة وأنا مش هفتح الموضوع ده تاني.
تنهدت هي وقالت:
- هفكر وأبلغك بالموضوع يا مس وفاء.
- عن إذنك.
ثم ذهبت بحزن وتركتها.
هل يمكنها أن تتخلى عن الكثير في سبيل أن تتزوج وتخرس فم من يتحدث عنها.
- سيف مش كده؟
قالتها بنبرة جامدة.
نبرتها كانت باردة كبرود عينيها الزرقاء التي ترمقانه من تحت نقابها.
وكأن عينيها خلقت بلا مشاعر.
ارتبك سيف من تلك النبرة.
ارتبك من نظراتها.
رغم النقاب الذي يخفي وجهها إلا أنه يكاد يقسم أنه يرى كره بعينيها لم يراه من قبل.
وكأنها لا تطيقه.
ازدرد ريقه وهز رأسه قائلاً:
- أيوه سيف يا مياس.
- مد كفه وقال:
- أهلاً بيك يا بنت عمي.
- نورتي بيتنا بروحك الحلوة يا مياس.
- أنا لسه فاكر لما كنا صغيرين وبنلعب سوا.
نظرت إلى كفه الممدودة ببلادة وقالت:
- سوري مبسلمش.
- وللأسف أنا مش فاكرة حاجة من اللي أنت بتقوله.
سحب كفه بسرعة وقال وهو يخبي احراجه:
- لا ولا يهمك أنا اللي آسف.
- نورتي بيتنا.
لم تعقب.
بل نظرت إلى عمها وقالت:
- فين أوضتي عايزة أرتاح شوية.
هز جلال رأسه وهو ينادي على مدبرة المنزل.
أتت سيدة كبيرة في السن.
ترتدي حجاب أسود.
ابتسم جلال بلطف وقال:
- لو سمحتي يا أم هلال ودي مياس أوضتها عشان ترتاح.
هزت رأسها وقالت بحبور:
- أمرك يا بيه.
- ثم اقتربت من مياس وقالت:
- يا أهلاً ببنت الغالي.
- أهلاً.
- يلا يا حبيبتي تعالي معايا.
ثم كادت أن تحمل حقيبة مياس إلا أن مياس أوقفتها وهي تقول:
- لا أنا هشيل شنطتي بنفسي لو سمحتي.
هزت أم هلال رأسها وحملت مياس حقيبتها وهي تتبعها للأعلى.
بعد أن اختفا.
اقترب سيف من والده وقال:
- هي جت هنا بإرادتها ولا أجبرتها يا بابا.
- هي مش طايقاني.
تنهد جلال وقال:
- لا يا سيف جت بإرادتها.
- بس الحقيقة فعلاً إنها مبتحبناش.
- وإحنا دورنا نخليها تحبنا.
هز سيف رأسه بدون معنى وقال:
- عن إذنك أنا طالع.
- برضه هتروح للشلة بتاعتك تغني لحد الصبح.
نفخ سيف بضيق وقال:
- يا بابا لو سمحت النهاردة إجازتي من الشركة على الأقل أقضيه بالطريقة اللي أنا أحبها.
- أنا اتنازلت عن حلمي في الغنا عشانك بس على الأقل سيبني أفك عن نفسي.
ربت جلال على كتفه وقال:
- روح يا ابني.
- روح.
أغلقت مياس باب غرفتها.
ثم اتجهت مسرعة نحو المرآة وغطتها جيدًا.
ثم خلعت نقابها وهي تتنهد بتعب.
ثم بدأت بإفراغ حقيبتها.
بعد قليل.
كانت تتلمس المنامات الخاصة التي أحضرتها لزواجها.
مع كل قطعة تشتريها كانت ترسم أحلام عن زواجها وعن تلك الأيام السعيدة التي سوف تعيشها مع عمر.
ولكن كل أحلامها تدمرت.
تساقطت الدموع من عينيها وأخذت تشهق بعنف.
قلبها يؤلمها.
لماذا يحدث معها هذا.
لماذا.
لماذا هي من تعاني.
كانت تريد أن تصرخ.
تهدم العالم.
تمنت أن تذهب لعمر الآن وتصرخ به لماذا تخلى عنها.
لقد أخبرها مرات أنه يعشقها.
فكيف كل كلماته كانت كذب.
كيف يكون بتلك القسوة.
يحطم قلبها ويذهب.
لقد خسرت الكثير.
خسرته هو وخالتها ووالداها.
والآن هي لا تنتظر إلا أن تموت.
لا يمكنها أن تعيش وروحها قد ماتت داخل جسدها.
قلبها تجمد.
الحياة مع روح ميتة وقلب متجمد جحيم هي لا تستطيع تحمله.
وضعت ملابسها بسرعة في الخزانة دون أن تفكر في شيء.
كانت تريد إغلاق عقلها عن كل شيء.
لا تريد أن تفكر.
لا تريد أن تتألم.
لتحافظ على قلبها جامد.
هي ستنسى عمر.
ولن تحب مجددًا.
لن يمتلك قلبها رجل أبداً.
- أنا جيت.
قالها سيف بصخب كعادته وهو يلج الفيلا الراقية والتي يملكها أحد أصدقاؤه.
ابتسم ريحان.
قال:
- شرف النجم.
- جهز نفسك يالا كلها ساعتين والحفلة تبدأ.
- عايزين نولع الدنيا.
ابتسم سيف وهو يتناول منه الغيتار ويبدأ يعزف عليه.
وأخيرًا بعد ساعتين.
وقف على المسرح وهو يعزف.
لمعت عيناه الزرقاء وهو ينظر لتلك الفتاة التي أتت.
نوال الصاوي.
حبيبته.
ورفيقته منذ الثانوية.
أغمض عينيه وهو يستعد ليغني.
فهو قرر اليوم أن يعرض عليها الزواج.
فهو لن ينسى أنها هي من شفت جرح قلبه.
بدأ يغني اغنيتهما المفضلة لعمرو دياب.
العسل ده لو اتساب
لا ده أنا يجيلي تعب أعصاب
ده لو اتساب لي ليلتين أنا أعيش في عذاب
طب وأعمل إيه؟
في دقيقتين
ده بيقتلني وياخد العين
ليلي يا عين لا ده مش إعجاب
(طب وأعمل إيه؟)
في دقيقتين
ده بيقتلني وياخد العين
ليلي يا عين لا ده مش إعجاب
أنا عمري ما حد خطفني كده
ده أخدني حَبة حَبة
في حاجات مش ممكن تستخبى ما بين اتنين أحِبّة
أنا عمري ما حد خطفني كده
ده أخدني (حَبة حَبة)
في حاجات مش ممكن تستخبى ما بين اتنين أحِبَة
في دلع متشال لحبيبي، وحنية من غير حساب
(طب وأعمل ايه)
بعد ان انتهى من الغناء ارتفع التصفيق.
ليذهب إليها مباشرة وهو يخرج الخاتم الماسي من جيب بنطاله ويقول:
- تقبلي تكوني نصي التاني.
ابتسمت بسعادة وهي تهز رأسها بقوة.
فتحت برنامج التواصل الاجتماعي وهي تبحث عنه لتكلمه.
ولكن جسدها بالكامل تجمدت وهى ترى صورته مع فتاة أخرى.
جميلة.
تلك الفتاة المائعة التي لا تكف عن مطاردته.
شعرت بنيران تشتعل في قلبها وهي تراه معها.
كانت تبكي بعنف.
لا تصدق.
لقد نفذ تهديده وتركها.
سقطت على فراشها وهي تبكي بعنف.
لقد خسرته.
خسرت حب حياتها.
- أنتِ مجنونة يا رحيق.
ازاي عايزة تتجوزي واحد عنده خمسين سنة انتِ جرالك حاجة في عقلك.
كان أمجد يصرخ فيها بعصبية شديدة.
لا يصدق كيف تفكر.
عينيه العسلية اشتعلت بها النيران.
تنهدت رحيق وهي تنظر حولها.
لدلال.
تلك السيدة التي اعتبرتها والدتها.
نوران.
من اعتبرتها شقيقتها.
وأخيرا أمجد.
أمجد شقيقها.
روحها.
الوحيد الذي لم يؤذيها.
لقد أحبتهم جميعاً ولكنها لا يمكنها أن تضغط عليهم أكثر من هذا.
يجب أن تتزوج.
أن تريح هذا البيت من وجودها الثقيل.
تعرف كم أن وجودها ثقيل عليهم خاصة على دلال التي وجود رحيق يذكرها بكسرتها.
تنهدت رحيق وهي تبدأ في الحديث موجهة انظارها لشقيقها وقالت:
- إيه المشكلة يعني يا أمجد.
- يعني هو أنا صغيرة مثلا؟
- وبعدين.
- مفيش فرق كبير بيننا.
- فرق عشرين سنة مش كبير.
صرخ بإستهجان.
لتهز رأسها وتقول:
- أيوه مش كبير يا أمجد.
- متنساش إني كبرت في السن وفرصي قلت.
- خليني ألحق أتزوج وأخلف.
- ولا هتفضل واقف في طريقي.
- واقف في طريقي.
قالها أمجد بصدمة.
لتكتم رحيق دموعها بشق الأنفس وتقول:
- أيوه واقف في طريقي يا أمجد.
- أنا عايزة أبقى أم.
- عايزة أتزوج ودي فرصة ليا.
- يا حبيبتي انتِ ألف واحد يتمنى.
- بتكدب على مين يا شيخ أمجد.
- على نفسك ولا عليا.
- أنا عارف إن محدش يتمناني ولا حاجة وعارفة إن فرصي في الجواز قلت.
- واهي فرصة وجات.
- أبوس إيديك متوقفش في وشي يا أمجد.
- عشان خاطري.
هز أمجد رأسه بيأس.
كان عاجز تمامًا عن الكلام.
كان يرى اليأس بعيني شقيقته وهذا كان يقهرُه بقوة.
لم يرى هذا اليأس من قبل.
نعم هو يعرف لماذا شقيقته يائسة.
هي تعاني بقوة بسبب ما تسمعه وهو غير قادر على حمايتها من كلام الناس المسمم.
لقد عانت شقيقته الكبرى من الكثير.
الكل حطمها بكلماته السامة.
الكل قهرها حتى والدته.
سوف يدعو ربه ألا يتم هذا الزواج.
شقيقته تستحق الأفضل.
وداخله يقول إن الرجل الذي سوف يتقدم لشقيقته لن يكون الأفضل لها.
لن يصون تلك الجوهرة التي لا يعرف قيمتها الكثير.
تنهد وقال:
- حاضر يا عنيدة هنعمل اللي أنتِ عايزاه.
- خلي ميس وفاء تخلي الراجل يتواصل بيا أنا.
- بس مش هجوزهولك إلا لما أتأكد إنه مناسب ليكي غير كده لا.
- فاهمة.
هزت رأسها.
ثم لاذت بالفرار لغرفتها.
نظر أمجد بدون رضا لوالدته وشقيقته وقال:
- أتمنى تكونوا مبسوطين دلوقتي.
ثم تركهما وغادر.
نظرت نوران إلى والدتها وقالت:
- الله واحنا مالنا.
لم تتكلم دلال ونظرت للأرض وهي تشعر بقلبها يتمزق.
ولجت رحيق لغرفتها وهي تبكي بقوة.
جلست على فراشها وهي تتذكر صدمة أمجد بها.
ولكن هذا أفضل بكثير.
هي لا تريد أن تؤذي دلال ونوران أكثر من هذا.
لا تريد أن تسمع الكلام المسموم من الجيران.
هي لن تتحمل هذا بعد الآن.
تسطحت على الفراش وهي تنظر للأعلى.
نعم سوف تخسر الكثير لو تمت تلك الزيجة.
بالطبع أهم ما ستخسره شعور الأمومة.
ولكن تلك الحياة لا تقارن بما تخسره يوميًا.
ربما قرارها صائب تلك المرة.
حاولت نزع هذا الخوف من قلبها ولكنه يعاود ويهاجم قلبها بشراسة.
لا تعرف لماذا لا تشعر بالراحة.
نفضت تلك الأفكار عنها وهي تغمض عينيها.
ترغب في النوم.
ترغب أن ترتاح والا تفكر كثيرًا.
تريد أن تفرغ عقلها من كل شيء.
وكأنها تريد تجميد مشاعرها لأنها تعلم أن القادم ليس بسهل على الإطلاق.
وقفت أمام العيادة الخاصة به وهي تسأل نفسها للمرة الألف.
هل هي عديمة الكرامة؟
إنه يهينها مرارًا وتكرارًا وهي من تركض خلفه.
هل أخطأت عندما نفذت كلام والدتها.
هل أخطأت وهي تحاصره بحبها حتى اختنق منها.
حتى أصبح ينظر إليها بكره بالغ.
إنها تتمنى فقط لو يعاملها كما يعامل الآخرين.
تتمنى أن يبتسم بوجهها لو مرة واحدة فقط.
هي تتمنى أن يعاملها بطريقة جيدة مثل البقية.
تنهدت وهي تسير نحو عيادته.
حيت السكرتيرة هناك وولجت لعيادته فورًا.
رفع عينيه وهو ينظر إليها.
رفع حاجبيه عندما رآها قد غيرت لون شعرها للون الأسود مجددًا.
- خير.
قالها بضيق.
لتكتم دموعها بشق الأنفس وتقول:
- دي مش مقابلة تقابلها ليا.
- ولا دي معاملة ينفع أتعامل بيها يا جورج أنا مراتك.
- ماريانا.
- الشغل هو المكان الوحيد اللي بكون فيه بعيد عن صياحك فممكن لو سمحتي تروحي.
- أنا متضايق لوحدي.
- إيه اللي مضايقك بالضبط.
- حبيبتك القديمة.
- لو زعلان أوي كده ليه متجوزتهاش.
- أقولك ليه.
- لأنها هي اللي اختارت تبعد بإرادتها.
- عشان كده اتجوزتني وبتعاقبني عشان وافقت عليك.
- بتعاقبني عشان حبيتك.
- أنا مش قادرة أصدق.
- أنت بتقتلني باللي بتعمله ده.
نهض بعنف واقترب منها وهو يدفعها نحو الحائط ويعصر ذراعها بقسوة ويقول:
- اخرسي.
- اخرسي بطلي تتكلمي.
- لا مش هبطل أقول الحقيقة.
- هي اللي سابتك وأنا اللي بتعاقب.
- أنا عملت إيه.
- أنا غلطتي يعني إني بحبك.
- غلطتي إني حاطاك في مكان عالي.
- غلطتي إني بحبك أكتر من حياتي.
- أنت متستاهلش الحب ده أبدًا يا جورج.
- أنت تستاهل تتساب زي ما حبيبت.
ولكنه أخرس كلماتها وهو يقبلها بقوة.
لا يعرف ما الجنون الذي يفعله.
لكنه كان بحاجة أن يكتم كلماتها السامة.
يريدها أن تتوقف عن التحدث.
ألا تنبش في الماضي.
لماذا لا ترضى بقدرها كما هو راضٍ.
لماذا تصطنع المشاكل.
لماذا لا تقبل ما يعرضه عليها.
لماذا تريد المزيد.
لماذا تريد مالا يمكن تقديمه.
قلبه ليس ملكه ليقدمه.
قلبه ملك لها.
هي فقط.
أخدته وغادرت وتركته يعاني الضياع.
بينما جورج كان مشتت.
كانت ماريانا تغرق أكثر وأكثر وهي تتمسك به.
كان قلبها يهدر بشراسة داخل صدرها.
كل جسدها يرتعش.
بينما هو يتمسك بها بتلك الطريقة.
لم تكن قبلته ناجمة عن عشق.
هي تعرف هذا جيدًا ولكن أرادت أن تصدق أنه يهتم بها.
أرادت أن تصدق أن هناك أملاً.
انفصل عنها وكانت ما زال مغمضاً عينيه وكأنه ليس هنا.
- سيلا.
انطلقت تلك الكلمة من شفتيه لتهدم أحلامها وتساويها بالأرض.
اقترب مرة أخرى ليقبلها.
ولكنها دفعته بقوة وهي تصرخ:
- ابعد عني.
- ابعد.
ابتعد وهو يخرج من تلك الهالة الوردية التي كانت تحيط به.
نظر بصدمة لوجه ماريانا.
كانت الدموع تغرق عينيها.
الجرح ظاهر في عينيها.
مسحت شفتيها بباطن كفها بقرف.
وقالت:
- أنا بجد قرفانة منك.
- حقيقي قرفانة منك وقرفانة إني حبيت واحد زيك.
توسعت عينيه بصدمة.
لترفع رأسها وتقول:
- بس خلاص يا جورج.
- من النهاردة حبي ليك انتهى.
ازدرد ريقه وهو يرى بريق عينيها.
لتكمل هي:
- زي ما رفعتك فوق وحسستك إنك أهم واحد في حياتي هنزلك الأرض مكانك الأساسي ومن النهاردة هتشوف إنك ولا حاجة بالنسبالي.
- اقتربت منه وقالت وهي تشير لقلبها:
- قلبي اللي حبك أنا هحرقه.
- هعلمه ميحبش حد ميستاهلش يا جورج.
- مش هتشوف الحب في عيوني تاني.
- أنت هتتمنى إني أرجع أحبك زي الأول بس ده مش هيحصل.
- هتدور على حبي في كل مكان ومش هتلاقيه.
- لأني أنا حبيتك أكتر من أي حد.
- أنا حبيتك أكتر منها وأنا وانت عارفين ده.
- بس خلاص.
- اكتشفت متأخر.
- إنك متستحقش.
- تقدر تعمل اللي عايزه في حياتك.
- أنت من النهاردة انتهيت من حياتي.
في اليوم التالي.
- بسم الله الرحمن الرحيم.
قالتها ولادة جيلان بتعجب وهي تنظر لابنتها.
عبست جيلان وقالت:
- فيه إيه يا أمي شوفتي عفريت ولا إيه.
قالتها جيلان بضيق.
لتبتسم والدتها وتقول:
- بالعكس يا بنتي ده أنا شايفة الجمال كله قدامي.
- بس مستغربة.
- من إمتى وأنتِ بتلبسي خمار.
نفخت بضيق وقالت:
- يعني ألبس خمار مش عاجب.
- ملبسش برضه مش عاجب.
- أنا مش عارفة أرضي حد في البيت ده أبدًا.
ضحكت شربات وقالت:
- لا يا بنتي أنا فرحانة ليكي.
- الحمدلله إن ربنا هداكي.
- عقبال ما تلتزمي في الصلاة وتركزي في كليتك أكتر من كده.
هزت رأسها بالإيجاب وقالت:
- أنا رايحة عند نوران يا ماما.
رفعت حاجبيها وقالت:
- بدري كده.
- أنا افتكرت رايحة كليتك.
- يا ماما النهاردة مش ورايا محاضرات.
- هروح عند نوران بقا باي.
ثم ذهبت من أمامها.
بينما ضميرها يؤنبها لأنها كذبت على والدتها.
فقط لكي تراه.
صاحب العينين العسلية.
في بيت عائلة الراوي.
كان الجميع ملتف حول مائدة الإفطار.
كانت رحيق تضع أطباق الإفطار بكل هدوء.
ونوران تجلس على الطاولة وهي تشعر بالتعب بعد بكاء الأمس.
أما أمجد فقد صدق وأغلق مصحفه بعد أن أتم قراءة القرآن.
نظر إلى نوران بدون رضا وقال:
- بدل ما أنتِ قاعدة روحي ساعدي أختك.
- هي مش هتجيبلك الأكل لحد عندك.
نظرت نوران إليه وهي تكتم دموعها.
آخر ما تريده الآن أن يصرخ بها شقيقها.
ليس بعد ما حدث بالأمس.
ولكنها لم تجادله وذهبت لتساعد رحيق.
بعد أن ولجت نوران للمطبخ نظرت دلال إلى ابنها بلوم وقالت:
- بالراحة على أختك يا أمجد.
- مينفعش كده.
- بالراحة على رحيق برضه يا أمي.
- دي برضه أختي ويتيمة ملهاش أم تدافع عنها زي نوران.
- أنا أم رحيق يا أمجد.
قالتها دلال بجرح.
ليهز رأسه ويقول:
- للأسف يا أمي عمرك ما كنتي أم ليها.
خرجت الكلمات من فمه قبل أن يمنعها.
كلمات استطاع أن يكتمها طويلًا ولكنها خرجت الآن.
كان يرى معاملة والدته لرحيق والتفريق بينها وبين نوران ويصمت.
كان يشعر أنه شيطان أخرس.
ولكن ليس بعد الآن.
نهضت دلال من الطاولة واتجهت لغرفتها.
تنهد أمجد وهو يشعر بحزن بالغ.
لم يكن يجب أن يكلمها بتلك الطريقة.
ذهب خلفها ليجدها تجلس على الفراش وتبكي.
اقترب منها وهو يقبل رأسها ويقول:
- حقك عليا يا أمي.
- أنا آسف.
- أنا بجد مش قصدي كده.
- بس أنا بشوف بعيني.
- وقلبي بيوجعني على رحيق.
- المسكينة بتعاني.
- بتتعاقب على حاجة هي معملتهاش.
- الكل هنا بيعاملها وحش لدرجة إنها هتتجوز واحد عنده خمسين سنة عشان تهرب مننا.
- أمي ده مينفعش.
انهمرت دموع والدته أكثر وقالت:
- وأنا قلبي بيتحرق يا أمجد.
- مش قادرة أنسى إنها بنت ضرتي.
- مش قادرة أتجاوز الماضي.
- أنا وافقت إن أبوكي يتجوز عليا عشان مبقاش بمنعه من حقه بس هو ضغط عليا.
تنهد أمجد وهو يدرك حساسية الأمر.
يراعي غيرة والدته.
عانقها بلطف وقال:
- إيه رأيك تنسي إن رحيق بنت ضرتك وتفتكري إنها بنتك.
- بنتك اللي عمرها ما زعلتك.
- حرام يا أمي هتتسألي عنها.
- مادام وافقتي تربي بنت يتيمة يبقى تعامليها كويس ومتنسيش إنها وصية أبويا الله يرحمه.
تنهدت والدته وهي تهز رأسها.
ليبتسم ويقول:
- يلا بقا يا ست الكل عشان نفطر.
ثم مسح دموعها برفق.
خرجا أخيراً وتجمدا مكانهما وهما مذهولين.
- فيه إيه يا جماعة.
- كل لما حد يشوفني يديني الريأكشن ده.
قالتها جيلان بضيق.
ابتسمت دلال واقتربت منها وهي تعانقها وتقول:
- لا طبعًا يا حبيبتي.
- إحنا مصدومين من الجمال ده بس.
- ألف مبروك يا حبيبتي ألف مبروك.
- عقبال ما نوران تاخد الخطوة دي بدل لفات الطرح الغريبة اللي بتعملها دي.
كانت على وجه رحيق ابتسامة واسعة وهي ترى جيلان في تلك الهيئة.
لقد ارتدت الخمار أخيرًا.
هذا يسعدها بالطبع.
ولكن قلبها يؤلمها.
لم تعانقها والدته من قبل.
هي لا تعرف كيف هو عناق الأم.
للحظات تمنت أن تكون مكان نوران لتعانقها دلال بكل هذا الحب.
أطرقت برأسها وهي تخفي عينيها التي لمعت بفعل الدموع.
أمجد الذي كان مشدوه بما فعلته جيلان.
تلك الفتاة التي اعتادت دوماً أن تعانده.
لم يتخيل أبداً أن ترتدي جيلان الخمار.
أخيراً عاد لوعيه وأطرق رأسه وهو يستغفر.
صحيح أنه جيلان بمثابة شقيقته ولكنه ليس مقبول أن ينظر إليها بتلك الطريقة.
- أنا هعمل ساندويتش وألبس وأمشي عشان متأخرش.
قالها أمجد لتتجمد الابتسامة على وجه جيلان.
فترد والدته وتقول:
- تأخير إيه يا أمجد.
- لسه الوقت بدري يا حبيبي ولا أنت محرج بسبب نوران.
- دي أختك يا واد.
- أختك إيه دي بنتك يعتبر أنت اللي ربيتها ولا أنت مش فاكر.
اغتاظت جيلان واقتربت من نوران وقالت:
- ممكن تخلي أمك تسكت.
- خلت الراجل لا يحل ليا في ثانية كده.
- شوية وهتقول إننا أخوات في الرضاعة.
ضحكت نوران بخفوت.
بعد قليل أنهى أمجد طعامه هو ورحيق.
- يلا أنا ماشي.
قالها وهو مطرق رأسه.
ثم نظر لرحيق وقال:
- يلا يا رحيق عشان أوصلك اجهزي وأنا كمان هجهز.
هزت رأسها.
ثم نهضت هي الأخرى.
بعد قليل.
كانت قد ارتدت نقابها والعباءة السوداء وخرجت إلى الصالة لتجد شقيقها قد تجهز.
كادا لن يذهبا إلا أن دلال وقفت وعانقت أمجد وقالت:
- بالتوفيق يا بني.
أطرق رحيق برأسها وهي تشعر بنغزة في قلبها.
احتقرت نفسها كثيراً تلك اللحظة لأنها تغار من شقيقها.
شقيقها الوحيد الذي عاملها جيداً.
كيف يمكنها أن تغار منه.
دعت ربها كثيراً أن تتخلص من إحساس الغيرة هذا.
فهي لا تشعر أنها سوية.
ليس ذنب أمجد أن لا أحد يحبها.
ربما العيب منها هي.
ربما لا تبذل المجهود الكافي لتحبها دلال.
ربما لو تزوجت وابتعدت عن دلال ستحبها.
ستنسى أنها ابنة ضرتها.
ربما.
ابتعدت دلال عن أمجد ثم ابتسمت وهي تقترب من رحيق.
مدت ذراعيها وعانقت رحيق.
تجمدت رحيق.
كانت مصدومة ووالدتها تعانقها.
إنها المرة الأولى التي تعانقها بتلك الطريقة.
طفرت الدموع من عينيها وهي تحاوط جسد والدتها.
كان شعورها بالسعادة وقتها لا يقاوم.
لم تسعد هكذا من قبل.
كانت تلك اللحظة السحرية الوحيدة في حياتها.
يمكنها القول بكل تأكيد أنها لن تتذوق السعادة تلك مرة أخرى ولكنها ليست حزينة على الإطلاق بل تلك كانت أكثر لحظة سعيدة في حياتها.
تلك اللحظة التي تذوقت فيها حب الأم.
لقد عرفت أنها كانت كنبتة ميتة والآن الحب هو من أحيا تلك النبتة.
ابتعدت دلال عنها بإبتسامة وعينين لامعة بفعل الدموع وقالت:
- بالتوفيق يا بنتي.
ابتسمت بسعادة وهي تهز رأسها.
ثم وجهت نظراتها إلى أمجد الذي كانت ابتسامته تملأ وجهه.
وكان يدعو الله أن تكون والدته دوماً حنونة على شقيقته.
- لا.
صرخت بفزع وهي تستيقظ من النوم بينما تلهث بقوة.
جسدها متعرق والدموع لا تتوقف عن الانسياب من عينيها وكأن جميع أحزانها تجمعت في هذا الحلم.
بدءا من موت والديها لتشويهها ثم موت خالتها.
إنها ما زالت تستعجب كيف لم تفقد عقلها بعد.
تنهدت وهي تنهض بضعف وولجت للحمام لتستحم.
بعد قليل.
خرجت وهي ترتدي روب الاستحمام بينما تلف شعرها الطويل في كعكة.
بدأت تخرج ملابسها كي ترتديها وتنزل لكي تتناول طعام الإفطار.
يجب أن تتحرك كي تعود لدراستها.
لن تظل تبكي على الماضي للأبد.
اختارت فستان أزرق بحزام أبيض أنيق يعانق خصره.
وطبعاً وضعت النقاب الأسود بجانبه.
ثم اتجهت لطاولة الزينة وبدأت بتمشيط شعرها الأسود الطويل.
ثم لفته في كعكة أنيقة.
بعدها بدأت في ارتداء فستانها.
ثم كادت أن تضع النقاب على وجهها ولكن صوت وصول رسالة على تطبيق الواتس آب الخاص بها جعلها تتوقف عن وضع النقاب.
ثم أمسكت هاتفها لتجد رسالة من رقم غير معرف لديها وقد أرسل لها صورة.
صورة زواج عمر خطيبها.
لقد تزوج.
لم يندم.
لم يأتي ليطلب الغفران.
بدل من هذا تزوج.
ويبدوا سعيداً جدا في تلك الصورة.
انسابت للدموع من عينيها بقوة.
كانت تشهق بقوة وهي ترى تلك الصورة.
كان من المفترض أن تكون هي محل تلك الفتاة.
كان ينبغي أن تمسك هي يده لباقي العمر.
ما الذي حدث وكيف تم استبدالها بتلك السهولة.
تعالت شهقاتها وهي تشعر أن صدرها بضيق.
شعرت أنها سوف تموت.
لا لا إنها ميتة بالفعل.
دقة على باب الغرفة جعلتها تنتفض بقوة حتى أن الهاتف وقع منها.
صوت سيف المميز انساب من خلف الباب المغلق.
- مياس.
مسحت دموعها بسرعة وارتدت غطاء الوجه ثم فتحت الباب وهي تقول بصوت أرادت إخراجه بارد ولكنه خرج مرتجف بقوة.
- عايز إيه.
رفع حاجبيه بدهشة وقال وهو يرفع قطة صغيرة بلون رمادي رائع.
عينيها متباينة الألوان.
عينها اليمنى زرقاء وعينها اليسرى عسلي.
كانت تبدو رائعة ولو كانت مياس في حالتها الطبيعية لضمتها وسعدت بها.
ابتسم سيف وقال وعينيه الزرقاء تلمع.
- حسيت إنك هتبقي أحسن لو بقى عندك صديق.
- فجب.
ولكن كلماته توقفت على طرف لسانه وهو يراها تترنح.
اقترب بخوف لتسقط ولكنه امسكها بيده اليمنى بينما القطة الصغيرة كان يمسكها بيده اليسرى.
رفع حاجبيه وقال:
- هي عندها فوبيا من القطط ولا إيه.
- فين الفطار.
قالها جورج بحيرة وهو ينظر إلى ماريانا التي كانت تغسل الأطباق التي تناولت بها إفطارها.
لم ترد عليه ليغتاظ من تجاهلها هذا ويقول:
- أنا قولت فين الفطار يا هانم هروح الشغل وأنا جعان.
نظرت إليه.
عينيها السوداء كانت باردة للغاية وهي تقول:
- عندك كل حاجة في التلاجة.
- اعمل فطار لنفسك.
- أنا مش الجارية اللي اشتريتها.
- من النهاردة كل واحد هيعتمد على نفسه.
- بالمناسبة هدومك اللي رميتها زي العيل الصغير دي ومستنيني أغسلها.
- اغسلها بنفسك.
توسعت عينيه بصدمة وهو يسمع كلامها وقال:
- بتقولي إيه.
- اللي سمعته مش هعيد كلامي.
- من النهاردة اعتبر نفسك أعزب.
- اكل نفسك وشرب نفسك واغسل هدومك.
- وكمان رتب أوضتك.
- بالمناسبة جهزت أوضة الضيوف عشان تبقى فيها مش عايزك معايا في الأوضة نفسها.
كانت تتكلم بجدية شديدة.
كانت جادة بالفعل.
- أنا مش فاهم.
ابتسمت بسخرية وقالت:
- يعني كل المعاملة الملوكي اللي كنت بعملهالك دي خلاص خلصت.
- من النهاردة مش معتبراك جوزي.
- انت شريك في السكن وبس.
- ومتقلقش مش هطلب منك تصرف عليا.
- أنا هصرف على نفسي وبالنسبة لفلوس الكهرباء والمية والغاز هنشترك فيهم سوا.
- يالا باي عشان أتأخرت على الشغل.
ثم تركته وغادرت.
لينظر إلى أثرها ببلادة ويقول:
- بس أنا عايز أفطر.
رواية اسرت قلبه الفصل الخامس 5 - بقلم سوليية نصار
أنت لم تحطم قلبي فحسب بل قتلتني!!!
وضع القطة أرضاً… وهو يحمل مياس بينما قلبه يخفق بتوتر وهو يراها في تلك الحالة … كانت تبدو فعلا كالميتة …
"مياس أنتِ كويسة!!!" قالها بتوتر.
ثم اقترب ووضعها على الفراش. ابتـلع ريقه وهو ينظر إلى نقابها … هو يعرف بشأن الحادث الذي شوه وجهها … يخاف أن يكشف وجهها فتتضايق منه.
ابتـلع ريقه وهو يزيح النقاب عن وجهها … وينظر إلى هذا التشوه الذي نال من معظم وجهها.
ذهب مسرعاً لطاولة الزينة ليحضر قنينة العطر … ثم اقترب منها وبدأ يشممها إياها حتى بدأت أن تفيق.
فتحت عينيها وهي غير مدركة ماذا يحدث. نظرت إلى ملامح سيف المذهلة والذي كان قريباً منها بدرجة كبيرة … وكان القلق يسكن عينيه الزرقاء. أخيراً تيقنت مما يحدث … لقد فقدت الوعي … وقام هو بنقلها للفراش…. لقد كشف وجهها.
صرخت بوجهه فجأة وهي تخفي وجهها وهي تقول:
"ابعد … اطلع برا … برا …"
توتر وقال:
"أنا اسف … اهدي والله أنا بس كان قصدي …"
صرخت به بشدة حتى تأذت أحبالها الصوتية:
"مسمعتش كلامي … قولت اطلع برا … برا مش عايزة اشوف وشك … يالا برا … برا !!!"
توتر سيف وهو يراها في تلك الحالة ولكنه لم يكثر من الكلام … بل ذهب من الغرفة مسرعاً وقلبه يؤلمه لأنه تركها في تلك الحالة. كان يشعر حقاً بالذنب.
بينما اخذت مياس تبكي بعنف. تبكي وتبكي حتى ظنت أن قلبها سوف يتمزق من الألم. لماذا يحدث معها هذا … لماذا!!!
في الأسفل …
"أنا بجد معرفش ايه اللي حصل؟! أنا بس اتخضيت لما شوفت أنها اغمى عليها … مكانش قصدي حاجة والله يا بابا … أنا والله…"
كان سيف يبرر … ولكن الكلمات كانت تخرج من فمه غير مترابطة. ما زال يتذكر انهيارها.
انهيارها هذا يؤذيه بشدة. تمنى أن يساعدها وينتزع هذا الألم منها. تمنى أن يساعدها. بطريقة ما كان سيف يشعر بتأنيب الضمير لأنه لم يتواصل بمياس. لقد نسيها. انجرف خلف الخلافات بين والده وعمه ونسى صديقة الطفولة. قد تكون مياس تنكر الأمر ولكنه ما زال يتذكر انهما كانا أصدقاء مقربين للغاية. كانت مياس عزيزة جداً على قلبه.
تنهد والده وهو يرى تشتت ابنه واقترب منه وهو يقول مربتاً على كتفه:
"متزعلش يا بني منها … متنساش ان مياس عانت كتير … هي لحد دلوقتي مش قادرة تتجاوز الحادث بتاعها … واحنا دورنا نساعدها. صحيح قصرنا معاها … بس خلاص من النهاردة أنا وأنا هنعمل المستحيل عشان نقدر نساعدها ونطلعها من الحزن ونخليها تتقبل نفسها."
نزلت من الدرج بخطوات عنيفة. كانت عينيها الزرقاء تشتعلان بغضب بالغ. وهي تكز على أسنانها. كلما تذكرت أنه ولج غرفتها … وكشف وجهها … اقتحم خصوصيتها. وجهها الذي لم تسمح لأحد لرؤيته منذ زمن. حتى عمها … حتى خالتها بعد عدة جراحات فاشلة. لم تدعها ترى وجهها. لقد حرصت دوماً ألا يرى أحد وجهها. ألا يكشف تشوهها. كانت تخاف أن ترى الاشمئزاز بوجه أحد. لأنها لن تلوم أحد. هي شخصياً تشمئز من وجهها. فلن تلوم أي احد يشمئز منها. لن تلومه أبداً.
أخيراً وصلت للاسفل وهي تقترب منه وداخلها يشتعل. كان الغضب يتصاعد داخلها كبركان ثائر. لا تستطيع اخماده أو السيطرة عليه. كان ينظر إليها بتوتر. بحثت في عينيه عن أي أثر للإشمئزاز. لم تجد. اختنقت وقد لمعت عينيها بدموع الغضب وقالت بصوت مرتعش من الانفعال:
"انت ازاي تدخل اوضتي بالشكل ده … ازاي تلمسني ازاي تكشف وشي … مين سمحلك تعمل كده؟!"
ازدرد ريقه وهو لا يعرف كيف يرد على هجومها. لقد قرر أن يتحمل كل شئ منها عن طيب خاطر.
"أنا بس …"
"انت تخرس خالص … عايزين ايه مني تاني … ظهرتوا ليه في حياتي … عشان تقتحموا خصوصيتي … عشان بقيت عايشة في بيتكم هيكون ليكم حق تتحكموا في حياتي … وتقربوا مني … ايه دلوقتي احلويت في عيونكم وافتكرتوني. … كنتوا فين من زمان. … أنا لا بعتبرك ابن عمي."
ثم نظرت الى عمها وقالت:
"ولا انت بعتبرك عمي … اصلكم كنتوا فين من زمان. … كنتوا فين!!! دلوقتي افتكرتوني!!! افتكرتوا اني منكم دلوقتي … بعد ايه؟!! لو كنتوا معايا تحموني… مكانش ده حصل … انتوا اتخليتوا عني بإرادتكم … فمتجوش دلوقتي تطلبوا تتدخلوا في حياتي … لاني مش همسحلكم … فاهمين!!!"
ثم تركتهم وذهبت للأعلى لغرفتها وهي تبكي بعنف.
نظر سيف إلى والده الذي قال بألم:
"طريقنا طويل معاها."
امسك معدته وهو يشعر بالألم. لم يتناول افطاره وكان متأخر للغاية لذلك اضطر لشراء ساندويتشات من احدى مطاعم الفول والفلافل. ويبدو انه غير معتاد على مطاعم الشوارع بذلك المته معدته بشكل سئ. تبًا. يبدو ان حقاً ماريانا قررت فعلاً ان تقصيه من حياته للأبد. قررت عدم الاهتمام به. لا يعرف لماذا ولكن هذا ضايقه للغاية. وهذا يدهشه للغاية. لماذا يشعر بهذا الضيق. لقد اراد هذا. اراد ان يبعدها عنه. ألا تحبه. فلماذا الآن هو متضايق. هو حقاً لا يفهم نفسه.
في المركز التجميلي الخاص بماريانا.
كانت تمارس هوايتها المفضلة في تجميل عروس زفافها اليوم. بينما ابتسامة على ثغرها. تحاول طرد جورج من عقلها. فهو لا يستحق أن تفكر به. لا يستحق أي اهتمام تقدمه له. هو لا يستحق حبها. فكرت بتمرد. ثم ابتسمت بسعادة وهي تتذكر تعابير وجهه اليوم. كان حقاً مصدوم. الاحمق ظن أنها سوف تتنازل لأجله. هي لم تنتهي بعد. ستوريه كيف يمكنها أن تكون قاسية عليه.
بعد قليل.
كانت أنهت هي عملها مع العروس وجعلت الفتيات الآتي يعملن عندها يكملان الباقية. وجلست لترتاح قليلا عندما رن هاتفها. نظرت لتجد والدتها. أمسكت الهاتف وردت على هاتفها وهي تقول:
"ازيك يا ماما."
"ها يا ماريانا طمنيني … نفع اللي قولتلك عليه."
ابتسمت هي بسخرية وقالت:
"طيب يا ماما سلمي عليا الاول. قوليلى ايه اخبارك. اي حاجة."
"يا بنتي مش قصدي ما انا عايزة اطمن عليكي برضه يا ماريانا. نفسي قلبي يبقى مطمن عليكي مع جوزك. أنا يا حبيبتي مليش غيرك اخاف عليه."
ابتسمت بتأثر وقد ترطبت عليها بفعل الدموع وقالت بصوت جاهدت لإخراجه ثابت:
"أنا كويسة يا ماما."
"لا يا بنتي أنتِ مش كويسة ولا حاجة. أنا حاسة بيكي يا ماريانا. قوليلى لسه هو مزعلك."
مسحت الدمعة التي طفرت من عينيها وقالت بقوة:
"هو من النهاردة ميقدرش يزعلني يا ماما خلاص. هو من النهاردة انتهى من حياتي خلاص."
"يعني ايه يا بنتي؟!"
"يعني اللي سمعتيه يا ماما. جورج مبقاش من أولوياتي من النهاردة. أولوياتي هي أنا. أنا وبس. أنا حطيته في المكان اللي يستاهله. من النهاردة مش هفكر اللي في سعادتي وبس."
"يا ماريانا بس جورج يبقى جوزك. لا لازم تحاولي تكسبيه. لا لازم."
"حاولت كتير. مديت ايدي ليه كتير. رميت قلبي وكرامتي تحت رجله كتير. وايه حصل بعدين!! أنا اللي اتكسرت. أنا اللي قلبي اتكسر. هو انا مليش قيمة عندك للدرجة دي يا ماما. أنا خلاص تعبت."
انهمرت الدموع أكثر من عينيها واختنق صوتها وهي تضع كفها على قلبها وتقول:
"أنا عملت ايه بتعاقب عليه. أنا حبيته. حبيته اكتر من نفسي. وهو عمل ايه. كسرني. أنا مش قليلة يا ماما. زي ما دوقتوا حبي هحرمه مني ومش هسامحه ابدا!!!"
تنهدت والدتها وقالت:
"طيب اهدي. اهدي يا حبيبتي."
"لا مش ههدى. أنا مغلطتش. أنا مش هتحمل اللوم لوحدي. أنا حاولت أصلح الجواز ده اتحملت إهماله مرة واتنين وتلاتة. ده كان معايا أنا وبيقول اسمها هي. شوفتي قلة قيمة اكتر من كده!!! أنا أعمل ايه اكتر من كده. ابوس ايديه عشان يحبني."
"يا بنتي خلاص ابوس ايديكي. نفسـك مش كده. متـحاوليش مع حد. اهتمي بنفسك وبصحتك. ولو عايزة تيجي تقعدي معايا كام يوم تهدي فيهم اعصابك ماشي."
هزت ماريانا رأسها وقالت:
"لا يا ماما أنا مش هسيب بيتي. عايز هو يمشي. يمشي براحته. لكن مستحيل اسيب بيتي!!!"
تنهدت والدتها بتعب وقالت:
"براحتك يا بنتي أنا هقفل معاكي دلوقتي."
مسحت ماريانا دموعها وهي تهز رأسها وتقول:
"سلام يا ماما. خلي بالك من نفسك."
ثم أغلقت الهاتف. لتمسك هاتفها ونظرت إلى شاشته لتجد صورة زفافهما خلفية للشاشة. اغتاظت ثم فتحت جهازها وغيرت الصورة لصورة لها بمفردها. هو لا يستحق هذا الاهتمام منها.
"لا معلش شغل ايه اللي عايزة تروحيه من بعد اسبوع جواز أنا مش فاهم؟!" قالها أمير بضيق لترفع حاجبيها وتقول:
"انت ايه محسسني ان ده جواز حقيقي. احنا الاتنين مش بنطيق بعض. واكيد مش متوقع مني اني امثل دور الزوجة المحبة لسيادتك يا فندم. وبعدين مش جاية استأذنك أنا جاية اقولك. أنا هرجع لشغلي."
رفع حاجبيه بصدمة منها ونهض وقال:
"هو أنا مليش كلمة عليكي ولا ايه؟!"
هزت كتفيها وهي تقول:
"لا ملكش ولا حاجة يا أمير. لأن دي حياتي انا. معرفش بتتدخل فيها على أساس ايه؟ جوازنا معروف عشان مين. فمعرفش ليه مصمم تظهره جواز حقيقي. ده لا جواز حقيقي ولا حاجة."
اقترب منها وهو يجذبها نحوه. ارتبكت وهي تراه قريب منها لهذا الحد وقال:
"هو أنتِ متضايقة ليه؟ بتحاولي تستفزيني ليه؟ بتحاولي تقنعي مين أنه مش جواز حقيقي. بتحاولي تقنعي
ن
ي ولا تقنعي نفسك. أنا عن نفسي عارف. بس يظهر أنتِ اللي عندك امل عشان كده عايزة تقنعي نفسك صح. عندك امل ام جوازنا يبقى حقيقي."
ابتسمت ببرود وقالت:
"طبعا فاكر وشي هيحمر وهرتبك. عشان أبين أن كلامك حقيقي. معرفش انت جايب النرجسية دي من فين. انت ذات نفسك لو عايز الجواز بتاعنا يكون حقيقي أنا اللي هرفض. لاني مش عايزاك. أنا عايزة بس عمر. عمر هو سبب وجودي المؤسف معاك."
ابتسم بسخرية وقال:
"طيب ما تيجي نجرب."
ثم جذبها نحوه وهو يلصق شفتيه بخاصتها. وبعدها حاصر وجهها وهو يقبلها بقوة محاولا انتزاع استجابتها بقوة. أما هي كانت جامدة بين يديه باردة. عينيها مفتوحتان بكل برود. تنتظر أن ينتهي. نعم لقد تعلمت أن تسيطر على مشاعرها. لو كانت سما القديمة لكانت انهارت بين ذراعيه وهي تعترف له بعشقها. ولكن سنوات تدريبها للتحكم بنفسها أتت بنتيجة. فإنه على الرغم من أن قلبها يقصف داخل صدرها بقوة. ورغم أن الفراشات تتحرك بمعدتها. إلا أنه نظراتها كانت باردة للغاية.
ابتعد اخيراً عنها وهو يلهث. بشرته البيضاء استحالت للون الاحمر بسبب الانفعال. كان يتنفس بعنف وهو لا يصدق ما فعله. لقد خان حب حياته بتقبيله لشقيقته. والشعور بتلك المشاعر. لم تكن قبلة خالية من المشاعر. لقد شعر بشئ قوى ضربه في صدره بقوة وهو يقبلها. وكل ما يريده الان أن يقبلها مرارا وتكرارا. ما تلك المشاعر القوية نحو تلك المرأة. بماذا يشعر هو هل فقد عقله تماما.
نظر إليها ليجدها تنظر إليه بقرف وتمسح شفتيها بباطن كفها وتقول:
"لو عملت كده تاني هتاخد بالقلم على وشك."
"بتقولي ايه؟!" قالها بصدمة لترد:
"واللي سمعته. لو كررت العملة دي تاني هتاخد بالقلم على وشك. اياك تقرب مني بالطريقة دي تاني. لو عايز واحدة تهتم بحقوقك الزوجية ممكن بنفسي ادورلك على عروسة واجوزهالك كمان. أنا هنا ام لعمر وبس. ابن اختي. وابني كمان. بعدين مش على أساس بتحب مريم. راح فين حبك ليها وانت بتبوس اختها بعد اسبوع بس لما قولت أن جوازنا مجرد صفقة. التزم بكلامك وخليك مخلص لمريم. وابعد عني أنا مش ناقصاك. والشغل أمره منتهى ومتخافش على عمر. ده ابني لو لقيتني مقصرة معاه هسيب الشغل. أن كان ده يريحك."
ثم تركته وذهبت ليجلس على الأريكة بصدمة وهو يضع كفه على قلبه. رباه ماذا فعل. كيف يفعل هذا. ماذا ستقول عنه الآن. لقد التزمت بصفقتها. لم تحاول الاقتراب منه. هو من قبلها بذلك الجنون. لا بد أنه فقد عقله.
ولجت للجامعة وهي تخفي عينيها تحت نظارة شمسية. قررت أن تتجاهله اليوم. قررت ألا تتكلم معه. ألا تعطيه لي فرصة ليؤذيها. تمنت من الله الا يقترب منها. ألا ترى تلك الفتاة معه فيحترق قلبها. هي أبداً لن تنفذ ما يريده. لن تفعل هذا أبداً. ولكن للأسف وجدته أمام قاعة المحاضرات. يجلس مع تلك الفتاة ويضحكان سوياً.
شعرت بقلبها يتمزق بعنف وهي تراه. حبيبها. من اغرقها يوميا بكلمات الغزل. يرمي الان بين يدي أخرى. كيف يفعل بها هذا. ولكنها بقوة رفضت أن تظهر ضعفها وتجاوزته وهي تلج لقاعة المحاضرات.
"ايه ده. دي حلقتلك يا عادل." قالتها جميلة وهي تبتسم بشماتة.
نهض بعيدا عنها وقال:
"هترجع زي الكـلـبة تترجاني احبها وهتشوفي يا جميلة. أنا هكسـر مناخيرها. هخليها تبوس رجلي عشان ارجعـ لها. مش عادل البكري اللي يتكرفله بالطريقة دي."
ثم ولج لقاعة المحاضرات. وجدها تجلس بعيدا عن مكانه المعتاد. وتزيح عينيها العسلية عنه. كز على أسنانه بغضب وهو يتوعدها من الداخل ثم ذهب وجلس هو في مكانه. وبعد قليل جلست جميلة بجواره وهي تنظر لنوران بشماتة. كانـت نوران تكتم دموعها بشق الأنفس. كان داخلها يحترق. لقد سمعت بالفعل صوت قلبها وهو ينكسر. لا تعرف لماذا أحبت رجل لا يشعر بها. أغمضت عينيها عدة مرات وهي تطرد الدموع من عينيها. لقد قررت من اليوم أن تحاول التخلص من حبه. هو لم يحبها يوماً. فالذي يحب لا يمكنه أن يؤذي حبيبه بتلك الطريقة. هي تموت الان وهو لا يشعر بها. هزت رأسها وقررت أن تركز بمحاضرتها.
ابتسم عادل وهو ينظر إليها. أنها تحبه. بل تعشقه. هو يحتاج لأسلوب جديد يأخذ به ما يريده.
بعد انتهاء المحاضرة.
خرجت مسرعة لتذهب لمنزلها. شكرت ربها أن اليوم محاضرة واحدة فقط. بهذا تستطيع الهروب. ولكن لابد أنها كانت تحلم. فها هو قد وقف في طريقها. نظرت إليه ببرود وقالت:
"ابعد لو سمحت."
نظر إليها بنظرة حب خالصة. نظرة استطاع تمثيلها بمهارة وقال:
"مش قادر. مش قادر انساكي يا نوران. حاولت اخليكي تغيري. لكن قلبك حجر. لو كنت أنا مكانك وشوفتك مع حد غيري كنت هموت والله."
ارتعشت داخلها. ولن تنكر أنه لذة الانتصار هزتها بقوة ولكنها سيطرت على نفسها وقالت:
"ايوة وانا مالي. اعملك ايه مثلا. ابعد عني عايزة اروح البيت مش فاضيالك."
ثم كادت أن تذهب مرة أخرى إلا أنه وقف أمامها وقال:
"أنتِ قلبك قاسي أوووي. أنا بموت عشان تديني نظرة من عيونك. وأنتِ مصممة برضه. حرام عليكي."
أنها تضعف. تذوب. لم تستطع منع ابتسامة انسلت من بين شفتيها. ولكنها حاولت السيطرة على نفسها بقدر الإمكان إلى أن اقترب منها وقال بنبرة حميمية:
"وحشتيني. اديني فرصة تانية."
كادت أن توافق بسعادة. ولكنها قررت تأديبه حتى لا يطلب منها أي طلب دنئ. حتى يراها غالية. أرادت أن يسعى هو خلفها وليس العكس. ولكنـه هزمها مرة اخرى وهو يقول بنفس النبرة الحميمية:
"أنا عايزة اخد رقم اخوكي عشان اطلب ايديك. أنا لازم اتجوزك. مش هسيبك لغيري. كل اللي طلبته منك كان مجرد اختيار وأنتِ نجحتي فيه. أنا بحبك يا نوران. مش قادر اعيش تاني من غيرك. استني اكلم بابا لما يجي من السفر الاسبوع اللي جاي. وبعدها اتقدملك واتجوزك علطول."
كانت تطير بالفعل. شعرت أنها اسعد فتاة في العالم. أبعدته وركضت من أمامه وهي تبتسم بخجل.
"طيب ردك ايه طب."
"هبعتهولك واتس." قالتها بدلال ثم ذهب وهي تطير من السعادة. حال خروجها يختلف تماما عن حال دخولها.
"ها يا بنتي فكرتي في اللي قولتلك عليه؟" قالتها وفاء بإبتسامة حنوهة عندما رأت رحيق في غرفة المعلمين. كانت قد اخذتها على جانب لتحدثها بخفوت. لترد رحيق وعينيها تزوغان بتوتر وقد شعرت بأن جسدها أصبح ساخن بفعل التوتر والخوف وقالت:
"ايوة يا ميس وفاء. فكرت وموافقة. خليه يكلم اخويا أمجد. وهو هيحدد ميعاد عشان الرؤية الشرعية ولو فيه قبول من ناحيته اخويا هيسأل عليه وبإذن الله خير."
ابتسمت وفاء وقالت:
"ربنا يتمملك على خير يا بنتي. استاذ حسن مفيش زيه. راجل طيب ومرتاح ماديا وهيسعدك. وكمان ميبانش عليه السن يعني متقلقيش."
هزت رأسها وهي تحاول رسم بسمة على شفتيها. تحاول أن تقنع نفسها أن هذا هو الأفضل. وأن هذا الرجل سيسعدها. لا يهم السن. هي أيضا ليست صغيرة. أما شعور الأمومة فربما يكفلان طفل. حاولت إقناع نفسها بهذا ولكنها كانت تختنق أكثر فأكثر.
بعد قليل.
كانت تجلس مع صديقتها مادونا التي قالت:
"هي مس وفاء كانت واخداكي على جنب وبتقولك ايه؟ عندي فضول. واياكي تخبي عليا. أنتِ مبتخبيش عليا حاجة يا رحيق."
توترت وقالت:
"مفيش حاجة يا مادونا. هكون مخبية عليكي ايه يعني؟"
نظرت إليها مادونا مطولاً. وهي ترفع حاجبيها بتلك الطريقة التي جعلت رحيق تبدو كالمذنبـة. شعرت رحيق أنها محاصرة. شعرت أنها لا تستطيع ان تكذب أكثر من هذا. هي أكثر إنسانة فاشلة في الكذب. لا يمكنها الكذب أبداً. لذلك تنهدت وقررت أن تعترف لمادونا بكل شئ. ثم بدأت تقص على استحياء عرض وفاء وموافقتها عليه.
بعد قليل.
"نعم بتقولي ايه؟!" قالتها مادونا بغضب.
نظرت رحيق حولها وقالت بتوتر:
"اهدي لأحد يسمعنا."
"اهدى ازاي بعد ما سمعت اللي بتقوليه ده يا رحيق. أنتِ بجد هتعملي كده في نفسك. هتتحوزي واحد عنده خمسين سنة. ليه يا حبيبتي. ليه تعملي في نفسك كده. هو أنتِ قليلة."
قاطعتها رحيق بصوت مختنق وقالت:
"لو سمحتي يا مادونا. ده قراري. وبعدين أنا مش صغيرة. وايوة أنا قليلة بدليل ان محدش اتقدملي لحد دلوقتي. حتى أنتِ مرضتيش تكلمي اخوكي."
"بطلي هبل أنا فهمتك أنه عشان."
"حتى لو مكانش مرتبط. مكنتيش هتكلميه عشان عارفة أنه هيرفض. دي الحقيقة يا مادونا اللي رافضة انتِ واهلي تصدقوها. رافضين تقتنعوا بيها انا خلاص القطر فاتني. وصعب الاقى فرص. ودي فرصة جاتلي ومش هفرط فيها. يمكن ابقى مبسوطة. يمكن هو انسان كويس. حكمتوا عليه من سنه ليه؟! يمكن ابقى مبسوطة معاه. بدل ما اللي رايح واللي جاي بيعايرني. أنا خلاص تعبت. قررت اعمل اللي اشوفه صح."
تنهدت مادونا وهي ترى غضبها. لم تكن تريد أن تضغط عليها أكثر. فلتفعل ما تريده. هي لن توقفها. ولكن لن تتخلى عنها أيضا. ستبقى بجانبها وتساعدها. ربتت مادونا على كفها وهي تقول بلطف:
"انا بجد اسفة يا رحيق. أنا مقصدش اضغط عليكي. سامحيني أنا بس مش عايزة تعملي حاجة تندمي عليها بعدين. لكن أنا معاكي في اي قرار تاخديه. وايه رايك يا ستي نخرج ونشتريلك فستان جديد."
هزت رأسها بتصميم وهي تقول:
"لا أنا هلبس العباية اللي جابهالي امجد. مش هشتري حاجة."
"هتقابلي العريس بالعباية؟!" قالتها مادونا بضيق لتهز رأسها وترد بتصميم وتقول:
"ايوة بالعباية."
نفخت بضيق وهي تنظر إلى اوراق الامتحان التي تصححها وقالت:
"انتِ عنيدة اووي بجد."
في المساء.
"يعني ايه الكلام ده معلش؟ أنا مش هنام في اوضتي. يعني لا فطرتيني ولا غدتيني ولا عشتيني وكمان عايزة تطرديني من اوضتي." قالها بغضب لتربع ذراعيها وهي تقف أمام باب الغرفة وتقول:
"هو أنا خلفتك ونسيتك يا جورج. ما تروح تاكل لوحدك وبعدين هتنام في الاوضة ليه؟ أنا مش طايقة ابص في وشك. ولو سمحت كفاية كده وروح نام أنا مش ناقصة صداع ولا مشاكل. احنا اتفقنا."
"أنا متفقتش على حاجة. أنتِ اللي اتفقتي. أنا مش موافق على أسلوب الحياة ده. احنا متجوزين."
ضحكت بقوة. بالفعل ضحكت حتى طفرت الدموع من عينيها. كانت تضحك كالمجنونة. تضحك لتخفي احتراق روحها وقالت:
"متجوزين. بجد. ايه الضحك ده؟ افتكرت اخيرا اني مراتك. ده حلو. حلو اووي. كتر خيرك والله. متشكرين أوووي يا باشا. بس خلاص أنا من النهاردة مبقتش معتبراك جوزي. يعني لو سمحت روح على اوضتك وطرقني بقا."
توسعت عينيه بغضب وقال:
"ايه الأسلوب اللي بتكلميني بيه ده؟!"
"والله يا حبيبي ده الأسلوب الوحيد اللي تستاهله. خلاص الاهتمام والحب اللي كنت بدهولك زي الهبلة راح ومش هيرجع تاني. انت انتهيت من حياتي. اتقبل ده يا جورج."
ثم أعطته منامته وقالت:
"باقي هدومك هتكرم وانقلها اوضتك التانية حاضر. تصبح على خير."
ثم أغلقت الباب بوجهه. وبعدها ابتسمت وهي تقول:
"ولسه يا جورج مشوفتش حاجة."
نفخ بضيق واتجه إلى الغرفة الأخرى وقال:
"أنا باين عليا هعيش ايام فل معاها."
بعد قليل تسطحت على الفراش وهي تبتسم بسعادة. لقد استطاعت رفع ضغط دمه. وقد قررت فعلا أن تستمر في فعل هذا. يستحق كل ما ستفعله به. ترطبت عينيها بالدموع وهي تتذكر ما حدث معها في بداية زواجها. وكيف أنها تقبلت ليلة زواجها. ليلة أحلامها أنه لا يحبها.
في ليلة الزفاف.
كانت تجلس كأي عروس مرتبكة على الفراش الأبيض الرائع. ترتدي غلالة بيضاء تظهر مفاتنها بطريقة جعلت وجنتيها تتزينان بحمرة الخجل القانية. لم تضع أي مساحيق تجميل كما وصتها والدتها. فعلت كل ما املته عليها والدتها مهما كان صعب. منها ارتداء تلك الغلالة الفاضحة. ارتـعشت وهي تشم رائحة عطره تنتشر في المكان. رفعت عينيها السوداء لتجد عينيه الزرقاء مركزة عليها. ابتلعت ريقها بتوتر ليقترب هو منها. ثم يجلس بجوارها ويقول بنبرة جامدة:
"أنا اسف."
نظرت إليه بحيرة ليكمل هو:
"مش هقدر النهاردة. مش قادر احبك. اسف."
ثم تركها مذهولة. ليلة زفافها وخرج. وفي الحقيقة الذهول كان أقل ما يمكن وصفه. كانت مقتولة حرفياً بفعل كلماته.
خرجت من شرودها وهي تدفن رأسها في الوسادة وتبكي. لن تسامحه ابدا بسبب ما اشعرها به.
بعد يومين.
ارتدت عباءة سوداء أنيقة. ونظرت إلى المرآة وهي تتنهد بتوتر. لا تعرف ماذا سيحدث. من سيتقدم لها سوف يأتي بعد قليل. نظرت إلى شكلها في المرآة. كانت عادية. عادية للغاية. بشرتها سمراء. وعينيها سوداء. لقد ورثت بشرتها السمراء من والدتها. ولكن والدتها كانت اجمل منها. فوالدتها كانت تمتلك عينين ساحرة. تمنت أن تمتلك مثل تلك العينين. ولكن للأسف. ربما الجمال ليس من نصيبها. وهي ليست غاضبة. ليست غاضبة أبداً.
ولجت دلال إلى غرفتها وقالت:
"جهزتي يا حبيبتي؟"
نظرت إلى دلال بتوتر واتجهت إلى الفراش وجلست عليه وقالت متنهدة:
"من بدري."
تنهدت دلال وقالت:
"واثقة من قرارك ده؟"
ابتسمت بحزن وقالت:
"مفيش الا الحل ده."
"يا بنتي اصبري بس."
هزت رأسها وقالت:
"لا كفاية كده يا ماما. هصبر لحد امتي مبقاش ينفع. أنا عايزة كمان اتجوز واشوف حياتي. ويمكن الشخص ده يطلع كويس. أنا تقلت عليكم أوووي."
تنهدت دلال وهي تقترب منها وتجلس بجوارها وتقول:
"كل ده بسببي صح. بسببي فكرتي كده. أنا عارفة اني مكنتش ام كويسة ليكي. بس انا برضه تعبانة يا رحيق. قلبي مكسور. أنا أفنيت حياتي عشان جوزي. وفجأة لقيته بيقول هيتجوز عليا عشان الخلفة. أنا كنت بموت وانا بشم في هدوم الراجل اللي بحبه ريحة ست تانية. مش هتحسي بالشعور ده انك تحبي حد اكتر من حياتك وفجأة ينسى كل حاجة ويكسرك. أنا كنت بموت يا رحيق. بموت والله. سامحيني على اللي عملته بس الغيرة عمت عيوني. سامحيني يا بنتي."
طفرت الدموع من عيني رحيق وعانقت دلال بقوة وهي تقول:
"تعرفي أنا عمري ما زعلت منك ابداً. أنا كنت زعلانة من نفسي لاني وجودي مزعلك. أنا بحبك اووي أنتِ متعرفيش. أنا عمري ما هنسى انك ربتيني. أنا معرفتش ام غيرك. من صغري معرفش غيرك وبحبك امي اللي ولدتني بحبها بس معرفهاش. مشوفتهاش. بس شوفتك وعاشرتك ويعلم ربنا اني بحبك. بحبك اووي."
ابتعدت دلال عنها وهي تمسح دموعها وقالت بصوت مختنق:
"يبقى لو بتحبيني متكمليش في اللي بتعمليه ده يا بنتي. عشان خاطري."
قبلت كف دلال وقالت:
"خليني اجرب. يمكن يطلع كويس."
وصل العريس المنتظر. رجل في اوائل الخمسينات. ملابسه مهندمة. شعره رمادي. يبدو عليه رغد العيش. جلس على الأريكة الوثيرة وهو يبتسم بلطف لأمجد وأخبره:
"سمعت عنك كتير يا شيخ أمجد. مش من الست وفاء بس. سمعت انك عالجت ناس كتير."
"أنا معملتش حاجة يا استاذ حسن. كل بإرادة ربنا."
"ونعم بالله." ثم صمت قليلا وقال بلهفة:
"اومال العروسة فين؟"
ما كاد أن ينتهي إلى أن طلت رحيق وهي تمسك صينية العصائر والكعك ثم رفعت رأسها حتى ظهرت ملامحها السمراء. نهض فجأة حسن.
"هي دي العروسة الصغيرة واللي زي القمر اللي جايباها ليا يا ست وفاء. اومال لو وحشة هيكون شكلها ايه. اتجننتـي ولا ايه. أنا عايز واحدة تعفني. شايفة دي هتعفني!!"
صرخ حسن بصدمة لتتجمد رحيق مكانها وتسقط من كفيها صينية العصائر. نهض امجد بغضب واقترب من شقيقته التي أطرقت رأسها بخجل والدموع الساخنة تسقط من عينيها وزعق بالرجل:
"ما تحترم نفسك يا بني ادم انت!!! ويالا اتفضل روح من هنا معندناش بنات للجواز."
ابتسم حسن بسخرية وقال:
"ومين قالك اني هتجوز اختك دي. ومين عاقل يتجوزها اصلا. متقلقش هتخلل عندك محدش أبداً هيبصلها."
احمر وجه امجد وكاد أن يقترب ليضر به الا ان رحيق أمسكت ذراعه وهي تنظر إليه بترجي ألا يفعل. وبالفعل ذهب الرجل غاضباً. اتبعته وفاء بعد أن اعتذرت لرحيق. بينما رحيق تركت كل شئ لاذت بالفرار لغرفتها وبعد أن أغلقت غرفتها بكت كما لم تبكي من قبل.
"أنا عايز عروسة. مش مهم هي مين شكلها ايه. مستواها المادي ايه. أنا عايز واحدة اتجوزها. واحدة ملهاش اي طلبات. لا تطلب مني حب ولا حقوق زوجية. واحدة ريبورت تنفذ اوامري وبس. والأهم بده تهتم ببنتي تالا." قالها ذلك الرجل الطويل. كان يسير بإنفعال بينما شعره الطويل يهتز خلفه بتوتر. نظر إلى المساعد الخاص به وعينيه الزرقاء تبرقان بشدة وقال:
"مش عايز عبط زي المرة اللي فاتت يا رشاد والا هدفعك التمن."
هز رشاد رأسه بتوتر وقال:
"حاضر يا باشا."
جلس هو على الأريكة براحة وهو يغمض عينيه بقوة ويقول:
"عايزها في أسرع وقت. اتحرك."
رواية اسرت قلبه الفصل السادس 6 - بقلم سوليية نصار
رحيق افتحي الباب عشان خاطري!!!
قالها أمجد بتوسل لشقيقته التي تحبس نفسها داخل الغرفة.
كان قلبه يحترق من أجلها، كان حقاً حزين من أجلها.
بينما رحيق كانت تدفن رأسها في الوسادة وتبكي بعنف، تشعر بقلبها يتمزق.
إنها حقاً تموت من الأسى.
لماذا لا يتقبلها أحد؟ لماذا لا يحبها أحد؟
لم ترى أبداً نظرات الإعجاب في عيني أحدهم.
كانت ترى جميع زميلاتها يتزوجن ممن يحببن.
كانت ترى أصدقائها وهم يحظون بالحب.
ولكن هي، هي لم يفكر بها أي أحد.
لم يحاول أحد التقرب منها، لم يقبل أحد بالزواج منها.
وكأنها لا يحق لها الزواج، لا يحق لها أن تُحب.
هي أيضاً بحاجة للحب.
تتوق لترى نظرات العشق فيمن سيختارها.
تتوق لتشعر بحب أحدهم لها.
إلى متى سوف تتحمل؟ إلى متى؟
فقد الأمل في أن تفتح له الباب، لذلك جلس أرضاً وهو يريح ظهره على الباب ويقول:
أنا عارف أنك مش هتفتحي.
وعارف قد إيه انتِ مجروحة.
أنا آسف على كل حاجة عانيتي منها يا رحيق.
حقك عليا أنا.
أنا آسف.
كان مفروض أحميكي.
كان مفروض أسأل عليه.
سامحيني يا رحيق لأني مكنتش الأخ المثالي ليكي.
بس هقولك حاجة وافتكري كلامي كويس.
نصيبك موجود.
مع واحد أحسن منه بكتير.
تعرفي بعد ما صليت الفجر النهاردة حلمتلك حلم حلو أوي.
أوي يا رحيق.
حلمت أنك فيما معناه هتتجوزي راجل وسيم.
واحد هيحققلك كل أحلامك.
واحد هيعوضك عن أي حاجة وحشة عيشتيها.
واحد هيحبك بجد.
ابتسمت ساخرة وكلامه يطعنها في الصميم.
لن يحبها أحد.
لا أحد سوف ينظر إليها.
هذا مجرد وهم.
لا أحد سوف يهتم بها.
بالأساس لا أحد يراها.
لا أحد يفكر بها.
هي كأنثى لن تستطيع أن تجذب أي رجل.
مستحيل.
ضمت ساقيها إلى جسدها وهي مستمرة في البكاء.
لا ترغب بسماع أي مواساة.
أمجد!!
قالتها دلال وهي تراه ما زال يجلس ويواسي شقيقته.
نظر أمجد إلى والدته بحزن.
اقتربت والدته وساعدته لكي ينهض وقالت:
تعالى يا ابني، أنا هحاول أتكلم معاها.
نهض أمجد وقال بقهر:
أنا كان مفروض أكسر عظمه.
مفروض مكانش يطلع من هنا عايش بعد ما خلى أختي في الحالة دي.
ارتعبت دلال وهي ترى الغضب في عيني ابنها.
الشر الذي يطل من عينيه.
هي غير معتادة على أمجد هكذا.
ابنها ليس عنيف أبداً.
ولكنها تعرف كيف يحب شقيقاته ولن يسمح أبداً لأي أحد أن يؤذيهما.
ميستاهلش والله يا بني.
بكرة هيجيلها نصيبها بإذن الله.
اصبر بس وهي تصبر كمان.
أنا عارف أن نصيبها مستني.
بس محدش راحمها يا أمي.
محدش أبداً.
تنهدت دلال وهي تضم ولدها وقالت:
كل حاجة هتكون تمام.
بكرة تتعدل وتلاقي ابن الحلال اللي هيعمل المستحيل عشان يسعدها.
ربت على كتف والدته وهو يقول:
يارب يا أمي.
يارب.
في اليوم التالي.
خرجت من غرفتها وعينيها منتفخة، كأنها لم تنام جيداً.
بالأسفل، بشرتها جافة للغاية.
وشعرها مشعث.
كانت بحالة يؤثر إليها.
ولجت للحمام سريعاً وهي تنظر إلى نفسها في المرآة التي بالحمام.
لمست وجهها وهي تبحث عن أي معلم للجمال فلا تجد.
لقد كانت تجد نفسها مقبولة ولكن الآن تبحث عن جمالها فلا تجده.
أين جمالها؟ أين؟
إنها دوماً ترى أن لكل فتاة ميزة تميزها، أو علامة جمال محددة.
وهي الآن تبحث عن أي معلم يدل على أنها جميلة فلا تجد.
مهما فعلت لن تكون جميلة.
فلتقبل بقدرها وتتحمل حتى تموت!!!
فتحت صنبور المياه وهي تغسل وجهها.
ثم أمسكت الفرشاة وبدأت بتمشيط شعرها ولفته جيداً.
يجب أن تستعد للذهاب إلى عملها.
خرجت من الحمام ووجدت دلال قد جهزت هي ونوران لها الإفطار.
بينما أمجد أحضر لها المثلجات التي تحبها.
انهمرت الدموع من عينيها وهي ترى هذا الاهتمام الغريب منهما.
ابتعدت نوران وولجت لغرفتها.
بينما اقتربت دلال منها وعانقتها بحب وقالت:
مهما حصل افتكري أن ليكي عيلة بتحبك.
انتِ مش لوحدك يا رحيق.
انفجرت الدموع من عينيها أكثر وهي تعانق والدتها بقوة وتبكي بصوت مرتفع.
كان قلبها ممزق ولكنها سعيدة.
سعيدة للغاية.
إنها تحظى بحب العائلة الآن.
العائلة التي تمنتها.
لا يمكنها أن تكون أكثر سعادة من هذا.
ابتعدت عنها دلال ومسحت دموعها وقالت:
يالا يا حبيبتي عشان تفطري.
مفروض متزعليش.
بالعكس تفرحي أن ربنا خلصك من واحد زي ده.
وأنا واثقة أن ربما هيعوضك بالأحسن منه بكتير.
هزت رحيق رأسها وهي ترسم ابتسامة رائعة على وجهها تناقض ذلك الحزن الذي يطل من عينيها.
أجلستها دلال برفق على المقعد وقالت:
يالا يا حبيبتي افطري.
عشان متتأخريش على شغلك.
هزت رحيق رأسها وهي تمسح دموعها بكف يديها.
جلست بجوار شقيقها وقالت:
أومال فين نوران؟
اقعدي ارتاحي وأنا هروح أجيبها.
ثم ذهبت دلال إلى غرفة نوران لتحضر ابنتها.
ولجت دلال لغرفة نوران الرائعة والتي صممها لها شقيقها بنفسه.
وجدتها تجلس على فراشها وهي شاردة الذهن.
اقتربت دلال من ابنتها وجلست بجوارها وقالت:
سرحان في إيه يا بنت؟
انتبهت نوران ونظرت إلى والدتها وابتسمت ساخرة وقالت:
سرحانة في الحنية الغريبة اللي ظهرت لرحيق دي.
إيه الحب الغريب ده اللي حبتهولها فجأة؟
إيه قدرت تتدحلب.. تتدحلب لحد ما تتمكن!!!
إيه اللي انتِ بتقوليه ده يا بنت؟
قالتها دلال بغضب لترد نوران:
بقول الحقيقة يا ماما.
الحقيقة أنك نسيتي أن رحيق دي تبقى بنت ضرتك مش بنتك.
إزاي تعامليها زينا؟
إزاي؟
مفروض متحبهاش.
مش قولتي أن أمها تبقى الست اللي سرقت بابا منك؟
مش دي بنت الست اللي بابا اتجوزها وفضلها عليكي عشان خلفت قبلك؟
وبعد ما ماتت جاب بنته هنا عافية ذوق عشان تشاركنا في كل حاجة.
وطبعاً عملت نفسها ملاك برئ عشان تخليكي تحبيها.
صدقيني متثقيش في وشها البرئ ده لأنها هتبقى خطافة رجالة زي أمها وهتش.
بس خلاص اسكتي!!!
قالتها رحيق بانهيار وهي تلج للغرفة وقد سمعت كل كلام شقيقتها.
نهضت نوران وهي تنظر إليها بكره وقالت:
مش بس خطافة رجالة دي كمان بتتسمع على كلام الناس.
طالعة زي.
اسكتي اياكي تجيبي سيرة أمي على لسانك.
أنا متسمعتش على كلام حد.
أنا جيت عشان نفطر مع بعض.
لقيتك بتتكلمي بالطريقة دي عني.
حرام عليكي.
أنا عملتلك إيه لده كله؟
والله يعني مش عارفة انتِ عملتي إيه.
مش كفاية اللي أمك عملته.
إيه مش عايزة تعترفي أن أمك المحترمة خطافة رجالة؟
خطفت أبويا من أمي.
حتى انتِ شكلك هتطلعي زيها.
بس خلاص اسكتي!!!
قالتها رحيق بصوت عالي وبانهيار وقد انفجرت الدموع من عينيها.
لتكمل نوران بحقد بالغ:
بس سبحان الله ربنا عادل.
أهو انتِ هتموتي وحد يعبرك.
يتجوزك.
بس محدش هيبصلك.
وفي الآخر هيبقى مصيرك زي مصير والدتك.
خطافة رجالة!!
خلاص اخرسي بقا.
صرخت دلال وهي ترفع كفها وتضرب نوران بكل قوتها.
امي لا.
قالتها رحيق بصدمة وهي تبعد والدتها عن نوران.
بينما كان قد أتى أمجد ثم اقترب من نوران وأمسك ذراعيها بقوة وقال:
اعتذري.
توسعت عينيها العسلية بألم وقد طفرت الدموع من عينيها.
ولكنها لم يرحمها بل ضغط على ذراعها أكثر وقال:
قولتلك اعتذري.
نظرت هي إلى رحيق وقالت بصوت مختنق:
أنا آسفة.
آسفة.
آسفة.
ظلت تكررها وهي تبكي.
ولكنها لم تكن حقاً تشعر بالندم.
بل بالقهر.
فها هو شقيقها الذي تحبه يأخذ صف رحيق.
لقد اقتنعت أنه يحب رحيق أكثر منها!!
نهض من نومه بإنزعاج.
هذا السرير الصغير لم يكن مريحاً له أبداً.
رباه إلى متى سوف تعاقبه؟
اتجه إلى الخزانة الصغيرة واخرج منها ملابسه وهو ينفخ بضيق.
قبل أن تعاقبه كانت تنظم له ملابسه بنفسها.
حتى أنها كانت تكوي ملابسه.
كانت تمنحه عناية مميزة.
ولكنه كان قد اعتاد الأمر فلم يكن الأمر مبهر له أبداً.
بل أحياناً كان يخنقه لأنه يراها تعطيه الحب الذي لن يستطيع أبداً أن يعطيه إياها.
كان يشعر بتأنيب الضمير أحياناً ولكنه كان يقتل هذا الشعور وهو يخبر نفسه أن ليس خطأه أنها تعلقت به.
وأن تلك هي مشكلتها الخاصة وليست مشكلته.
هو أبداً لم يخبرها أنه سوف يفعلها.
وهو بالطبع لن يحبها.
لن يفعل هذا.
أخرج ملابس العمل وخرج كي يقوم بكيها.
تجمد وهو يجد طعام إفطار مميز على الطاولة.
اقترب بسعادة وامتدت يده للطعام إلا أنه صرخ بألم وهي تضربه بالشوكة على يده وتصرخ به:
إياك.
الأكل دي جايباها بفلوسي.
وأنا اللي وقفت وعملته.
أعمل أنت لنفسك.
يا ماريانا أنا.
ششش مش عايزة أسمع ولا كلمة سمعتني.
أعمل أكلك بنفسك.
ثم لتقهر ه جلست على الطاولة وبدأت تأكل بتلذذ.
نظر إليها بغيظ وقال:
طيب مين هيكوي هدومي أروح بيها كده؟
نظرت إليه بدهشة مصطنعة وقالت:
عفواً وأنا مالي؟
ما تكويها بنفسك ليكون فاكر أني الجارية اللي اشتريتها بفلوسك.
أنا كنت بهتم بيك عشان بحبك.
وحبي ليك انتهى.
أهتم ليه تاني؟
وزي ما أنا مش بطالبك بحاجة أنا مش عايزة منك أي حاجة.
ضغط على أسنانه بقوة وقال:
أنا هكوي هدومي بنفسي.
مش عايز منك أي حاجة.
هزت كتفها بإستفزاز وقالت:
أكيد اتفضل.
ثم بدأت بالأكل.
بعد ساعة تقريباً.
كان يرتدي ملابسه بضيق وهو ينظر إلى ذراعه العضلي.
كان تظهر عليه علامة الحرق بفعل الكي.
لم يتم كي قميصه بطريقة مثالية.
ولكن الأمر مقبول.
فقط مع بضع محاولات سوف ينجح أن يستغنى عنها.
لن يعترف أبداً أنه بحاجة إليها.
لكنه لن يجعلها تنتصر.
خرج من الغرفة ليتجمد وهو يجدها قد تجهزت وقد ارتدت فستان بنفسجي قصير للغاية.
كما أنه وقماشه يطوق كتفيها ويظهر جزء كبير منه.
قد بدت رائعة الجمال.
حقاً خاصة مع مساحيق التجميل الرقيقة التي تضعها.
لابد أن الرجال سوف ينظرون إليها كما ينظر هو إليها الآن.
رغم أنه لا يحبها إلا أنها سلبت عقله.
فكيف بالرجال في الخارج.
إيه اللي انتِ لابساه ده يا هانم!!
هدر بها بعنف لتنتفض وهي تنظر إليه بدهشة وتقول:
انت مالك؟!
اقترب منها بغضب وهو يعصر ذراعيها ويقول:
لا لحد هنا وتتلمي يا ماريانا.
مش عايز أزعلك بجد مني.
إيه اللي انتِ لابساه ده وفاكرة نفسك هتخرجي بيه.
حاولت أن تسحب يديها من بين سجن كفه وتقول:
ملكش دعوة بيا.
مسرحية جوازنا السخيفة خلصت.
فمتعملش نفسك غيران عليا!!!
روحي غيري الفستان أحسنلك.
قالها بغضب وقد شابت عينيه الزرقاء اللون الأحمر بفعل الغضب.
عرفت ماريانا أنها قد أخرجته عن طوره ولكنها صممت أن تفقده صوابه كما أفقدها هو صوابها فقالت بإستفزاز:
ولو مخلعتهوش هتعمل إيه؟
انتِ هتخرجي كده!!
وتخلي الناس تتفرج عليكي!!!
هزت رأسها بعناد وقالت:
أيوه أنا حرة هخرج كده.
واللي يتفرج يتفرج.
وانت مش هتقدر تعمل حاجة.
بقا كده؟!
رفعت رأسها بقوة وقالت:
أيوه كده.
طيب.
قالها بغموض ثم في ثواني امتدت ذراعيه إلى حافتيه الفستان ليصدح صوت تمزق الفستان عالياً.
أتبعه بصرختها وهي تمسك فستانها الممزق وقالت:
إيه اللي أنت عملته ده يا ابن المجانين؟!!
نظر إليها ببرود وقال:
تروحي زي الشاطرة وتلبسي فستان محتشم.
أنا فاضي النهاردة مستعد أقطع كل فساتينك اللي مش هتدخل دماغي!!!
فين دبلتك يا هانم؟
قالها بغضب وهو يراها تخرج لعملها وتمسك كف صغيره عمر.
كانت قبل زواجهما تعمل بمدرسة خاصة وقررت أن تأخذ عمر معها حتى تكون معه.
يجب أن يعترف أنها رتبت أمورها جيداً كي تعمل دون أن يخترع أي حجة ويمنعها من العمل.
نظرت إليه سما ببرود وقالت:
دبلة إيه.
اقترب منها وعينيه السوداء تلمع بغضب وقال:
متخلنيش أفقد أعصابي وقوليلي فين دبلتك؟
سيبتها في الدولاب.
نظر إليها بغيظ وولج للغرفة وهو يفتح خزانتها ويرى طوق زواجها وقد وضعته برفق بجوار ملابسها.
أخرجه واتجه إليها في الصالة وامسك كفها ثم ألبسها إياه وقال:
متخلعهوش تاني.
لازم اللي تتعاملي معاهم بره يعرفوا أنك على ذمة راجل.
ذلك التملك الذي تحدث به جعل الفراشات تتحرك في معدتها وقد سمعت دقات قلبها وهي تهدر داخل صدرها.
ابتلعت ريقها بعسر وعينيه البنية أسيرة عينيه.
كلما أخبرت نفسها أنها سوف تكرهه تجد نفسها تذوب فيه أكثر.
ماذا يمكن أن تفعل كي تتخلص من ذلك الحب؟
لا البعد عنه يجعلها تنسى ولا القرب منه أيضاً.
إنها لا تستطيع التخلص من سيطرته عليها.
إنها تموت حرفياً بسبب شعورها بالذنب.
لقد أصبحت ترغب به أكثر.
تحلم كثيراً أن يصبح زواجهما حقيقي.
ترسم في عقلها حياة لهم سوياً.
هو وهي وعمر.
وربما طفل آخر.
ولكنها تعود لرشدها وتخبر نفسها أنها خائنة.
أنها تخون شقيقتها وأن شقيقتها لا تستحق هذا أبداً.
تختنق وهي تكون خيالات عنه.
شعور بالذنب يثقل ضميرها.
لا يمكنها أن تحبه بسهولة لذلك تصطنع البرود.
بمهارة تصطنع اللامبالاة نحوه.
تخبره أن مشاعرها نحوه انتهت.
ولكن الحقيقة لا.
مشاعرها لن تنتهي إلا بموتها هي.
هييي سما انتِ سامعاني.
انتفضت على صوته ووجدت عينيه مركزة عليها بحيرة.
فركت كفيها بتوتر وهي تعدل من وضع حجابها وقالت:
سامعاك.
وضع كفيه على خصره وقال بدون رضا:
طيب أنا قولت إيه؟
نظرت إليه بتشويش ليهز رأسها بتعب ويقول:
كنتِ سرحانة صح.
طيب أنا كنت بقول أنك متخلعيش الدبلة دي من إيديك.
أنا سيبتك تشتغلي رغم أني مش بحب أن مراتي تشتغل.
لكن أنا اديت كلمتي لأهلك.
فخليكي مسؤولة واعرفي أنك في عصمة راجل.
نظرت إليه ببرود استطاعت تصنعه بمهارة وقالت:
معرفش قصدك إيه؟
بس أنا واحدة بحترم نفسي وعارفة حدودي.
وده مش عشانك ده عشان ربنا اللي أهم منك.
أنا لو عايزة أخون أو أبقى وحشة ده مش هيمنعني.
قالتها وهي ترفع طوق الزواج وتريه إياه وتكمل:
أنا أنضف من كده بكتير.
معرفش ليه أخدتيها بالشكل ده.
بس أنا سمعت أن خطيبك القديم معاكي في نفس المدرسة.
مش عايزة يتأمل حاجة.
مش حابب أبداً أني أضطر أكسرله صف أسنانه.
أنتِ فاهماني أكيد.
نظرت إليه وقالت:
ماجد متجوز.
مفيش داعي لخوفك ده.
أستاذ ماجد.
قالها ببرود.
نظرت إليه بحيرة ليرد ويقول:
لو سمحتي متشليش التكلفة ما بينكم.
تعامليه بالطريقة دي.
فهمتي؟
نظرت إليه بضيق.
تكره الطريقة التي يلقي بها أوامره.
ولكنها لا تنكر أن غيرته تلك أسعدتها.
نعم هو يخفي.
لكنه يغار.
ولكن لا يجب أن تتمادي.
هي لا تريد أن تثير غضبه.
مهمتها واضحة وهي عمر فقط.
رحيق يا بنتي.
قالتها السيدة وفاء وهي تقترب من رحيق وقد قابلتها صدفة على باب المدرسة.
نظرت رحيق إليها وقالت بصوت باهت:
إزيك يا مس وفاء.
شعرت وفاء بالخجل لأنها من وضعت رحيق بهذا الموقف السيء واقتربت منها وهي تقول:
سامحيني يا بنتي.
سامحيني حقك عليا.
أنا.
مكنتش أعرف أنه راجل لسانه طويل للدرجادي.
ربتت رحيق على كفها وقالت:
محصلش حاجة يا مس وفاء.
أنا كويسة.
هو نصيب الحمدلله أنا راضية بنصيبي.
مش زعلانة.
ابتسمت وفاء براحة وربتت على كف رحيق وقالت:
ربنا يراضيكي يا بنتي.
صدقيني ربنا شايلك الأحسن من ده كله.
متزعليش خلي أملك في ربنا كبير.
ابتسمت لها رحيق ولكن خلف ابتسامتها كان ألمها أكبر.
كانت تثق في أن الله سوف يعوضها ولكن قلبها كان متضرر.
كانت لا يمكنها أن توقف الألم الذي يتصاعد في قلبها.
تشعر وكأن ألمها لن ينتهي.
البارحة قد تضررت كثيراً.
تضرر قلبها وكرامتها.
واليوم.
اليوم ما قالته نوران حطم الباقي من قلبها.
إنه من المؤلم أن يكرهك شخص تحبه.
أن تكرهك شقيقتك.
أن تكرهك من تشاركها في نفس الدماء.
تمنت أن تحبها نوران.
حقاً تمنت هذا من كل قلبها.
ولكن لا بأس نحن لا نحصل على كل شيء في تلك الحياة.
والدتها أصبحت تحبها ولن تطمع أكثر من هذا فلتشكر ربها.
رحيق بنتي انتِ كويسة؟
قالتها السيدة وفاء بقلق وهي ترى شرودها.
كانت حقاً قلقة عليها خاصة بعد ما حدث بالأمس.
هي حقاً تشعر بتأنيب الضمير.
لقد قالت للرجل أن الفتاة جميلة وهي لم تكن تكذب بهذا الشأن.
لا أحد يرى هذا ولكن بالفعل رحيق تمتلك جمال مميز للغاية.
سمرتها جذاب للغاية.
وأنفها الدقيق يمنح ملامحها تناسق جبار.
من سيتزوجها سوف يكون محظوظ للغاية بكل تأكيد.
سوف تدعو يومياً أن تحصل تلك الفتاة على حب حياتها.
سوف تطلب هذا من ربها يومياً.
ولن تمل أو تكل.
فتلك الفتاة الرائعة تستحق أن يحبها أحدهم.
أن يقدم لها كل السعادة على الأرض.
وهي تثق أن أحد ما سوف يراها يوماً وسوف يقع بحبها وسوف يكون الشخص المناسب تماماً.
معرفش ليه متعترفيش أنك بتحبيه يا أريام.
باين عليكي على فكرة.
قالتها سلوى صديقتها المقربة وهي تجدها تنظر إلى أمجد.
كانت أريام تتنهد بتفكير.
أنه بعيد كبعد النجوم عنها.
لا يراها.
دوماً يضع عينيه في الأرض.
لا يتعامل مع أي فتاة إلا في أضيق الحدود.
تشك أصلاً أنه يحفظ ملامحها رغم عملها معه في نفس الشركة لثلاث سنوات.
تعرف أن هذا بسبب تدينه الشديد وأن هذا ما يجذبها بقوة فيه.
تتمنى أن تتمتلك هذا القدر من التدين.
صحيح أنها ترتدي ملابس واسعة.
حجابها يرضي الله تصلي فروضها وتقرأ وردها اليومي ولكنها لا تستطيع غض عينيها عنه.
عينيها السوداء تبحر في ملامحه الرجولية الجذابة.
عينيه العسلية التي تغرق بهما.
إنها تحبه.
نعم لن تنكر بعد الآن.
كلما تراه قلبها يقصف بعنف.
انجذابه الشديد له بدأ من اليوم الذي ساعدها فيه.
عندما كانت تعمل في الشركة منذ فترة بسيطة.
هو الوحيد الذي ساعدها ولم ينتظر مقابل.
هو حتى لم يكن ينظر إليها.
كان يغض بصره عنها.
يعاملها بإحترام.
كل تلك الأشياء جعلتها تحبه بصمت.
هي فقط تدعو الله يومياً أن يراها.
يشعر بها.
يحبها.
تنهدت أريام وهي ما زالت تنظر إليه.
رباه كم هو وسيم.
فجأة توسعت عينيها عندما وجدتـ ه نظر إليها فجأة.
بسرعة انخفضت كي تختبئ ولكنها دون أن تقصد اصطدمت بقوة في اللوح الخشبي في جبهتها.
وللأسف انجرحت جبهتها.
اقترب منها أمجد وعثمان بتوتر وقال أمجد:
أنسة أريام انتِ كويسة؟
كويسة.
كويسة.
قالتها بإرتباك ثم ذهبت مسرعة نحو الحمام.
وذهبت صديقتها سلوى خلفها.
نظر أمجد إلى أثرهما وقال:
هو إيه اللي حصل أنا عملت إيه؟
يعني متعرفش؟
قالها عثمان بخبث لصديقه.
أنا معرفش أنا عملت إيه عشان أوترها كده؟
يعني أنا مش مديرها عشان تخاف مني بالشكل ده؟
قالها أمجد بحيرة لصديقه عثمان.
ضحك عثمان وقال:
لو تعرف مهندسة أريام هتعرف أنها مبتخافش بسهولة دي.
دي واحدة قوية شوف في وقت بسيط بقت من أشطر المهندسين في الشركة وفاتت ناس أكبر منها.
فمعتقدش مديرنا الطيب يوترها.
انت الوحيد اللي بتوترها.
رفع حاجبيه بدهشة وقال:
وأوترها ليه؟
هو أنا عفريت مثلا.
انت غبي يا أمجد.
معقول مش واخد بالك منها.
ولا بتستهبل.
البنت بتحبك!!!
نظر إليه أمجد بصدمة وقال:
إيه اللي انت بتقوله ده.
رفع عثمان حاجبيه وقال:
على أساس مش واخد بالك.
ولا أساس انت برضه مش منجذب ليها.
إيه اللي أنت بتقوله ده يا عثمان.
عيب كده باشمهندسة أريام زي اخت.
طيب بطل هبل ومش عليا وبعدين فيه إيه يا أخي لما تعترف أنك منجذب ليها.
دي الست الوحيدة اللي قبلت تتعامل معاها وتساعدها في الشركة.
مش حرام روح اتقدملها وتبقي ملكك بدل ما تضيع من إيديك وتقعد تغني ظلموه.
بعد أسبوع.
خرجت من غرفتها أخيراً بعد أن حجزت نفسها لمدة أسبوع.
قررت أن تستعين بعمها كي يساعدها لكي تعود لدراستها.
وجدت عمها وسيف يجلسان سوياً على طاولة الإفطار.
اقتربت هي وجلست عليها بدون حديث.
كانت تخفي وجهها بغطاء الوجه الأسود بينما عينيها تنظران إليهما بجمود.
قالت في الأخير:
أنا عايزة أكمل دراستي.
هز عمها رأسه وقال:
حقك طبعاً يا بنتي.
هتكملي دراستك.
بس في بيت جوزك.
نعم.
قالتها بصدمة ليرد هو:
أنا عايزك تتجوزي سيف ابني.
حينها كان سيف يشرب كوب قهوته.
قام ببصق القهوة من فمه وهو يصرخ:
نعم!!!
بتقول إيه!!!
بس أنا كنت عايز أقابل باباك النهاردة.
انت وعدتني يا عادل.
قالتها نوران بضيق.
كانا سوياً بالسيارة بينما هو يرمقها بنظرات غريبة.
كانت تلك فرصته ليفعل بها ما يريد.
لقد وافقت بعد محاولات أن تثق به وتستقل سيارته واتى بها إلى هذا المكان المهجور نوعاً ما لكي يفعل ما يريده بها.
لن يتركها حتى ينالها.
خلاص يا قلبي بكرة نشوفه وأنا وبعدها هاخد رقم أخوكي ونتقدم وتبقي بتاعتي.
بتاعتي وبس.
احمر وجهها بخجل وابتسمت بسعادة.
فجأة رفع كفه وثقلت أنفاسه.
عايز أشوف شعرك.
قالها بنبرة ثقيلة وهو يمد كفه إلى رأسها.
أبعدت كفه بغضب مرتبك وقالت:
عادل.
رجعت لحواراتك دي؟
إحنا قولنا إيه؟
ده شعرك بس.
وهشوفه لآخر مرة.
نفسي بجد أشوفه.
هزت رأسها وهي تقول:
لا.
مينفعش.
بعد الجواز شوفه براحتك.
عشان خاطري يا نوري.
عشان خاطري.
أنا هشوفه مرة واحدة بس.
عشان خاطري.
يوووه يا عادل قولت.
ولكنه قاطعها وهو يمسك كفها بلهفة ويقول:
مرة واحدة.
واحدة وخلاص.
لو بتحبيني.
يارب أموت لو مشوفتش شعرك.
أنا بس هشوفه.
عشان خاطري.
زفرت بضيق وهي عاجزة عن الكلام.
إلحاحه الشديد جعلها تلين.
ازدردت ريقها وهي تنظر إليه بارتباك ليبتسم بخبث وقد امتدت كفه إلى حجابها وبدأ بفك الحجاب ببطء.
وسرعان ما كتم أنفاسه عندما فك شعرها الذي انحدر على كتفها مثل الشلال.
وعلى غرة باغتها وهو يجذبها نحوه ويقبلها.
تجمدت بين ذراعيه وتوسعت عينيها بصدمة كبيرة.
حاولت دفعه عنها ولكنها فشلت بينما هو يقبلها بجنون.
عادل لا.
قالتها برعب وهي تحاول أن تبعده عنها ولكنه تمكن منها بينما يديه تعبث بملابسها.
ليفوز الذئب وتقع هي فريسة للخطيئة.
رواية اسرت قلبه الفصل السابع 7 - بقلم سوليية نصار
ابتعد فجأة، لينظر إلى جسدها الذي انكشف أمامه.
فمها الذي أصبح متورمًا وشعرها المشعث بجنون.
"نوران!"
رفعت كفها وصفعته بعنف وقالت:
"أنا بكرهك.. بكرهك! اطلع برا العربية!"
بهت وهو ينظر إليها. لقد أخرجته من تلك اللحظات السحرية بصفعة قوية.
غزا وجهها الأبيض الاحمرار بسبب بكائها الشديد، ثم أخذت تدفعه وقالت:
"اطلع.. بقولك اطلع.. أنا بكرهك.. بكرهك!"
حاول أن يهدئها، ولكنها كانت تبكي بعنف شديد.
خرج من السيارة مسرعًا تاركًا إياها تبكي بعنف.
عدّل من وضع ملابسه وهو يخرج سجائره. التقط واحدة بين فمه ثم دخنها وهو يغمض عينيه.
كان الغرق بها متعة.. ولكنها أوقفته في آخر لحظة.
لا بأس.. سيستمتع بها قدر ما يشاء. هو يعرف كيف يخضعها.
وحينها سوف يرد الصفعة لها أقوى!
انتهى من سيجارته وعاد إلى سيارته. وجدها قد عدلت من ثيابها وارتدت حجابها.
ولكنها كانت مستمرة في البكاء.
"روحني البيت.. مش عايزة أشوف وشك تاني."
قالتها وهي تبكي بعنف. وهو لم يتحدث. سيتركها تهدأ.
ثم سيهاجم مجددًا. لن يتركها حتى يخضعها.
هي سوف تظل فريسته حتى ينال منها ما يريد. ثم سوف يلقيها خارج حياته بالطريقة التي تستحقها!
كانت تسير في غرفتها كأسد حبيس. عيناها تشتعلان بالنيران.
كانت قد خلعت نقابها. الدموع التي في عينيها لم تقلل من تلك النيران التي تشتعل في عينيها.
من يظن نفسه ليفرض عليها شيئًا لا تريده!
هي لا تريد الزواج من ابنه؟! لا يمكنه أن يجبرها على هذا. لا يمكن لأحد أن يجبرها على شيء لا تريده.
ما هذا العبث! جلست على الفراش. شعرها يرتاح على ظهرها وهي تتنفس بحدة.
تتذكر الموقف الذي تعرضت له. تتذكر المهانة التي تعرضت إليها عندما رفض سيف الزواج منها.
لقد بدا وكأن أحدهما سكب ماءً باردًا عليه. كان يبدو مصدومًا للغاية. وهذا المهين.. جعلها تشعر بالذل. وكأن عمها عرضها على من لا يريدها.
أغمضت عينيها وهي تتذكر رفضه المهين لها.
"نعم.. أنت بتقول إيه يا بابا؟ مستحيل اللي بتقوله ده مش هيحصل! انت عايزني أتجوز مين؟"
كلام سيف اندفع بقوة وغضب. غضبه جعل غضبها يبهت للحظات.
رمشت وهي تحاول محاربة الدموع التي بدأت تحرق عينيها.
شعرت بشيء ثقيل على صدرها. ماذا يحدث! هي من المفترض أن ترفض وتهرب.
ولكنها تجد سيف يرفض بكل قوته!
بالطبع سوف يرفضها. فبعد أن رأى وجهها لا يمكن لأحد الزواج منها.
هو بالطبع لن يحبها. لن يرغبها. فمن سوف يرغب فتاة مشوهة مثلها.
مستحيل. لن ينظر إليها أحد، وخاصة رجل وسيم مثل سيف.
تنفست بحدة والدموع تطفر من عينيها. لقد هزمتها دموعها.
زلزل الاشمئزاز الذي يعلو وجه سيف شيئًا بداخلها.
لقد ظنت أن لن يستطيع أحد أن يجرحها بعد اليوم، ولكنها كانت مخطئة.
هي محطمة.. منهارة.. وغاضبة. غاضبة للغاية.
غاضبة لأن حياتها انهارت بسبب إنسان مريض نفسي قرر أن يسلب جمالها.
غاضبة لأن عمها من تخلى عنها من قبل، يأتي الآن ويفرض عليها شيئًا لا تريده.
من هو ليفعل هذا! ولكن غضبها الأكبر.. تحطمها كان بسبب سيف الذي كان مصدومًا وقد رفض الزواج منها بطريقة مهينة.
هو حتى لم يحاول أن يخفي اشمئزازه منها.
"سيف.. اقعد لو سمحت!"
قالها والده وهو يحذره بعينيه، ولكن سيف هدر بقوة:
"هو أنا لعبة في إيديك يا بابا! هتجوزني بمزاجك.. زي ما خليتني أسيب الموسيقى برضه وأدخل كلية إدارة أعمال وأنا مش عايزها.
خليتني اشتغل في شركتك وأنا مش عايز. ودلوقتي عايز تجوزني لواحدة أنا مبحبهاش. هو أنا ابنك ولا العبد اللي اشتريتني!"
"خلاص يا سيف.. اسكت!"
هدر والده بقوة ليهز رأسه ويقول:
"لا.. مش هسكت. مش هسكت بعد النهاردة. أنا مبحبش مياس.. ومش عايز أتوزها وهو مش عافية.
حضرتك مش تقرر ومستني إننا ننفذ اللي عايزه.. ده مستحيل يحصل يا بابا."
ثم ذهب بعنف وتركه.
بينما مياس كانت جامدة في مكانها. الدموع تنهمر من عينيها دون توقف.
هي لن تنسى هذا طوال حياتها. لن تنسى تلك الطريقة المهينة في الرفض أبدًا.
ظنت أن قلبها محصن ضد أي جرح. ولكنها الآن تحطم.
تحطم وابن عمه يظهر ملامح الاشمئزاز على وجهه.
ولكن السبب الأكبر هو عمها.. عمها فقط!
خرجت من شرودها وصوت بكاؤها يعلو. تسطحت على الفراش وهي تكتم صوت بكاؤها.
كانت تشهق بقوة وهي تضرب الوسادة بقوة. تشعر وكأنها عاجزة عن التنفس.
كل من حولها يؤلمها. تمنت في تلك اللحظة أن تموت.
تمنت أن تلحق بعائلتها. لا أحد يحبها هنا. لا أحد يهتم بها. لا أحد.
الكل يتفنن في تعذيبها وهي ملت. لن تستطيع التحمل بعد الآن.
"يارب أموت.. يارب!"
قالتها بصوت مختنق وهي تبكي وضمت ساقيها إلى جسدها، وبكاؤها يزداد حدة.
كان سيف يقف أمام غرفتها وهو يشعر بتوتر بالغ.
لقد أخطأ وهو يرفضها بتلك الطريقة. كان يشعر بالذنب يقتله.
ولكن الأمر لا يتعلق بها. مشكلته هي والده. والده الذي يريد أن يفرض عليه شيئًا لا يريده.
يريده أن يعيش حياته كما يريد هو. ولا يهم ما يريده!
طرق الباب برفق وقال:
"مياس.. ممكن نتكلم؟"
ولكن لم يحصل على رد.
انتظر دقيقتين أمام الباب ثم أخيرًا فُتح الباب له.
كانت تقف أمامه. ترتدي نقابها ولكن عينيها الزرقاء تنظر إليه بغضب.
"بكره!"
ابتلع ريقه بتوتر:
"مياس.. أنا آسف.. بجد أنا آسف.. صدقيني مش أنتِ المشكلة.. ده والدي.. أنتِ ميعبكيش حاجة.. أنا اللي.."
"أنت رفضتني عشان أنا مشوهة.. متنكرش!"
صرخت بها بقوة. كانت الدموع محبوسة في عينيها.
كان قلبها ينزف بقوة. كلما تذكرت ملامحه المشمئزة عندما عُرض عليه والده الزواج منها، قلبها يحترق.
ظنت أن لا أحد قادر على تحطيم قلبها ولكنها كانت مخطئة.
فها هو قلبها تحطم مرة أخرى. تشوهها هو أكبر لعنة في حياتها.
بهت سيف وهو ينظر إليها. أراد دحض ذلك الاتهام.
لم يكن هذا هو سبب رفضه. نعم.. يعترف أن رد فعله كان قويًا للغاية.
ولكنه يقسم أن هذا ليس بسببها هي. مشكلته مع والده الذي يريد أن يفرض عليه ما لا يطيقه.
يريده أن يتزوج وهو يعلم أنه يعشق فتاة أخرى.
كيف يمكنه أن يقرر بسهولة قرارًا مهمًا جدًا بشأن حياته وهو عليه أن ينفذ!
ألا يكفي أنه قد حرمه من أن يلتحق بكليته المفضلة. دمر أحلامه والآن يريد أن يحرمه من حبه.
نعم.. هو يحب والده ولكنه يتخذ قرارات عجيبة تحطمه دون أن يهتم بقلبه هو.
والمبرر أنه يريد له الأفضل.. ولكن هذا يكفي. هو لن يخضع مجددًا.
قراراته لن يتدخل فيها والده بعد الآن.
"محصلش.. صدقيني يا مياس.. أنا بحب واحدة تانية عشان كده انفعلت.. أنا آسف بجد."
ضحكت بسخرية وهي تقول:
"ما تبطل كدب بقى."
ثم كشفت عن وجهها وهي تقول:
"رفضتني عشان كده.. الحروق اللي مالية وشي.. صح؟"
كانت الدموع تطفر من عينيها وهي تضحك بألم وتكمل:
"الحروق دي مخلياك تشمئز مني.. صح؟"
كان ينظر إليها بعينين متسعتين. الألم في عينيها وصوتها لاقى صدى كبيرًا في قلبه.
لقد تألم لألمها وكأنها جزء منه. وبالفعل هي جزء منه.
هي من دمه.. ابن عمه وصديقته المفضلة منذ صغره.
أكملت وهي تبتعد وتغطي وجهها وتقول:
"بس أقولك.. الحروق دي سببها أنت وأبوك.. أنتوا اللي اتخليتوا عني.. مبقاش ليا ضهر.. فبقيت فريسة سهلة.. أنتوا السبب في اللي أنا فيه.. وهفضل أكرهكم طول حياتي!"
ثم أغلقت الباب بوجهه.
ليتنهد بتعب وهو يشعر بقلبه يتألم. أنها مصرة على جعله يشعر بالذنب.
ولكنها محقة. محقة للغاية. هما تخلوا عنها.
ارتمت مياس على فراشها مرة أخرى وهي تبكي بعنف.
ها هي تصاب بسهم آخر في قلبها. ألن تنتهي آلامها قط!
إلى متى سوف تعاني! لو يتركها فقط وشأنها.
هي لا تريد أن تتزوج. لا تريد أن تحب أحدًا. تريد أن يتركها الجميع وشأنها.
هل هذا صعب عليهم! لماذا يؤذونها! لماذا لا يدعونها وشأنها!
الأ يكفي تشوهها الذي دمر كل أحلامها!
أغمضت عينيها والدموع تنهمر أكثر من عينيها.
تتذكر كيف كانت سعيدة في الماضي مع الإنسان الذي عشقته أكثر من أي شيء في هذه الحياة.
اعتقدت وقتها أن السعادة يمكن أن تدوم.
اعتقدت أن حبهما قوي لدرجة أنه سيدوم لمدى الحياة. ولكنها كانت مخطئة.
فحبه لها كان ضعيفًا.
في اليوم التالي.
أمسك الهاتف وعيناه تشتعلان بغضب. شد على الهاتف بقوة.
لا يصدق ما يراه بعينيه.
خرجت تولين من الحمام وهي ترتدي مئزر الحمام وتنشف شعرها جيدًا.
بينما ترسم ابتسامة رائعة على ثغرها وهي تقول:
"ها يا حبيبي.. هنخرج فين النهاردة؟"
وعندما لم يرد عليها نظرت إليه وبهتت ابتسامتها وهي تراه يمسك هاتفها.
ازدردت ريقها وهي تقول:
"عمر!"
نظر إليها فشهقت وهي ترى نظراته الغاضبة. تراجعت للخلف قليلاً وهي تتلعثم:
"أنت بتعمل إيه بتليفوني؟!"
أقترب منها وعيناه السوداء تشتعلان. ثم أمسك ذراعها وقال:
"أنا بس حابب أعرف إيه الهبل اللي أنتِ بعتاه لمياس ده.. ها انطقي.. إيه الهبل ده!"
تألمت. قلبها حقًا تألم وهي ترى الغضب بعينيه.
فغضبه يعني الاهتمام. والاهتمام يعني الحب.
حتى لو تركها.. ما زال يتذكرها. ما زال يكن مشاعر لها.
وهذا يقتلها. لقد أحبت عمر طوال حياتها.
كانت ابنة خالتها وأهم شخص في حياتها. ولكنها لم تكن تراه.
بل خطب مياس.. حب حياته. كان يعيش قصة حبه معها هي.
كل شيء تم أمام عينيها. لن تنسى أنها كانت تبكي بسببه يوميًا.
لأنه كان قاسيًا عليها. لم يهتم بها.
ولكن ما حدث لمياس.. فتح لها الطريق لحياته وليس قلبه.
هي ما زالت لا تجد طريقًا لقلبه. تتخبط وسط الظلام لعلها تجد قلبه.
فتختنق وهي لا تجد إلا الظلام يحيطها من كل اتجاه.
عندما لم يجدها تتحدث.. زعق بها وقال:
"ما تنطقي وتقولي إيه القرف اللي كاتباه ده لمياس.. انطقي يا تولين."
انهمرت الدموع من عينيها السوداء واختنق صوتها وقالت:
"إيه.. خايف على مشاعرها للدرجادي؟ خايف على مشاعر حبيبتك القديمة؟"
"متغيريش الموضوع.. انطقي قولي إيه اللي بتهببيه ده.. ليه بتدوري على المشاكل.. مش خلاص اتجوزتك.. وأنتِ اللي كسبتي.. عايزة إيه منها تاني.. مش كفاية اللي حصلها!"
"عايز قلبك.. عايزأك تحبني زيها.. أنا بحبك يا عمر.. وأنت قلبك ضايع ومعاها."
"قلبي مش معاها.. لو بحبها فعلًا مكنتش سبتها.. أنا مش بحبها.. استوعبي ده.. ومتحطهاش في دماغك أكتر من كده عشان أنتِ اللي هتتعبي.. أنا مش ناقص وجع دماغ."
أقتربت منه وهي تلمس وجهه وتقول بصوت مختنق:
"احلف إنك مبتحبهاش.. احلف إنها مش بتمثل أي حاجة.. إنك مش حاسس بالذنب والندم إنك سبتها.. إنك مش بتهلوس باسمها بالليل.. وإن زي ما في جزء جواك مقدرش يتقبلها.. بس أنت لسه بتحبها.. أنا مش موجودة يا عمر.. لا موجودة في قلبك ولا في حياتك!"
نظر إليها بجمود وقال:
"هو ده اللي عندك.. قادرة تتقلبيه.. ماشي.. مش قادرة.. أنا مش هقدر أعملك أكتر من كده.. مش عايزة تصدقي إنك الوحيدة اللي في حياتي حاليًا.. براحتك.. أنا مش هحاول مع حد!"
توسعت عيناها والدموع تنهمر بقوة أكبر. ولكن هذا لم يهمه.
بل ذهب مسرعًا من أمامها.
جلست هي على الفراش وهي تبكي بقوة. لقد نالته.. ولكنها لم تحصل على قلبه!
كان يجلس في صالة منزله وهو يشعر بالاختناق. يشعر أنه في دوامة كبيرة.
هو بالطبع لا يريد العودة لمياس. هو لن يتحمل أن ينظر لوجهها.
لكل إنسان قدرات.. وتلك هي قدرته.
ولكنه لما لا يستطيع تقبل زوجته! لماذا لا يستطيع أن يعشقها وهي تمتلك جمالًا وأنوثة لا بأس بها!
لماذا جزء منه يشتاق لمياس! رغم أنه عندما رأى وجهها هلع وخاف منها.
هو لن يعود لمياس. ولكنها لا يستطيع أن يحب تولين.
هو غارق دون نجاة. هو تائه. تائه للغاية!
ولج لقاعة المحاضرات الكبيرة. عيناه العسلية تنم عن بروده. انعزاله عما حوله.
توقف الطلاب عن الكلام من أن أطل هو. نظر حوله وهو يرى نظرات الفتيات المصدومة منه.
هو يعرف نظرات الإعجاب تلك. وطالما نال من تلك النظرات.
"أنا يوسف الرشيدي.. هكون دكتور الإحصاء بتاعكم. أول حاجة حابب إنكم تعرفوها عني إني مبحبش حد يتخلف عن محاضراتي. لو حد جاي يهرج هنا يبقى يوفر فلوسه ووقته وميجيش. اتفقنا!"
"اتفقنا."
قالها طلبة الدبلومة بتوتر. على الرغم أنهم ليسوا صغارًا كطلاب الجامعة في سنواتهم الأولى.
فمنهم من تزوج ثم عاد لتحضير الدبلومة ثم الماجستير. ولكن هذا الرجل بعث داخلهم التوتر.
هما يعرفان أن مادة الإحصاء مهمة جدًا إذا أرادوا تحضير الماجستير. ويجب الاهتمام بها.
هز يوسف رأسه بإستحسان وكاد أن يبدأ في الشرح. إلا أن صوت بكاء طفل مزعج جمده مكانه.
استدار بحدة ونظر إلى مصدر الصوت ليجد امرأة في أواخر الثلاثينات تمسك طفلها الصغير وتحاول تهدئته.
كان عمره خمس سنوات تقريبًا. تقلصت ملامحه بغضب وقال:
"إيه الفوضى دي!"
ارتجفت ماجدة وهي تنظر إليه. وقد ترطبت عينيها بدموع الاحراج.
ألقى يوسف القلم الذي بيده ثم اقترب منها وهو يقول:
"أنتِ جايبة ابنك هنا؟ فاكراها حضانة؟ ده مش هزار يا مدام.. هنا ناس جاية تتعلم مش جاية تهزر."
"أنا والله.."
"بس.. متتكلميش.. اطلعي برا محاضرتي.. ولما تتعلمي تحترميني.. يبقى تحضري محاضراتي.. غير كده خليكي في بيتك.. مفهوم!"
هزت رأسها بتوتر وهي تحمل طفلها وتمسح دموعها بحجابها ثم خرجت مسرعة.
يتبعها نظرات الباقية في قاعة المحاضرات. كانوا ينظرون إليها بشفقة.
الجميع يعلم الظروف السيئة لماجدة.. ولكن لم يجرؤ أحد على التحدث!
"أحب أعرفكم يا جماعة.. مستر مؤيد.. مدرس الفيزياء الجديد."
قالتها وفاء بابتسامة وهي تظهر في غرفة المعلمين بجانبها شاب يافع في منتصف العشرينات تقريبًا.
عينيه سوداء واسعة وملامحه سمراء مريحة. كان يمتلك طولًا لا بأس به.
بالمجمل كان حقًا وسيمًا.
ابتسمت مريم.. إحدى المعلمات الصغيرات.. بهيام وهي تنظر إليه.
بينما نهضت رحيق وماونا للترحيب به.
ابتسم مؤيد وهو يهز رأسه ويحييهم. وردوا التحية له.
"أهلاً بيك وسطنا."
قالتها مادونا بلطف ثم أكملت:
"أنا ميس مادونا.. مدرسة الفرنساوي هنا.. وأما دي.."
أشارت على رحيق وأكملت:
"دي مس رحيق.. مدرسة العربي."
"مدرس خبير."
ابتسم لرحيق وهو ينظر إليها. كانت ترتدي النقاب ولا يظهر منها سوى عينيها.
ولكن لا يعلم لماذا شعر بانجذاب نحوها. انجذاب غريب!
"إزاي حضرتك يا مس رحيق."
ثم مد كفه ليصافحها. ارتبكت هي.
وقالت بخجل:
"بعتذر منك.. بس أنا.."
توسعت عيناه بإدراك وهو يسحب كفه محرجا.
كيف لم ينتبه! هي بالطبع لن تصافح الرجال.
ولا هو من عاداته أن يصافح النساء. ولماذا هي الوحيدة التي مد كفه لها؟
هو حقًا لا يفهم.
"أنا بجد بعتذر يا مس رحيق."
هزت رأسها وهي تقول:
"حصل خير.. يا أستاذ."
استيقظ من نومه وهو يشعر بألم كبير في حلقه.
اتجه إلى المطبخ حيث كانت تغسل أطباق الإفطار قبل أن تذهب لعملها.
نظرت إليه بلا مبالاة وأكملت ما تفعله.
وجدته يقترب منها. ارتجفت وهي تشعر به قريبًا منها لهذا الحد.
توترت بشكل مبالغ به وهي ترتجف من رأسها إلى أخمص قدميها.
كيف يمكن لاقتراب بسيط أن يزلزلها لهذا الحد!
عيناها كانت تدوران بتوتر. وهي تبتلع ريقها بعسر.
إنها تحبه بشكل ميئوس منه. وكأنه حبه شيء لا تستطيع التخلص منه.
كأنه مرض مزمن ينهش في قلبها دون رحمة.
تجمدت وهي تنتظر ما سيفعله. ولكنها صدمته وهو يأخذ كوبًا زجاجيًا.
كان يريد فقط كوبًا.
احمر وجهها الأبيض من الغضب. ونظرت إلى ملامحه المتعبة وقالت:
"لو هتستخدم الكوباية.. يبقى تغسلها. أنا مش الخدامة بتاعتك."
هز رأسه بتعب وقال بصوت مبحوح بفعل مرضه:
"حاضر."
غزا الخوف الكبير ملامحها واطل القلق من عينيها الواسعة وهي تقول:
"فيه إيه.. مالك؟ أنت تعبان ولا حاجة؟"
"أنا كويس.. متقلقيش."
قالها وهو يستدير عنها ليصنع له شيئًا ساخنًا ليشربه.
ولكنها أمسكت كفه.. وجعلته ينظر إليها.
ثم رفعت كفها وهي تجس حرارته.
شهقت بصدمة وهي تشعر أنها ساخن للغاية.
"جورج.. أنت سخن أوووي."
"أنا كويس.. متقلقيش عليا. هشرب حاجة سخنة وأروح الشغل."
قالها وهو يبتعد عنها.
أمسكت كفه بحزم وقالت:
"تروح فين! أنت مجنون! أنت تعبان يا جورج."
نظر إليها بتعب وقال:
"والله على أساس إنك مهتمة يعني.. مش قولتي أنا مليش دعوة بيك.. التزمي بكلامك بقى وسيبيني في حالي.. لو سمحتي ابعدي!"
ملامحه كانت متألمة. متعبة. شعرت أنها تتألم مثله.
كانت متعبة حقًا منه. متعبة من عشقها المؤلم.
لقد أرادت أن تتصنع البرود. أرادت ألا تهتم.
ولكن قلبها هو آفتها. عشقها سبب شقاؤها.
كيف لشيء جميل أن يكون مؤلمًا بتلك الطريقة!
كيف لسبب سعادتها أن يكون شقاؤها لتلك الدرجة!
كيف يمكن لشيء جميل مثل الحب أن يقتلك من الداخل!
كيف يمكن أن يتحول الجمال للعنة!
كانت تنظر لعينيه. تغرق بهما.
بينما هو ينظر إليها بتلك النظرة المتعبة.
نظرات يغرقها الشعور بالذنب لأنه عجز أن يحبها.
حاول إخفاء شعوره بالذنب مرات عديدة. ولكن للأسف لا يستطيع.
هو يشعر بالذنب لأنه لا يحبها.
وهي تشعر بالاختناق لأنها لا تستطيع الوصول لقلبه!
"بطل اللي بتعمله ده.. أنت تعبان.. تعالي ارتاح!"
ثم أمسكته من ذراعه وشدته خلفه.
ثم أدخلته إلى غرفة نومهما.
ابتسم بسخرية وقال:
"إيه.. قررتي أخيرًا تعطفي عليا. خلصت فترة عقابك ليا."
"اخرس وارتاح!"
قالتها بضيق وهي تساعده على التسطح على الفراش وقالت:
"متتحركش."
ثم ذهبت مسرعة إلى المطبخ. تعرف كيف تعالجه.
هي تحفظ تعبه جيدًا وتعرف كيف تداويه.
الأول قامت بإخراج الدجاجة كي تصنع له حساء.
ثم ذهبت إليه مسرعة كي تحاول تخفيف حرارته عن طريق الكمادات.
كان جورج ينظر إليها بذنب وهو يجدها تتحرك بنشاط أكبر وهي تحاول أن تجعل حرارته تهدأ قليلًا.
لقد ترجته أن يحضر له الطبيب ولكنه عنيد.
يظن أن تلك الحالة لا تستحق وجود طبيب.
ولكن رغم هذا لم تيأس. صنعت له حساء الدجاج وأجبرته بحزم على أن يأكل.
لم يستطع أن يعترض. هو يعرف أنه لن يستطيع أن يقنعها بالعكس.
لذلك أكل جيدًا رغم الوهن الذي يحل وفقدان الشهية.
ثم جعلته يأخذ أدويته.
أخرجت له ملابس جديدة وساعدته حتى يبدل ثيابه.
ثم غطته كويس وهي تطمئن أن حرارته قد انخفضت.
حينها فقط تنهدت براحة وقررت أن ترتاح قليلًا وتأكل شيئًا.
في المساء.
"مبتأكلش ليه يا مؤيد؟"
قالتها منى والدته بحيرة وهي تراه جالسًا على طاولة العشاء ولم يضع الطعام في فمه.
هو فقط شارد وعلى وجهه ابتسامة بلهاء.
"هااا."
قالها وقد بدا أنه انتبه لكلامها فجأة.
نظرت منى إلى والده محمد وقالت:
"ما تشوف ابنك يا محمد.. شكله ساهم كده ومش على بعضه. عايزين نعرف ماله."
حك مؤيد رأسه بإحراج وقال:
"ها.. لا مفيش حاجة يا ماما.. أنا بس مرهق شوية. النهاردة أول يوم شغل."
"والمرهق بيكون مبتسم زي الأاهبل كده يا مؤيد."
ردت والدته بخبث ليتوتر أكثر ويقول:
"آيوة.. مرهق."
ضحكت والدته وهي تكمل طعامها وتقول:
"تمام.. صدقتك يا كداب.. كل قبل ما الأكل يبرد."
ثم بدأت بتناول طعامها.
في غرفة مؤيد التي لاذ بالفرار بها. كان متسطحًا على الفراش وهو ينظر للسقف.
عينيه شاردة تمامًا.
عينين سوداء مميزة تلاحقه ولا تتركه وشأنه.
شيء غريب يجعل قلبه يهدر في صدره وكأنه مراهق.
"مؤيد!"
أخرجه من شروده والده. انتفض مؤيد على صوت والده ونهض بتوتر وهو يقول:
"بابا.. أنت بتعمل إيه هنا؟ من إمتى هنا؟"
"من تلت ساعة تقريبًا.. بـ راقبك وأنت بتضحك زي الأاهبل."
قالها والده وهو يبتسم. ارتبك مؤيد. فضحك محمد وجلس بجواره وقال:
"مين اللي واخدة عقلك.. قولي؟"
"ها.. لا مفيش حد."
"يا واد.. مش عليا الكلام ده.. قولي مين اللي واخدة عقلك بالشكل ده.. مخلياك مش مركز في أي حاجة النهاردة.. سرك في بير يا مؤيد."
تنهد مؤيد وقال:
"حقيقي معرفش يا بابا.. هي مدرسة معانا في المدرسة.. المشكلة إني مشوفتهاش أصلًا لأنها منتقبة.. بس لقيت نفسي بفكر فيها بشكل غريب."
ثم ابتسم وهو يفرك كفيه ويقول:
"اسمها رحيق."
"رحيق.. اسمها حلو أوووي.. يعني نقول وقعت؟"
"أنا مشوفتهاش يا بابا."
"وماله يا حبيبي.. نتقدم وتشوفيها شرعي."
"بسرعة كده؟"
قالها بتوتر. فهز والده رأسه وقال:
"أومال أنت فاكر إيه.. مضيعش وقت يا بني.. الحقها قبل ما حد يخطفها منك!"
ابتسمت سما بلطف عندما نظرت إلى عمر الصغير ووجدته قد نام.
قبلت رأسه بلطف ثم وضعت القصة التي كانت تقرأها.
ثم نهضت بهدوء وقامت بتغطيته جيدًا.
ثم أغلقت الأنوار وخرجت من الغرفة وهي تفرك رأسها بتعب.
حقا.. العمل مع مسؤوليات البيت صعب للغاية.
ولكنها يجب أن تقاوم. لا يمكنها أن تترك عملها.
لقد تعلمت أن عملها هو السند لها بعد ربها. ولن تتركه.
خرجت من الغرفة ليجذبها صوت قدوم رسالة على هاتف أمير.
بفضول ذهبت وامسكت هاتفه لترفع حاجبيها وهي تجد أن الرسالة من فتاة تدعي شوق.
"ماسكة موبايلي ليه؟"
انتفضت على صوت أمير. ولكنها نظرت إليه ببرود وقالت:
"مفيش.. دي بس رسالة جاتلك وأنا جالي فضول بس."
اقترب منها وأمسك الهاتف.
ثم رفع حاجبيه بدهشة وقال:
"أنتِ بتتجسسي عليا ولا إيه؟"
هزت كتفها وقالت:
"لا.. بتجسس ولا حاجة.. فضول وبس."
رفع حاجبيه وابتسم بخبث وقال:
"لا أحسن تكوني بتغيري؟"
ضحكت بسخرية وقالت:
"وهغير ليه؟ إيه السبب اللي يخليني أغير عليك؟"
"يمكن عشان جوزك؟"
"ده مش سبب كفاية يخليني أغير عليك.. هغير عليك لو بحبك.. غير كده لا."
"أنتِ مبتحبنيش.. صح؟"
"تؤ."
"بس كلامك اللي في المذكرات بيقول عكس كده خالص!"
"أنت بتحب ترجع للموضوع ده ليه؟ ليه بتلف وتلف وترجعله.. عايز تبين إني بحبك عشان كبرياءك يكون راضي.. بس للأسف هزعلك وأقول كانت مشاعر هبلة وانتهت نهائيًا. أنا مبقتش أحبك ولا حتى بحتك بيك. أنت اللي بتنكش كل شوية. وعشان أطمنك أكتر.. لو عايزني بنفسك أجوزك أي بنت تشاور عليها وتعيش حياتك معاها.. شاور على البنت وامتى حابب تخطبها.. وعيوني ليك.. هلبس أجمل طقم عندي وأروح أخطبلك. أنت جوزي برضه."
ثم تركته يكاد ينفجر من الغضب وهربت لغرفتها.
أغلقت الباب سريعًا ثم أغلقت عينيها والدموع تنهمر من عينيها بقوة.
متى ستتوقف عن حبه.. متى!
اقتربت منه بهدوء لتحس حرارته. توترت قليلاً وهي تجدها ارتفعت مرة أخرى قليلًا.
رباه!
ذهبت مسرعة وأحضرت طبقًا به ماء مثلج وقطعة قماش بيضاء نظيفة.
ثم بدأت بوضع القماش على رأسه.
ثم جلست بجواره وهي تمسك كفه.
تصاعدت الدموع بعينيها. رباه.. كم تحبه!
إنها تحب كل شيء به.
شبكت يديها بيده وقامت بتقبيل كفه ودموعها الساخنة تسقط على كفه.
ثم بدأت تلمس وجهه بلطف وهي تقول بإختناق:
"أي علاج لهوسي بيك يا جورج.. إيه اللي يخليني أبطل أحبك بالجنون ده.. قول لي.. ساعدني أنت.. ساعدني أبطل هوسي بيك.. ساعدني إن قلبي ميدقش في كل مرة أشوفك.
كل ما بحاول أنساك.. حبي ليك بيهزمني. أنا اللي بخسر كل مرة قصاد حبك. ياريت تعرف قد إيه بحبك.. بحبك لدرجة أنت متتخيلهاش. إزاي إنسان ميحسش بإنسان بيحبه للدرجة دي.. مش حاسس بيا.. مش حاسس قد إيه أنا بحبك."
أغمضت عينيها وهي تتسطح بجواره لترتاح.
ثم عانقته وهي تغمض عينيها والدموع تنهمر منها بقوة.
إنها المرة الأولى التي تكون قريبة منه لهذا الحد.
حتى علاقتهما الخاصة كانت باردة. نادرة. مؤلمة.
حتى توقف عن لمسها بالفعل.
كانت دوما جائعة لحبه. ولكنه كان بخيلًا معها.
لم يعطها ولو حتى القليل من حبه أو اهتمامه.
حقيقة أنه كان يهتم بالجميع إلا هي تقتله.
جورج كان لطيفًا مع الجميع إلا هي.
دوما يذكرها بطريقة غير مباشرة أنه أُجبر عليها.
حتى أنه قالها مباشرة.
حتى أنها كانت تشك أحيانًا أنه يكرهها.
في كل مرة حاولت أن تقترب منه كان يصدها بكل برود محطمًا قلبها.
لقد تحطم قلبها مرات عديدة على يديه.
لقد قتلها من تحبه مرارًا وتكرارًا.
ولكن هي ما زالت تحبه.
كيف يحب المرء من يؤذيه!
ما هي الطريقة لكي تتوقف عن حبه وترتاح!
فكرت بها وصوت بكاؤها يرتفع قليلًا.
تنهدت بتعب وهي تضمه أكثر.
إنها المرة الأولى التي ستقترب منه بتلك الطريقة.
بعدها سوف تعامله مثلما يعاملها. سوف تنبذه خارج حياته.
سوف تجرحه ببروده كما جرحها.
لكن اليوم.. اليوم فقط سوف تحبه.
اليوم سوف تعطيه حبها. ستكون بجواره.
اليوم سوف تعانقه بحرية. تقبله. تنال منه ما منعه عنها. حقها فيه.
اليوم فقط.. هكذا أقنعت عقلها الغاضب.
فقلبها ضعيف. ضعيف للغاية أمامه!
نهضت قليلاً وهي تمسح دموعها برفق.
ثم وضعت كفها على رأسه لتجد حرارته قد هدأت قليلاً.
ابتسمت دامعة وهي تقبل صفحة وجهه.
تقبله بهوس عاشقة.
ثم اتجهت إلى فمه لتقبله. ولكنه فتح عينيه فجأة.
تجمدت وهي ترى عينيه الزرقاء تنظران إليها بتشوش.
"أنتِ بتعملي إيه؟"
قالها بحيرة.
ازدردت ريقها وعينيها السوداء الواسعة تنظران إليه.
بينما الدموع تتساقط من عينيها.
احتار أكثر وهو يقول:
"بتعيطي ليه؟"
"أنت ليه محبتنيش؟ هو إيه كان ناقصني؟"
قالت بإختناق.
غزا الشعور بالذنب ملامحه. وعجز عن التبرير.
عجز عن التحدث. لم يعرف ماذا يقول وهي تبكي أمامه بتلك الطريقة.
تساقطت دموعها أكثر على وجهها وقالت:
"أنا حبيتك.. حبيتك بطريقة مجنونة.. حبيتك أكتر من حياتي والله. كان ليك الأولوية دايمًا. قلبي بيوجعني لما أشوفك مش قادر تحبني.. إزاي أوصل لقلبك يا جورج.. مش قادرة أوصله.. حاولت أبين لك إنك مش مهم الأيام اللي فاتت.. بس كنت بكذب على نفسي وعليك. أنت مهم.. مهم أوووي."
أحرقت الدموع عينيه. ورفع يده ثم جذب رأسها إليه ليقبلها بقوة.
توسعت عينيها بصدمة. ولكن سرعان ما أغمضت عينيها كليًا وهي تذوب.
شهقت بقوة وهي تجده عكس وضعهما. بينما يديه تعبث بملابسها.
"جورج.. أنت تعبان.. استنى."
"ششش."
قالها. ثم كتم كل اعتراضاتها بطريقته!
في اليوم الثاني.
كان يسير في بهو المدرسة وهو يفرك كفيه بتوتر.
لا يعرف كيف يكلمها. بالأمس قابلها واليوم يريد أن يتزوجها.
ستعتقد أنه فقد عقله بالطبع.
فكر بتوتر. أخيرًا وجدها تقترب منه وهي مطرقة برأسها.
تمسك حقيبتها السوداء الكبيرة.
"مس رحيق."
قالها وهو يقترب منها.
نظرت إليه بتشويش. تحاول تذكر من هو.
بهت وقال:
"أنا مؤيد.. مدرس الفيزياء."
"أهلاً بيك."
"بعتذر."
"ولا يهمك.. مس رحيق.. أنا هدخل في الموضوع علطول.. أنا عايز رقم والدك عشان أتقدم لك!"
"أخبارك دلوقتي يا آنسة أريام؟"
قالها أمجد فجأة لأريام لتسقط أريام فجأة الملف الذي كان بكفها ثم أطرقت بإرتباك.
لم يستطع منع ابتسامته من الظهور.
لقد صلى استخارة وارتاح الفكرة. لن يضيع الوقت.
"آنسة أريام.. مش هاخد من وقتك كتير عشان شغلك.. أنا بس حابب آخد رقم والدك.. طبعًا لو حضرتك موافقة إني أطلب إيديكي!"
رواية اسرت قلبه الفصل الثامن 8 - بقلم سوليية نصار
كتمت انفاسها وهي تنظر إليه بصدمة. هل تحلم يا ترى؟ هل هذا حلم مجنون تحلمه كعادة أحلامها؟ ما إن رأته، هل تهلوس؟ لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً.
أخذت تتنفس بعنف بينما جسدها بأكمله يرتعش. ضرب من السعادة هز قلبها. شعرت أن قلبها سوف يقفز من مكانه. بالتأكيد أمجد استمع لدقات قلبها. مستحيل ألا يكون سمع هدير قلبها.
"آنسة أريام… هتديني رقم والدك ولا لا؟ حضرتك موافقة أتقدملك؟" سألها عندما وجدها شاردة لم تنبت بحرف. وهذا أقلقه أن يكون كلام صديقه خاطئ. ألا تكون لديها مشاعر له كما هو لديه مشاعر؟ وأن هذا هو وهم… وهم سوف يحطمه. لأن رجل مثله… صعب التعلق بامرأة. وهو لن ينكر قد تعلق بها. ووجد نفسه يفكر بها كثيراً. لذلك قرر أن يتبع الطريق الصحيح. يريد الزواج منها اليوم قبل الغد. هذا ما يريده هو. لا يريد أن ينزلق في الخطأ. هو يريدها فسيتزوجها. هذا هو الأمر.
لم تستطع منع ابتسامتها من الظهور. كانت تشعر أن قلبها ينبض بعنف. رباه… هل هذا حلم جميل كباقي أحلامها؟ هل حقاً يعرض عليها الزواج؟
ارتاح قلبه وهو يرى تورد وجهها. الابتسامة الخجولة على شفتيها… تلك إشارات أنها راغبة. هي تريد الزواج منه. ابتسم وعينيه العسلية لمعت ولكنه وضع عينيه في الأرض وقال:
"رقم الوالد ممكن؟"
أمسكت ورقة ودونته بسرعة وهي تعطيه إياه ثم تختفي من أمامه بسرعة. ضحك وهو يضع الورقة بجيبه. ثم اتجه إلى صديقه عثمان وهو يعانقه بقوة ويقول:
"عثمان، أخدت رقم والدها وخلاص هتقدملها."
ضحك عثمان وهو يربت على ظهره ويقول:
"مبروك يا صاحبي."
"هيتقدملك!!" صرخت بها سلوى بحماس لتضع أريام كفها على فمها وتقول:
"بس اسكتي… اسكتي فضحتيني."
أبعدت سلوى كف أريام وقالت:
"خلاص هيتقدملك يعني."
ابتسمت أريام بسعادة وهي تهز رأسها وتقول:
"هو اللي قالي."
ضحكت سلوى وهي تعانقها وتقول:
"ألف مبروك يا روحي… ألف مبروك… بجد فرحتلك أوووي."
ابتسمت أريام وقالت:
"الله يبارك فيكي يا عمري وعقبالك يارب."
ابتسمت سلوى ببهوت وقالت:
"خلاص أنا أخدت نصيبي الحمدلله وراضية بيه… ربنا يراضيكي يارب… انتِ بنت حلال وتستاهلي."
نظرت أريام بحزن إلى صديقتها سلوى. تمنت أن تواسيها ولكنها فشلت كعادتها. فاكتفت بالدعاء لها أن يعوضها الله عن كل لحظة حزن عاشتها.
"دلوقتي يا بطل الأهم إزاي هتفتح الموضوع مع أهلك… أكيد هيتصدموا." قالها عثمان وهو يمازح أمجد. فجأة بهتت ابتسامة أمجد وكأنه تذكر شيئاً وقال:
"عثمان أنا كده أناني صح؟"
"ليه بتقول كده؟" قالها عثمان عابساً ليرد هو:
"أنا قررت اتجوز وأشوف حياتي… مش كان أولى أطمن على أختي الأول… رحيق لازم تتجوز وبعدين أنا…"
"إيه اللي أنت بتقوله ده يا صاحبي… متخيلتش تكون بالتفكير ده. يا أمجد دي قدر وربنا كاتبه… واختك بإذن الله نصيبها موجود وهتشوف هتتجوز قريب بإذن الله. لكن حرام توقف حياتك… انت ادعي ربنا وقول يارب."
"بس أنا كده بجرحها."
ربت عثمان على كتفه.
"لا بتجرحها ولا حاجة… اختك طيبة وهتتمنالك الخير. انت توكل على الله بس. هو لو عرفت أنك عايز توقف حياتك عشانها هتزعل والله. انت كده هتزعلها مش هتقف جمبها. وبعدين خلاص قلت للبنت إنك هتتقدم حرام عليك تكسر قلبها."
تنفس أمجد بعنف وهو يحاول تهدئة ضميره. هو يخاف على مشاعر رحيق. لو أخبرها بهذا الأمر… هل من الممكن أن تحزن؟ رباه هو لا يريد أحزانها. يتمنى من كل قلبه أن تتزوج من يقدرها.
تجمدت للحظات وهي تنظر إليه بصدمة. لا يمكن أن يكون جدي!!! ماذا يقول هذا؟ هل فقد عقله؟ ظلت تنظر إليه للحظات وقالت:
"أفندم حضرتك بتقول إيه؟"
ارتبك وهو ينظر إليها وقال:
"إيه اللي قولته غلط؟ أنا عايز أتقدملك حسب الشرع والأصول… أنا غلطت ولا إيه؟"
هزت رأسها وهي تشعر أنها فقدت عقلها. ثم قالت:
"أنت عندك كام سنة؟"
"خمسة وعشرين سنة."
ابتسمت بسخرية وقالت:
"وأنا هكمل التلاتين بعد شهرين… يعني أكبر منك بخمس سنين… أنت إزاي بس فكرت كده." ثم تركته مصدوم. لا يصدق أن المرأة الوحيدة التي أُعجب بها أكبر منه بخمس سنوات. شعر بالإرتباك وكأن جميع الأحلام التي رسمها تدمرت أمامه الآن وهي تلقي الحقيقة في وجهه. خمس سنوات… رباه… هذا كثير!!!
ولجت رحيق ال. غرفة المعلمات قبل الطابور المدرسي وهي تنهت بإنفعال. ولحسن الحظ لم تجد أحد. اقتربت من المنضدة الكبيرة وجلست عليها وهي تشعر بنفسها ترتعش بقوة. رباه… هل ما حدث منذ قليل حقيقي؟ هل عرض عليها الزواج شاب أصغر منها؟ ابتسمت ساخرة وهي تردد:
"الراجل من همه هيتجوز قد أمه."
ثم أطرقت برأسها وهي تنظر أرضاً.
"صباح الخير يا جميل." قالتها مادونا بإبتسامة سعيدة وهي تلج للغرفة ولكن الابتسامة تلاشت من شفتيها وهي ترى حالة رحيق المتوترة. اقتربت منها وهي تقول:
"فيه إيه يا رحيق؟"
تنفست رحيق بتوتر وقالت:
"لا مفيش حاجة."
"مفيش حاجة إيه يا بنتي… باين على وشك التوتر ليه؟ رحيق أنتِ مخبية عليا إيه؟ بجد هزعل منك لو متكلمتيش. يالا انطقي. إيه اللي حصل وخلاكي في الحالة دي."
ازدردت رحيق ريقها وقالت:
"مش هتصدقي اللي حصل."
"يا بنتي ما تقولي إيه اللي حصل؟ أنا أكيد مش هنجم وأعرف من نفسي يعني. إيه اللي حصل وزلزلك كده؟ فيه حد ضايقك؟"
أغمضت رحيق عينيها بتعب وهي تفرك عينيها بينما كفيها يرتعشان بشكل واضح. كيف تخبرها بهذا الهراء؟ من المؤكد أن مادونا سوف تسخر منها الآن.
"نظرت إليها مادونا بحيرة وقالت: "يا بنتي ما تنطقي فيه إيه؟ هنقعد طول العمر واحنا باصين لبعض كده."
"أنا فيه واحد عايز يطلب إيدي."
"مين ده… حد من طرف مس وفاء تاني؟"
هزت رحيق رأسها وهي تقول:
"لا حد تاني."
توسعت عيني مادونا وهي تقترب منها أكثر وتقول بفضول:
"مين ها… قولى مين؟"
أطرقت برأسها وهي تحاول أن تجمع كلامها. ما زالت تشعر أن جسدها بالكامل يرتعش.
"يا بنتي ما تقولي مين بس."
"استاذ الفيزياء الجديد." قالتها بسرعة وهي تفرك كفيها بتوتر. ثم أكملت:
"وقفني النهاردة وطلب مني رقم حد من عيلتي عشان يتقدملي. أنا اتصدمت."
"طيب وكان رد فعلك إيه؟"
"رفضت طبعاً يا مادونا. الراجل أصغر مني بخمس سنين… خمس سنين بحالهم!!!"
"وفيها إيه يعني؟" قالتها مادونا بإعتراض. لـتتسع عيني رحيق وتقول:
"سامعة نفسك بتقولي إيه يا مادونا؟ بقولك أصغر مني بخمس سنين… إزاي بس أتزوجه… لا طبعاً."
"هو حرام يا رحيق."
"مادام الراجل عايزك على سنة الله ورسوله خلاص. لا حرام ولا عيب."
"لا عيب يا مادونا. لو حصل وارتبطت بيه مش هخلص من كلام الناس."
"يا روحي الناس كده كده بتتكلم انتِ مش هتقدري تمنعيهم."
"بس كلامهم هيأثر للأسف. هيخلونا تحت ضغط. وأنا الوحيدة اللي هخسر لما يتكسر قلبي تاني. متحاوليش تقنعيني يا مادونا. الموضوع ده مرفوض."
فتحت عينيها وهي تجد نفسها بمفردها في الفراش. ظلت لثواني لتستوعب ماذا حدث بالأمس وسرعان ما تخضب وجنتيها باللون الأحمر. شعرت بأن قلبها ينبض بعنف داخل صدرها. هل ما حدث حقيقي؟ هل لمسها جورج بتلك الطريقة؟ غطت وجهها وهي تشعر بالخجل من تدافع الذكريات لعقلها. كانت الذكريات تندفع بقوة لعقلها دون أن تستطيع أيقافها. هزت رأسها وهي تحاول نفس تلك الأفكار عنها ثم بحثت عن ملابسها كي تنهض.
خرجت من الغرفة وهي تزرر منامتها الحريرية بينما عينيها تبحث عنه. أخيراً وجدته في المطبخ يعد له كوب قهوة. ابتسمت بسعادة وهي تقترب منه بهدوء. ثم برفق عانقته وهي تحاوط خصره بينما تضع رأسها على ظهره وتقول:
"صباح الخير يا حبيبي."
تجمد جسده كلياً بينما هي تطبع قبلة على ظهره.
"انت بتعمل إيه؟" سألته وهي غير مدركة لتجمده بين ذراعيها.
"هكون بعمل إيه يعني؟ بعمل قهوة عشان أروح الشغل."
نبرته الساخرة دمرت اللحظة التي تعيشها. ابتعدت قليلاً ليستدير هو. نظراته العاطفية اختفت تماماً وحل محلها البرود. كان ينظر إليها ببرود وسخرية. كان مختلف تماماً عن هذا الرجل الذي كان بين ذراعيها أمس.
"فيه حاجة يا جورج. أنا عملت حاجة غلط."
"لا معملتيش. اهتميتي بيا وأنا مريض وأنا بشكرك على ده رغم أنك مش ملزمة خالص."
"مش ملزمة!!!" قالتها بصدمة ليرد هو ببساطة:
"أيوه مش ملزمة ولا حاجة. ده كلامك. مش قولتي إن حياتنا هتبقى منفصلة؟ كل واحد يعتمد على نفسه. بس كتر خيرك يعني مش هنسى جميلك ده طول حياتي."
توسعت عينيها وهي تنظر إليه وكأنه فقد عقله. وقالت:
"انت بتقول إيه؟"
"بقول إيه؟ ده كلامك."
تراجعت قليلاً وهي تشعر بالتشويش. ماذا يعني كلامه؟ وماذا يعني ما حدث بالأمس بينهما؟
"مالك مصدومة كده ليه؟ أنا بردد كلامك مش أكتر من كده."
"واللي حصل بيننا امبارح؟" قالتها ببهوت لـيهز كتفيه ببرود ويقول:
"غلطة."
"غلطة!!!" شايفة اللي حصل امبارح غلطة؟ قالتها بصدمة الدموع تملأ عينيها ولكن بطريقة ما حبستها قهراً. كانت تشعر أنها بكابوس. رباه ماذا يقول؟ هي تحلم بكل تأكيد. كان الشعور بالذنب يكسو وجهه. كان عاجزاً عن التحدث أو التبرير. لا يعرف أين كان عقله.
"ماريانا ممكن أسمعيني."
"لا لا متبررش. انت كرر اللي قولته. اللي حصل بيننا امبارح غلطة صح؟ على أساس إني صاحبتك مش مراتك. انت مختل عقلياً مستحيل تكون إنسان طبيعي!!!"
"ماريانا لو سمحتي."
"اخرس بقا!!!" صرخت بها والدموع تنفجر من عينيها ثم أخذت تحطم الأكواب الزجاجية وهي تصرخ بكل انهيار. خاف من ردة فعلها القوية وكأنها أخيراً قررت تنفجر به. غطت أذنها بقوة وهي تصرخ:
"لحد إمتى… لحد إمتى هتموتني وأنا حية. لحد إمتى مصر بتحرق قلبي. أنا عملتلك إيه. بتعاقب ليه؟"
"ماريانا أبوس إيديكي اهدي."
"اخرس. اياك تتكلم. أنا بكرهك. بكرهك يا جورج. اطلع برا مش عايزة أشوفك. مش عايزة خلاص."
ثم سقطت على الأرض وهي تغطي وجهها بكفيها وتبكي كما لم تبكي من قبل. ارتعب وهو يراها في تلك الحالة وجلس بجوارها وحاول لمسها إلا أنها انتفضت وهي تنتحب وتصرخ:
"متلمسنيش. اياك تلمسني. انت فاهم. اياك!"
كانت تصرخ به وهي تشعر وكأنها سوف تموت. لقد خذلها مجدداً. حطمها مجدداً. لم يتكلم وهو ينظر إليها وهي تموت. كانت مجروحة كجندي خسر أهم معركة بحياته. لقد خسرت مجدداً. في قصة حبهما تلك كانت هي الخاسرة دوماً. هي المحطمة للأبد. نظرت إليه بخيبة أمل وقالت:
"أنا بكرة قلبي عشان حبك. وبكره الحب. بكره الحب اللي مخليني ضعيفة قصادك للدرجة دي. ادفع عمري كله وأبطل أحبك وساعتها مش هتردد لثانية إني أمشي. صدقني يا جورج اليوم ده هيجي. هيجي اليوم اللي هقولك إني بطلت أحبك. هيجي اليوم اللي هقول فيه إني اتحررت منك."
في المساء.
وقفت أمام المرآة وهي تسرح شعرها. كانت تنفخ بضيق. لقد فعلت ما قالته نوران لها ولكن لا فائدة. لم تتغير لا نظراته ولا تعامله. كل ما نالته هي نظرة الدهشة التي تلقتها منه عندما ارتدت الخمار. هي الآن تختنق. تشعر أنها منافقة. ترتدي واسع لكي تعجب أمجد. تلك الحقيقة تجعلها تشعر بالإختناق. تلك الحقيقة تثقل ضميرها حقاً. لا يمكنها العيش في صراع أكثر من هذا. صحيح أنها بدأت هذا الطريق من أجل أمجد ولكنه سوف تكمله للنهاية لأنها أحبت القرب من الله. سواء حصلت على أمجد أم لا هذا هو سيكون نمط حياتها. لا مزيد من الملابس التي لا ترضي الله أو من العطور. أو مستحضرات التجميل. لن تغضب ربها أبداً. وكما أنها سوف تضع النقاط على الحروف اليوم. ستعترف بحقيقة مشاعرها لأمجد. ستخبره أنها تراه أكثر من شقيق. لن تنتظره ليعترف.
انتهت من تمشيط شعرها ثم ارتدت فستانها الكريمي ثم اتبعته بالخمار. ابتسمت وهي تنظر لشكلها دون مساحيق تجميل. إنها جميلة حقاً دون أي شيء. وعينيها الواسعة هي أساس جمالها. خرجت من غرفتها وامسكت حقيبتها وهي تقول:
"ماما أنا رايحة أقعد مع نوران شوية."
ابتسمت شربات من التغير الملحوظ لابنتها. جيلان تغيرت كلياً بالفعل. نضجت قليلاً وأصبحت ملابسها محتشمة. حتى أنها توقفت عن وضع مساحيق التجميل. بدأت تهتم بدروسها وصلاتها. لا تعرف كيف تغيرت ابنتها بهذا الشكل. ولكنها حقاً ممتنة للسبب مهما كان.
في غرفة نوران.
كانت نوران متسطحة على فراشها تنظر للسقف بينما الدموع تحرق عينيها. ضميرها لا يتوقف عن جلدها. يخبرها كم أنها أمرأة رخيصة لأنها كادت أن تسلم نفسها لهذا الحقير. منذ ما حدث وهي تحبس نفسها بغرفتها. حتى لم تذهب إلى الجامعة. ادعت المرض وقررت أن تنام لتنسى ما حدث. ولكن عادل لا يتركها. كان يتصل بها كالمجنون ولكنها لم ترد. ولن ترد عليه. ولن تسامحه على ما فعله بها. هي تكرهه وتكره نفسها.
تـكورت على نفسها والدموع تنسكب من عينيها دون توقف. فجأة انتفضت وطـرقة خفيفة على الباب. نهضت بسرعة وهي تمسح دموعها وقالت:
"اتفضل."
ولجت جيلان للغرفة وهي تقول:
"مالك يا نوران فيه إيه؟"
ابتسمت بشحوب وقالت:
"مفيش يا روحي بس أنا تعبانة شوية."
نظرت إليها جيلان بقلق وقالت:
"طيب تحبي نروح الدكتور؟"
هزت نوران رأسها وهي تقول:
"أمي من الصبح بتضغط عليا بس أنا مش عايزة. مجرد إرهاق بس. فكك مني أنا. انتِ إيه الجمال ده. برافو عليكي ماشية في الطريق الصح."
ابتسمت جيلان بإيجاز وقالت:
"تعرفي… أنا فعلاً دخلت الطريق ده عشان أخوكي وعشان أعجبه. بس بجد دلوقتي أنا حبيت نمط حياتي ده. حبيت أوووي إني قريبة من ربنا. القرب من ربنا يا نوران بيخلينا حاسيين براحة ملهاش زي."
ابتسمت نوران وقالت والذنب يثقل ضميرها:
"عندك حق."
وكادت أن تتكلم مرة أخرى إلا أنهما انتفضا على صوت زغرودة!!! عبست جيلان وهي تنظر إلى نوران. وسرعان ما نهضا وهما يخرجان. كان أمجد يقف ورحيق تعانقه وهي تبارك له بإبتسامة سعيدة حقيقية.
"هو فيه إيه؟" قالتها نوران بحيرة. لتبتسم والدتها وتقول:
"أخيراً أمجد ربنا كرمه. خلاص أخوكي هيتجوز. رايح الأسبوع اللي جاي عشان يتقدم لزميلته في الشغل."
بهتت نوران بينما تراجعت جيلان للخلف وهي تشعر وكأن أحداً ما مزق قلبها. حاربت الدموع كي لا تتسلل من عينيها وقالت بصوت مرتجف وهي تطرق برأسها أسفل:
"مبروك يا أمجد ربنا يتمملك بخير."
ابتسم لها وقال:
"الله يبارك فيكي يا جيلان عقبالك يارب."
"كل سنة وانتِ طيبة." قالها أمير بلطف لسما التي تجلس على الأريكة تقرأ إحدى رواياتها الرعب المفضلة. نظرت إليه بحيرة ليرد:
"مش النهاردة عيد ميلادك."
"مبححتفلش بعيد ميلادي." قالتها ببرود وهي تكمل قراءة رواياتها. ابتسم وهو يسحب الرواية منها ويقول:
"خلاص نحتفل بيه لأول مرة."
نهضت وقالت بإنفعال:
"انت عايز إيه يا أمير؟ إيه الحنية الغريبة دي."
"سما ممكن نتكلم مرة من غير ما نتخانق. مرة واحدة بس. عشان خاطر عمر على الأقل."
زفرت بضيق وجلست مكانها وهي تقول:
"خير عايز إيه؟"
"عايز نبدأ صفحة جديدة أنا وانتِ. من غير تجاوز أو مشاكل مع بعض. أنا عارف إن كنت سخيف أووي معاكي. وأنا بعتذر. وجاي أمد إيدي ليكي عشان نبدأ من جديد."
نظرت إليه بتوجس وهي تقول:
"انت عايز إيه بالظبط. أصل اللي في دماغك مش هيحصل. جوازنا مش حقيقي."
"لا لا مخك راح بعيد. أنا أقصد إننا نبقى أصدقاء بس. يعني بلاش نتخانق ونحافظ على الور بيننا. أنا عمري ما هنسى إنك اهتميتي بإبني. جميلك هشيله فوق راسي طول عمري. عشان كده أنا بمد إيدي وبقول: خلينا نبقى أصحاب أو أخوات زي ما تحبي. إيه رأيك؟ جربيني مش هتخسري."
نظرت إليه بتوجس وهي تصافحه وتقول:
"أوك خلينا أخوات. ممكن تجيب الرواية بتاعتي بقا عايزة أخلصها."
"طيب مش هنحتفل بعيد ميلادك."
"لا الاحتفال الحقيقي إنك تسيبني أقرأ روايتي بسلام."
ثم أخذت منه الرواية وبدأت تقرأ وهي تسحب اهتمامها عنه.
"ولا واحدة فيهم تنفع تكون زوجة. ولا واحدة فيهم تنفع تكون أم. أنا عايز زوجة وأم مش عارضة أزياء." صرخ عاصي في المساعد الخاص به ليرتجف الشاب وهو يتلعثم ويقول:
"عاصي بيه اديني فرصة تانية. أبوس إيديك. المرة دي هجيب طلبك بالظبط."
لمعت عينيه الزرقاء بغضب وهو ينظر إليه. كان غضبه مخيف. الفترة العصبية التي يمر بها غيرت هذا الرجل اللطيف لذلك الوحش الكاسر. جلس عاصي على مقعده وكفيه يرتعشان بتوتر. كان غاضب. لا الغضب كلمة قليلة مقارنة ما يشعر به. لم يكن غاضب. بل يشتعل. تلك هي الكلمة المناسبة وكأن النيران بداخله لا تهدأ. نيران الخيانة تقتله. لقد عشق حد الموت. ومات بفعل العشق ولن يسمح لهذا الخطأ أن يتكرر. لن يسمح به أبداً.
"أكبر منك بخمس سنين؟ لا يا بني كتير أوووي إيه اللي يرميك الرمية دي بس." قالتها متى بصدمة لمؤيد الذي فرك كفيه بتوتر ليقول:
"ماما أنا عاوزها."
"يا بني انت شفت شكلها؟" هز مؤيد رأسه لترد هي:
"يعني ممكن يكون باين عليها السن. اتعلقت بيها إزاي بس. ما البنات كتير يا بني. سيبها لصاحب نصيبها وانت شوف بنت أصغر منك مش واحدة أكبر منك بخمس سنين."
"ماما أنا عايزها هي."
ضربت منى كف على كف وقالت:
"ما تتكلم يا محمد مع ابنك وعقله أنا مخي هيشت. معرفش بيفكر إزاي."
نظر محمد إلى ابنه وقال:
"يا بني لو أكبر منك بسنة ماشي. سنتين نتقبلها لكن خمس سنين كتير أوووي. صعب لا انت ولا هي هتكونوا مبسوطين. انت مش هتفهمها ولا هي كمان. فرق السن بينكم كبير."
"أنا كل ده ميهمنيش ومش فاهمة. هو حرام إني أتزوج اللي عايزها."
"يا بني انت بس مبتبصش لقدام. صدقني الجواز ده محكوم عليه بالفشل."
عبس مؤيد وقال:
"بتحكموا عليا بالفشل ليه؟ طيب ما تخلوني أتقدم يمكن هي اللي تكون من نصيبي. يمكن أبقى مبسوط. ليه حكمتوا عليا وعليها يا ماما. أنا مش عايز غيرها. ساعدوني. متقفوش في طريقي."
هزت والدته رأسها بيأس وهي تنظر إليه. ثم نظرت إلى والده وقالت:
"حاول تقنعه انت. أنا مش هتدخل. خلاص."
نظر مؤيد إلى والده وقال:
"بابا انت عودتني إن لما أسمع قلبي. وقلبي عايزها. فرق السن ميهمنيش. أنا حاسس إن دي هي اللي هحبها. أنا عايزها. هي مش غيرها. لو عايز واحدة أصغر كنت أخدت أصغر. عادي. بس في لحظة بتقابل شخص قلبك بيقول هو ده. وقلبي بيقولي هي دي."
"للاسف يا مؤيد اللي بيفكر بقلبه دايماً خسران. لازم تحكم عقلك. انت وهي مش هتتفقوا. الست بتحب الراجل يكون أكبر منها. كده يا بني هتشوفك عيل."
"انتوا بتحكموا بناء على إيه نفسي أفهم بتحكموا عليها وعليا وعلى حياتنا. هو أنا مليش رأي."
"لا ليك بس إحنا أهلك وخايفين على مصلحتك. يا بني افهم. مش هنقدر نشوفك بتدمر حياتك ونسكت كده. الجواز ده محكوم عليه بالفشل. مش بنفكر فيك بس. بنفكر فيها كمان. مش هتتحمل كلام الناس."
"طز في الناس. ميهمنيش رأيهم. أنا هتجوزها وخلاص انتهى الموضوع. لو سمحتوا محدش يحاول يقنعني بالعكس. هتقفوا جمبي ولا لا."
زفرت منى بضيق من عناد ابنها ولكن محمد قال:
"طيب يا ابني هنروح نتقدملها. بس لازم تعرف إن ده قرارك انت واحنا نصحناك."
هز رأسه وقد تشكلت ابتسامة رائعة على شفتيه. لا يصدق. هو يحلم بكل تأكيد. اقترب من والده ووالدته ثم ضمهما بقوة وهو يقول:
"شكراً. بجدا شكراً. شكراً أوووي."
ولج لغرفته وهو يكاد يطير من السعادة. لا يصدق متى يأتي الغد كي يخبرها بهذا الخبر الرائع. لقد تيقن أنه يريدها. لا يهم شكلها أو سنها. هو يشعر بإنجذاب غريب نحوها. يريد أن يمر الوقت سريعاً كي يأخذ منها رقم والدها ويتقدم لها. لن يتركها. سيجعل والديه يقتنعان أنه لن يفشل. وأنه جدير بالثقة. سيحمي رحيق من كلام الناس. سيكون حارسها الأول. تسطح على الفراش وهو يغمض عينيه بينما يتخيل وجهها. يا ترى كيف ستبدو؟ يجب أن يعترف أنه لم يرى إلا عينيها فقط ولكن رغم ذلك أضحى يفكر بها دوماً. ربما هي جميلة فاتنة أو متوسطة الجمال. حسناً لا يهتم. المهم أنه يريدها في حياته بأي طريقة.
في أحد المقاهي الراقية.
"عايزني أتزوج على مزاجه يا نوال. طول عمره كده عايزني أعمل اللي على مزاجه وبس." قالها سيف بغضب ثم أكمل:
"لا يهتم بمشاعري ولا بمشاعر مياس. أنا هتجنن يا نوال ليه بيعمل كده."
نظرت إليه بحزن ليقول:
"أنا بحبك انتِ يا نوال وهتجوزك. مهما قال ومهما حاول يضغط عليا انتِ هتكوني اختياري الوحيد. أنا هحارب عشانك."
كانت تنظر إليه والذنب يثقل ضميرها. تنهدت وقالت:
"سيف متحاربش باباك عشان أي حد ولا حتى عشاني. انت فاهم. صدقني مستاهلش ده كله."
وقبل أن يفهم قصدها نهضت مسرعة وهي تغادر المقهي.
"انتِ مانعاني من ابني." صرخ لطيف بماجدة التي وقفت أمامه بكل قوة وهي تقول:
"ابنك تقدر تشوفه هنا وقدام عيوني. أنا مأمنش إنه يروح معاك في مكان. وده كان شرطي عشان أحفظ سرك فجاي دلوقتي تتكلم ليه؟"
توسعت عينيه بغضب وقال:
"ماجد متنسيش إن كريم يبقى ابني."
"أنا فاكرة كويس. بس أنت اللي نسيت يا لطيف. وخلاص كفاية مش عايزة أقلب في الماضي. تشوف ابنك هنا قدام عيني."
"ما انت في معظم الأوقات مش موجودة لا انتِ ولا ابنك."
"عشان بشتغل."
"وبتحضري دبلومة كمان."
رفعت رأسها بقوة وقالت:
"أيوه بحضر دبلومة عشان أقدر أشتغل في مكان كويس وأأمن مستقبل ابني."
أغمض لطيف عينيه وقال:
"طيب وليه العند يا بنت الناس. ارجعلي وأنا معايا خير كتير مش هتحتاجي تتبهدلي بالشكل ده."
"مستحيل أرجعلك لو هموت من الجوع أنا وابني. انسى الموضوع ده يا لطيف. ولو سمحت امشي دلوقتي يالا الوقت اتأخر."
ثم دون انتظار أغلقت الباب بوجهه.
في اليوم التالي.
انتظرها في بهو المدرسة وهو يرسم ابتسامة رائعة على شفتيه. اليوم سوف يأخذ خطوة رسمية. لن يتراجع أبداً. خفق قلبه داخل صدره بعنف وهو يراها تتقدم. ما إن رأته حتى ارتبكت وأطرقت رأسها في الأرض وكادت أن تتجاوزه لتذهب إلا أنه أوقفها وقال:
"آنسة رحيق استني لو سمحتي."
تكلمت بإنفعال وقالت:
"استاذ مؤيد مينفعش كده. مش كل شوية توقفني. شكلي هيبقى وحش قدام زمايلي والطلبة. أنا بحاول بقدر الإمكان إني مضايقش حضرتك فلو سمحت متضايقنيش."
ابتسم بسماحة وقال:
"حقك عليا. أنا بس عايز رقم والدك. عايز أتقدملك."
توسعت عينيها بصدمة وقالت بإنفعال:
"هو حضرتك مفهمتش اللي قولته ولا إيه؟ يا فندم أنا أكبر منك بخمس سنين. ولسه مصر."
ابتسم وهز رأسه وقال:
"ده مغيرش رأيي خالص. ما زلت حابب آخد رقم والدك عشان أتقدملك. لو سمحتي."
تجمدت مكانها. أرادت أن تهرب ولكنه بدا جدي للغاية. خافت حقاً أن تفعل ما يطلبه وعندما يراها يبتعد ويهرب كما فعل آخر رجل تقدم لها. تخاف أن تُكسر مجدداً. ابتلعت ريقها وهي تقول:
"آسفة حضرتك. أنا أصلاً مش موافقة. حضرتك أصغر مني سناً مش شايفة إن فيه توافق."
ثم حاولت أن تذهب إلا أنه وقف في طريقها وقال:
"آنسة رحيق. ليه متدينيش فرصة واحدة بس. خلينا نقعد ووقتها اعرفيني كويس وبعدين ارفضيني براحتك. لكن مترفضنيش كده من غير أي فرصة. حرام. أنا بجد عايز أتقدملك في الحلال ونيتي خير. صحيح ممكن أكون أصغر منك بس ممكن تلاقي تفكيري أنضج. واقعدي معايا وليكي الحق ترفضيني لو لقيتي العكس. بس لو سمحتي اديني فرصة واحدة بس. فرصة بس لو سمحتي."
نظرت إليه وقلبها يعتصر من الألم. الخوف كان يسيطر عليها. خوف الرفض. وخوف أن تضيع تلك الفرصة منها. هي مشتتة. لا تعرف ماذا تفعل. ولكنها قررت أن تخاطر. أسوأ ما سيحدث أنه سيرفضها عندما يراها. وهي اعتادت على الرفض. أصبح انكسار قلبها هو شيء اعتيادي تواجهه كل يوم.
"والدي متوفي. هديك رقم أخويا." قالتها بخفوت ثم ذهبت من أمامه ليبتسم بكل سعادة.
"طيب جاية اهو." قالتها بتول بسرعة وهي تتجه نحو باب المنزل. فتحت الباب سريعاً لتتجمد وهي تجد شقيقتها أمامها.
"سيلا!!! انتِ رجعتي!!!"
امسكت الهاتف وهي تنظر إليه بشرود. هو حتى لم يحضر جنازة خالته. هل يعقل أن تتصل به ليساعدها. علاقة مياس بابن خالتها معاذ انقطعت منذ زمن. لأنها رفضت الزواج منه. لذلك ابتعد عنها وسافر وتزوج أيضاً. ولكن رغم هذا لم يتصل بها مرة. لم يحاول مساعدتها. هل مناسب أن تطلب مساعدته الآن؟ كانت حائرة حقاً. أغمضت عينيها وهي تتصل به بالفعل. انتظرت بصبر إلى أن فتح الاتصال وقال بصوت مصدوم:
"مياس!!!"
"معاذ أنا محتاجاك. لو سمحت تعالى خدني من هنا. لو سمحت!!!"
رواية اسرت قلبه الفصل التاسع 9 - بقلم سوليية نصار
أغمض عينيه وصوتها ينسل داخل روحه. لقد ظن أنه خسرها للأبد.
ابتلع ريقه وهو يتنهد بقوة.
"مياس… مياس…"
على الجانب الآخر انفجرت الدموع من عينيها.
"معاذ… أبوس إيديك تعالى خدني من هنا… تعالى يا معاذ… عمي عايز يجوزني ابنه غصب عني… عايز يفرض رأيه عليا…"
ازدادت دقات قلبه وشعر بدمه يغلي. كيف يجرؤ على التفكير أصلًا بهذا؟
"وانتِ اللي وداكي عنده أصلًا يا مياس؟"
"لأن محدش كان معايا… لأنك المفروض اللي كنت أخويا بعدت عني… حتى جنازة خالتك محضرتهاش… مكانش عندي أي حد غير عمي…"
أغمض عينيه بيأس وقال:
"عشان أنا حبيتك!!!"
ارتجف صوتها وهي تقول:
"لو سمحت متكررش الكلمة دي تاني… ميصحش كده… أنت متجوز!!!"
"متجوز صحيح بس مبحبهاش… أنا بحبك أنتِ وبكلمة منك بس هطلقها ونتجوز"
أغمضت مياس عينيها بيأس. لقد أخطأت بالاتصال به. أخطأت عندما فكرت أنه سوف يساعدها.
تنهدت بيأس وقالت:
"أنا غلطت… مكانش لازم أتصل بيك يا معاذ… افتكرت إنك هتساعدني لأني من دمك وهتنجدني… بس أنت عايز حاجة معينة وأنا بعتذر… مقدرش أكسر قلب واحدة ملهاش ذنب وقولتها وهقولها تاني… أنا مش شايفاك إلا أخويا… متقلقش أنا هقدر أساعد نفسي… وبعتذر لو أزعجتك… أنا عن نفسي مش هأزعجك تاني… سلام!!!"
ولكنها قبل أن تغلق معه صرخ بها:
"متقلقيش السكة!!"
توقفت لبرهة على أمل أن ينسى كل هذا الهراء ويساعدها.
تنهد معاذ وحك رأسه بتوتر وقال:
"طيب قوليلي أساعدك إزاي… أعمل إيه؟!"
"عايزاك تيجي تاخدني من بيت عمي… عايزاك تكون جنبي الفترة دي لحد ما أقدر أعتمد على نفسي وأقف على رجلي وبعدين أنا بأخليك من مسؤوليتي للأبد… هتساعدني يا معاذ؟!"
هز رأسه بدون تردد وقال:
"أكيد هساعدك… أنا هحجز وأجي اسكندرية فورًا وأخدك من هناك… ومحدش هيقدر يمنعني!!!"
أغلق الخط بإبتسامة. كان يطير من السعادة حقًا. لقد فقد الأمل أن تلجأ إليه ولكن ها هي فريسته تقترب منه. سوف ينالها… سوف يتزوجها… لن تفلت من يديه مجددًا. تلك هي حبيبته… ملكه هو فقط.
أخذ يدور حول نفسه وهو يغني بسعادة. توقف فجأة وهو يرى زوجته تنظر إليه بتوتر كعادتها. ابتسم وهو يقترب منها. انكمشت على نفسها وهو يقترب منها.
ابتسم بلطف وقال:
"متقلقيش مش هضربك النهاردة خالص… أنا النهاردة سعيد… سعيد أوي يا مياس…"
ثم جذبها نحوه وهو يرقص معها بسعادة وقال:
"مياس الحقيقية قربت تدخل حياتي… مش هيبقى ليه لازمة تمثلي إنك هي… مش هجبرك تلبسي عدسات تاني… ولا كمان هيكون فيه باروكة… هي هتكون هنا… مش هتحتاجي تمثلي إنك هي مرة تانية…"
تنفست عهد براحة وقالت بلهفة:
"يعني… يعني هتطلقني خلاص؟!"
نظر إليها بلوم مصطنع وقال:
"لا طبعًا يا بيبي أنا مش هسيبك… هتبقي معانا في البيت بعد ما نتجوز… على الأقل عشان تخدمينا…"
اكتسى وجهها بالإحباط. كانت تتمنى حقًا أن يتركها وشأنها.
قبلها معاذ على وجنتها وقال:
"يالا يا بيبي بقا أنا هجهز نفسي عشان أسافر… متحاوليش تلعبي من ورايا وتسيبي البيت وتروحي لوالدتك… أنتِ عارفة أنا ممكن أعمل إيه…"
ارتجفت والدموع تتساقط من عينيها وقالت بنبرة مرتجفة:
"حاضر… حاضر…"
"شاطرة يا بيبي…" قالها ضاحكًا ثم خرج من المنزل لتهرع هي إلى غرفتها وتتنفس بعنف وهي تضع كفها على قلبها. هذا المجنون المختل… لن يتركها وشأنها. ليتها لم تتزوجه. لو تعرف أنه بهذا الاختلال العقلي لم تكن لتتزوجه.
نظرت إلى غرفة النوم الخاصة بهما وهي ترى صور عديدة لمياس. تلك المرأة التي يعشقها زوجها بهوس لدرجة أنه جعلها نسخة عنها رغماً عنها. أجبرها على ارتداء العدسات الطبية طوال الوقت لتصبح عينيها زرقاء. جعلها تصبغ شعرها ولكنه عندما لم ترضيه النتيجة أجبرها على ارتداء الشعر المستعار. أجبرها على اتباع حمية قاسية ليكون جسدها مثل جسد مياس. لم يدعوها أبدًا باسمها الأصلي. دوماً يخبرها أنها مياس. أجبرها أن تتصرف كمياس. كم تتمنى أن تتحرر منه. أنها تشفق على مياس لأنها سوف تكون في حياة تلك المختل!!!
"عايز أعرف إيه اللي مبعوت على الميل ده يا نوال؟!" قالها صالح وهو يجلس على كرسيه براحة بينما يتفحصها جيدًا.
حافظت هي على ملامحها ثابتة وقالت بهدوء شديد:
"زي ما حضرتك شوفت يا فندم… أنا بقدم استقالة…"
"ليه؟!" قالها متسائلاً لتنظر إليه بحرقة وتقول:
"ليا أسبابي الخاصة…"
لمعت عينيه البنية وهو ينظر إليها ثم نهض واقترب منها. ترجعت بتوتر وهي تقول بارتجاف:
"ممكن حضرتك تقف؟… أنت ليه بتقرب مني؟!"
"أنتِ خايفة من إيه؟ مني… ولا من مشاعرك ناحيتي… خصوصًا بعد ما ارتبطت بهبة…"
احمر وجهها من الغضب وقالت:
"وأنا مالي ترتبط ولا تتجوز… وبعدين أنا مفيش مشاعر جوايا ناحيتك خالص… أنا هتخطب لسيف…"
"بتحبيه؟!"
"دي حاجة متخصكش…" قالتها باندفاع فرد مبتسمًا وهو يحاصرها أكثر:
"خايفة من إيه يا نوال… خايفة تعترفي إنك بتحبيني… خايفة تقولي إنك عمرك ما حبيتي سيف… خايفة تقولي الحقيقة دي صحيح…"
"لا مش صح… أنا بحب سيف…"
"أنتِ كدابة… أنتِ بتحبيني أنا… باين من نظراتك وغيرتك وهروبك مني… قوليلى إزاي هتتجوزيه وفي قلبك واحد تاني… هترتاحي إزاي وأنتِ بتبصي في عيونه بس عينيكي مش شايفة غيري أنا… فاكرة لما يكتشف هيكون مبسوط يا نوال… صحيح لو سيبتيه دلوقتي هيزعل بس كمان لما في يوم من الأيام يكتشف إنه مش الراجل اللي كان في قلبك وعقلك هينتهي خالص ويتدمر… أنتِ عايزة كده…"
انفجرت الدموع من عينيها وهي تنظر إليه بعجز. كان الذنب يقتلها من الداخل. إنها تموت حقًا. كيف سمحت لمشاعرها بأن تنجرف. كيف سمحت لنفسها أن تحب صالح. رباه ماذا عن سيف الذي يحارب العالم لأجلها. أطرقت رأسها للأسف وارتفع نشيجها.
تنهد صالح واقترب منها وهو يحاصر وجهها ويجعلها تنظر إليه وقال:
"اسمعيني كويس أوي… أنا بحبك… مش عارف امتى بس حبيتك… وأنتِ مهما حاولتِ تنكري فأنتِ كمان بتحبيني أوي كمان… وعلى فكرة أنا وهبة لعبنا اللعبة دي عشان أشوف غيرتك عليا… وشوفتها… أنا دلوقتي مرتاح مش هاممني أي حاجة… أنا عايز أتقدملك…"
شهقت دموعها تنسكب أكثر ليقترب منها وهو يطبع قبلة قوية على جبهتها ويقول:
"انفصلي عنه… أنتِ مبتحبهوش!!!"
تدمرت اللحظات السحرية فجأة وهي تبتعد عنه وتهرب خارجاً تاركاً إياها تنظر إلى أثرها بحزن. ذهب وجلس على مقعده وهو يفكر بها. لماذا تعقد الأمور. هي تحبه هو متأكد من هذا. لماذا تصر على إبعاده عن حياتها.
أغمض عينيه وهو يضع رأسه على مسند المقعد. سوف تعود له. هو لن يتركها لغيره!!
في الحمام…
كانت تقف نوال أمام المرآة. تتحسس رأسها بينما تبكي بعنف. إنها تخطئ. تنزلق في طريق مظلم. طريق سوف يدمرها ويدمر سيف. لا يمكنها أن تفعل هذا بسيف. لا يمكنها أن تخونه خاصة هو يفعل ما بجهده لكي يتزوجها. رباه كم هي حقيرة. شعرت بأنها رخيصة. أخذت تبكي أكثر وقلبها يؤلمها. قلبها… إنها تكره قلبها. هذا القلب الذي عشق شخص غير سيف. لماذا لم يحب سيف. لماذا أحبت صالح. لا يمكنها أن تؤسس حياة معه وتبني سعادة على حساب مشاعر سيف. لا يمكنها فعل هذا. رباه ماذا تفعل. أخفت وجهها بين يديها وهي تبكي بعنف أكثر. سيف لا يستحق منها هذا أبدًا. الرجل الذي منحها كل شيء لا يستحق الخيانة. هي خائنة. خائنة لا مجال للإنكار.
"ابعد يا عادل عني؟!" قالتها نوران وهي تكتم دموعها بينما تتذكر ما حدث بينهما. منذ ما حدث هي لا تفعل شيئًا سوى البكاء. تبكي وتبكي وهي تشعر بالقهر. تشعر أنه تم انتهاكها من قبله. ابتعلت شهقاتها وهي تضم كتبها إلى صدرها كأنها تتخذها حماية لها. ولكنهم وقف أمامها وقال:
"مش هبعد يا نوران غير ما تسامحيني… والله أنا مش عارف عملت كده إزاي… أنا غلطان… أنا آسف يا حبيبتي والله… مش هعمل كده تاني…"
ولكنها لم تنظر إليه حتى وأكملت سيرها. وقف أمامها مرة أخرى وقال:
"والله لو ما وقفتي لأكون صرخت في نص الكلية وأقول إني بحبك…"
وقفت فجأة وهي تنظر إليه. الدموع تتساقط من عينيها فقال برقة:
"دموعك أغلى مني متعيطيش… أنا آسف… اسف والله مكنتش في وعي… أوعدك إنني مش هعمل حاجة تاني زي كده سامحيني!!!"
تنهدت وهي تنظر إليه وقالت بصوت مختنق:
"اوعى تعمل كده تاني يا عادل… اوعى تأذيني بالطريقة دي…"
"عمر ما هعمل كده تاني يا روحي… عمري!!!"
في قاعة المحاضرات…
كانت ماجدة تجلس وهي تفرك كفيها بتوتر. لقد تركت ابنها مع جارتها. وهي مرعوبة الآن. هي تأخذه حتى للعمل وصاحب العمل رجل طيب لا يتذمر. ولكن الدكتور الجامعي الجديد صارم للغاية لا يقدر حالتها. نظرت إليه وحاولت التركيز بينما هو يشرح ولكنها لم تفهم شيئًا. فجأة توقفت عيني يوسف العسلية عليها وقال:
"أنتِ قومي أنا كنت بقول إيه؟!"
ارتجفت ماجدة وهي تنظر خلفها ليكمل هو:
"أنا بكلمك أنتِ يا أم طرحة سودا… أنا كنت بقول إيه؟!"
نهضت ماجدة بتوتر وأخذت تفرك كفيها ليعيد يوسف كلامه بصبر ويقول:
"كنت بقول إيه؟!"
أطرقت برأسها وقالت بخفوت:
"آسفة يا دكتور… أنا…"
ولكنه قاطعها بقوة وقال:
"يا جماعة هو مين أجبركم تعملوا الدبلومة؟ يعني ليه جايين مادام هتسرحوا أو مش هتستفادوا… اللي يكون في المحاضرة بتاعتي ياريت يكون مركز لو سمحتوا!"
ثم نظر إلى ماجدة وقال بصرامة:
"تقدري تقعدي وركزي!!"
هزت رأسها بينما الدموع تلسع عينيها. ولكنها أمسكت نفسها بالقوة وجلست.
"إيه ده؟!" قالتها تولين بصدمة بينما عمر يعطيها عبوة دواء. هز كتفه وقال ببساطة:
"ما هو واضح قدامك أهو… دي حبوب منع الحمل…"
لسعت الدموع عينيها وقالت:
"ما أنا عارفة إنها حبوب منع الحمل بتدهاني أنا ليه؟ مش عايز تخلف مني يا عمر… للدرجادي…"
زفر هو بضيق وقال:
"خديها من غير أي كلام… أنا مش عايز نقاش يا تولين… لو عايزة نكمل حياتنا مع بعض خدي الحبوب دي بإنتظام!!"
"سيلا أنتِ بتعملي إيه هنا؟ رجعتي ليه من فرنسا؟" قالتها بتول بقلق وهي ترى نظرات شقيقتها لا تبشر بالخير. هزت سيلا كتفيها وقالت بتصميم:
"جاية أرجع اللي كان حقي… جورج حبيبي…"
"إيه اللي بتقوليه ده جورج اتجوز!!"
قبضت على كفيها وقالت والغضب يشتعل بعينيها:
"يعني ده هيمنعني… جورج حتى لو متجوز ملكي أنا وبس…"
تنهدت ونظرت إلى شقيقتها وقالت:
"غلطت لما سيبته بس خلاص أنا رجعت وجورج هيبقى ملكي وبس… بس طبعًا مش هظهر في حياته دلوقتي خالص!!"
في اليوم التالي…
كان يقف أمام قصر الحسيني وهو ينظر إليه بحقد. هذا الرجل لا يكفي أنه لديه الأموال. هو يريد سرقة مياس منه أيضًا. كان على وشك الحصول على مياس ولكنه تدخل هو. ولكن اليوم هو مصمم أن يأخذها. سوف يتزوجها.
اقترب من حارس القصر وقال بقوة:
"قول لجلال الحسيني إن معاذ جابر هنا!!"
كان جلال يعمل بمكتبه بالمنزل. بينما الأفكار تعصف به. لقد تمنى أن يتم زفاف مياس وابنه. كان يريد أن يضمن الحماية الكاملة لها قبل أن يموت. ضميره يؤلمه بشأنها. يكفي ما عانته. هو يضع اللوم على نفسه في كل ما حدث لها. لو كان معها… لو كان يحميها لما حدث هذا. ولكن ترك الخلاف بينه وبين شقيقه يؤثر عليه. فترك من دمه ولم يساعدها. ولكن الآن هو سيفعل المستحيل ليساعدها. حتى لو لم تتزوج سيف سوف يضمن لها أن تكون آمنة.
طرقة على الباب أخرجته من شروده فورًا.
"اتفضل…" قالها بصوته المميز ليلج أحد العاملين بالمنزل.
"نعم يا عم بكر فيه حاجة؟!"
"يا بيه في واحد برا بيقول إنه اسمه معاذ جابر وبيقول إنه عايزك…"
لمعت عينيه وضم كفه بقوة. هذا الرجل… ماذا يفعل هنا؟ ماذا يريد؟ هل يمكن أن يكون هنا من أجل مياس. ولكن لا هو لن يسمح له بأن يأخذها أبدًا.
"خليه يدخل يا عم بكر… وضيافته كويس عقبال ما أجي…"
هز بكر رأسه بطاعة وخرج من فوره بينما أسند جلال رأسه على ظهر المقعد وهو يفكر. هل يمكن أن تكون مياس هي من لجأت عليه. هل هذا يعقل. ولكن رغم هذا هو لن يسمح له أبدًا بأن يأخذ مياس. هو لا يرتاح لهذا الشاب.
كان معاذ جالسًا على الأريكة المريحة وهو يضع ساقًا على ساق وينظر لكل ما حوله بحقد لا يخفيه. لطالما كره عائلة الحسيني بأكملها. حتى والد مياس. كانوا دوماً يمتلكون المال. خالتها عاشت حياة مرفهة بسبب هذا. مياس من صغرها كان تنظر إليه كشخص أقل منها. لم تشير إلى هذا أبدًا ولكنها كانت دوماً تعطيه ألعابها القديمة. وخالته كانت دوماً تبتاع له الملابس التي لا يستطيع أهله أن يبتاعوها له. كره تلك العائلة بشدة ولكنه رغم هذا صمم أن تكون مياس له. أحبها بشدة رغم كرهه لوالدها ووالدتها التي هي خالتها. مياس كانت الجزء الجميل بحياته. وقد صمم على الحصول عليها ولكنها رفضته. كسرت قلبه. ولكن الآن الوضع تغير. لقد اختفى جمال مياس. وهي الآن من تحتاجه. هو الآن الطرف القوي.
"أهلاً بيك يا معاذ…" قالها جلال وهو يتقدم لصالة القصر لينهض معاذ ويصافح جلال ببرود ويقول:
"أهلاً بيك…"
"خير إيه اللي جابك هنا؟!"
"جاي آخد مياس…"
ضحك جلال بسخرية وقال:
"تاخدها فين يا حبيبي… وبصفتك إيه؟"
"بصفتي ابن خالتها"
"طيب أنا عمها وبقولك مش هتخرج من هنا…"
"مياس واحدة كبيرة وهي اللي تقرر يا جلال… مش أنت خالص…"
كاد جلال أن يتكلم ولكن ظهرت فجأة مياس خلفه وهي ترتدي نقابها.
"كويس إنك جيتي يا مياس… معاذ بيقول إنك لجأتي ليه صح؟"
لم تتكلم مياس ليكمل جلال:
"السكوت علامة الموافقة يا مياس…"
استجمعت مياس شجاعتها وقد لمعت عينيها وهي تقول:
"أيوه أنا لجأت ليه!!"
كان معاذ مأخوذًا بلمعان عينيها وصوتها الذي به نغمة خاصة. لطالما كانت مميزة.
"طيب حابب أعرف لو روحتي معاه هتقعدي فين؟ معاه هو ومراته مثلاً؟ ولا هتقعدي معاه على أي أساس…"
هنا تدخل معاذ وقال بقوة:
"هتقعد معايا على أساس إنها مراتي أنا… هتجوز مياس…"
انقبض قلب مياس وهي تنظر إليه وقالت:
"إيه اللي أنت بتقوله ده؟!"
"دي الطريقة الوحيدة يا مياس صدقيني مفيش غيرها…"
هزت رأسها بقوة وقالت:
"إحنا متفقناش على كده… أنا مش عايزة أتزوجك…"
نظر إليها بكره. كان يريد أن يضربها حقًا في تلك اللحظة. نظراته اللطيفة تغيرت وأصبحت على النقيض تمامًا لدرجة أنها ارتجفت وشعرت بالخوف منها. ازدردت ريقها وهي تفرك كفيها بتوتر.
ابتسم جلال الحسيني وقال:
"أهو سمعت!! يالا ورينا جمال خطوتك…"
"مستحيل هي هتيجي معايا…" قالها وهو يحاول أن يقترب من مياس ولكن بسرعة وجد سيف أمامه. ينظر إليه ببرود.
لم يعرف معاذ متى ظهر أساسًا وكأنه ظهر من العدم. أبعده سيف قليلاً وقال:
"مياس مش هتخرج من هنا… بابا كان لطيف معاك وهو بيفهمك… بس يظهر إن مستوى ذكاءك متدني وأنا بعرف أتعامل مع نوعك ده… فقبل ما أخلي الأمن يرميك برا… اطلع بكرامتك!!"
بعد أسبوع…
ولجت للصالة وهي تمسك صينية القهوة. بينما ترتجف من الداخل. تعلم أن الأمر لن يمر على خير. ما أن يرى وجهها سوف يذهب ولن يعود مرة أخرى. ولكنها قررت أن تتوكل على الله. وضعت الصينية على الطاولة الزجاجية المستديرة ثم جلست وهي تفرك كفيها بتوتر. أعطتها منى ابتسامة مصطنعة وهي تقول:
"إيه يا عروسة مش هتورينا وشك ولا إيه؟"
هزت رحيق رأسها وهي ترفع النقاب بهدوء. ظهر على وجه منى الصدمة وهي تنظر إلى ابنها. ولكن صُدمت أكثر وهي تراه ينظر إليها وعلى وجهه ابتسامة سعيدة. لا يصدق أنها جميلة. بل رائعة للغاية.
انتهت الرؤية الشرعية وتبادلا بعض الأسئلة سريعاً. تنهدت رحيق وهي تخلع فستانها الرمادي بينما اقترب منها شقيقها وقال:
"شفت في عيونه القبول…"
ابتسمت بسخرية وقالت:
"بس عيون مامته لأ يا أمجد ومستحيل هو يعارض أهله…"
"هتتجوزيه هو مش أهله…"
هزت رأسها وقالت:
"للأسف في مصر إحنا بنتجوز الأهل كمان مع الشاب… عموماً مش زعلانة لو رفضني مش هتكون أول مرة يعني…"
"أنت مجنون مش شايف شكلها؟!" قالتها منى بعصبية لابنها الغبي هذا بعد أن عادا إلى المنزل ليرد بعبوس:
"ماله شكلها يا ماما… ما هي زي القمر أهي"
"أنت مجنون يا بني ولا إيه… ولا أعمى… أنت شايف دي حلوة…"
احمر وجهه بغضب وقال:
"أيوه شايفها حلوة وعايزها يا ماما… وهخطبها!!!"
هزت والدته رأسه وقالت:
"طيب ما دام كده خلاص يا مؤيد يا أنا يا بنت دي… لو خطبتها اعتبر إن أمك ماتت… إيه رأيك؟ وده قراري النهائي…"
كانت رحيق تجلس على الأريكة وتقرأ القرآن عندما رن هاتف أمجد. أمسك أمجد الهاتف وهو يقول:
"ده مؤيد…"
رد عليه وهو مبتسم بسعادة. ولكن سرعان ما تلاشت الابتسامة من شفتيه. نظرت إليه رحيق وقد فهمت ولكنها لم تعلق بل عادت تقرأ القرآن والدموع تلسع عينيها. تهدد بالإنهمار. أشعرت بشخص ما يمسك كتفها بقوة. نظرت لتجد دلال تنظر إليها بشفقة. ابتسمت لها رحيق دامعة وأكملت قراءة القرآن وقد هزمتها دموعها وأصبحت تنهمر من عينيها.
كان أمجد ينظر إليها بشفقة. قلبه يعتصر ألمًا على شقيقته بينما يتذكر كلام مؤيد وهو يقول: "كل شيء قسمة ونصيب…" لا يفهم ماذا حدث. حقًا لا يفهم. لقد رأى الإعجاب بعينيه. لماذا تراجع. هل يمكن أن يكون السبب هي والدته. لقد رأى نظرات عدم الرضا بعيني والدته. ربما هي التي اعترضت عليها وربما هذا خير لها. ربما سوف يكون مصيرها مع شخص أفضل منه بكثير.
اقترب أمجد من شقيقته وجثا على ركبتيه بجوارها. صدقت هي وأغلقت المصحف الخاص بها. أمسك أمجد كف شقيقتها وقال بهدوء:
"مش نصيبك يا حبيبتي… عارفة ليه عشان نصيبك مع حد أحسن منه بكتير…"
هزت رأسها والدموع تنهمر من عينيها:
"المشكلة فيا أنا يا أمجد… بس الحمد لله على كل حال…"
هز رأسه وقال:
"لا خالص المشكلة مش فيكي ولا حاجة… أنتِ ربنا شايلك الأحسن…"
مسحت دموعها وقالت:
"مش مهم أنا دلوقتي… المهم أنت كمان إمتى هتروح تتقدم للبنت اللي قولت عليها… أنت قلت مش هقدم إلا لما موضوعي يخلص واهو موضوعي خلص الحمد لله اتقدم بقا وخلي الفرحة تدخل البيت"
"متفكريش في ده دلوقتي…"
"أنت وعدتني يا أمجد… أبوس إيديك متزعلنيش أكتر…"
تنهد وقال:
"حاضر يا حبيبتي هعمل اللي أنتِ عايزاه…"
اقترب عاصي من ابنته الصغيرة وهي نائمة. كانت تبدو كالملاك. جلس بجوارها وهو يمسك كفها ويقبله برقة. ابنته الصغيرة… التي حُرمت من والدتها منذ صغرها. لقد حاول أن يربيها ولا يجعلها تحتاج لأم ولكن للأسف فشل. هو يرى نظراتها الحزينة في كل مرة ترى أمهات صديقاتها معهن. ابنته تشعر بالحرمان. لقد حاول أن يعوضها عن كل شيء ولكنه فشل عن تعويضها عن أم. ولكن سيفعل المستحيل كي لا يحرم ابنته من شيء تريده. سيتزوج مرة أخرى من امرأة تتقي الله بها. سيبحث ويبحث حتى يجد المرأة المناسبة.
بعد أسبوع آخر…
كانت تدفن رأسها في الوسادة وهي تبكي بعنف. تشعر أن قلبها يتمزق من فرط الألم. رباه… سوف يكون لغيرها. لقد تقدم للفتاة وتمت الموافقة واليوم سوف تكون خطبته عليها. خطبة بسيطة سوف تقام في منزل العروس وقد دعتهم بما أنهما من أقاربه. كانت تشعر بالمرض وقلبها يتفتت من الألم.
"جهزتي يا جيلان؟" قالتها شربات وهي تلج لغرفتها ولكنها شحبت وهي ترى ابنتها بتلك الحالة.
"يالهوووي مالك يا بنتي…" هرعت شربات إليها وهي تشدها إلى حضنها ثم تملس على شعرها وتقول:
"بسم الله الرحمن الرحيم يا حبيبتي ألف سلامة عليكي… إيه اللي حصل؟"
"ما… ماما… أنا بحب أمجد… بحبه أوي… أنا مش هقدر أحضر خطوبته…"
"بتقولي إيه يا بت؟!" قالتها شربات وهي تبتعد عنها ثم أمسكتها من كتفيها وهي تقول:
"وده حصل امتى؟"
"من زمان… من زمان بس محدش كان حاسس بيا… اتغيرت عشانه… بس هو مشافنيش… أنا بموت يا ماما… أبوس إيديكي متخلنيش أحضر الخطوبة دي… والا هعيط وأفضح الدنيا عشان خاطري!!!"
تنهدت شربات بحزن على ابنتها ثم سحبتها إليها وضمتها برفق.
بعد شهر…
"مش مصدقة إنك هتجبرني أحضر عيد ميلاد بنت خالتك… أنا مبحبهاش البنت دي؟" قالتها سما بضيق وهي تلف حجابها بشكل مميز. كان يقف خلفها وعينيه تمر عليه بإنبهار وقال بمكر:
"لتكوني بتغيري منها؟"
عبست وهي تنظر إليه وقالت:
"وأغير منها ليه؟"
"عشان كانت بتحبني مثلاً…"
ضحكت بفكاهة وقالت:
"أنت عارف إن الموضوع ده آخر همي يا حبيبي… لو تحب كمان أطلب إيديها ليك عشان تتجوزها… والله ما أتأخر عليك…"
أدارها وجعلها تنظر إليه وقال:
"موافق…"
توترت وهي تنظر إليه وقالت:
"موافق على إيه؟"
"موافق إنك تطلبي إيديها… أتجوزها… أنا عايز أعف نفسي… وأنا وأنت جوازنا مش هياخد الطريق ده فهسيب ليكي الطلعة دي أنا عايز أتزوج…"
"أنت… أنت… عايز تتجوز؟!!"
ابتسم بمكر وهو ينظر إلى وجهها الشاحب وقال:
"مال وشك صفر ليه… مش كل شوية بتقولي هتجوزيني بنفسك واني أختار العروسة… شكلك متردد ليه؟"
كان يقصد أن يجعلها تغضب تعرف هذا وكان يجب أن تقاوم غضبها. ولكنها لم تستطع مقاومة الغضب الذي لون وجهها الأبيض باللون الأحمر. حافظت على هدوئها بشق الأنفس في الوقت الذي تمنت بشدة أن تشوه وجهه الجميل. رفعت رأسها وقالت بابتسامة مغيظة:
"وماله يا بيبي… خد ميعاد وأنا هطلب إيديها وأزغرط كمان في فرحك…"
رفع حاجبيه وقال:
"أنتِ قد الكلام ده؟"
"أيوه قده…"
ابتسم بسخرية وقال:
"طيب… يالا عشان منتأخرش على عيد الميلاد… أنا سيبت عمر مع والدتك وقولت إننا مش هنتأخر أكتر من ساعتين…"
هزت رأسها وهي تتبعه.
في عيد الميلاد…
كانت سهيلة تقف وسط أصدقائها وهي تضحك بقوة. ترتدي فستان أزرق فاتح بأكمام طويلة وقد تركت شعرها الطويل ينسدل مغطياً ظهرها.
"سهيلة أمير جه…" قالتها إحدى صديقاتها بابتسامة فنظرت من فورها إليه ثم ركضت بلهفة وعينيها تلمع وكادت أن تعانقه ولكن سما وقفت في طريقها وعانقتها وهي تقول:
"كل سنة وأنتِ طيبة يا سوسو…"
ثم همست في أذنها وقالت:
"أقسم بالله لو فكرتي وحضنتيه لانتف شعرك شعراية شعراية فاهمة ولا لأ!!!!"
ثم ابتعدت عنها وهي تمسك الهدية من يد أمير ثم اتعطيها لها وتقول:
"عقبال هدية جوازك يا حبيبتي…"
ثم أمسكت ذراع أمير بتملك. ابتسم أمير وهو ينظر إليها. لا يعرف لماذا ولكن غيرتها أسعدته. لقد ظن أنها باردة لا تهتم. ولكن حقًا صدمته وهي تعلن تملكها له دون أي خجل.
خرجت من عيادة الطبيبة وهي تمسك التحاليل الخاصة بها وهي تشعر أن العالم يدور حولها. تغمض عينيها والدموع تنساب منهما وهي تتذكر كلام الطبيبة:
"مبروك يا مدام ماريانا أنتِ حامل!"
لا تصدق هذا. هي حامل منه. تحمل طفلاً منه. ماذا تفعل الآن؟ هذا الخبر يجب أن يكون الخبر الأكثر سعادة ولكنها تشعر بالبؤس. طفلها سيأتي وسيعيش في منزل بلا حب. يجب أن تخبره.
منذ أكثر شهر تقريباً قد مر وهي تتجاهله تمامًا. لا تتحدث معه. حتى ابتسامتها قد اختفت. استيقظ ثم تخرج لعملها. تتجنبه كأنه مرض. يعترف أنه قد جرحها بتصرفاته. هو حقًا يكره نفسه لأنه عاملها بتلك الطريقة. ولكن لا يعرف ماذا يفعل حقًا. لماذا يبعدها عنه بتلك الطريقة. لماذا يكذب عليها. لقد أخبرها أن ما حصل بينهم منذ أكثر من شهر كان خطأ. ولكنه كان يكذب. نعم لقد كذب عليها.
أغمض عينيه وهو يعترف بالإكراه أنه كان واعيًا لما يفعله. أنه أراد بشدة أن يلمسها. اعترف مرغمًا أن كل لحظة عاشها معها في تلك الليلة كانت من أجمل لحظات حياته. لن يكذب. هو يرغب بها. ربما لا يحبها ولكنه يرغب بها بشدة. ولو حاولت مرة أخرى معه سوف يستسلم ويقبلها كما قبلها ذلك اليوم وسيجعلها ملكه مجددًا. لكن بعد ما حدث اختارت أن تتجاهله وهو لا يلومها. ربما هذا أفضل. أفضل ليتخلص من تلك الرغبة المزعجة نحوها.
أغمض عينيه وهو يتذكر يوم استيقظ بجوارها.
فتح عينيه وهو يشعر بثقل على صدره ليرفع رأسه ويجدها تنام على صدره وتعانقه. أغمض عينيه للحظات وعطرها ينسل إلى روحه. الذكريات أخذت تندفع إلى عقله. هو من جذبها إليه. أرادها. أراد امتلاكها. لن ينكر هذا. لا يستطيع أن ينكره. نظر إليها وهو يتلمس شعرها الأسود الطويل. ابتسم ابتسامة حقيقية وهو يتذكر هوسها بشعرها. هي دوماً تصبغه بالألوان. لا تلتزم بلون معين لعلها تنال إعجابه. ولكن لا يخبرها أن اللون الأسود يناسبها أكثر من أي شيء. لم يخبرها يومًا أن عينيها جميلة. بل رائعة. وأن ابتسامتها رائعة. هي امرأة رائعة. مناسبة جدًا ولكن ليست مناسبة له. فقلبه ليس ملكه. هو ملعون بلعنة العشق. الفقد.
تلاشت الابتسامة من شفتيه ونهض وهو يرتدي بنطاله ثم أخرج ملابس له وقرر الذهاب لأخذ حمام ساخن.
وقف تحت صنبور المياه وهو يغمض عينيه. رباه ماذا فعل. لقد أعطاها أملًا. أملًا أن يحبها. بلمسها الأمس جعلها توقن أنه يمكن أن يحبها. هو يجب أن يصلح هذا الخطأ. يجب أن يخبرها أن ما حدث بالأمس خطأ. وأنه لا يريدها. لا يمكن أن يعطيها هذا الأمل. لا يمكن.
خرج من شروده وهو يتساءل لماذا هو حزين. هذا ما أراده وهذا ما فعله. هو فعل الصواب. يجب ألا يجعلها تأمل أنه سيحبها. هي من سوف تتحطم وهو لا يريد أن يحطمها. لا يريد!!!
ولكن تجاهلها يضايقه. بهتت ملامحها يقلقه. هي مريضة منذ أيام. تتقيأ دوماً. وقد نحفت. أصبحت حزينة دوماً. يرى بعينيها الانكسار. هي لا تدعي القوة. هي مكسورة. وقد كسرها من أحبت أكثر من الحياة. نعم يعترف بهذا ولن ينكر. هو شخص حقير.
فجأة فُتح الباب. رفع رأسه بحيرة. لقد انتهت مواعيد عمله وذهبت المساعدة الخاصة به. ولكنه تجمد وهو يراها.
"سيلا!!!"
ارتجف صوته ونهض بصدمة وهو يراها أمامه. نعم هي أمامه. هو لا يحلم. هذا ليس حلم. سيلا أمامه. حب حياته أمامه. أتت بنفسها إلى عيادته. انهمرت الدموع من عينيها وهي تقترب منه سريعاً وتعانقه دون تفكير. دون الاهتمام بمكان وجودهما. دون الاهتمام بكونه متزوجًا بآخرى!!!
كانت متجمدة بين ذراعيه. الدموع لسعت عينيه الزرقاء. هل يحلم. بالتأكيد يحلم. هي ليست هنا. شعر بأن قلبه سوف يخرج من صدره. لا يصدق أنه يلمسها مرة أخرى.
"سيلا!!!" خرج اسمها من فمه بصدمة.
"أنا هنا يا حبيبي… أنا هنا!!" قالتها وهي تضمه أكثر ثم أكملت:
"أنا جيت ومش هسيبك أبداً… أنا وأنت ملناش إلا بعض!!!"
انفتح الباب فجأة وظهرت ماريانا!!!
رواية اسرت قلبه الفصل العاشر 10 - بقلم سوليية نصار
تجمدت مكانها وكأنها غير قادرة على الحراك.
تنظر إلى زوجها وهو بين ذراعي امرأة أخرى.
امرأة أخرى... ظلت الكلمة تتردد في عقلها.
لقد أخبرها أنه لن يخونها وهي بكل غباء صدقته.
وتلك المرأة لم تكن أي امرأة.
تلك هي كابوسها الأبدي، غريمته.
ولكن هل هي حقًا غريمتها؟
هل هي أصلًا ترتقي لمستواها؟
هي لا يمكنها أن تكون غريمة امرأة لا يمكن هزيمتها.
امرأة تمتلك قلب زوجها.
ذلك القلب الذي سعت حثيثًا لتمتلكه ولكنها فشلت تمامًا.
ولكن تلك المرأة امتلكته بسهولة.
إنها تشعر بحب زوجها الشديد لها.
نظرات عينيه، ارتجافه، ودموعه!
تلك كانت صدمة أخرى.
أن ترى زوجها يبكي امرأة.
لقد ظنت أنه بارد، لا يحمل أي مشاعر.
ولكن مشاعره المتفجرة ظهرت لتلك المرأة.
أن تعرف أن زوجها يحب أخرى هو الجحيم بحد ذاته.
ولكن أن ترى هذا بنفسها.
ترى انهيار زوجها بين أحضان أخرى.
بكاؤها هو الجحيم بحد ذاته.
إنها تموت.
تموت حقًا.
انهمرت الدموع من عينيها دون أن تشعر وهي تنظر إليهما بألم.
تشعر بالخذلان.
أن من أحبته أكثر من أي شيء قتلها.
إنها تنزف بالفعل.
"ماريانا!" قالها جورج بحذر.
هو لا يريد إحداث أي فضيحة.
كان الذنب يقتله من الداخل.
لم يكن يريد أن يفعل هذا.
ولكن الشوق غلبه.
بينما سيلا كانت تنظر لتلك المرأة التي سرقت منها حب حياتها بحقد.
أمسكت سيلا ذراع جورج وقالت بغيرة:
"مشيها من هنا يا جورج. أنت بتحبني أنا مش هي. خليها تمشي."
ثم كادت أن تعانقه مرة أخرى إلا أن ماريانا اقتربت بكل حقد منها وهي تشدها من شعرها بقوة وتصرخ بها:
"ابعدي عنه يا رخيصة."
توسعت عيني جورج بصدمة وهو يحاول إبعادها عنه ويصرخ بها:
"ماريانا كفاية بقى."
"ابعد... قلت ابعد بدل ما أفضحكم انتوا الاتنين يا أحقر خلق الله. بتقول مش هتخوني وأجي ألاقيك في حضن حبيبتك القديمة. ده أنا هفضحكم."
شدها جورج وهو يهزها بقوة ويقول:
"ماريانا فوقي!"
نظرت إليه بكره. الدموع تذرف من عينيها. إنها تموت. ألا يشعر بها؟
"أنت اللي فوق يا جورج. حرام عليك اللي بتعمله فيا ده. أنا... أنا مراتك. مراتك. سامع يعني أنا اللي من حقي كل لحظة حب. من حقي كل اهتمام منك. دموعك مفروض تنزل عشاني مش عشانها هي. بتعاملني بالطريقة دي ليه؟ بتعاقب على إيه؟"
"ممكن تهدي."
هزت رأسها وهي تصرخ به وتقول:
"مش ههدى. أنت شايف إن اللي بيحصل طبيعي؟ إني أجي ألاقيك في حضن غيري؟"
ثم بغضب كادت أن تشد شعر سيلا مرة أخرى إلا أنه أمسكها بقوة.
نظرت إليها سيلا بتشفٍّ. إنها تعاني وهذا يعجبها. يعجبها كثيرًا أيضًا.
نفضت شعرها وهي تقول بهدوء:
"طيب عن إذنك يا بيبي دلوقتي همشي. بس أكيد هنتكلم كتير بما إني رجعت."
ثم ألقت قبلة في الهواء وغادرت وداخلها يتراقص من السعادة.
ما أن أغلقت الباب حتى اقترب جورج من ماريانا وأمسك ذراعها بقوة وقال:
"إيه اللي انتِ عملتيه ده؟!"
دفعته وهي تصرخ:
"أنا عملت إيه يعني؟ وقفتها عند حدها."
"أنتِ اتجننتي؟! إزاي تمدي إيديكي عليها!" قالها جورج بصوت منفعل.
لماريانا التي نظرت إليه بصدمة وقالت:
"انت سامع نفسك بتقول إيه؟! لما ألاقي واحدة بتحضن جوزي بكل بجاحة قدامي... ومش أي واحدة دي حبيبتك القديمة. قولي أعمل إيه؟ آخدها أنا كمان بالحضن؟ هو أنا مليش عندك قيمة للدرجادي يا جورج؟ هو أنا صفر على الشمال في حياتك؟ ودلوقتي عايز ترميني عشان حبيبتك القديمة ظهرت في حياتك؟!"
"بلاش كلام فارغ. أنا اتجوزتك انت مش هي. وأنا مش هخونك وأنتِ عارفة ده كويس. فليه الدراما دي؟"
"حبيبتك القديمة جاية بكل بجاحة وبتقول هاخدك مني! أنا مش هستنى واحدة رخيصة زي دي لما..."
آه! قطع كلماتها المهينة صفـعها وقال:
"إياكي تتكلمي عنها كده. أنا ممكن أقطع لسانك فيها!"
أغمضت عينيها ودموعها تنهمر أكثر من عينيها. كانت تبكي بصمت. تضع كفها على فمها وتبكي وهي لا تنظر إليه. تراجعت ثم جلست على الأريكة المقابلة وصوت بكاؤها يزداد. أرادت أن تتوقف، أن تتمسك بقوتها، ولكنها فشلت تمامًا. إن ما يحدث فوق قدرة تحملها. رباه إنها تموت بالفعل.
رمش جورج وهو ينظر إلى كفه لا يصدق أنه فقد أعصابه بتلك الطريقة. رؤيتها له مع سيلا أغضبته بشدة. غضب لأنه جرحها. لهذا تمسك بغضبه. هو حقًا لا يفهم نفسه. يشعر أن رأسه يدور ولا يفكر باستقرار. رغبته بماريانا وعشقه لسيلا. كيف يرغب بامرأة ويحب أخرى؟ هو ليس برجل يمنح مشاعره لاثنين. لطالما عرف أنه رجل يكتفي بامرأة واحدة. ولهذا كانت سيلا تسيطر على قلبه لسنوات. ولكن لا يعرف لماذا أصبحت ماريانا تشغله أيضًا. رباه هو بالتأكيد سوف يجن.
اقترب من ماريانا بهدوء ثم جلس بجوارها. أمسك كفها محاولًا مواساتها. لم تبعد كفها كما ظن. بل وضعت رأسها على كتفه وهي تبكي وقالت بصوت مختنق:
"كنت بخدع نفسي. فاكرة إني هقدر أكسب قلبك. بس طلعت غلطانة وأنا بشوف نظراتك ليها يا جورج. اللي سعيت أنا ليه هي كسبته بسهولة. أنا كان نفسي تحبني بالشكل ده. نفسي تبصلي زي ما بتبصلها. نفسي أتحب منك لساعة واحدة. حبني حتى لساعة واحدة. قلبي واجعني يا جورج. حسيت إني فشلت. حاسة إن دي هي نهاية القصة. والنهاية كانت هزيمتي."
كان صامتًا لا يرد عليها. هو مذنب. لا يمكنه التبرير. ولا يمكنه أن ينكر. هو لم يخفِ حبه لسيلا أبدًا. دوما أخبرها بشكل مباشر وغير مباشر أن غيرها في قلبها. والآن هي رأت بعينيها. كم بدت محطمة في تلك اللحظة. وللمرة الأولى يتألم لتلك الدرجة. تألم لألمها.
ابتعدت عنه وابتسمت ابتسامة صُنفت أنها الأكثر حزنًا على الإطلاق. إنها النهاية. هي لن تحارب بعد الآن. هي ستعيش من أجل طفلها. طفلها الذي سيذكرها بالليلة الوحيدة التي شعرت بها أن جورج معها. لن تنساه أبدًا. رغم كل ما فعله ستظل تحبه إلى الأبد. ربما حتى الموت.
نظرت إليه. إلى عينيه الجميلة التي تنظر إليه بحزن. ابتسمت له وقالت:
"شكلها كده نهاية طريقنا. نهاية حربي. أنا بستسلم. أنت مش هتحبني وأنا مقدرش أعيش بشعور إن في قلبك غيري. صعب عليا. أنا لغيت كرامتي عشانك وحاسة الموضوع بقى يخنقني يا جورج. أنا برضه كرامتي بتوجعني. بس حبي ليك كان عاميني. أنا هروح أعيش في بيت أهلي. وانت اعمل اللي انت عايزه."
ثم كادت أن تذهب لكنه أمسك ذراعها وقال بغضب طفيف:
"بتقولي إيه؟!"
انهمرت الدموع من عينيها وقالت:
"بقول الحقيقة. مش هقدر أعيش معاك في نفس البيت وأشوف حبك ليها في عينيه. هي رجعت. رجعت وهتاخدك بسهولة. مش هتحمل هزيمة تاني. ده أحسن. خليني أمشي عشان خاطري. لو عندك أي رحمة خليني أمشي. وإلا هموت."
"أنتِ مراتي!"
"للأسف!" قالتها بصوت محطم. ثم أكملت:
"غلطة عمري إني اتجوزتك. اتجوزتك ومفيش مفر منك."
ثم أبعدت كفه وذهبت بينما هو ينظر إلى أثرها والخوف يستوطن قلبه.
***
كانت سما تضحك وهي تعانق عمر بينما تشاهد أحد الرسوم المتحركة المضحكة. تقبل رأسه بين الفينة والأخرى. بينما كان أمير يشاهدها من بعيد. كان سعيدًا وهو يرى ابنه الذي ذاق اليتم منذ صغره يبتسم وسعيدًا بتلك الطريقة. لقد غيرت سما الكثير في حياتهما. تفعل ما تستطيع لإسعادهما. هو حقًا يشعر بالندم لأنه عاملها بسوء في بداية حياتهما. هي ليست سيئة أبدًا. على العكس تمامًا. حولت حياتهم لجنة. اتسعت ابتسامته وهو يتأملها كرجل. إنها جميلة. بل رائعة. صحيح أنه لم يرها من قبل لأنه كان يعشق مريم. مريم... مريم... تكرر الاسم بعقله. نعم مريم حبيبته التي أقسم أنه أن يعشق غيرها. والآن هو يميل لشقيقتها. أخذ قلبه يلومه. ماذا يحدث؟ لماذا يقترب من سما بتلك الطريقة؟ لماذا يسعد عندما تغار عليه؟ يخترع حججًا واهية كي تحدثه؟ ما الذي يفعله؟ هل سينسى مريم بتلك السهولة؟ كان يلوم نفسه بقوة لانجرافه بتلك الطريقة.
عندما قاطعه صوتها الناعم وقالت:
"أمير معلش تعالى ودي عمر أوضته خلاص نام."
نظر إلى ابنه ليجده بالفعل نام. تنهد وهو يقترب منه ويحمله بلطف. ثم وضعه في فراشه. ووضع عليه الغطاء. ثم استدار ليتجمد وهو يراها خلفه تنظر إليه بابتسامة سعيدة وتقترح:
"بما أن عمر نام إيه رأيك نتفرج على فيلم مع بعض."
"مش فاضي. أنا هنام." قالها بجمود ثم خرج من الغرفة لتنظر إلى أثره بدهشة.
***
في اليوم التالي.
"بطلتي تيجي عندنا وبطلتي تسألي فيا وكأن علاقتك بيا كانت بس بسبب أمجد أخويا." قالتها نوران بلوم لجيلان التي كان وجهها باهتًا.
ابتسمت لها جيلان بحزن وقالت:
"متقوليش كده. بس أنا مش قادرة أدخل البيت تاني. خايفة أشوفه وأعيط. أنتِ مش حاسة بيا."
تنهدت نوران وقالت:
"حاسة كويس وعارفة يعني إيه الإنسان يحب حد أكتر من حياته. أنا بجد متضايقة منه إنه ماخدش باله منك. شاف إيه فيها؟ أنتِ أحلى منها. أنا أصلًا مبحبش أتعامل معاها. شكلها متكبرة. لما جات هي وأهلها عندنا في البيت كانت بتبص للبيت نظرات غريبة وكأنها قرفانة مننا. البنت دي مش هتكمل مع أخويا أنا أضمن لك."
تنهدت جيلان وقالت:
"ربنا يوفقه. أنا مش حابة أفكر في أي حاجة تخص أمجد. أنا هركز في مستقبلي وبس."
تنهدت نوران وقالت:
"زي ما تحبي يا جيلان. يمكن ده أفضل. بس برضه مش حابة إنك تكوني باهتة كده. قومي البسي ونخرج نتمشى شوية."
نظرت إليها جيلان بتعب وقالت:
"اخرجي أنتِ. أنا مليش نفس أخرج. أنا حابة أنام."
"لحد إمتى هتفضلي كده بجد. مر شهر على خطوبة أمجد. وأنتِ اهو بتقولي مش حابة تفكري فيه. يبقى أحسن حاجة إنك تتصرفي بطريقتك وتخرجي وتتفسحي. وتشيلي أخويا الغبي من دماغك. وبكرة هيجيلك الأحسن."
ضحكت جيلان برقة وقالت:
"بجد مش مصدقة. جاية في صفي وواقفة ضد أخوكي بالشكل ده."
"بحب أمجد جدًا والله بس هو غبي بيتخدع في كل اللي حواليه. وخصوصًا اللي اسمها رحيق دي."
نظرت إليها جيلان بلوم وقالت:
"حرام عليكي يا نوران. دي أختك."
نظرت إليها بغضب وقالت:
"متقوليش أختك دي بتعصبني. دي مش أختي وميشرفنيش إنها تبقى كده. دي بنت الست اللي خطفت أبويا من أمي. بس سبحان الله اهي بتتعاقب مش لاقية حد يبص في وشها لدرجة إنها كانت هتتجوز واحد عنده خمسين سنة. بس حتى الراجل العجوز ده هرب لما شاف شكلها. ده كويس متفش عليها."
كانت تنظر جيلان إليها مصدومة وتقول:
"نوران أنا مش مصدقة إنك بتقولي كده على أختك. نوران أنتِ مش كده."
"معلش انتِ مش حاسة بيا. أنا الكل واقف ضدي ومش شايف حقيقتها. البنت دي زي أمها بتحب تاخد اللي في إيد غيرها. بتتمسكن تتمسكن لحد ما تتمكن. بس سبحان الله ربنا مش هيكرمها أبدًا بسبب اللي بتعمله ده. اهو عريسين اتقدمولها والاتنين رفضوها وفضلت تبكي. كنت مبسوطة أوي وأنا بشوف دموعها."
"متقوليش كده يا نوران. ده نصيب. وهي نصيبها موجود."
ضحكت نوران بسخرية وقالت:
"مين هيبصلها أصلًا وعلى إيه يعني. دي لا جمال ولا أي حاجة. مؤسف إن بابا اتجوز أمها ودخلها العيلة. كل بنات العيلة حلوين إلا سوكا دي."
كانت جيلان تنظر لنوران بصدمة بالغة. لا تصدق أنها تتكلم بتلك الطريقة على شقيقتها. لا تصدق الكره الذي يشع من عينيها. كيف يمكن لنوران اللطيفة أن تحمل هذا الكره داخلها. حقًا انزعجت من كلماتها وأشفقت على رحيق بسبب كلماتها تلك. عبست نوران وهي تنظر إلى جيلان وتقول:
"مالك بتبصيلي كده ليه؟"
"أنا مش قادرة أصدق الطريقة اللي بتتكلمي بيها على أختك. مش دي نوران اللي أنا أعرفها. رحيق طيبة جدًا. متستاهلش منك كده أبدًا."
ابتسمت نوران بسخرية مريرة وقالت:
"حتى أنتِ مخدوعة فيها!!! دي شيطانة وهتشوفي الأيام اللي جاية."
هزت نوران رأسها بيأس.
***
يقف في بهو المدرسة. ينظر إليها من بعيد. لا يصدق أن شهرًا مر منذ أن تقدم لها ورفضها في نفس اليوم. العجيب أنها تعاملت مع الأمر بطريقة اعتيادية. لم تلومه أو تتكلم معه من الأساس. هي تعمل بطريقتها الاعتيادية. تمارس روتينها اليومي. لا تغيير في الأمر. ولكن هو ما زال يشعر بالتوتر بسببها. يشعر بالحزن. هو حزين لأنه خسرها. كان يريد أن يرتبط بها. لقد أحبها حقًا لن ينكر الأمر. أرادها بشدة ولكن والدته وقفت في طريقه. وهو لن يخسر والدته تحت أي ظرف. هو أحبها نعم. ولكن والدته أهم من أي شخص. تزلزل قليلاً وهو يراها تقترب لتخرج من المدرسة. ابتلع ريقه واستجمع شجاعته وهو يقترب منها. نظرت إليه بحيرة ثم أطرقت برأسها وهي تحاول أن تتجاوزه ولكنه وقف أمامها. شعرت بوجهها ساخن بفعل الغضب والخجل وقالت بإنفعال:
"أستاذ مؤيد حضرتك بتعمل إيه؟ ممكن تبعد!"
"أنا حابب أتكلم معاكي لو سمحتي."
"مفيش حاجة نتكلم فيها. ابعد بقا عيب."
"لو سمحتي اسمعيني بس. بعد اللي حصل مبررتش اللي حصل."
"أنا..."
نظرت إليه بغضب وقالت:
"مفيش داعي للتبرير. جيت أتقدمت ومحصلش قبول. حاجة بتحصل مليون مرة وعادي. مفيش حاجة تتكلم عنها. ومتحاولش تبرر لإني مطلبتش تبرير أصلًا ومش مهتمة أسمعه. ولو سمحت ابعد بقا شكلنا بقى وحش قدام الناس."
"اسمعيني بس. ماما..."
"أستاذ مؤيد بقولك مش عايزة أي تبريرات. الموضوع انتهى خلاص. أنا وضحتلك إن اللي بتفكر فيه ده صعب. وإنا مش زعلانة. هو نصيب. ابعد بقا لو سمحت شكلنا بقى وحش أوي."
تنهد بتعب وقال:
"آسف."
ثم ابتعد عن طريقها لتذهب هي مسرعة من أمامه وهي تتمنى ألا يكون أحد رآها وهي تقف معه بتلك الطريقة. رباه ماذا يريد منها؟ ألم ينتهِ كل شيء؟
نظر إلى أثرها بتعب. كم تمنى أن تكون له. أحيانًا يتساءل هل هو جبان لأنه تخلى عنها لمجرد والدته أرادت هذا؟ هل هو جبان لأنه لم يحارب من أجلها؟ هل هو المخطئ؟ أسئلة كثيرة تدور داخل عقله بدون إجابة.
***
في المقهى.
ارتعش كفه وهو ينظر إليها بصدمة كبيرة ويقول:
"بتقولي إيه؟!"
ازدردت ريقها وهي تنظر إليه. قلبها يتألم وهي ترى الصدمة البالغة بعينيه. شعرت أنها بشعة. بشعة للغاية لأنها لطوال شهر كانت تعامله ببرود لعله يكرهها. في الوقت الذي تفكر به بآخر وتحلم بآخر كان هو يصارع والده لكي يتزوجها. ولكنها خانته بتلك الطريقة. صحيح أنها قاومت صالح ولكنها لم تتخذ أي خطوة لتبتعد عنه. بل ظلت تعمل معه. تبتسم خفية وهو يغازلها. تعشق كلمات الحب التي ينطق بها. عندما تكون مع سيف لا تفكر إلا به. باتت تشعر بالقرف من نفسها. باتت تشعر أنها مقرفة.
ازدردت ريقها وقالت:
"اللي سمعته يا سيف. أنا مش عايزة أكمل. مش قادرة خلاص. هو مش عافية."
عبس وهو ينظر إليها لا يصدق أنها تكلمه بتلك الطريقة. هل يمكن أن يكون السبب والده مثلًا؟
تنهد وقال:
"نوال أنا عارف إنك مضغوطة بسبب اللي بيعمله بابا. بس أنا بحارب ومش هستسلم لحد ما نتجوز. أنا بحبك أنتِ يا نوال. مش عايز غيرك."
مسحت وجهها بتعب. تريد أن تهرب من هذا المكان. هي تشعر أنها تختنق. لماذا لا يتخلى عنها؟ لماذا يلتصق بها بتلك القوة؟ لما لا يتركها ويفهم. انهمرت الدموع من عينيها وقالت باختناق:
"بس أنا مش عايزك. أنا مش بحبك. للدرجادي مش فاهم يا سيف."
بهت وهو ينظر إليها. لا يمكنها أن تفعل هذا. هي بالتأكيد تمزح. لا يمكن أن تفعل به هذا.
حاول أن يمسك كفها ولكنها أبعدت كفها ودموعها تنهمر أكثر. الذنب يمزقها من الداخل. تبكي أمامه بينما هو ينظر إليها بيأس ويقول:
"أنا عارف إن اللي بيعمله أبويا صعب عليكي. صعب الشعور اللي حاسة. أنا آسف. عشان خاطري اديني فرصة بس عشان..."
نهضت بعنف وهي تزعق به:
"كفاية. بقولك كفاية. مش والدك هو السبب. أنا مش عايزك. مش بحبك. بحب واحد تاني. ارتحت دلوقتي؟!"
نظر إليها مصدومًا لتضع هي كفها على فمها بينما ينظر إليها والصدمة تعلو ملامحه. كانت المشاعر تتعاقب على وجهه. الصدمة. ثم الغضب. ثم الألم. ألم الخيانة.
بكت بقوة وهي تزيح عينيها عنه وتستدير ثم تخرج من المقهى وقد جلب صوتهما العالي انتباه الموجودين بالمقهى. كان ما زال جالسًا مكانه. يشعر بالصدمة. الدموع تلسع عينيه. هل أخبرته أنها تعشق آخر؟ لا هذا مستحيل. نهض وركض خلفها. واستطاع بالفعل الوصول إليها وأمسك ذراعها.
نظرت إليه وهي تبكي. هدر بها وقال ودموعه تنساب:
"أنتِ بتكدبي. صح؟ مستحيل تعملي فيا كده. حرام عليكي. أنتِ كده بتموتيني. متقوليش إنك بتحبي حد غيري."
أغمضت عينيها وضميرها يجلدها أكثر. ليته تموت. كيف يمكنها أن تجرحه مجددًا؟ كيف يمكنها أن تفعل ما فعلته تلك الفتاة به؟ كيف!
أبعدت ذراعها وقالت:
"للأسف حبيت غيرك. كنت بقاوم. بكذب نفسي. قولت إن مبحبش غيرك. بس كنت بكذب على نفسي. كنت معاك صح. بس عقلي وقلبي معاه هو. مش قادرة أكذب على نفسي أكتر من كده. سامحني. سامحني يا سيف."
"مين هو؟" قالها بقهر.
"مش مهم هو مين. صدقني أنا مش هكون معاه أبدًا. أنا هسافر برا مصر. هسيب كل حاجة وأمشي. وانت ابقى اختار لمرة واحدة صح في حياتك!"
ثم تركته وذهبت. استقلت سيارة الأجرة وهي تبكي. من دون الجميع لم ترد جرح سيف. سيف الذي أعطاها الحب الذي لم تحظى به حتى من أهلها. تعلم أن بعد تلك اللحظة لن تكون سعيدة أبدًا في حياتها.
***
في المساء.
أغلقت النور وهي تفتح هاتفها ثم فتحت برنامج التواصل المرئي. ازدردت ريقها وهي تشعر بسخونة بكامل جسدها. لا تعرف لماذا وافقت على طلبه. ولكنّه أخذ يلح وأخبرها أنه يريد رؤية شعرها وتلك ستكون آخر مرة يطلب منها هذا. وهي وافقت على مضض. اتصلت به. ثم ظهر وهو يبتسم. ولكن ابتسامته تلاشت وهو ينظر إليها ويقول:
"إيه ده؟ قافلة النور ليه. هشوف شعرك إزاي أنا دلوقتي."
"لأ يا نوران إحنا اتفقناش على كده. ده غش. أنا قولتلك آخر مرة هطلب إني أشوف شعرك فبلاش غش. افتحي النور عايز أشوفه كويس."
"عايز أعرف إيه سبب هوسك بشعري."
"أنا مهووس بيكي أنتِ يا روحي. مهووس بكل حاجة فيكي. يالا بقا عايزة أشوف شعرك."
أغمضت عينيها وهي تبتسم. هو رجل يعرف كيف يدلل الأنثى. يعرف بذكاء كيف يلعب على نقاط ضعفها. تنهدت بابتسامة وقامت بفتح الإنارة. صفر ما أن رأى شعرها وقال:
"عمري ما شوفت شعر بالجمال ده. يا بختي بيكي لما اتجوزك."
ثم غمز لها. نظرت إليه بضيق وقالت:
"مر أكتر من شهر على فكرة وانت مكلمتش عمو."
"طيب أعمل إيه يا روحي. حماكي بيسافر كتير عشان الشغل. مش عارف أتلم عليه حرفيًا. بس هانت يا قمر قريب هكلمه عشاننا وتيجي وقتها بيتي."
احمرت بشدة وابتسمت وهي تشعر كأنها تطفو على غيمة وردية بينما ابتسم بخبث وهو ينظر إليها. لن يضغط عليها الليلة. هو أحرز تقدمًا. اليوم بدأت بأن تريه شعرها. غدًا ستكون كلها ملكه. هي بدأت تتنازل. وسوف يتبع ذلك التنازل سلسلة من التنازلات.
***
في اليوم التالي.
"أنت بجد ناوي إننا نعيش في الحارة بتاعتكم؟" قالتها أريام بتوتر.
عبس أمجد ونظر إليها برهة وقال:
"أيوة. أنا شقتي هناك ومتوضبة."
فركت كفيها بتوتر ونظرت لوالدتها التي تدخلت في الحديث وقالت:
"مش شايف يا بني إن المنطقة بتاعتكم بيئة شوية متليقش بمهندس ومهندسة ولا إيه؟"
تجمدت ملامح أمجد. ولمعت عينيه العسلية بغضب ولكنه سيطر على نفسه وقال:
"لا الحقيقة مش شايف كده. وده البيت اللي أنا جهزته اتجوز فيه. حضرتك ووضحت لأنسة أريام كده من البداية. أنا مخدعتش حد."
"أكيد يا بني استغفر الله مبنقولش كده. بس ممكن تتنازل شوية عشان أريام."
"بعتذر حضرتك أنا مش هخرج برا حارتي. آسف."
"يبقى أريام مش غالية عندك إنك تفضل حارة بيئة زي دي عليها. أنا آسفة يا بني بس لأما تجيب لبنتي شقة في مكان نضيف أو كل حي يروح لحاله!"
***
بعد أسبوع.
"مالك يا أحمد شايل طاجن ستك ليه؟" قالتها وفاء لابن شقيقتها وهي تجده شارد.
نظر أحمد إلى خالته وقال:
"أنا واقع في ورطة يا خالتي. مشكلة كبيرة ومش لاقي لها حل."
عبست وهي تنظر إليه وقالت:
"أوعى يا واد تكون مشيت في سكة مشبوهة."
نظر إليها أحمد بدهشة ثم سرعان ما انفجر من الضحك وقال:
"يا خالتي الله يصلح حالك إيه اللي بتقوليه ده لا طبعًا. الموضوع مش كده."
"اومال إيه الموضوع؟"
تنهد وقال:
"تعرفي طبعًا عاصي بيه اللي أنا بشتغل عنده صح؟"
هزت رأسها ليكمل هو:
"عاصي بيه بيدور على عروسة عشان يتجوزها. بس عايزها بمواصفات غريبة. مش عايز واحدة تحبه. عايز يتجوز واحدة تهتم ببنته بس من غير ما تطمع إنه يحبها أو تخلف منه. هو يعني ببساطة عايز مربية بدون مقابل."
رمشت وفاء وقالت:
"إيه الراجل المجنون ده. طيب ليه؟ ما يتجوز طبيعي واللي يتجوزها تهتم ببنته عادي وتهتم بيه كمان. هو حد لاقي يا ابني."
"هو عايز حد يخلي بنته في المرتبة الأولى. معرفش في دماغه إيه. عاصي بيه مكانش كده. الله يسامحها مراته عقدته في كل النسوان. هو مش شارط جمال ولا حاجة. ده هو شرطه الوحيد."
"البيه بتاعك ده مجنون يا أحمد محدش هيوافق على اللي بيقوله."
هز أحمد كتفه وقال:
"عرفتي أنا ليه في ورطة. المشكلة إن ابن اللذينة حلو وأي بنت بتشوفه بتحبه. أصل إزاي واحدة عاقلة هتعيش مع واحد وسيم وغني من غير ما تتمنى إنه يحبها."
هزت وفاء رأسها وقالت:
"فعلاً ده مستحيل. عمرك ما هتلاقي واحد."
ولكن فجأة وفاء صمتت وهي تتذكر شيئًا. تتذكر شخصًا ما. شخص قد يوافق أن يقوم بهذا الدور. وجدت نفسها تفكر برحيق. رحيق تلك الفتاة التي تم جرحها بسببها. هل لو عرضتها الآن على عاصي هل سيكون جرحًا جديدًا أم قد يحدث الخير وتتزوج رحيق وترتاح من ألسنة الناس التي تشبه السياط. تتخلص من هذا العذاب. هي تريد حقًا لهذه الفتاة أن تتزوج. تريدها أن ترتاح. ولكن زيجة كتلك ستجرحها أكثر. لتعرض عليها الموضوع أولًا وبعدها لو وافقت سوف تعرض الأمر على أحمد. ابتسمت وهي تنظر لأحمد وتقول:
"استنى يا أحمد فيه ممكن حد يساعدك في الموضوع ده."
"بجد قوليلي مين. عشان خاطري يا خالتي. عاصي بيه مخلي حياتي جحيم. شعري بدأ يقع من كتر التوتر."
ضحكت وفاء وقالت:
"يا واد اصبر شوية."
ولكن أحمد أخذ يلح عليها وهو يقول:
"عشان خاطري يا خالتي. عشان خاطري."
ضحكت وفاء مرة أخرى وقالت:
"يخربيتك زنك. لأ مش هقول. استنى لما أكلم صاحبة الشأن الأول مش يمكن ترفض. لو وافقت أنا هكلمك وأقولك. مش عايزة أعلقك. استنى أتأكدلك."
ابتسم أحمد وقال:
"ياريت يا خالتي والله هتبقى عملتي فيا جميلة كبيرة والله. أنا محتاج حل للمشكلة دي في أسرع وقت."
"إن شاء الله تتحل يا حبيبي. يلا تعالى ساعديني عشان أحط الأكل على السفرة."
هز أحمد رأسه بطاعة وهو يذهب خلف خالته. كم يعشق تلك المرأة التي ربته واهتمت به أثناء فترة مرض والدته. حتى عندما توفت بقت هي معه. صحيح والده تخلى عنهما من صغره ولكن خالته لم تشعره أبدًا بالنقص. كانت تصارع ما بين علاج والدته وبين تربيته وأسرتها وزوجها. خالته حقًا محاربة.
***
"جاي ليه يا جورج؟" قالتها والدة ماريانا بلوم.
عبس وهو ينظر إلى حماته وقال:
"جاي آخد مراتي يا حماتي. فيه إيه؟ أنا سيبتها أسبوع تهدى لكن هي هتيجي معايا."
"مش كفاية اللي عملته معاها يا جورج. مش كفاية الجرح اللي جرحتهولها. كفاية بنتي عانت كفاية معاك!"
"دي حاجة بيني وبين مراتي يا حماتي. لو سمحتي نادي ماريانا عشان تمشي معايا."
وقفت هي بوجهه وقالت:
"على جثتي بنتي تطلع من هنا. أنت فاهم. ماريانا مش هتطلع من بيتي لحد ما تتعلم الأدب وتعرف أنت خسرت إيه. أنا بنتي اتكسرت على إيديك. وبعد ده كله جاي ببرود تاخدها بسهولة. يا جبروتك يا أخي."
"عايز مراتي." قالها ببرود.
توسعت عينيها وصرخت به:
"أنت بارد."
"طيب ما ده معروف. هو أنا قولتلك العكس. عيب إحنا عشرة برضه وأكيد عارفة إني مش همشي من هنا من غير مراتي. يلا هاتيها ولا أروح أجيبها بنفسي."
"لأ مش هجيبها واتفضل اطلع برا."
ثم كادت أن تغلق الباب بوجهه ولكنه أوقفها وأبعدها وولج للمنزل.
"أنت بتعمل إيه يا بني آدم انت!" صرخت به ولكنه لم يهتم وهو يتجه إلى غرفة ماريانا. فتح الباب لتصرخ ماريانا وهي تغطي نفسها حيث أنها كانت ترتدي قميص نوم قصير. كانت توها استيقظت من النوم بعد ليلة قضتها متعبة بسبب الحمل.
"إنت إيه اللي جابك هنا تاني؟"
"يالا عشان نروح بيتنا."
هزت رأسها بعناد وقالت:
"ده مش بيتي ولا عمره كان بيتي. مفيش حاجة ملكي هناك. لا البيت ولا قلبك. ده أحسن خليني هنا."
فرك عينيه وقال:
"ماريانا أنتِ أكيد مش عايزة تجربي جناني صح. لأنه والله مش هيعجبك!"
رفعت حاجبيها وقالت:
"مش فاهم انت بتهددني يعني."
لمعت عينيه وقال:
"أيوه بهددك."
ثم جذب الغطاء عنها لتصرخ وتقول:
"أنت يا مجنون. هات."
"مفيش داعي للكسوف. كنتي بتلبسي أكتر من ده عشان تغريني."
توسعت عينيها بصدمة ثم نظر إلى حماته وابتسم ابتسامة سخيفة وقال:
"لأ مؤاخذة يا حماتي."
ثم نظر إلى زوجته مجددًا وقال:
"قدامك حلين. أما تلبسي وتيجي معايا بكرامتك. لأما أنا اللي هلبسك بنفسي وأخدك برضه عادي. اختاري."
"مش هاجي معاك. خلاص انتهى الموضوع. لأ أنت ولا عشرة زيك هيقدروا يحركوني من هنا."
لمعت عينيه وهو ينظر إليها. ثم نظر لحماته ودفعها برفق قليلاً وقال:
"عن إذنك يا حماتي. هلّبس مراتي. هي أكيد هتتكسف منك."
ثم أغلق الباب. نظرت هي إلى الباب المغلق بصدمة. ثم اتسعت ابتسامتها وهي تتمنى أن تنحل المشاكل بينه وبين ابنتها. ليته يحبها كم ابنته تحبه. ليته يسعدها. ماريانا تستحق السعادة.
بعد قليل.
كانت تجلس في سيارته وهي تشعر بالصدمة. المختل فعل ما يريده. لم تستطع أن توقفه. اليوم رأت جزء مختلف من جورج. الجزء الشقي. لم تر هذا الجانب منه من قبل.
***
توقفت سيارة جورج أمام مبنى ما. نظرت هي إلى هذا المبنى بحيرة وقالت:
"إحنا فين؟"
"انزلي بس." قالها بهدوء وقد بدا شارداً.
يجب أن يعيد الأمور لنصابها. هو ليس برجل خائن. هو يمقت الخيانة. ولكي يضمن أنه لن يقع في الخطأ يجب أن يفعل هذا. ربما هو يستغل ماريانا قليلاً لإبعاد تأثير سيلا عليه. ولكن هذا أفضل للجميع. أمسك كف ماريانا وهو يلج معها إلى المبنى. ثم وقف أمام منزل معين وهو شارد قليلاً ثم بآلية ضغط على جرس المنزل ليُفتح الباب وتخرج سيلا وتنظر إليهما بصدمة.
***
خرجت من منزلها وهي تمسك حقيبتها. قررت أن تسافر وتهرب من كل شيء. لن تبقى هنا. بعد انفصالها عن سيف هذا هو الأفضل. توقفت أمام البناية وهي تبحث عن سيارة أجرة ولكنها فجأة كتمت أنفاسها وهي تراه أمامها. صالح ينظر إليها بضيق. اقترب منها وقال:
"كنت حاسس إنك هتهربي مني. بعد الاستقالة الغريبة اللي قدمتيها."
"ابعد لو سمحت." قالتها وهي تحاول أن تبتعد عنه ولكنه أمسك ذراعها وقال:
"أنتِ سبتي سيف صح؟ سيبتيه عشاني."
"صالح ابوس إيديك سيبني أمشي. أنا فيا اللي مكفيني."
حاصر وجهها ولم يهتم كونه بمنتصف الشارع وقال:
"ليه مش فاهمة إننا بنحب بعض؟ ليه؟ أنا بحبك."
انهمرت الدموع من عينيها. كادت أن تصرخ به ولكن صوت قوي جمد الدماء في عروقها.
"نوال!"
نظرت إلى مصدر الصوت لتشحب وهي ترى سيف.