ارتبكت مادونا وهي تنظر إلى صديقتها التي تنظر إليها بلهفة. لهفة وكأنها متيقنة أن مادونا لن ترد أي طلب، وستوافق مباشرة. كان قلب مادونا يعتصر وهي ترى نظرات رحيق اللامعة. شعرت بالاختناق. لم تعرف ماذا تقول. تنهدت مادونا وأمسكت كف رحيق وهي تقول بلطف: -أنا لو دورت طول حياتي مش هلاقي مرات أخ زيك. -لو بإيدي كنت جوزتك أخويا من غير تفكير. تجمدت الابتسامة على وجه رحيق وهي تسمع صديقتها. لتزدرد مادونا ريقها وأكملت:
-أخويا مرتبط بواحدة وبيحبها وحتى كلم أمي من أسبوع عشان يتقدم لها. -أنا آسفة يا رحيق. -مقدرش أقوله لأنه مش هيوافق وأنا مش هقلل منك بالشكل ده. -أنا آسفة بجد يا رحيق. كانت تشعر رحيق وكأن أحدهما سكب ماء بارد عليها. شعرت في تلك اللحظة أنها رخيصة للغاية. شعرت بالإهانة. أخفت دموعها بمهارة وهي تحاول أن تخرج صوتها بشكل طبيعي لا مرتجف ولا مهتز وقالت: -محصلش حاجة يا مادونا. -أنا بجد غلطت إني عرضت ده.
-أنا بس من قهري من كلام الناس مفكرتش بشكل سليم. -أنا بجد آسفة. نظرت إليها مادونا بشفقة. لتقول رحيق بصوت مختنق: -متشفقيش عليا. -عشان خاطري متجرحيش مشاعري وتشفقي عليا يا مادونا. -متبقيش أنتِ كمان عليا. ربتت مادونا على كفها وقالت: -هتلاقي اللي يحبك يا رحيق. -هتلاقي واحد يحط العالم كله تحت رجلك. -واحد هيعوضك عن كل اللي عشتيه بس اصبري. ابتسمت بحزن وقالت: -مظنش إن ده هيحصل. -الحمدلله على كل حال.
تنهدت مادونا بحزن وهي تدعو داخلها أن تجد رحيق من يقدرها. أنهت رحيق أخيرًا عملها وودعت مادونا. ثم كادت أن تذهب في حال سبيلها إلا أن أستاذة وفاء وهي إحدى المدرسات المسنات التي يعملن مع رحيق في المدرسة أوقفتها وهي تقول: -رحيق يا بنتي. ابتسمت رحيق بمودة، فهي تحترم تلك السيدة وقالت: -إزاي حضرتك يا ميس وفاء. -حضرتك كويسة؟ -وأخبار ريهام بنت حضرتك إيه؟ -والكل كويس.
ابتسمت وفاء وهي تنظر لتلك الفتاة الطيبة وهي لا تعرف كيف تبدأ معها الحديث. لا تريد أن تجرح مشاعرها ولكنها تحاول مساعدتها بكل الطرق. رغم معرفتها أن ما ستقوله لن يناسبها أبدًا ولكن فلتحاول. -الحمدلله يا بنتي. -بقولك إيه أنا محبتش أكلمك في الموضوع ده من قبل عشان متتحسسيش مني. -بس سامحيني أنا سمعتك بيكلمي مادونا عشان أخوها. -والله ما أقصد أتسمع يا بنتي، سمعت الحوار صدفة حتى موقفتش ومشيت علطول لأن مش من أخلاقي أتجسس.
أطرقت رحيق برأسها. فقالت وفاء: -لا لا يا بنتي متتكسفيش ولا حاجة. -أنا لو تسمحيلي ممكن أرشحلك عريس. -وممكن لو حصل بينكم قبول ربنا يتمم على خير. -بس فيه مشكلتين. -واللي هما؟ قالتها بتوجس. فركت وفاء كفيها وقالت: -إنه مبيخلفش. -والتانية إنه قرب يبقى عنده خمسين سنة. شحب وجهها من تحت النقاب. لتربت وفاء على كفها وتقول: -ليكي الحق ترفضي أكيد يا بنتي. -أنا مش هجبرك ولا أقول إنك لازم توافقي.
-بالعكس شايفة الموضوع مناسب ليكي وافقي. -لو لأ ارفضي بكل بساطة وأنا مش هفتح الموضوع ده تاني. تنهدت هي وقالت: -هفكر وأبلغك بالموضوع يا مس وفاء. -عن إذنك. ثم ذهبت بحزن وتركتها. هل يمكنها أن تتخلى عن الكثير في سبيل أن تتزوج وتخرس فم من يتحدث عنها. -سيف مش كده؟ قالتها بنبرة جامدة. نبرتها كانت باردة كبرود عينيها الزرقاء التي ترمقانه من تحت نقابها. وكأن عينيها خلقت بلا مشاعر. ارتبك سيف من تلك النبرة. ارتبك من نظراتها.
رغم النقاب الذي يخفي وجهها إلا أنه يكاد يقسم أنه يرى كره بعينيها لم يراه من قبل. وكأنها لا تطيقه. ازدرد ريقه وهز رأسه قائلاً: -أيوه سيف يا مياس. -مد كفه وقال: -أهلاً بيك يا بنت عمي. -نورتي بيتنا بروحك الحلوة يا مياس. -أنا لسه فاكر لما كنا صغيرين وبنلعب سوا. نظرت إلى كفه الممدودة ببلادة وقالت: -سوري مبسلمش. -وللأسف أنا مش فاكرة حاجة من اللي أنت بتقوله. سحب كفه بسرعة وقال وهو يخبي احراجه: -لا ولا يهمك أنا اللي آسف.
-نورتي بيتنا. لم تعقب. بل نظرت إلى عمها وقالت: -فين أوضتي عايزة أرتاح شوية. هز جلال رأسه وهو ينادي على مدبرة المنزل. أتت سيدة كبيرة في السن. ترتدي حجاب أسود. ابتسم جلال بلطف وقال: -لو سمحتي يا أم هلال ودي مياس أوضتها عشان ترتاح. هزت رأسها وقالت بحبور: -أمرك يا بيه. -ثم اقتربت من مياس وقالت: -يا أهلاً ببنت الغالي. -أهلاً. -يلا يا حبيبتي تعالي معايا. ثم كادت أن تحمل حقيبة مياس إلا أن مياس أوقفتها وهي تقول:
-لا أنا هشيل شنطتي بنفسي لو سمحتي. هزت أم هلال رأسها وحملت مياس حقيبتها وهي تتبعها للأعلى. بعد أن اختفا. اقترب سيف من والده وقال: -هي جت هنا بإرادتها ولا أجبرتها يا بابا. -هي مش طايقاني. تنهد جلال وقال: -لا يا سيف جت بإرادتها. -بس الحقيقة فعلاً إنها مبتحبناش. -وإحنا دورنا نخليها تحبنا. سيف رأسه بدون معنى وقال: -عن إذنك أنا طالع. -برضه هتروح للشلة بتاعتك تغني لحد الصبح. نفخ سيف بضيق وقال:
-يا بابا لو سمحت النهاردة إجازتي من الشركة على الأقل أقضيه بالطريقة اللي أنا أحبها. -أنا اتنازلت عن حلمي في الغنا عشانك بس على الأقل سيبني أفك عن نفسي. ربت جلال على كتفه وقال: -روح يا ابني. -روح. أغلقت مياس باب غرفتها. ثم اتجهت مسرعة نحو المرآة وغطتها جيدًا. ثم خلعت نقابها وهي تتنهد بتعب. ثم بدأت بإفراغ حقيبتها. بعد قليل. كانت تتلمس المنامات الخاصة التي أحضرتها لزواجها.
مع كل قطعة تشتريها كانت ترسم أحلام عن زواجها وعن تلك الأيام السعيدة التي سوف تعيشها مع عمر. ولكن كل أحلامها تدمرت. تساقطت الدموع من عينيها وأخذت تشهق بعنف. قلبها يؤلمها. لماذا يحدث معها هذا. لماذا. لماذا هي من تعاني. كانت تريد أن تصرخ. تهدم العالم. تمنت أن تذهب لعمر الآن وتصرخ به لماذا تخلى عنها. لقد أخبرها مرات أنه يعشقها. فكيف كل كلماته كانت كذب. كيف يكون بتلك القسوة. يحطم قلبها ويذهب. لقد خسرت الكثير.
خسرته هو وخالتها ووالداها. والآن هي لا تنتظر إلا أن تموت. لا يمكنها أن تعيش وروحها قد ماتت داخل جسدها. قلبها تجمد. الحياة مع روح ميتة وقلب متجمد جحيم هي لا تستطيع تحمله. وضعت ملابسها بسرعة في الخزانة دون أن تفكر في شيء. كانت تريد إغلاق عقلها عن كل شيء. لا تريد أن تفكر. لا تريد أن تتألم. لتحافظ على قلبها جامد. هي ستنسى عمر. ولن تحب مجددًا. لن يمتلك قلبها رجل أبداً. -أنا جيت.
قالها سيف بصخب كعادته وهو يلج الفيلا الراقية والتي يملكها أحد أصدقاؤه. ابتسم ريحان. قال: -شرف النجم. -جهز نفسك يالا كلها ساعتين والحفلة تبدأ. -عايزين نولع الدنيا. ابتسم سيف وهو يتناول منه الغيتار ويبدأ يعزف عليه. وأخيرًا بعد ساعتين. وقف على المسرح وهو يعزف. لمعت عيناه الزرقاء وهو ينظر لتلك الفتاة التي أتت. نوال الصاوي. حبيبته. ورفيقته منذ الثانوية. أغمض عينيه وهو يستعد ليغني. فهو قرر اليوم أن يعرض عليها الزواج.
فهو لن ينسى أنها هي من شفت جرح قلبه. بدأ يغني اغنيتهما المفضلة لعمرو دياب. العسل ده لو اتساب لا ده أنا يجيلي تعب أعصاب ده لو اتساب لي ليلتين أنا أعيش في عذاب طب وأعمل إيه؟ في دقيقتين ده بيقتلني وياخد العين ليلي يا عين لا ده مش إعجاب (طب وأعمل إيه؟ في دقيقتين ده بيقتلني وياخد العين ليلي يا عين لا ده مش إعجاب أنا عمري ما حد خطفني كده ده أخدني حَبة حَبة في حاجات مش ممكن تستخبى ما بين اتنين أحِبّة
أنا عمري ما حد خطفني كده ده أخدني (حَبة حَبة) في حاجات مش ممكن تستخبى ما بين اتنين أحِبَة في دلع متشال لحبيبي، وحنية من غير حساب (طب وأعمل ايه) بعد ان انتهى من الغناء ارتفع التصفيق. ليذهب إليها مباشرة وهو يخرج الخاتم الماسي من جيب بنطاله ويقول: -تقبلي تكوني نصي التاني. ابتسمت بسعادة وهي تهز رأسها بقوة. فتحت برنامج التواصل الاجتماعي وهي تبحث عنه لتكلمه. ولكن جسدها بالكامل تجمدت وهى ترى صورته مع فتاة أخرى. جميلة.
تلك الفتاة المائعة التي لا تكف عن مطاردته. شعرت بنيران تشتعل في قلبها وهي تراه معها. كانت تبكي بعنف. لا تصدق. لقد نفذ تهديده وتركها. سقطت على فراشها وهي تبكي بعنف. لقد خسرته. خسرت حب حياتها. -أنتِ مجنونة يا رحيق. ازاي عايزة تتجوزي واحد عنده خمسين سنة انتِ جرالك حاجة في عقلك. كان أمجد يصرخ فيها بعصبية شديدة. لا يصدق كيف تفكر. عينيه العسلية اشتعلت بها النيران. تنهدت رحيق وهي تنظر حولها. لدلال.
تلك السيدة التي اعتبرتها والدتها. نوران. من اعتبرتها شقيقتها. وأخيرا أمجد. أمجد شقيقها. روحها. الوحيد الذي لم يؤذيها. لقد أحبتهم جميعاً ولكنها لا يمكنها أن تضغط عليهم أكثر من هذا. يجب أن تتزوج. أن تريح هذا البيت من وجودها الثقيل. تعرف كم أن وجودها ثقيل عليهم خاصة على دلال التي وجود رحيق يذكرها بكسرتها. تنهدت رحيق وهي تبدأ في الحديث موجهة انظارها لشقيقها وقالت: -إيه المشكلة يعني يا أمجد. -يعني هو أنا صغيرة مثلا؟
-وبعدين. -مفيش فرق كبير بيننا. -فرق عشرين سنة مش كبير. صرخ بإستهجان. لتهز رأسها وتقول: -أيوه مش كبير يا أمجد. -متنساش إني كبرت في السن وفرصي قلت. -خليني ألحق أتزوج وأخلف. -ولا هتفضل واقف في طريقي. -واقف في طريقي. قالها أمجد بصدمة. لتكتم رحيق دموعها بشق الأنفس وتقول: -أيوه واقف في طريقي يا أمجد. -أنا عايزة أبقى أم. -عايزة أتزوج ودي فرصة ليا. -يا حبيبتي انتِ ألف واحد يتمنى. -بتكدب على مين يا شيخ أمجد.
-على نفسك ولا عليا. -أنا عارف إن محدش يتمناني ولا حاجة وعارفة إن فرصي في الجواز قلت. -واهي فرصة وجات. -أبوس إيديك متوقفش في وشي يا أمجد. -عشان خاطري. هز أمجد رأسه بيأس. كان عاجز تمامًا عن الكلام. كان يرى اليأس بعيني شقيقته وهذا كان يقهرُه بقوة. لم يرى هذا اليأس من قبل. نعم هو يعرف لماذا شقيقته يائسة. هي تعاني بقوة بسبب ما تسمعه وهو غير قادر على حمايتها من كلام الناس المسمم. لقد عانت شقيقته الكبرى من الكثير.
الكل حطمها بكلماته السامة. الكل قهرها حتى والدته. سوف يدعو ربه ألا يتم هذا الزواج. شقيقته تستحق الأفضل. وداخله يقول إن الرجل الذي سوف يتقدم لشقيقته لن يكون الأفضل لها. لن يصون تلك الجوهرة التي لا يعرف قيمتها الكثير. تنهد وقال: -حاضر يا عنيدة هنعمل اللي أنتِ عايزاه. -خلي ميس وفاء تخلي الراجل يتواصل بيا أنا. -بس مش هجوزهولك إلا لما أتأكد إنه مناسب ليكي غير كده لا. -فاهمة. هزت رأسها. ثم لاذت بالفرار لغرفتها.
نظر أمجد بدون رضا لوالدته وشقيقته وقال: -أتمنى تكونوا مبسوطين دلوقتي. ثم تركهما وغادر. نظرت نوران إلى والدتها وقالت: -الله واحنا مالنا. لم تتكلم دلال ونظرت للأرض وهي تشعر بقلبها يتمزق. ولجت رحيق لغرفتها وهي تبكي بقوة. جلست على فراشها وهي تتذكر صدمة أمجد بها. ولكن هذا أفضل بكثير. هي لا تريد أن تؤذي دلال ونوران أكثر من هذا. لا تريد أن تسمع الكلام المسموم من الجيران. هي لن تتحمل هذا بعد الآن.
تسطحت على الفراش وهي تنظر للأعلى. نعم سوف تخسر الكثير لو تمت تلك الزيجة. بالطبع أهم ما ستخسره شعور الأمومة. ولكن تلك الحياة لا تقارن بما تخسره يوميًا. ربما قرارها صائب تلك المرة. حاولت نزع هذا الخوف من قلبها ولكنه يعاود ويهاجم قلبها بشراسة. لا تعرف لماذا لا تشعر بالراحة. نفضت تلك الأفكار عنها وهي تغمض عينيها. ترغب في النوم. ترغب أن ترتاح والا تفكر كثيرًا. تريد أن تفرغ عقلها من كل شيء.
وكأنها تريد تجميد مشاعرها لأنها تعلم أن القادم ليس بسهل على الإطلاق. وقفت أمام العيادة الخاصة به وهي تسأل نفسها للمرة الألف. هل هي عديمة الكرامة؟ إنه يهينها مرارًا وتكرارًا وهي من تركض خلفه. هل أخطأت عندما نفذت كلام والدتها. هل أخطأت وهي تحاصره بحبها حتى اختنق منها. حتى أصبح ينظر إليها بكره بالغ. إنها تتمنى فقط لو يعاملها كما يعامل الآخرين. تتمنى أن يبتسم بوجهها لو مرة واحدة فقط.
هي تتمنى أن يعاملها بطريقة جيدة مثل البقية. تنهدت وهي تسير نحو عيادته. حيت السكرتيرة هناك وولجت لعيادته فورًا. رفع عينيه وهو ينظر إليها. رفع حاجبيه عندما رآها قد غيرت لون شعرها للون الأسود مجددًا. -خير. قالها بضيق. لتكتم دموعها بشق الأنفس وتقول: -دي مش مقابلة تقابلها ليا. -ولا دي معاملة ينفع أتعامل بيها يا جورج أنا مراتك. -ماريانا. -الشغل هو المكان الوحيد اللي بكون فيه بعيد عن صياحك فممكن لو سمحتي تروحي.
-أنا متضايق لوحدي. -إيه اللي مضايقك بالضبط. -حبيبتك القديمة. -لو زعلان أوي كده ليه متجوزتهاش. -أقولك ليه. -لأنها هي اللي اختارت تبعد بإرادتها. -عشان كده اتجوزتني وبتعاقبني عشان وافقت عليك. -بتعاقبني عشان حبيتك. -أنا مش قادرة أصدق. -أنت بتقتلني باللي بتعمله ده. نهض بعنف واقترب منها وهو يدفعها نحو الحائط ويعصر ذراعها بقسوة ويقول: -اخرسي. -اخرسي بطلي تتكلمي. -لا مش هبطل أقول الحقيقة. -هي اللي سابتك وأنا اللي بتعاقب.
-أنا عملت إيه. -أنا غلطتي يعني إني بحبك. -غلطتي إني حاطاك في مكان عالي. -غلطتي إني بحبك أكتر من حياتي. -أنت متستاهلش الحب ده أبدًا يا جورج. -أنت تستاهل تتساب زي ما حبيبت. ولكنه أخرس كلماتها وهو يقبلها بقوة. لا يعرف ما الجنون الذي يفعله. لكنه كان بحاجة أن يكتم كلماتها السامة. يريدها أن تتوقف عن التحدث. ألا تنبش في الماضي. لماذا لا ترضى بقدرها كما هو راضٍ. لماذا تصطنع المشاكل. لماذا لا تقبل ما يعرضه عليها.
لماذا تريد المزيد. لماذا تريد مالا يمكن تقديمه. قلبه ليس ملكه ليقدمه. قلبه ملك لها. هي فقط. أخدته وغادرت وتركته يعاني الضياع. بينما جورج كان مشتت. كانت ماريانا تغرق أكثر وأكثر وهي تتمسك به. كان قلبها يهدر بشراسة داخل صدرها. كل جسدها يرتعش. بينما هو يتمسك بها بتلك الطريقة. لم تكن قبلته ناجمة عن عشق. هي تعرف هذا جيدًا ولكن أرادت أن تصدق أنه يهتم بها. أرادت أن تصدق أن هناك أملاً.
انفصل عنها وكانت ما زال مغمضاً عينيه وكأنه ليس هنا. -سيلا. انطلقت تلك الكلمة من شفتيه لتهدم أحلامها وتساويها بالأرض. اقترب مرة أخرى ليقبلها. ولكنها دفعته بقوة وهي تصرخ: -ابعد عني. -ابعد. ابتعد وهو يخرج من تلك الهالة الوردية التي كانت تحيط به. نظر بصدمة لوجه ماريانا. كانت الدموع تغرق عينيها. الجرح ظاهر في عينيها. مسحت شفتيها بباطن كفها بقرف. وقالت: -أنا بجد قرفانة منك. -حقيقي قرفانة منك وقرفانة إني حبيت واحد زيك.
توسعت عينيه بصدمة. لترفع رأسها وتقول: -بس خلاص يا جورج. -من النهاردة حبي ليك انتهى. ازدرد ريقه وهو يرى بريق عينيها. لتكمل هي: -زي ما رفعتك فوق وحسستك إنك أهم واحد في حياتي هنزلك الأرض مكانك الأساسي ومن النهاردة هتشوف إنك ولا حاجة بالنسبالي. -اقتربت منه وقالت وهي تشير لقلبها: -قلبي اللي حبك أنا هحرقه. -هعلمه ميحبش حد ميستاهلش يا جورج. -مش هتشوف الحب في عيوني تاني. -أنت هتتمنى إني أرجع أحبك زي الأول بس ده مش هيحصل.
-هتدور على حبي في كل مكان ومش هتلاقيه. -لأني أنا حبيتك أكتر من أي حد. -أنا حبيتك أكتر منها وأنا وانت عارفين ده. -بس خلاص. -اكتشفت متأخر. -إنك متستحقش. -تقدر تعمل اللي عايزه في حياتك. -أنت من النهاردة انتهيت من حياتي. في اليوم التالي. -بسم الله الرحمن الرحيم. قالتها ولادة جيلان بتعجب وهي تنظر لابنتها. عبست جيلان وقالت: -فيه إيه يا أمي شوفتي عفريت ولا إيه. قالتها جيلان بضيق. لتبتسم والدتها وتقول:
-بالعكس يا بنتي ده أنا شايفة الجمال كله قدامي. -بس مستغربة. -من إمتى وأنتِ بتلبسي خمار. نفخت بضيق وقالت: -يعني ألبس خمار مش عاجب. -ملبسش برضه مش عاجب. -أنا مش عارفة أرضي حد في البيت ده أبدًا. ضحكت شربات وقالت: -لا يا بنتي أنا فرحانة ليكي. -الحمدلله إن ربنا هداكي. -عقبال ما تلتزمي في الصلاة وتركزي في كليتك أكتر من كده. هزت رأسها بالإيجاب وقالت: -أنا رايحة عند نوران يا ماما. رفعت حاجبيها وقالت: -بدري كده.
-أنا افتكرت رايحة كليتك. -يا ماما النهاردة مش ورايا محاضرات. -هروح عند نوران بقا باي. ثم ذهبت من أمامها. بينما ضميرها يؤنبها لأنها كذبت على والدتها. فقط لكي تراه. صاحب العينين العسلية. في بيت عائلة الراوي. كان الجميع ملتف حول مائدة الإفطار. كانت رحيق تضع أطباق الإفطار بكل هدوء. ونوران تجلس على الطاولة وهي تشعر بالتعب بعد بكاء الأمس. أما أمجد فقد صدق وأغلق مصحفه بعد أن أتم قراءة القرآن. نظر إلى نوران بدون رضا وقال:
-بدل ما أنتِ قاعدة روحي ساعدي أختك. -هي مش هتجيبلك الأكل لحد عندك. نظرت نوران إليه وهي تكتم دموعها. آخر ما تريده الآن أن يصرخ بها شقيقها. ليس بعد ما حدث بالأمس. ولكنها لم تجادله وذهبت لتساعد رحيق. بعد أن ولجت نوران للمطبخ نظرت دلال إلى ابنها بلوم وقالت: -بالراحة على أختك يا أمجد. -مينفعش كده. -بالراحة على رحيق برضه يا أمي. -دي برضه أختي ويتيمة ملهاش أم تدافع عنها زي نوران. -أنا أم رحيق يا أمجد. قالتها دلال بجرح.
ليهز رأسه ويقول: -للأسف يا أمي عمرك ما كنتي أم ليها. خرجت الكلمات من فمه قبل أن يمنعها. كلمات استطاع أن يكتمها طويلًا ولكنها خرجت الآن. كان يرى معاملة والدته لرحيق والتفريق بينها وبين نوران ويصمت. كان يشعر أنه شيطان أخرس. ولكن ليس بعد الآن. نهضت دلال من الطاولة واتجهت لغرفتها. تنهد أمجد وهو يشعر بحزن بالغ. لم يكن يجب أن يكلمها بتلك الطريقة. ذهب خلفها ليجدها تجلس على الفراش وتبكي. اقترب منها وهو يقبل رأسها ويقول:
-حقك عليا يا أمي. -أنا آسف. -أنا بجد مش قصدي كده. -بس أنا بشوف بعيني. -وقلبي بيوجعني على رحيق. -المسكينة بتعاني. -بتتعاقب على حاجة هي معملتهاش. -الكل هنا بيعاملها وحش لدرجة إنها هتتجوز واحد عنده خمسين سنة عشان تهرب مننا. -أمي ده مينفعش. انهمرت دموع والدته أكثر وقالت: -وأنا قلبي بيتحرق يا أمجد. -مش قادرة أنسى إنها بنت ضرتي. -مش قادرة أتجاوز الماضي. -أنا وافقت إن أبوكي يتجوز عليا عشان مبقاش بمنعه من حقه بس هو ضغط عليا.
تنهد أمجد وهو يدرك حساسية الأمر. يراعي غيرة والدته. عانقها بلطف وقال: -إيه رأيك تنسي إن رحيق بنت ضرتك وتفتكري إنها بنتك. -بنتك اللي عمرها ما زعلتك. -حرام يا أمي هتتسألي عنها. -مادام وافقتي تربي بنت يتيمة يبقى تعامليها كويس ومتنسيش إنها وصية أبويا الله يرحمه. تنهدت والدته وهي تهز رأسها. ليبتسم ويقول: -يلا بقا يا ست الكل عشان نفطر. ثم مسح دموعها برفق. خرجا أخيراً وتجمدا مكانهما وهما مذهولين. -فيه إيه يا جماعة.
-كل لما حد يشوفني يديني الريأكشن ده. قالتها جيلان بضيق. ابتسمت دلال واقتربت منها وهي تعانقها وتقول: -لا طبعًا يا حبيبتي. -إحنا مصدومين من الجمال ده بس. -ألف مبروك يا حبيبتي ألف مبروك. -عقبال ما نوران تاخد الخطوة دي بدل لفات الطرح الغريبة اللي بتعملها دي. كانت على وجه رحيق ابتسامة واسعة وهي ترى جيلان في تلك الهيئة. لقد ارتدت الخمار أخيرًا. هذا يسعدها بالطبع. ولكن قلبها يؤلمها. لم تعانقها والدته من قبل.
هي لا تعرف كيف هو عناق الأم. للحظات تمنت أن تكون مكان نوران لتعانقها دلال بكل هذا الحب. أطرقت برأسها وهي تخفي عينيها التي لمعت بفعل الدموع. أمجد الذي كان مشدوه بما فعلته جيلان. تلك الفتاة التي اعتادت دوماً أن تعانده. لم يتخيل أبداً أن ترتدي جيلان الخمار. أخيراً عاد لوعيه وأطرق رأسه وهو يستغفر. صحيح أنه جيلان بمثابة شقيقته ولكنه ليس مقبول أن ينظر إليها بتلك الطريقة. -أنا هعمل ساندويتش وألبس وأمشي عشان متأخرش.
قالها أمجد لتتجمد الابتسامة على وجه جيلان. فترد والدته وتقول: -تأخير إيه يا أمجد. -لسه الوقت بدري يا حبيبي ولا أنت محرج بسبب نوران. -دي أختك يا واد. -أختك إيه دي بنتك يعتبر أنت اللي ربيتها ولا أنت مش فاكر. اغتاظت جيلان واقتربت من نوران وقالت: -ممكن تخلي أمك تسكت. -خلت الراجل لا يحل ليا في ثانية كده. -شوية وهتقول إننا أخوات في الرضاعة. ضحكت نوران بخفوت. بعد قليل أنهى أمجد طعامه هو ورحيق. -يلا أنا ماشي.
قالها وهو مطرق رأسه. ثم نظر لرحيق وقال: -يلا يا رحيق عشان أوصلك اجهزي وأنا كمان هجهز. هزت رأسها. ثم نهضت هي الأخرى. بعد قليل. كانت قد ارتدت نقابها والعباءة السوداء وخرجت إلى الصالة لتجد شقيقها قد تجهز. كادا لن يذهبا إلا أن دلال وقفت وعانقت أمجد وقالت: -بالتوفيق يا بني. أطرق رحيق برأسها وهي تشعر بنغزة في قلبها. احتقرت نفسها كثيراً تلك اللحظة لأنها تغار من شقيقها. شقيقها الوحيد الذي عاملها جيداً.
كيف يمكنها أن تغار منه. دعت ربها كثيراً أن تتخلص من إحساس الغيرة هذا. فهي لا تشعر أنها سوية. ليس ذنب أمجد أن لا أحد يحبها. ربما العيب منها هي. ربما لا تبذل المجهود الكافي لتحبها دلال. ربما لو تزوجت وابتعدت عن دلال ستحبها. ستنسى أنها ابنة ضرتها. ربما. ابتعدت دلال عن أمجد ثم ابتسمت وهي تقترب من رحيق. مدت ذراعيها وعانقت رحيق. تجمدت رحيق. كانت مصدومة ووالدتها تعانقها. إنها المرة الأولى التي تعانقها بتلك الطريقة.
طفرت الدموع من عينيها وهي تحاوط جسد والدتها. كان شعورها بالسعادة وقتها لا يقاوم. لم تسعد هكذا من قبل. كانت تلك اللحظة السحرية الوحيدة في حياتها. يمكنها القول بكل تأكيد أنها لن تتذوق السعادة تلك مرة أخرى ولكنها ليست حزينة على الإطلاق بل تلك كانت أكثر لحظة سعيدة في حياتها. تلك اللحظة التي تذوقت فيها حب الأم. لقد عرفت أنها كانت كنبتة ميتة والآن الحب هو من أحيا تلك النبتة. ابتعدت دلال عنها بإبتسامة وعينين
لامعة بفعل الدموع وقالت: -بالتوفيق يا بنتي. ابتسمت بسعادة وهي تهز رأسها. ثم وجهت نظراتها إلى أمجد الذي كانت ابتسامته تملأ وجهه. وكان يدعو الله أن تكون والدته دوماً حنونة على شقيقته. -لا. صرخت بفزع وهي تستيقظ من النوم بينما تلهث بقوة. جسدها متعرق والدموع لا تتوقف عن الانسياب من عينيها وكأن جميع أحزانها تجمعت في هذا الحلم. بدءا من موت والديها لتشويهها ثم موت خالتها. إنها ما زالت تستعجب كيف لم تفقد عقلها بعد.
تنهدت وهي تنهض بضعف وولجت للحمام لتستحم. بعد قليل. خرجت وهي ترتدي روب الاستحمام بينما تلف شعرها الطويل في كعكة. بدأت تخرج ملابسها كي ترتديها وتنزل لكي تتناول طعام الإفطار. يجب أن تتحرك كي تعود لدراستها. لن تظل تبكي على الماضي للأبد. اختارت فستان أزرق بحزام أبيض أنيق يعانق خصره. وطبعاً وضعت النقاب الأسود بجانبه. ثم اتجهت لطاولة الزينة وبدأت بتمشيط شعرها الأسود الطويل. ثم لفته في كعكة أنيقة.
بعدها بدأت في ارتداء فستانها. ثم كادت أن تضع النقاب على وجهها ولكن صوت وصول رسالة على تطبيق الواتس آب الخاص بها جعلها تتوقف عن وضع النقاب. ثم أمسكت هاتفها لتجد رسالة من رقم غير معرف لديها وقد أرسل لها صورة. صورة زواج عمر خطيبها. لقد تزوج. لم يندم. لم يأتي ليطلب الغفران. بدل من هذا تزوج. ويبدوا سعيداً جدا في تلك الصورة. انسابت للدموع من عينيها بقوة. كانت تشهق بقوة وهي ترى تلك الصورة.
كان من المفترض أن تكون هي محل تلك الفتاة. كان ينبغي أن تمسك هي يده لباقي العمر. ما الذي حدث وكيف تم استبدالها بتلك السهولة. تعالت شهقاتها وهي تشعر أن صدرها بضيق. شعرت أنها سوف تموت. لا لا إنها ميتة بالفعل. دقة على باب الغرفة جعلتها تنتفض بقوة حتى أن الهاتف وقع منها. صوت سيف المميز انساب من خلف الباب المغلق. -مياس. مسحت دموعها بسرعة وارتدت غطاء الوجه ثم فتحت الباب وهي تقول بصوت أرادت إخراجه بارد ولكنه خرج مرتجف بقوة.
-عايز إيه. رفع حاجبيه بدهشة وقال وهو يرفع قطة صغيرة بلون رمادي رائع. عينيها متباينة الألوان. عينها اليمنى زرقاء وعينها اليسرى عسلي. كانت تبدو رائعة ولو كانت مياس في حالتها الطبيعية لضمتها وسعدت بها. ابتسم سيف وقال وعينيه الزرقاء تلمع. -حسيت إنك هتبقي أحسن لو بقى عندك صديق. -فجب. ولكن كلماته توقفت على طرف لسانه وهو يراها تترنح. اقترب بخوف لتسقط ولكنه امسكها بيده اليمنى بينما القطة الصغيرة كان يمسكها بيده اليسرى.
رفع حاجبيه وقال: -هي عندها فوبيا من القطط ولا إيه. -فين الفطار. قالها جورج بحيرة وهو ينظر إلى ماريانا التي كانت تغسل الأطباق التي تناولت بها إفطارها. لم ترد عليه ليغتاظ من تجاهلها هذا ويقول: -أنا قولت فين الفطار يا هانم هروح الشغل وأنا جعان. نظرت إليه. عينيها السوداء كانت باردة للغاية وهي تقول: -عندك كل حاجة في التلاجة. -اعمل فطار لنفسك. -أنا مش الجارية اللي اشتريتها. -من النهاردة كل واحد هيعتمد على نفسه.
-بالمناسبة هدومك اللي رميتها زي العيل الصغير دي ومستنيني أغسلها. -اغسلها بنفسك. توسعت عينيه بصدمة وهو يسمع كلامها وقال: -بتقولي إيه. -اللي سمعته مش هعيد كلامي. -من النهاردة اعتبر نفسك أعزب. -اكل نفسك وشرب نفسك واغسل هدومك. -وكمان رتب أوضتك. -بالمناسبة جهزت أوضة الضيوف عشان تبقى فيها مش عايزك معايا في الأوضة نفسها. كانت تتكلم بجدية شديدة. كانت جادة بالفعل. -أنا مش فاهم. ابتسمت بسخرية وقالت:
-يعني كل المعاملة الملوكي اللي كنت بعملهالك دي خلاص خلصت. -من النهاردة مش معتبراك جوزي. -انت شريك في السكن وبس. -ومتقلقش مش هطلب منك تصرف عليا. -أنا هصرف على نفسي وبالنسبة لفلوس الكهرباء والمية والغاز هنشترك فيهم سوا. -يالا باي عشان أتأخرت على الشغل. ثم تركته وغادرت. لينظر إلى أثرها ببلادة ويقول: -بس أنا عايز أفطر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!