جاسم لنوران: -تتجوز؟ خرجت الحروف من شفتيه بهمس غاضب. عينيه البنية اشتعلتا بنيران الغيرة، تخيل فورًا زواجها من شخص غيره. تخيل أن تحب شخصًا غيره. ضم كفيه بقوة والأفكار تتزاحم في رأسه حتى بدأ في الشعور بالصداع. ابتسم أمجد بخبث وهو ينظر إليه. كان يشعر بالتشفي وهو يراقبه يبدو حقًا مصدومًا. هو يعرف أن هذا الغبي يحب شقيقته وشقيقته أيضًا تحبه. والفضول ينهش قلبه لمعرفة السبب الذي جعل كلًا منهما يتخذ هذا القرار.
-أيوه تتجوز. يعني هي هتعيش على الأطلال مثلا؟ ده طبيعي يا جاسم. أنت هتشوف حياتك، وهي كمان لازم تشوف حياتها. متقلقش عليها خالص. هي في بيت أخوها، يعني أمان متخافش عليها. أنا علطول بعد عدتها هدور لها على عريس محترم كده يتجوزها. وهي لسه صغيرة وحلوة والف واحد يتمناها. غصب جاسم على شفتيه رسم ابتسامة وهو يقول: -أكيد أكيد.
ثم أشاح بوجهه وقد ازدادت وتيرة أنفاسه. يتخيل أن تتزوج بالفعل، تحب شخصًا آخر. التخيل فقط جعله يشتعل من الغيرة. ابتسم أمجد وهو ينظر إليه ويفكر أن جاسم سوف يتراجع عن الطلاق بالفعل. كانت تجلس بغرفتها، شعرها يغطي وجهها والدموع تتساقط بكثافة من عينيها. تشعر بروحها تنسحب من جسدها. لحظات وسوف ينفصل اسمه عن اسمها. لحظات وسوف يتحرر منها ليتزوج من اختارها. فتاة محترمة، شريفة ليست ملوثة مثلها.
طرقة خفيفة على الباب جعلتها تمسح دموعها بسرعة. -أدخل. قالتها بنبرة مبحوحة بفعل البكاء. ليُفتح الباب وتدخل رحيق وتغلق الباب جيدًا. وقفت رحيق مستندة إلى الباب تنظر لشقيقتها بألم. كانت متألمة وهي تراها بتلك الحالة. -نوران. قالتها رحيق بشفقة لتنفجر نوران بالبكاء وتفقد تماسكها كليًا. اقتربت رحيق من شقيقتها وهي تضم شقيقتها إليها وتبكي. -بس بس يا حبيبتي خلاص متعيطيش. -قلبي واجعني أوي يا رحيق.
قالتها والدموع تنهمر من عينيها بقوة. -بس بس يا حبيبتي بس. ربنا يجبر بخاطرك ويطبطب على قلبك. تمسكت نوران بشقيقتها وهي لا تكف عن البكاء. تتمنى لو كان لها فرصة معه، ولكنها لن تلومه أبدًا. ولكن كيف تقنع قلبها أن يتوقف عن حبه؟ كيف! -هموت يا رحيق. هموت. قالتها بعذاب. لتبتعد عنها رحيق. -حاولي معاه تاني مش عيب. ده جوزك. قولي إنك بتحبيه. قالتها رحيق وهي تمسك كفها ثم أكملت: -قوليله إنك مش عايزة تطلقي. اطلبي فرصة تانية.
هزت نوران رأسها وهي تبكي وتقول: -مش هقدر أكون أنانية بالشكل ده. أنا مستحقةش واحد زي جاسم. هو يستحق الأحسن مني. أنا واحدة. -بس متكلميش! لم تتركها رحيق تكمل كلامها وهي تضع كفيها على شفتيها وتقول: -متقوليش على نفسك أي حاجة يا نوران. أنتِ واحدة غلطتي توبتي وإن شاء الله يتقبل توبتك. ابتسمت نوران بحزن وقالت:
-يارب يتقبل توبتي يا رحيق. أحيانًا بفكر إن ممكن يكون ربنا مغفرش ليا ذنبي وبترعب. الفكرة دي أحيانًا مش بتخليني أنام. أنا خايفة أوي يا رحيق. خايفة تكون توبتي متقبلتش. ضمت رحيق شقيقتها وقالت: -إن شاء الله تكون اتقبلت. وإن شاء الله جاسم برضه يسامح وينسى. أنا عارفة إنك بتحبيه زي ما هو بيحبك أوي كمان. ابتلعت ريقها وهي تضم كف شقيقتها بدورها وتقول: -مش هيسامح ولا هينسى. أنا عارفة جاسم. ومنقدرش نلومه ده حقه.
ابتعدت رحيق قليلاً وهي تقول: -اللي عند ربنا مش بعيد. ادعي أنتِ بس وروحي كلميه آخر مرة. اطلبي منه فرصة أخيرة مش عيب. -افرض افرض رفض. وده وارد جدًا يا رحيق. ده أنا متأكدة إنه هيرفض كمان. قالتها وهي تتلمس قلبها. لا تتحمل فكرة أن يرفضها مرة أخرى. سوف تنكسر. ضغطت على كفها وقالت:
-بسيطة يا ستي لو رفض يبقى ده اختياره وهنحترمه. على الأقل مش هتندمي في يوم إنك خوفتي تكلميه وهتبقي مرتاحة إنك عملتي اللي عليكي إنك تخلي العلاقة دي تنجح بس أمر الله ونفذ. اسمعي الكلام وكلميه لآخر مرة. المأذون ساعة كده وهيجي قبل ما يجي روحي كلميه يالا. -أقوله إيه؟ قالتها بإرتباك وهي تفرك كفيها. لتشجعها رحيق: -روحي قوليله إنك بتحبيه. قوليله إنك مش قادرة تعيشي من غيره. اطلبي منه فرصة تانية. -أنا مرعوبة.
قالتها بخوف. فردت رحيق وهي تجعلها تنهض وتقول: -يا بت خايفة من إيه هو هياكلك. متقلقيش يالا بقا روحي وقوليله إنك عايزة فرصة تانية. في أسوأ الأحوال هيحصل إيه يعني. هيرفض. لكن تخيلي لو وافق هتبقي مبسوطة وأنتِ معاه صح. ابتسمت نوران وهي تمسح دموعها وقالت: -طيب أروح له فين؟ -هتلاقيه قاعد في أوضة الضيوف. احمر وجهها قليلاً وقالت: -يعني هو عادي إني أدخل الأوضة عنده. أمجد ممكن يتضايق. هزت كتفيها وقالت:
-وأمجد ليه يتضايق. ده جوزك. تعملي اللي أنتِ عايزاه معاه. بالعكس أمجد هيفرح لو اتصلحتوا مع بعض. هو أصلًا رافض حوار الطلاق وشغال يحاصر جاسم عشان يعرف السبب وجاسم مش بيتكلم. أنا بجد احترمته جدًا. هو إنسان مفيش منه. ابتسمت نوران وهي تقول: -عندك حق. أنا هروح له دلوقتي. ابتسمت رحيق وقالت: -استني بس. ثم ركضت نحو طاولة الزينة وأحضرت صندوق ما. أخرجت منه فرشاة شعر ومشطت شعر نوران. وقالت: -لازم تبقي على سنجة عشرة.
-هو أنا مش هلبس طرحة. قالتها نوران متسائلة. لترفع رحيق حاجبيها وتقول: -هتلبسي طرحة قدام جوزك ليه؟ أنتِ ناوية تشليني يا ولية؟ ده أنا هحط لك روج كمان. رمشت نوران وقالت بتوتر: -روج؟ لا يا رحيق. بلاش روج ممكن يفهمني غلط. -إحنا عايزيننه يفهمك غلط. شوفي اسكتي خالص وسيبيني أضبطك شوية. شوفي عايزاكي تبهريه. -بس بلاش روج. قالتها نوران بتوتر وهي تشعر بإشتعال وجنتيها. بالتأكيد سوف يفهمها بشكل خاطئ تمامًا.
-بس يا بنت أنتِ بطلي هطل. أنا هحطلك حاجة خفيفة روج وماسكرا كده. ابتسمت نوران وقالت بمشاغبة: -من فين اتعلمتي ده كله؟ ابتسمت بحياء وقالت: -لازم أتعلم ولا عايزة جوزي يبص لبرا. -لو بص لبرا يبقى هو اللي غلطان. مش هيلاقي أحلى منك. ولا أطيب منك. بجد يا رحيق أنتِ أحسن أخت شوفتها في حياتي. وأنا واحدة ح. قاطعتها وهي تقول بتهديد:
-إياكي تقولي على نفسك كلمة وإلا والله أمد إيدي عليكي. انسي الماضي. أنا نسيت كل حاجة. أنا بالعكس مبسوطة أوي إننا قربنا من بعض. ثم قبلت رأسها وقالت: -يالا يا عروسة عشان نذوقك. عايزين جاسم يتجنن لما يشوفك. أنا هخليه يتجنن كده. أختك اتعلمت تحط ميكب وبجد جامدة على فكرة. ضحكت نوران وقالت: -قعدتك مع جوزك بوظتك على فكرة.
كان متسطحًا على الفراش بغرفة الضيوف، يتذكر كلام أمجد وهو يشتعل من الداخل. الصور لا تتركه وشأنه. يتخيلها تتزوج شخصًا آخر، تحب شخصًا آخر، تنجب منه. كل تلك التفاصيل تهاجم عقله بقوة. يحاول أن يدفع تلك الصور عنه فيفشل تمامًا كما يفشل على السيطرة على الحريق بداخله. يشعر بالغضب منها لأنها سوف تواصل حياتها. فكرة أن تحب شخصًا آخر تقهره لأنه لن يستطيع أن يحب غيرها. انتبه عندما سمع طرقة خفيفة على الباب. -أدخل.
قالها بهدوء وهو ينهض. لابد أن هذا أمجد أتى ليخبره بقدوم الشيخ الذي سوف يطلق نوران منه. تلك الفكرة جعلته يشعر بثقل في قلبه. فُتح الباب بهدوء لتظهر من احتلت عقله وقلبه دوماً. تبتلع ريقها وتقف أمامه. انسابت عينيه عليها بإنبهار. حاول إخفاءه. كانت أول مرة يراها متزينة بتلك النعومة منذ ليلة زفافهما. -ممكن أدخل. قالتها بخفوت وهي تطرق برأسها أرضًا. ليهز رأسه ويقول: -اتفضلي.
ولجت للداخل بخطوات مترددة وهي تفرك كفيها. لا تعرف كيف تبدأ حديثها خاصة مع نظراته تلك. كانت تشعر بالخجل وأرادت أن تهرب من عينيه التي ترمقها بتلك النظرة. فركت كفيها أكثر وهي تزدرد ريقها. شعرت أن الكلمات تأبى أن تخرج من فمها. وكأن شجاعتها تبخرت عندما رأته.
نهض وهو يقترب منها. عينيه لا تحيدان عن عينيها. بينما بدت هي كغزال خائف بينما تفرك كفيها بكل ذلك التوتر. أراد أن يجذبها في تلك اللحظة ويقبلها بعنف، يعانقها بقوة. ولكن لحظة تذكر أنها ستتزوج بعد عدتها دمرت لحظة الرومانسية بينهما. وجد نفسه يناظرها بغضب لدرجة أنها تراجعت قليلاً بتوتر وهي ترمش وتقول: -فيه حاجة يا جاسم. حد ضايقك. ربع ذراعيه وقال: -صحيح هتتجوزي. توسعت عينيها بدهشة ورددت ببلاهة: -هتجوز؟ مين قال الكلام ده؟
-أخوكي اللي قاله. قالها بغضب ثم أكمل بتهور: -يا ترى بقا هتقولي للعريس الجديد سبب طلاقنا ولا هتحتفظي بيه لنفسك. هتقوليله إنك. صمت قليلاً وهو يعود لرشده ويقطع كلماته قبل أن يجرحها من جديد. رمقته بعتاب وقالت: -أنا مش هتجوز يا جاسم. مفكرتش في ده أبدًا ومعرفش ليه أمجد قال كده. أطرق بوجهه أرضًا للحظات. ثم رفع رأسه ووضع كفه على كتفها وهو يقول بندم: -أنا آسف يا نوران. مكانش قصدي أجرحك مرة تاني. سامحيني.
أعطته ابتسامة حلوة وقد بدت أنها لم تغضب من الأساس وقالت: -أنا مبعرفش أزعل منك يا جاسم. أنا عارف إن اللي بتقوله بسبب غضبك مني. أنا حتى لو عايزة أزعل مش هقدر أزعل منك. تنفس بتوتر لتطرق برأسها وهي تحاول أن ترتب كلماتها. تخاف من الرفض. ولكن إن لم تفعل هذا سوف تندم طوال حياتها. شقيقتها لديها حق. يجب أن تخبره. هي تريد فرصة واحدة فقط لتثبت أنها تغيرت. رفعت عينيها وهي تنظر إليه. -جاسم أنا مش عايزة أطلق.
قالتها بتوتر وهي تفرك كفيها. رمش وهو ينظر إليها فأكملت: -أنا عارفة اللي عملته لا يغتفر. صعب تسامح صحيح. بس أنا بطلب فرصة منك. أوعدك المرة دي عمري ما هجرحك أبدًا. أنا هعمل كل حاجة تسعدك بس متبعدنيش عنك. أنا. صمتت قليلاً وابتلعت ريقها بعسر ثم قالت:
-أنا كمان معنديش أي مشكلة لو اتجوزت حورية. ده هيكون حقك. يعني ممكن تبقى معايا وتتجوزها لو بتحبها بجد. بس متبعدنيش عنك. اديني فرصة تانية. أنا اتغيرت. أنا بحبك. مش هقدر أشوفك بتبعد عني. أنا مش عايزة الطلاق ده.
ظل ينظر إليها لثوانٍ دون أن يتحدث. بداخله صراع بين أن يغفر أو أن يمضي في الأمر. يود أن يصرخ بالموافقة ثم يجذبها ويعانقها، يقبلها كذلك اليوم. ولكن هناك ما يمنعه. تلك الصور التي تخيلها عنها مع شخص آخر لا تخرج من عقله. فرك عينيه بتعب وقال: -نوران مش هقدر. تلاشى الأمل من قلبها ولمع بريق الدموع بعينيها ثم أكمل هو: -مش هقدر أنسى. وهأذيكي وأذي نفسي. فالأفضل إن كل واحد يروح لحاله. أنا آسف. هزت رأسها والدموع تنهمر من عينيها
ومسحتها بسرعة وهي تقول: -لا لا. تعتذر على إيه. ده حقك. أنا آسفة إني بضغط عليك. أنا بس فكرت. مش مهم. المهم إن ده حقك طبعًا ترفض. هز رأسه وقال وهو يشيح عينيه عنها: -الأفضل إننا نطلق وكل واحد يشوف حياته. هزت رأسها موافقة إياه وهي تقول بأسى: -عندك حق. ابتلع ريقه وهو يسألها: -صحيح مش هتتجوزي بعد ما نطلق. هزت رأسها وهي تقول بإختناق: -مش هتجوز. أمجد مش هيقدر يجبرني متقلقش. -تمام.
قالها وهو يشعر بالراحة بداخله. فتلك الفكرة كانت تؤرقه. مسحت دموعها ونظرت إليه وهي تبتسم وتقول: -لازم أمشي دلوقتي عشان أجهز المأذون قرب يوصل. هز رأسه وهو يراها تنسحب من أمامه وتستدير خارجة من الغرفة. شعر أن قلبه يغادره. روحه تتركه معها. فدون وعي منه هتف باسمها. -نوران. نظرت إليه بسرعة وقالت بأمل: -نعم يا جاسم. صمت قليلاً وهو يضم كفيه بغضب ويقول: -بالتوفيق في حياتك الجديدة من غيري. أصابتها خيبة الأمل وانسابت الدموع
من عينيها وهي تقول بهمس: -شكرًا. ثم خرجت وتركته. -ها وافق؟ قالتها رحيق بأمل عندما دخلت شقيقتها الغرفة. ولكن كل حماسها قد تلاشى وهي ترى الانكسار الذي يغزو ملامح شقيقتها. -نوران. قالتها رحيق بشفقة. لترفع نوران عينيها المحمرة لها ثم تندفع إلى أحضانها وقد ارتفع نشيجها بشكل يؤلم القلب. ضمتها رحيق بقوة وهي تقول بلطف: -بس بس خلاص. أنتِ عملتي اللي عليكي. ربنا هيعوضك إن شاء الله.
-قلبي واجعني أوي يا رحيق. افتكرت إن كرامتي هتوجعني لما يرفضني بس قلبي اللي وجعني يا رحيق. قبلت رحيق رأسها وقالت: -بس اهدي. اهدي. ربنا يجبر بخاطرك يا حبيبتي يارب ويطبطب على قلبك.
بعد قليل، خرجت وهي تمسك كف شقيقتها تتشح بعباءة سوداء وحجاب بنفس اللون. وجهها الآن أصبح خالي تمامًا من الزينة. بينما تطرق بوجهها أرضًا. تسير كمن يساق إلى حكم الموت. رفعت عينيها لتنظر إلى جاسم الجالس بجوار أمجد وبجانبهما الشيخ. جلست على الأريكة وهي تسمع بكاء والدتها في المقعد المقابل. وتقول: -بالله عليك يا شيخ اقنعهم يفكروا تاني. حرام مكملوش شهرين جواز. الناس تقول إيه بس. نظر الشيخ إليهما وقال:
-فكروا تاني يا جماعة لو حابين. -إحنا فكرنا يا شيخ. وده قرارنا النهائي. قالها جاسم بهدوء. ليهز الشيخ رأسه ويبدأ بإجراءات الطلاق. لحظات وانتهى كل شيء. انفصلت تمامًا عنه. بهدوء اتجهت إلى غرفتها مُستنزفة وكأنها خسرت أهم معاركها. وكانت تلك النهاية لها. في اليوم التالي.
-هو رجل أحاط قلبه. وقرر أن يغرق بحزنه إلا أن أتت هي. أذابت جليده. أغضبته. أخرجته عن طوره. أحبته أولًا صحيح. ولكن هو من غرق بها. فأصبحت تشغل باله وكأن لا يوجد امرأة مثلها على الكوكب.
كان يتأملها وعلى شفتيه ابتسامة. تنام براحة على الفراش. خصلات شعرها تغطي عينيها. أبعد شعرها عنها برفق وهو يتألم. تقاسيم وجهها الرائعة. هي جميلة. جميلة جدًا لا ينكر هذا. ولكن ما يجذبه أكثر ليس جمالها بل قوتها. كبرياؤها. هي لديها قدرة عجيبة على تجاهله حتى لو كانت تحبه لحد الموت. لقد ذاق تجاهلها من قبل. لقد كاد يجن وهو يراها تتجاهله بذلك الإصرار وكأنه لا يمثل أي أهمية لها. تجاهلها جرح كبرياءه وعلمه ألا يستهين بها أبدًا.
ابتسم وهو يضع كفه على وجنتها ثم يقبل رأسها. لن يرتكب أي أخطاء أخرى بحقها. سوف يسعدها. يفعل المستحيل كي يرى ابتسامتها تسطع دوماً. لن يسمح لأي أحد أن يسلب منها سعادتها أو تلك الابتسامة الرائعة. لمس وجهها بلطف. عبست وهي تفتح عينيها. رفرفت بعينيها وهي تراه أمامها. تيقظت حواسها على الفور من سباتها وهي تبتسم له وتقول: -صحيت من بدري؟ -أيوه وفضلت ساعة تقريبًا أراقبك. الظهر قرب يأذن يا كسلانة. قالها بهدوء وهو يعبث بشعرها.
ثم أكمل: -بتبقي رقيقة أوي وأنتِ نايمة. زي الملايكة. جعدت أنفها بضيق وهي تقول: -على فكرة أنا رقيقة طول عمري. أنت اللي مش شايف ده. ابتسم لها وقال: -لا بصراحة بتكوني رقيقة وأنتِ نايمة بس. لكن وأنتِ صاحية أنا بخاف منك والله. مطت شفتيها بغضب كالأطفال وقالت: -ليه بتخاف مني. هو أنا عفريت؟ -بحسك كده أحيانًا اه. قالها وهو يكتم ضحكته. لتضربه على صدره وتقول بضيق: -قوم يالا لو سمحت. متنامش جنبي. ضحك وهو يعانقها ويقول:
-لا لا خلاص. أنتِ ملاك يا حبيبتي. نظرت إليه بغضب وقالت وهي تنتبه الآن لملابسه: -هو أنا طفلة عشان تضحك عليا بالكلمتين دول. لا أنسى. يالا ابعد عني وشوف أنت متشيك ورايح على فين. نظر إلى ملابسه وقال: -رايح مشوار مهم هقولك عليه بعدين. المهم قومي أنا عملت لك الأكل وسخن. هطلع وهاجي بسرعة. أجيب لك حاجة معايا. -شيبسي بالملح والخل. قالتها بهدوء. ليهز رأسه ويقول: -رغم إني مانعه بس هنعمل استثناء المرة دي.
قبل أنفها ثم غادر مسرعًا. بعد قليل. وقف أمام منزل خالته وهو يتنهد بعمق. يجب أن يتكلم معها كي يضع النقاط على الحروف. لن يسمح لأي أحد أن يزعج زوجته. طرق على الباب بهدوء ليفتح الباب ويجد خالته صفية تبتسم مرحبة به وهي تقول: -إيه النور ده. اتفضل يا حبيبي. ابتسم هو وقال وهو يلج للمنزل: -ده نورك يا خالتي. أخبار صحتك إيه؟ -الحمدلله أنا زي الفل. أنا جاي أتكلم مع سهيلة شوية. هي موجودة؟
-أيوه يا حبيبي بنحضر الغدا. تعالى اتغدى معانا. -تسلمي يارب متغدي أنا عايز بس أتكلم معاها ممكن؟ -أكيد يا حبيبي. ارتاح هناديها. هز رأسه. وهو يجلس على الأريكة. دقائق وقد ظهرت سهيلة ويبدو عليها الحماس. جلست على الأريكة وهي تقول بابتسامة مشرقة: -أهلاً يا أمير. أخبارك إيه. ابتسمت والدة سهيلة وقالت: -أنا هروح. قاطعها أمير وهو يقول: -لا لو سمحتي يا خالتي اقعدي. أنا حابب الكلام يبقى قدامك. نظرت سهيلة إلى والدتها
بتوتر لتجلس صفية وتقول: -اتفضل يا بني قول عايز إيه. نظر إلى سهيلة. وبدأ كلامه. -أنا مش حابب اللي بتعمله سهيلة مع مراتي يا خالتي. الموضوع بقى سخيف. قالها بصراحة دون تجميل في الكلام. نظر إلى سهيلة التي بهتت وقال: -مش عايز مراتي كل شوية تتضايق بسببك وخاصة إنها حامل. مش عايز أي ضغط عليها. ياريت تكبري وتبطلي تصرفاتك دي يا سهيلة هتخليني أقفل منك خالص. انهمرت الدموع من عينيها وهي تشعر بقلبها يعتصر بقوة. ليتنهد وهو
يشعر بتأنيب الضمير ويقول:
-صدقيني يا سهيلة أنا لو فيه أي مشاعر ناحيتك ولو بنسبة واحد في المية كنت اتجوزتك. بس الحقيقة أنتِ اختي وأنا عمري ما فكرت فيكي بأي طريقة غير دي. اللي بتعمليه هيقلل منك وبس. لأني مش شايف غير مراتي. وبحبها ومستعد أعمل أي حاجة عشان متتضايقش. بصي يا سهيلة أنتِ بنت خالتي ومن دمي عشان كده هقولك الكلام ده لآخر مرة. أنا عايزك تشيليني من دماغك لأني عمري ما هفكر فيكي بالطريقة دي أبدًا. هتفضلي سهيلة اختي. لكن سما. سما هي كل حياتي. مش عايز أكون في موقف إني أعاملك بطريقة وحشة بسبب تصرفاتك. ياريت تتفهمي إني جيت لك وكلمتك بنفسي لأن المرة الجاية مش هيكون مجرد كلام.
بعد يومين. -نورتي بيتك تاني.
قالها جورج بسعادة وهو يفسح لها المجال لكي تلج للمنزل. كان سعيد بشكل لم يتخيله. لقد وافقت أخيرًا. معذبته تلك. ووافقت على العودة لحياته ولكن بشروطها هي. واحتفالًا بهذا غير ديكور المنزل كليًا بدل الأثاث بأكمله. وضع صورتهما بغرفة النوم. حلق ذقنه وتأنق وهو يجلبها من منزلها. لم يهتم لنظرات والدتها النارية. سوف يتحمل كل شيء في سبيل أن تسامحه. لا يهم لو أفرغت غضبها به. عاملته بكل برود. لا يهم. لقد عادت. والآن بمنزله سوف يجعلها ترى بنفسها أنه يحبها وأنه قد تغير.
وقفت ماريانا تنظر لهذا البيت. كان كاللعنة. كلما تركته تجد نفسها تعود إليه مرة أخرى. انتفضت وهي تشعر بكف جورج عليها. ابتعدت عنه وهي تنظر إليه بتوجس ثم احمر وجهها بغضب وقالت: -متلمسنيش بالشكل ده تاني. ابتلع ريقه وهو يرفع يديه ويقول: -اهدي. أنا آسف. مش قصدي والله أزعجك. كنت بقولك بس ممكن تروحي الأوضة تغيري وأنا هطلب الأكل. تأكلي بيتزا ولا نجيب مشاوي. ربعت ذراعيها وهي ترتجف قليلاً وترد:
-شكرًا أنا مش عايزة منك حاجة. مش عايزة أكل. نظر إليها بلوم وقال: -مينفعش. لازم تاكلي. وبعدين أبرام هو اللي طلب إننا نتعامل مع بعض بشكل طبيعي عشان نكسر الحدود اللي ما بينا. -أنا أصلًا مكنتش عايزة أسمع كلامه. معرفش إزاي هو أقنعني. ابتسم جورج وقال:
-بصراحة رغم غيرتي منه. إلا أنه اعترف إن جورج ليه طريقته المميزة اللي بتخليكي تتقبلي كل حاجة منه. هو عنده قدرة رهيبة على الإقناع. وصبر غريب. هو مش بيبذل مجهود حتى. كفاية إنه بس يكلمك بنبرة صوته الهادية ونقول له كل حاجة وتسمع كلامه. لم ترد ماريانا وهي تنظر بشرود أمامها. كان ينظر إليها بعصبية. لا يعرف فيما تفكر. مد كفها ليلمسها مجددًا ولكنه تراجع في اللحظة الأخيرة. لا يريد أن يغضبها.
-روحي يا ماريانا غيري هدومك وضبطي نفسك عشان نتعشى سوا. هزت رأسها بهدوء وهي تتجه نحو غرفتها. ليتنهد هو براحة ويقول: -يارب تلين بسرعة. بعد ساعة تقريبًا.
كان قد وصل الطعام. أخرج البيتزا من الصندوق الخاص بها. كان يعرف أنها تعشق البيتزا الرانش أكثر من أي شيء لذلك طلبها لها وأحضر المشروبات الغازية ووضعهم على الطاولة. ثم كاد أن يهتف باسمها إلا أنها خرجت من غرفتها وهي ترتدي منامة قطنية زرقاء وترفع شعرها لأعلى. لا توجد ابتسامة على شفتيها ولكن رغم هذا بدت أجمل ما رآه عينيه. أزاح المقعد قليلاً لها لكي تجلس. جلست بهدوء وهي تشرع في تناول الطعام. جلس وهو ينظر إليها بحب وقد أدرك بداخله أنه الآن أكثر سعادة من أي يوم آخر. فها هو يشعر أن هذا بيته أخيرًا بوجودها. فالمنزل يكون حيث هو يكون.
بعد مدة ليست قليلة. انتوا من الأكل. غسلت ماريانا يديها بعد أن نظمت الطاولة مع جورج. ثم لاذت بالفرار إلى غرفتها رافضة طلب جورج أن تشرب معه قهوة. كان يجلس على الأريكة يمسك كوب القهوة الخاص به. ينظر إلى باب غرفتها وهو يشتاق إليها. فكر في الذهاب إليها والضغط عليها قليلاً ولكن عرف أن تلك ليست فكرة جيدة. لذلك جلس مكانه وهو يتناول القهوة الخاصة به. بعد قليل ترك القهوة ونهض وهو يطرق الباب عليها. لحظات وفتحت الباب وهي تقول:
-نعم! -القهوة طعمها حلو. متأكدة إنك مش عايزة تشربي معايا. -لاااا. ولو سمحت روح. قالتها بحدة ثم أغلقت الباب بوجهه. ذهب بضيق إلى الأريكة. امسك كوب القهوة ثم لمعت بعقله فكرة ما. وجه القهوة إلى بلوزته وسكب القليل منها عليها ليصرخ بصوت منخفض بسبب سخونة القهوة. لم يتوقعها ساخنة لتلك الدرجة. أخذ يبعد البلوزة المبتلة عن جلده ونهض وهو متجه إلى غرفته. طرق الباب مجددًا لتفتح بضيق وتقول: -أفندم. -القهوة بوظت التيشرت عايز أغيره.
رفعت حاجبيها وقالت: -مين هيغسل التيشرت ده؟ -هغسله أنا متقلقيش. قالها وهو يكتم ضحكته. لتهز كتفها وهي تفسح له الطريق وتقول: -اتفضل. بعد قليل. -أووف نعم عايز إيه تاني؟ قالتها ماريانا بضيق وهي تفتح الباب. إنها المرة الثالثة التي يدق عليها الباب. ربعت ذراعيها وهي تنظر إليه بضيق. ابتسم بوجهها وقال: -أصل التيشرت بتاعي اتوسخ تاني. بصي اتكب عليه القهوة. ممكن آخد واحد جديد.
-هو إيه قصة التيشرتات اللي بتتكب عليها قهوة دي. وأنت ليه تشرب قهوة في الوقت ده. ما تروح تنام. ولا أنت عايز يجيلك أرق. ابتسم بمشاغبة واقترب منها وهو يقول بمزاح ولكن عينيه كانت تلتهمانها بشغف: -إيه خايفة عليا. تراجعت وهي تقول بضيق: -لا مش خايفة. اعمل اللي انت عايزة. روح جيب لك تيشرت وسيبني أنام. هز رأسه ثم ولج إلى الداخل. فتح الخزانة وهو يأخذ وقته في اقتناء بلوزة له. -تفتكري إنهي تيشرت أحلى. الرمادي ولا الأزرق.
قالها وعلى شفتيه ابتسامة مشاغبة. يجذبها بقوة إلى ذكرياتهما سوياً. عندما كانت تحبه أكثر من أي شيء آخر. تنهدت وكأنها تتذكر هي أيضًا. -على فكرة الأزرق هيليق عليك أكتر. قالتها وهي تلج للغرفة. بينما هو يمسك قميصين له لكي يذهب للعمل. أحدهما أسود والآخر أزرق. عبس وهو يقول: -بس أنا حاسس إن الأسود هو الأحلى. مطت شفتيها بغضب كالأطفال وقالت: -لا الأزرق أحلى على فكرة. ابتسم لها وهو يشدها نحوه ثم يقبل وجنتها وقال:
-أنا بثق في ذوقك يا حبيبي. -بحب الأزرق لأنه لون عينيك. قالتها وهي تنظر لعينيه وتقول: -دول أول حاجة وقعوني فيك على فكرة. أول مرة شفت حسيت وكأني بقع من الدور العشرين. -إيه الكلام الحلو ده. قالها وهو يرتدي قميصه. -ده أنتِ بتحبيني أوي على كده. -أكتر مما تتخيل. أنا حبيتك من البداية يا جورج. بس أنت مكنتش شايفني. حتى بعد ما اتجوزنا مشوفتنيش وبقيت تعاملني وحش برضه.
رفع عينيه وهو ينظر إليها. أجفله الألم بعينيها وشعر بالذنب. اقترب منها وهو يقبل رأسها ويقول: -أوعدك إن عمري ما هجرحك تاني. عادت من شرودها وقد لمع بريق الدموع بعينيها وهي تفكر أنها تحملت الكثير بسببه. لكي يحبها تخلت عن كرامتها. انسابت الدموع من عينيها. ليعبس وهو يقترب منها ويقول: -مالك يا ماريانا. أنا ضايقتك. رفعت وجهها وهي تمسح دموعها وتقول: -أنا من أول ما دخلت حياتك وأنت بتجرحني وبس. -ماريانا.
قالها بيأس وهو يقترب منها. إلا أنها ابتعدت وهي تقول بإختناق: -خلاص يا جورج لو سمحت. أنا وافقت أجي أعيش معاك صحيح. بس مش معنى كده إني هرجع معاك زي الأول. أنا عايزة وقت. -هديكي الوقت اللي أنتِ عايزاه. -مش عايزة ده بس. عايزاك تحاول عشاني زي ما كنت بحاول عشانك. تستحمل اللي بقوله زي ما كنت مستحملة اللي أنت بتقوله. عانق وجهها وهو يقول بحنان:
-كل اللي هتقوليه أو تعمليه هيكون مقبول. مش هتضايق. هيبقى حقك تقولي أي حاجة أو تعملي أي حاجة. متحاوليش عشاني يا ماريانا أنا اللي هحاول عشانك. أوعدك من النهارده أنا مش هعمل حاجة غير إني أسعدك وبس. بعد شهر.
ابتسمت بسعادة وهي تنظر إلى الطاولة الصغيرة المزينة بالشموع. ويتوسطها قالب من الكعك بالشوكولاتة. لقد تحملها الفترة السابقة. تحمل هرموناتها المتقلبة. حزنها على شقيقتها التي تطلقت. لم يضغط عليها أو يطلب حقوقه. كان مراعي بدرجة أصابتها بالانبهار. وأساها. حاول إخراجها من حزنها. أضحكها وغنى لها. كان يبدو أنه مستعد لفعل أي شيء لكي يسعدها. وقد أتى دورها. سوف تسعده اليوم كما أسعدها هو. عضت شفتيها بخجل وهي تنظر لنفسها وهي ترتدي تلك الغلالة الصفراء الباهتة. غلالة لا تشبه شخصيتها تمامًا. بل شخصيته هو العابثة. كانت تكشف أكثر من اللازم. ولكنها زوجته. ستفعل هذا من أجله.
فُتح الباب. لترفرف أهدابها المزينة بماسكارا سوداء. توقف مكانه للحظات وهو ينظر إليها بدهشة. أغلق باب غرفته. وهو لا يصدق ما يراه أمامه. -أنتِ مين يا ست وفين مراتي المؤدبة المحترمة. قالها بجدية مضحكة. ضحكت هي بصوت مرتفع ثم أغلقت فمها وقد غزا اللون الأحمر وجنتيها. فضحكتها في تلك اللحظة كانت تشبه ضحكة الراقصات. -أموت أنا في السمن البلدي. قالها وهو يتجه نحوها ليعانقها ثم رفعها. متجهًا بها إلى فراشهما. -عاصي استنى.
قالتها وهي تضحك بينما تحاول التحرر منه ولكنه أمسكها جيدًا وهو يقبلها على وجنتيها بالتتابع ثم اتجه إلى شفتيها. لتضع كفها على شفتيه وتقول لاهثة بينما تلهث ووجهها أحمر بالكامل: -استني. استنى. عايزة أقولك حاجة. عبس متسائلاً. لتعلن ببهجة: -أنا حامل. عبست مياس. وهي تشعر بشيء يجثم عليها. فتحت عينيها وهي تشعر بالدوار لتجد معاذ هو من يعتليها بينما يقبلها بشكل مقزز.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!