الفصل 36 | من 63 فصل

رواية اسرت قلبه الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سوليية نصار

المشاهدات
37
كلمة
5,651
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

لن أدعك تأخذينه مني. لا ... لا ... صرخت وهي تتمسك به بقوة. كانت تمسك قميصه وهي تقرب نفسها منه وهي تنظر للاسفل. المجنون يريد بالفعل أن يلقيها من هنا. كان عاصي يضحك وهو يتظاهر أنه سوف يفلتها، ولكنه في آخر لحظة يتمسك بها. أخذ يلعب معها بتلك الطريقة حتى أهلك أعصابها، لتستخدم آخر سلاح لها وهو دموعها. فجأة انفجرت في البكاء وهي تتمسك بقميصه القطني. عبس وهو ينظر إليها وقد ارتبك، ثم جعلها تقف على قدمها وقال:

أنا آسف. بجد يا رحيق، أنا كنت بهزر معاكي. ولكنها لم تعطيه اهتمام وهي تبكي. ليقترب أكثر وهو يربت على كتفها وقال: خلاص متعيطيش. مكنتش أعرف إنك جبانة. خلاص يا بنتي كفاية، اسكتي. مش هقدر أقرب وأحضنك وأطبطب عليكي عشان أنتِ دماغك بتحدف شمال وبتفكري إني واحد مش محترم، وأنا مش كده. لم تستطع كتم ضحكتها. ليبتسم هو ويقول: أيوه كده، اضحكي وخلاص. متزعليش، مش هرخم عليكي تاني. هزت رأسها. ثم قال: يالا اقعدي نكمل كلامنا.

أنا بجد تعبانة، خلينا ننام دلوقتي وبعدين نكمله. ممكن؟ هز رأسه وقال: طيب يا ستي، مش هضغط عليكي. ثم ولج قبلها ونظر إليها ثم قال: هتنامي بفستانك الطويل ده؟ انت مهووس بهدومي ليه؟ حابة أعرف. مش مهووس ولا حاجة، متفهميش غلط. بس الجو حر وأنا بس شايل همك. ابتسمت بسخافة وقالت: لا متشيلش همي ولا حاجة، أنا كويسة ومش حرانة وهنام كده. هز كتفه وقال: زي ما تحبي عادي. أنا عن نفسي حران.

ثم خلع قميصه القطني بحركة واحدة. لتتراجع وهي تبتلع ريقها، ثم تشيح بوجهها وهي تقول: انت... انت... ما هو مش كل يوم... البس أي حاجة لو سمحت. ابتسم بإستفزاز وقال: أنا بحب أنام كده. أنا حر يا ستي. الجو حر. يالا عشان ننام. قضمت شفتيها بضيق وهي تتجه إلى الفراش وتنام على جانبها وهي تبتعد عنه بقدر الإمكان. لينخفض بجسده قربها وهو ينظر إلى ظهرها المتوتر وابتسم بخبث. ثم وضع كفه على ذراعها لتشهق بقوة وتقول: انت...

انت بتحط إيدك ليه عليا؟! شيل إيديك عني. ضحك بعمق وقال: الله، ما تهدي شوية. ليه الخوف ده يا رحيق؟ أنا بهديكي عشان حاسة إنك متوترة. أبعدت كفه بيدها وهي تقول بعنف: أنا كويسة. ابعد انت إيديك لو سمحت عني. لو سمحت. ضحك بعمق وقال: أهو يا ستي، بعدت إيدي. وأهو هنام على جنبي. بس على فكرة، مش أنا اللي كل يوم بروح أنام على طرفك أو أحضنك وأنتِ نايمة. دي حاجات بتحصل منك انتِ.

احمر وجهها بشدة. ليبتسم ويغمض عينيه وهو متأكد أنه استطاع أن يخجلها. عاصي. قالتها بتردد بعد فترة. ليستدير نحوها ويقول بهمس: نعم. استدارت هي أيضا ونظرت إليه بتوتر شديد وهي تقول: ممكن أطلب منك طلب؟ أطلبي. أنا عايزة أروح الغردقة أزور أختي. وحشتني أوي. ممكن؟ كانت تنظر إليه بتوسل. ليقول: تمام. كده كده كنت ناوي أطلع مصيف للإسكندرية، بس خلاص نخليها الغردقة. ابتسمت بسعادة. ليقول بجدية: بس طبعاً في شرط.

نظرت إليه بقلق وهي تقول: إيه هو الشرط؟ نظر اليها بطريقة جعلتها تخجل وقال: لما نرجع من الغردقة هقولك. تصبحي على خير. ثم استدار مرة أخرى لينام. دي آخرة الحب يا لطيف. آخرة إنك تسلم قلبك وروحك لواحدة. أهو بسببك رجلنا اتجابت كمان. الباشا الكبير متضايق أوي يا لطيف. ولو جات رجله هنزعل كلنا.

قالها حسان وهو يقف أمام لطيف القابع على أرضية السجن برعب. لقد انقلب عالمه في الساعات الأخيرة. حدث كل شيء بسرعة مرعبة لدرجة أنه عجز عن التصرف. تم القبض عليه هو وكل من كان له علاقة بتجارة المخدرات. فعلها يوسف وانتقم منه. الغبي لا يدرك أبداً العواقب. لا يعرف أن ماجدة هي من ستدفع الثمن. ألم يخبروه بهذا سابقاً؟ يخبروه أن في حالة الخيانة سيرى حب حياته يموت أمام عينيه. الغبي، فيما كان يفكر؟ كان حسان

يقف وهو يبتسم بسخرية وقال: هو كده كده أنا هطلع يا لطيف. الباشا الكبير مش هيقدر يستغنى عني. بس انت... أنت هتفضل هنا لحد ما تاخد عقابك المناسب. ارتعش لطيف وهو ينظر إليه بعينين متسعتين وهو يعرف ما العقاب الذي يتكلم عنه. أو... قالها حسان وهو يصمت بخبث. نظر إليه لطيف وقال بتوجس: أو إيه؟ أو نخرجك من هنا معانا بكل سهولة ونرجع لحالنا وأعمالنا. بس بشرط. شرط إيه؟

احتشدت حبات العرق على جبينه وهو ينتظر أن يكمل كلماته، بينما قلبه يهدر داخل صدره. أو بنفسك تقتل ماجدة وابنها وجوزها! تراجع بظهره مصدوماً وهو يلقي عليه كلماته تلك. شعر أن العالم يضيق به وهو ينظر بصدمة إلى حسان الذي ابتسم بسخرية وقال: هو كده كده بيك من غيرك هنقتلها. بس اختار تفضل في السجن ونقتلها برا، ولا نطلعك إحنا وتقتلها بإيديك. يعني هي مبقتش خلاص مراتك؟

واحد تاني بقى في حياتها. وأهو تاخد تارك من الراجل اللي لمس الست بتاعتك، وتارك منها لأنها سمحت بكده.

زاغت عيني لطيف وهو يشعر بالرعب. أن يقتل أكثر امرأة أحبها في حياته هو الموت ذات نفسه. ولكن إن لم يفعل، سوف يفعلون هم وقد يعذبوها حتى تموت. ربما هو يمكنه أن يعطيها موت سريع وسهل. ولكن برقت عينيه بخطورة وهو يفكر أنه سوف يعطي أسوأ موت ليوسف. سوف يعذبه بطريقة لم يعذب بها أحد من قبل. سوف يجعله يتوسل إليه ألف مرة ليقتله. سوف يفعل هذا ببطء. ببطء شديد! موافق. قالها لطيف ببطء وبلهجة جافة.

كفاية مذاكرة. يالا أنا عملتلك ساندويتشات مربى عشان تاكليها وبعدين تنامي. امتحانك بعد بكرة، عايزك تصحي بكرة مصحصحة وتبدأي اليوم من الأول. قالها يوسف وهو يلج بصينية الساندويتشات ويقترب منها. ابتسمت هي له بحب. بينما يقترب هو ويجعل الصينية على المنضدة المجاورة للفراش. ابتسم وهو يأخذ منها الكتاب ويقول: خلاص، كفاية مذاكرة بقى.

ثم أمسك أحد الساندويتشات وهو يطعمها برفق. تقبلت منه أن تأكل وهي تبتسم له. تعشق اهتمامه بها. هو يعاملها بحنان كبير. كل يوم تغرق في هذا الرجل أكثر. أمسكت منه الساندويتش وهي تقول: طيب يالا كل انت. هاكل لوحدي. ابتسم وهو يمسك الساندويتش الخاص به، ثم يتناوله، بينما يتحدث معها وهو يضحك. خايفة أوي من الامتحان بجد. حاسة المعلومات مش بتثبت في دماغي. أعمل إيه يا يوسف؟ ابتسم لها بلطف وهو يمسح بقعة من المربى بجانب شفتيها وقال:

أومال أنا روحت فين؟ صحيح، مش أنا اللي هحط الامتحان، بس أنا حافظ المنهج. متقلقيش، مراتي أكيد هتطلع بتقدير حلو. ضمته وهي تقبله وتقول: يعني هتذاكرلي؟ إحنا عيوننا للهانم. أنا اللي هذاكرلك. ابتسمت وقالت بمشاكسة: يعني هتكون المدرس الخصوصي بتاعي؟ بالظبط كده. قالها مبتسماً وهو يقبل أرنبة أنفها. ضمته ماجدة إليها وهي تبتسم بسعادة. تلك السعادة التي تريدها بقوة أن تستمر.

في فجر اليوم التالي. وقف أمامها بينما تنام على الفراش وآثار الدموع على عينيها. كانت ترتدي منامة قطنية خفيفة، بينما تضم يديها إليها. وقف يراقبها لعدة دقائق وقلبه يخفق بقوة. يفكر بغضب أنه ما زال يحبها. ما زال قلبه يخفق بحبها هي. لم يستطع أن ينزعها من قبلها. يكرهها، يمقتها، ولكنها ما زالت تسيطر عليه. أحيانا يفكر أن الأمر ربما يكون حلم سيء وسوف يفيق منه ليجد أن حبيبته...

من وهبها روحه ما زالت بريئة لم تندس من قبل رجل آخر. ولكنه لا يفيق أبداً من هذا الكابوس مهما فعل. أغمض عينيه التي تحرقه بفعل الدموع وهو يحاول شحذ قوته. لا يريد أن يجعلها ترى ضعفه نحوها. يجب أن يعاقبها إلى أن يحررها من سجنه، ثم وقتها سوف يبحث عن فتاة أخرى تكون لديها شرف. فتاة يتأكد أنها ليست لها أي علاقات سابقة. أمسك كوب الماء ثم سكبه عليها لتنهض وهي تصرخ ثم تهدر: إيه الغباء ده؟

ولكن عينيها اتسعت فجأة برعب وهي تراه أمامها ينظر إليها وهو مبتسم بسخرية: قومي يا هانم، الفجر أذن. ولا حضرتك مبتصليش؟ أطرقت برأسها وهمست: لا بصلي. يبقى تقومي يا حبيبتي عشان تتوضي وتصلي وتقرأ قرآن، يمكن ربنا يغفر لك اللي عملتيه. ومن هنا ورايح مواعيد نومك وصحيانك هتكون محددة. تنامي الساعة عشرة وتصحي الفجر عشان تصلي. مفهوم؟ هزت رأسها وهي تشعر أنها تختنق وقالت: مفهوم يا جاسم.

ثم نهضت بتعب وهي تتجه إلى الخزانة لتخرج لها ملابس جديدة. ثم أمام عينيه اتجهت إلى الحمام لتغتسل وتتوضأ لكي تصلي. خرجت من الحمام. ورغم أنها توضأت، إلا أن النعاس ما زال يسيطر عليها. وجدته قد تجهز ليصلي بالجامع. تصلي وتستني. أوعي تنامي. ثم فتح الباب وخرج. لتبدأ هي في صلاتها. بعد قليل. قد انتهت وجلست على سجادة الصلاة وهي تنظر للأعلى وتتكلم لتناجي ربها:

يارب خلي الأيام دي تمر على خير. يارب أنا غلطت غلط كبير في حقك وفي حق نفسي وأهلي وجوزي. يارب سامحني يارب. يارب اغفر لي ذنوبي يارب. يارب متاخدنيش إلا وانت راضي عني. يارب أنا عصيتك يارب بس انت الكريم يارب. يارب سامحني يارب. يارب طبطب على قلب جاسم، هو تعبان، مخنوق بسببي ومكسور. يارب عوضه خير عنه وارزقه واحدة أحسن مني مليون مرة.

أطرقت برأسها وهي تبكي. كان صعب عليها أن تدعو أن يتزوج زوجها من امرأة أخرى. فهي بتلك تكتب نهايتها. ولكن جاسم يستحق امرأة شريفة بدون ماضي. هي لا تستحق أبداً أن تكون معه. هو رجل شريف. رجل تقي. مثل شقيقها تماماً ويستحق امرأة أفضل منها بكثير. رفعت رأسها وهي تكمل دعاءها وتقول:

يارب اجبر بخاطره يارب. يارب داوي جرح قلبه يارب. أسعده يارب. وأديله الزوجة الصالحة. واحدة أحسن مني. واحدة أصلح مني. واحدة تليق تكون أم أولاده. يارب لو كان موتي يريحه خدني لعندك يارب. يارب. ثم وضعت كفها على وجهها بينما هي تنفجر بالبكاء. كان هو يقف خلفها وهو ينظر إليها. كان قد أتى من المسجد وبقى ينظر إليها مشدوهاً يسمع دعاءها الصادق. كانت نبرتها محملة بالأسى. كانت صادقة، ولكن هذا لم يخفف عن غضبه. قومي. كفاية.

هدر بها. لتنتفض بقوة وتنهض وهي تمسح دموعها. رفع رأسه وقال: اقري وردك يالا هنا جنبي. هزت رأسها وهي تحضر المصحف من على المكتب الموضوع في الصالة. ثم جلست بجواره وهي تقرأ قرآن بصوت خافت. بدأت بقراءة سورة النور وما أتت عند الآية الخاصة بأحكام الزنا انفجرت بالبكاء وهي تقرأ تلك الآية:

بسم الله الرحمن الرحيم. الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. أخذت ترددها بصوت مرتفع وهي تبكي بقوة. صوتها ارتفع وألم قلبها كبير. كيف قللت يوماً مما فعلته. كان جاسم يراقبها وقد شعر بالقلق. ثم اقترب منها وهو

يسحب المصحف بلطف ويقول: روحي اغسلي وشك. ولكنها لم تبدو أنها سمعته، بينما تبكي بهذا العنف. زفر بضيق وهو يمسكها ويجرها خلفه. ثم أخذ يقول من بين أسنانه: خلاص، كفاية. كفاية. ولكنها لم تسكت. ليصرخ بها: خلاص، قلت لك اسكتي. اسكتي!

انكمشت على نفسها. ليدخلها هو الحمام متجهاً إلى حوض الغسل. فتح الماء. ثم أخذ يغسل وجهها جيداً. بينما هي دموعها لا تتوقف عن الانهمار. أخرجها من الحمام. ثم تركها لتسقط على الأرض وهي تبكي مجدداً. بينما العالم يضيق بها. ما ارتكبته إثم عظيم. كيف فعلت هذا! أنا إزاي عملت كده؟ إزاي! قالتها والدموع تنفجر من عينيها. ثم أخذت تضرب صدرها وتقول: إزاي غلطت الغلطة الكبيرة دي؟ إزاي عملت كده في نفسي؟ إزاي... إزاي مخوفتش من ربنا؟

نوران، كفاية. كفاية! قالها وهو يشعر بالاختناق. ولكنها لم تتوقف. وهي تضرب على وجهها بقوة والألم يندلع داخلها كنيران لم تستطع السيطرة عليها. يارب أموت. يارب أموت. يارب أنا مش عايزة أعيش. يارب خدني. يارب خدني. كانت تصرخ بها. كانت في حالة انهيار نادرة. وكأنها أدركت جيداً ما فعلته. شعر بالغضب منها وهو يسحبها ليجعلها تنهض ويواجه وجهها ويقول: خلاص، كفاية. كفاية بقى!

أنا بموت يا جاسم. حاسة إن ضميري مش مرتاح. أعمل إيه يا جاسم؟ قول لي أعمل إيه؟ تجهم وهو يعجز عن الرد. لتقول بألم: سامحني يا جاسم. سامحني أبوس إيديك يمكن أرتاح. سامحني! سامحني... سامحني. هو أنتِ فاكرة الموضوع بسيط للدرجة دي؟ قالها جاسم وهو يمسكها من ذراعيها ويهزها بقوة. بينما الدموع تحرق عينيه. كان يشعر بحريق داخله. حريق لا يخمد. أنتِ عارفة أنتِ عملتي فيا إيه؟

أنتِ كسرتي قلبي. أنتِ قتلتيني يا نوران. قتلتِ راجل ما حبش غيرك. اتقهرت وأنا بسمع إن البنت اللي بحبها... اللي كنت حاططها في أسمى مكانة عندي سلمت نفسها لراجل قبلي. يا بت ده أنا مكنتش عايز حتى أبص عليكي. كنت بصونك. افتكرتك غالية. بترخصي نفسك بالشكل ده ليه؟ أطرقت برأسها وهي تنتحب بقوة. بينما يهزها بعنف ويقول لاهثاً:

أنا عايز أقهرك زي ما قهرتيني. عايز أحرق قلبك زي ما حرقتي قلبي. تأكدي يا نوران إني هعمل كده. هحولك لأسوأ نسخة منك زي ما عملتي فيا. أنتِ حولتيني لأسوأ نسخة مني! هزت رأسها بلهفة وهي تقول: اعمل اللي انت عايزه. اضربني. اقتلني. عذبني زي ما انت عايز بس سامحني في الآخر. أنا عايزة ضميري يرتاح يا جاسم وإلا هموت. نظر إليها بسخرية وقال:

أتأكدي إن ده مش هيحصل يا نوران. مش هريح ضميرك أبداً. اتأكدي إني هعمل المستحيل عشان أشوفك بتتعذبي كل يوم من الذنب ومش هرحمك وقتها لحد ما أقرر أسيبك. ممكن أدخل؟ قالتها أريام بهدوء. رفع أمجد عينيه واتسعت عينيه بدهشة. ثم أطرق بوجهه مرة أخرى وهو يقول بهدوء: اتفضلي. ولجت للداخل وهي تدع باب المكتب مفتوح. كان مصدوماً. لقد قدمت استقالتها واختفت. لما أتت فجأة؟ هل يمكن أنها أتت كي تخرب حياته مع جيلان بعد أن استقر معها؟

هز رأسه وهو يطرد تلك الأفكار من عقله. فالفتاة بالفعل قد ابتعدت عن طريقه ولم تحاول أن تفعل أي شيء. على العكس تماماً هي من جعلت من ارتباطه بجيلان ممكناً بعد أن اعترفت بخطأها أمام الجميع. ولكن السؤال الذي كان يؤرقه... لماذا أتت وما الذي تريده الآن؟ كانت الأسئلة تدور بعقله. بينما هي تنظر إليه دون أن تتكلم. تعرف فيما يفكر. خير يا آنسة أريام. قالها وهو مطرق برأسه. بدت نبرته أقرب للبرود. ولكنها لم تنزعج

وهي تقول بنبرة لطيفة: متقلقش يا باشمهندس. مش جاية أضايقك. أنا جاية أشوفك لآخر مرة. آخر مرة؟ ردد بحيرة. لتهز رأسها وتقول: أيوه. أنا خلاص ماشية. بعد ما قدمت استقالتي قررت أروح أعيش عند عمتي في الإسكندرية. شوفت إن ده أحسن ليا بكتير وقررت استقر هناك وهشتغل هناك كمان. هز رأسه بإستحسان وقال: كده أفضل. هزت رأسها موافقة وقالت:

أيوه فعلاً عندك حق. كده أحسن بكتير. بصراحة دي خطوة أنا اتأخرت فيها. أنا عايزة أغير المكان اللي أنا عايشة فيه. أظن ده هيخلي نفسيتي أحسن. وأنا كمان شايف كده. قالها وهو يشعر براحة كبيرة. لتعطيه أريام ابتسامة حقيقية وهي تقول: أنا بعتذر لك مرة تانية على كل مرة آذيتك أو آذيت جيلان. أنا عايزك تسامحني قبل ما أمشي. سامحني على كل حاجة. هز رأسه وقال بصدق: مسامحك.

هزت رأسها وكسا الارتياح وجهها. وكادت أن تذهب. إلا أنه أوقفها وهو يقول متردداً: آنسة أريام. نظرت إليه يتساءل. ليكمل: أنا كمان عايزك تسامحيني. سامحيني على اللي عملته. إني دخلتك حياتي وفيه غيرك. إني كسرت قلبك. سامحيني. هزت رأسها وقالت: مسامحاك من قلبي يا أمجد. ثم تركت المكتب وغادرت. بعد قليل. كانت تضم سلوى بقوة والدموع تحرق عينيها. بينما سلوى لم تستطع التحمل بل أخذت دموعها في الإنهمار. هتوحشيني والله.

قالتها سلوى بإختناق. وأنتِ كمان والله. قالتها أريام بصوت مهتز وهي تحاول السيطرة على دموعها. ولكن دموعها غلبتها وهي تجري على وجهها بقوة. ابتعدت سلوى قليلاً وأخذت تمسح دموعها وهي تقول: لا لا مش هنبكي خلاص. إحنا هنبدأ حياة جديدة حياة أجمل بكتير من دي. بعيد عن أي ضغط. هزت أريام رأسها وهي تمسح دموع سلوى وقالت:

وأنتِ كمان متبكيش. أنا مش هبعد عنك. أصلاً مش هتقدري تتخلصي مني يا سلوى. هفضل أتصل بيكي وأقرفك بمشاكلي. وأنتِ اقرفيني بمشاكلك عادي ماشي. هنتحمم كل اليوم في التليفون. كمان هنراسل بعض على الواتس. وهنتكلم فيديو كول. وعارفة إني هاجي أحياناً هنا عشان بابا. صحيح أمي بعد ما عصيت أوامرها وقررت أروح لعمتي بعد ما أبويا وقف في وشها لأول مرة فمعرفش هيقدر بابا يدخلني البيت ولا لا. بس لو مدخلتنيش اتأكدي إني هاجي وأقعد معاكي.

ابتسمت سلوى وقالت: تنوري والله. ثم ضمتها وقد انفجرا في البكاء مجدداً. طيب ما تستني لبكرة نروح سوا. أنا النهاردة للأسف عندي شغل. قالها سيف وهو يقبل رأسها ويتلمس وجنتها. تنهدت مياس وهي تقول: معلش يا سيف عايزة أروح أشتري النهاردة. بعدين أنا هروح محل معين أجيب اللي أنا عايزاه وخلاص. محتاجة بس كام فستان على بيجامة صيفي. طيب، عم بكر هيوصلك. وهخليه جنبك ماشي. ابتسمت وقالت بمشاكسة: هو أنا عيلة صغيرة يا سيف؟

قبل وجنتها وهو يقول: بخاف عليكي يا حبيبي. إيه مش حقي؟ ربت على شعرها وقال: إيه رأيك ألغي اجتماع النهاردة وأروح معاكي؟ بصراحة مش عايز أسيبك لوحدك. أوف يا سيف، هو أنا هتخطف؟ لازم يعني رجلك تكون على رجلي. يا ست الكل، ياريت والله أفضل معاكي دايماً وأروح معاكي كل مكان وأحميكي. هو أنا أطول. ابتسمت هي حتى تألقت عينيها بشدة، فأصبحت في غاية السحر. قال بتنهيدة عميقة: أنا بحب عينيكي. بحبها أوي. زي ما بحبك يا مياس.

احمر وجهها بقوة واشاحت وجهها عنها بخجل. ليمسك ذقنها ويعيد وجهها إليه وهو يهمس: وفي حاجة تاني بموت فيها. ثم اقترب من شفتيه ليقبله. إلا أنها وضعت كفها على شفتيه وهي تقول بخجل: يووه يا سيف، خلاص بقى. روح يالا لشغلك. أنا مش فاضية، عايزة أروح أخلص مشواري. يالا. بتطرديني يا فراشة؟ ماشي. قالها مبتسماً. ثم لمس وجنتها وهو يقول: بحبك يا مياس. اختفت ابتسامتها وقد تعالت ضربات قلبها. ولكنها لم ترد. ليعبس هو ويقول:

إمتى هتقولي لي بحبك؟ يووه يا سيف، خلاص روح. قالتها بإنفعال وخجل. ليمسك كفها ويقبله وهو يهمس: أنا مستني اليوم اللي هتقولي لي فيه بحبك بفارغ الصبر. ارتبكت وهي تسحب كفها. ليبتسم ويقول غامزاً: واليوم ده هيجي قريب إن شاء الله. أنا حاسس. ثم تركها وهو يصفر ويخرج من الغرفة. بينما تضع كفها على قلبها وهي تبتسم بخجل. مشاعر قوية تقتحمها. مشاعر لم تختبرها من قبل.

بعد قليل. كانت قد ارتدت ثيابها المكونة من فستان صيفي من اللون الأصفر بأكمام واسعة بتصميم بسيط وطرحة من اللون الأبيض السادة. أمسكت حقيبتها وهي تخرج بعد أن نظرت مرة أخيرة على نفسها في المرآة. صحيح أنها حتى الآن تجفل عندما ترى انعكاسها في المرآة، ولكنها ببطء بدأت تتقبل نفسها. وهذا بعد فضل الله بفضل سيف. الذي لا يتوقف عن دعمها. عن إغراقه بحبه. لقد صدقت فعلاً أنه يحبها. فلا يمكنه أن يزيف كل هذا. نظراته. اهتمامه. لهفته. الحب الذي يفيض من عينيه لا يمكن أن يكون تمثيل. لا يمكن أن يكون شفقة. بالتأكيد هو يحبها.

فكرت بسعادة وهي تخرج من الفيلا وتقترب من السيارة وتحيي عم بكر. السلام عليكم. وعليكم السلام يا بنتي، يالا اتفضلي. استقلت السيارة وهي تنظر من النافذة. اتتها رسالة على تطبيق الواتس آب. ابتسمت وهي تجد رسالة من سيف: في بحر عينيكِ هامت كل أشواقي يا ربّة الحُسـنِ هل تنوينَ إغراقي؟ في بحرِ عينيكِ هامت كُلُّ أشواقي يا ربّة الحُســـنِ، هل تنوينَ إغراقي مــا كنت أؤمن بالعيون وفعلها حتـــى دهتني بالهوى عينـاكِ

عيناكِ بحرٌ تاهت به سفني وتزعزت به نبضاتُ قلبي وأنفاسي أنا الذي لا يهزني برقٌ ولا رعدٌ أعينين متلألأةٌ تهزمُ ثباتي؟ لقائلها. ابتسمت مياس وقلبها يخفق بقوة. بينما نظر إليها عم بكر من المرآة وهو يبتسم بطيبته المعتادة. في المتجر الراقي والضخم نوعاً ما. وقفت وهي تهتز بقوة. تخاف من الدخول أن يخاف من بالداخل منها. ولكنها تمالكت نفسها وهي تدخل المتجر لتجد صاحبته في استقبالها بإبتسامة رائعة وتقول:

أهلاً بيكي يا ست مياس، نورتينا. ابتسمت مياس بخجل وقد أدركت أن سيف قد تحدث معها مسبقاً. أهلاً بحضرتك. ابتسمت شهد صاحبة المتجر وهي تقول: سيف بيه كلمنا وقالنا على الحاجات اللي حضرتك عايزاها وأنا جهزت ليكي تشكيلة حلوة أوي تقدري تقيسيها كلها وتشوفي اللي يعجبك. هزت مياس رأسها وهي تتجه للملابس الموضوع بعناية. أمسكت فستان باللون الأرجواني قد لفت نظرها وأخذته لكي تجربه.

بعد قليل. خرجت وهي تقف أمام المرآة تنظر إلى انعكاسها بسعادة. كان الفستان يليق بها للغاية. كان طويل محتشم. بسيط التصميم بحزام لامع من الخصر. دارت حول نفسها وهي تبتسم وقد أحبت الفستان حقاً.

كانت من بعيد قليلاً تقف نوال وهي تنظر إليها بحقد. تلك الفتاة المشوهة قد سرقت حب حياتها منها. لقد لاحقتها حتى هنا وهي تشعر بالغضب الشديد منها. تشعر بالقهر أن تلك الفتاة متواضعة الجمال أخذت سيف. سيف أصبح يتجاهلها من أجل تلك. سيف الذي كان مستعد لتقديم حياته من أجلها. كان سيترك والده وثروته الطائلة من أجلها. الآن هو يتركها من أجل تلك؟

لا بد أن تلك مزحة. مزحة سيئة للغاية. فكرت بحقد وهي تنظر إلى تلك المرأة التي تدور حول نفسها بسعادة وهي ترتدي فستان رائع الجمال. اقتربت منها وهي ترفع رأسها فجأة. توقفت مياس وهي ترى انعكاس نوال في المرآة. استدارت سريعاً لتجد نوال تنظر إليها وتبتسم قائلة: الفستان الصح على الشخص الغلط تماماً.

بدأ اللون ينسحب من وجه مياس وهي ترى الحقد بعيني غريمتها. ابتلعت ريقها وهي تشعر بالرعب. لا يمكنها أن تتحمل سخرية أخرى أو تنمراً من أي شخص. خاصة حبيبة زوجها السابقة. اقتربت نوال أكثر وهي تشملها بنظراتها الساخرة. ثم توقفت عينيها على الحروق المنتشرة على وجه مياس وقد بدا شكلها بشع للغاية وقالت: بجد أنتِ إزاي مستحملة نفسك بالشكل ده. إزاي مستحملة شفقة كل اللي حواليكي.

أمسكت مياس ملابسها التي وضعتها على الطاولة المعدنية التي بجانب المرآة وقالت بصوت وهي تحاول أن تتجاوزها: لو سمحتي عديني. ولكن نوال وقفت في طريقها وهي تقول بحقد: مش حرام عليكي تدمري حياة سيف بسبب أنانيتك؟ مش مكسوفة من نفسك؟ ارتجفت وهي تقول: أنا معملتش حاجة! لا والله مش عارفة أنتِ عملتي إيه؟ مش شايفة حياة المسكين اللي بتنهيها. نظرت إليها بقسوة وهي تنوي أن تبخ سمها كاملاً.

أنتِ ليه مش قادرة تستوعبي إن جواز سيف منك مجرد شفقة. قال أهو يتجوز بنت عمه المشوهة اللي محدش طبيعي هيقبل بيها. أنا عرفت بالمناسبة إن حتى خطيبك اللي كنتِ واخداه على حب سابك. بس عشان سيف طيب مش عايز يبين لك أنه مجبور.

قالتها نوال بنبرة سوداء. كانت غاضبة. هي ليست من النوع سليط اللسان وتؤذي من حولها. ولكن اختيار سيف لها أشعرها بالإهانة وكأن يخبرها أن تلك المشوهة أفضل منها. رمشت مياس وهي تحاول منع دموعها من الانهمار. أرادت أن تكون قوية وترد. ولكن يمكن أن يكون كلامها صحيح. قد تكون تصرفات سيف ناتجة عن الشفقة. أمسكتها نوال وجعلتها تستدير حتى سقطت الملابس من يدها. لترى انعكاسها في المرآه وهي تقول بقسوة:

بصي على نفسك. شكلك. قولي لي إزاي سيف يحبك؟ إزاي مقتنعة بالكلام اللي بيقولهولك إنك جميلة وإن شكلك مفهوش عيب؟ هزيمتها دموعها وانهمرت بقوة. ثم هربت شهقة من شفتيها عندما قالت: أنتِ بجد أنانية جداً إنك ربطاه معاكي. وهتكوني أنانية أكتر لو خلفتي أطفال يتقال على أمهم مشوهة! هزت رأسها وهي تصرخ بقهر: سيف مش عايز يزعلك. بس أنا عارفة إنه جابر نفسك عليكي. أنا حتى واثقة إنه لحد دلوقتي مقدرش يقرب منك. عارفة ليه؟

عشان بيقرف منك يا مياس! كفاية. كفاية! صرخت مياس بها وهي تدفعها بقوة. ثم تركت خارجة من المتجر ولم تهتم بصفير الإنذار التي ارتفع بسبب ارتداءها فستان لم يتم شراؤه بعد!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...