الفصل 2 | من 63 فصل

رواية اسرت قلبه الفصل الثاني 2 - بقلم سوليية نصار

المشاهدات
85
كلمة
3,826
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

اشتعلت النيران في عينيها الزرقاء ونظرت إليه، ثم قالت بنبرة جامدة عكس اشتعال عينيها: -أفندم حضرتك بتقول إيه؟ أرجع مع مين؟ أنت مين أصلاً عشان أرجع معاك؟ -أنا عمك يا مياس.. يعني حالياً في مقام أبوكي. -لو سمحت متجيبش سيرة أبويا على لسانك. أنت عمرك ما هتكون زي أبويا. وحضرتك يا عمي اللي زي أبويا كنت فين السنين دي كلها؟ خير. ليه افتكرتني دلوقتي؟ من بعد موت أبويا محدش شافك. أنا أصلاً نسيت إنك عمي.

نظر جلال الحسيني حوله وهو يرى نظرات السيدات الفضولية وقال بهدوء يُحسد عليه: -مش هينفع نتكلم بالطريقة دي يا مياس. بكرة بعد ما ينفض العزا هنتكلم. هنتكلم لمدة طويلة. ثم اقترب وقبّل رأسها وقال: -شدي حيلك.

ارتعشت وهو يقترب منها بتلك الطريقة. بسبب موت والديها المبكر لم تشعر من زمن بحنان الأب والأم، رغم أن خالتها حاولت كثيراً. ولكن مع اقتراب جلال الحسيني منها شعرت بنوع من الحماية، وكأنها ليست وحيدة. هل يا ترى لو كان معها يحميها، لم يكن ليتشوه وجهها؟ لن يجرؤ أحد على الاقتراب منها. فكرت بأسى والدموع تتجمع في عينيها.

ما أن ذهب، جلست على الأريكة ودموعها تتساقط. إنها غاضبة، حزينة، ترغب في حرق العالم كله. بداخلها غضب لا تعلم أين توجهه. اقتربت منها إحدى السيدات، وهي أم مروان جارهم، وقالت وهي تربت على كتفها: -كل حاجة هتتحل يا بنتي. كل حاجة هتتحل متقلقيش.

هزت مياس رأسها وهي تنظر للأمام، عينيها لا تتوقفان عن ذرف الدموع. تبكي خسارتها. لقد خسرت الكثير في حياتها، والديها، خالتها، وجمالها، وحب حياتها. عمر، الذي ظنت أنه سيكون معها في الحزن والسعادة، هو أول من تخلى عنها. جزء منها لم يرغب في لومه، ولكن قلبها يحقد عليه بشدة. يتمنى أن يندم على فعلته ويأتي راكعاً لها يطلب الغفران، ولكنها لن تغفر.

كثير من الليالي تسطحت على فراشها وهي تتخيله يأتي إليها نادماً، الدموع في عينيها يتوسل لها أن تعود إليه، وهي من ترفض. نزلت تحلم وتحلم أن يعود إليها نادماً، ولكن تمر الأيام وهو لا يعود. حتى أنها عرفت أنه خطب فتاة أخرى وينوي الزواج منها، وهذا حطمها. عرفت منذ شهر تقريباً، ووقتها انهارت بطريقة سيئة لدرجة أن خالتها، رغم مرضها الشديد، خافت عليها وتم نقلها للمشفى في ذلك اليوم. حقاً لولا خالتها لم تكن لتتجاوز تلك المحنة، لكانت ماتت منذ زمن. وعند التفكير في تلك النقطة، انهارت بالبكاء.

-مياس يا بنتي! قالتها أم مروان بصدمة وهي تراها تنفجر بالبكاء بتلك الطريقة. لقد كانت هادئة بشكل مخيف عند موت خالتها، لم تفعل سوى أن دموعها كانت تجري بصمت على وجنتها. ولكن الآن، انهيارها الغريب هذا جعل السيدة المسنة تشفق عليها. ضمتها أم مروان وهي تقول: -اهدي يا بنتي، ربنا يريح قلبك. ولكن مياس استمرت في البكاء بهذا العنف. بعد ساعات… كانت تتسطح على فراشها، ما زالت مرتدية للنقاب، تشهق بخفوت، بينما السيدة أم مروان معها

تربت عليها بإشفاق وتقول: -يا بنتي وحدي الله، وجعتي قلبك والله. ربنا يريح قلبك يا بنتي. ربنا يريح قلبك يا رب. قومي يا بنتي واخلعي النقاب، واغسلي وشك عشان تأكلي. -معلش يا طنط، بس أنا حابة أفضل لوحدي. مش عايزة آكل ولا أعمل أي حاجة. معلش يا أم مروان أبوس إيديكي، سيبيني دلوقتي. تنهدت منال بحزن وقالت:

-زي ما تحبي يا بنتي. بس بالله عليكي لو احتاجتي أي حاجة تعالي خبطي على بابي. الجار للجار يا بنتي، وأنا معاكي في أي وقت، إن شاء الله تخبطي عليا اتنين بالليل. هزت مياس رأسها وقالت بصوت مختنق: -أكيد يا طنط. أكيد. ثم نهضت منال بعد أن ربتت على كتفها وقالت: -ربنا يريح قلبك يا بنتي. ثم غادرت وتركتها. أغمضت مياس عينيها وأخذت تبكي بصوت مرتفع. بعد قليل… نهضت مياس وهي مترنحة، أبعدت عنها النقاب ونظرت بكره لانعكاس

وجهها على المرآة وصرخت: -أنتِ ليه عايشة لحد دلوقتي؟ وعايشة لمين؟ انطقي، عايشة لمين! شوفي شكلك، الكل مشي. أنتِ ملكيش حد. ملكيش أي حد. ثم صرخت وهي تقع على الأرض وتغطي وجهها بكفيها. -ليتها تموت! ليتها فقط تموت! -أنتِ اتجننتي يا أما؟ عايزاني أتزوج واحدة مشوهة؟ قالها مروان بصدمة لوالدته بينما يضع الطعام بفمه ويلوكه. ضربته منال على كتفه وزعقت به: -بس يا مروان، والله أزعل منك لو قلت كده وأقاطعك كمان. -هو أنا بكذب يعني؟

ما هي فعلاً مشوهة يا أما. وخطيبها سابها عشان كده. أقوم أنا ألبس فيها؟ -يا واد، مش كنت هتموت عليها وبتقول مستعد أعمل أي حاجة عشان توافق عليا؟ -أيوه كلامك صح، بس لما كانت مياس جميلة. كنت هموت عليها. دلوقتي لما جمالها راح، أعمل إيه بيها يا أمي. بعدين أنا أبص في وشها إزاي يعني؟ نظرت إليه والدته بصدمة وقالت: -مش معقول يكون ده تفكيرك يا مروان. -يا ست الكل، ده تفكير كل الرجالة. محدش هيقبل بيها. أومال عايزها تعفني إزاي؟

وأنا هتجوز عشان أعف نفسي ومأقعش في الغلط. لكن لو اتجوزتها، هأقع في الغلط كل يوم. هزت منال رأسها بيأس وهي تشعر بالحزن على تلك المسكينة. لا تصدق أن ابنها يتكلم عنها بتلك الطريقة. تنهدت بحزن وبدأت تتناول طعامها بكل هدوء. لقد تمنت أن يتزوج ابنها من مياس ويرحمها من حديث الناس، ولكن مروان قد خذلها. ولكن هل يمكن أن تلومه؟

تلك هي حياته الخاصة، وهي لا يمكن أن تجبره على شيء. تلك المسكينة مياس، لقد أصبحت وحيدة تماماً. كم أملت أن يتزوجها ابنها لكي تبقى معها، هي ووقتها سوف تعاملها كابنتها ولن تحزنها أبداً.

وصل أخيراً لغرفته بالفندق الذي يسكن به حتى تعود معه مياس. لقد قرر أنها سوف تعود معه. حتى أنه سوف يعطيها نصيبها ورث والدها الذي رفض أن يأخذه. سوف يرد الأمانة لأصحابها، وسوف يبقى معها حتى تستعيد توازنها. سوف يكون الأب والحامي لها، لن يتخلى عنها أبداً، ولم يسمح لها أن تبتعد عنه.

جلس على الأريكة بتعب وهو يفكر بطريقة ليصلح بها الوضع بينهم. هو يريد أن يكون أمانها، يريد أن يعوضها عن كل ما رأته وعاشته. هو أبداً لم يتخلى عن مسؤوليتها. صحيح حدث تقصير منه، ولكنه كان دوماً يسأل عنها، حتى أنه سأل العديد من الأطباء عن حالتها. تمنى أن تعود كالسابق، تمنى أن تعود سعيدة.

أغمض عينيه بتعب وهو يفكر أنها يجب أن تعود معه لكي يهتم بها جيداً. سيفعل المستحيل كي يعوضها عن عائلتها. هو وسيف سوف يكونون عائلتها الجديدة، ولن يسمح لها أن تغلق على نفسها وتبتعد عنهما. في اليوم التالي…

أتت الأهل للمباركة للعروسين. جلست سما بجوار أمير وهي تصطنع السعادة بجوار من تحبه. كانت تبتسم حتى ألـمها وجهها. لم ترد أن يشعر أحد أنها تعاني في هذا الزواج. أحضرت معها والدتها عمر، الذي أصرت أن يبيت معها بضعة أيام، تاركة الراحة للعروسين. كانت والدتها تتمنى أن تستقر ابنتها سما مع أمير، فسما قد تجاوزت الثلاثين من عمرها، وكانت ترفض كل من يتقدم لها. وعندما خطبت، تركت خطيبها بدون سبب. لن تنكر معرفتها بمشاعر سما لأمير، لقد

عرفت بطريقة ما، رغم محاولات سما لإخفاء تلك المشاعر. عرفتها من عيونها الحزينة، تجنبها الغريب لأمير، كانت لا تكون في مكان هو به، بقدر الإمكان كانت تبتعد عن أي مناسبة تجمعها به. لم يفهم الجميع ما بها إلا هي، هي من كانت تفهم ابنتها جيداً.

ابتسمت سما وهي تقول: -عمر وحشتني.

ليندفع عمر إلى أحضان خالته، فتضمه إليها وهي تبتسم بحب. فوجه الاستفادة من هذا الزواج التعيس هو عمر، عمر الذي ستحبه وتجعله ابنها، ولن تلتفت لأمير أو تهتم به. نظرت إليه بطرف عينيها لتجده جالساً براحة يتضاحك مع أهلها، وكأنه لم يحطم قلب ابنتهما بليلة زفافها. ولكنها لن تجعله يسلب سلامها النفسي. سوف تتجاهله تماماً وتهتم بعمر. عمر الوحيد الذي يستحق رعايتها الآن، وهذا هو ما ستفعله. لن تدعه يعكر مزاجها ولا حياتها، وسوف توجه كامل تركيزها إلى عمر. هكذا أقنعت نفسها. ستتجاهله كلياً كأنه غير موجود، وكأن قلبها لا ينبض له عشقا ولا تتمناه حبيباً.

بعد ساعة… غادر أهلها تاركين معها عمر بسبب إصرارها الشديد، فهي لا تريد المكوث معه بمفردها. بعد ذهابهم…

أمسكت سما كف عمر ثم ذهبت به إلى الغرفة كي تبدل له ملابسه. ذهب أمير خلفهم ليجدها تبدل له ملابسه برفق وهي تتضاحك معه وتلاعبه. كان ابنه يضحك بقوة. كانت السعادة تشع من وجهه. لم يرى ابنه سعيداً لتلك الدرجة من قبل. فبعد وفاة مريم، شعر أن عمر، هذا الملاك، ينطفئ. سما فقط من كانت تخرجه من حالته تلك، ولعل هذا السبب الذي جعله يتقبل أن يتزوج منها رغم اعتراض والدته بشدة. ولكن سما الوحيدة بعد مريم التي سوف يكون مطمئناً وعمر معها. تلك ثقة عظيمة لا يمكن أن يعطيها لأي أحد، إلا هي.

خرجت سما وهي تمسك كف عمر وتجاوزته تماماً وكأنه غير موجود. عبس بشدة وذهب خلفها، لتجدها تكلمه بحب وتقول: -إيه رأيك نعمل كاب كيك أنا وأنت؟ -موافق يا خالتو. قالها بسعادة، لتمسك هي كفه وتذهب به إلى المطبخ، متجاهلة تماماً أمير. عبس بشدة وهو يفكر، هي ماذا تحاول أن تفعل؟ هل تنتقم منه لما قاله بيوم زفافهما؟ ولكنها أخذت حقها جيداً، فهي منذ تلك اللحظة وهي تتجاهله بشكل يثير أعصابه. هو يكره التجاهل، يمقتـه.

أراد الذهاب خلفهما، ولكن توقف في آخر لحظة. ماذا ستقول لو رأته يشاهدها بتلك الطريقة؟ هي قررت تجاهله، وهو أيضاً سوف يتجاهلها. هم الاثنان هنا من أجل عمر فقط، فقط يجب أن يتذكر هذا. هز أمير رأسه ثم قرر الدخول لغرفته ليأخذ بعض الملابس. قرر أن يستحم ثم يخرج قليلاً، يريد أن يصفي عقله ويرتب حياته من جديد. لقد تبعثرت قليلاً منذ دخول تلك المرأة لحياته.

دخل الغرفة واتجه إلى الخزانة، وأثناء بحثه فيها، وقع شيئاً ما. عقد حاجبيه وهو ينظر للأرض ليجد دفتراً وردياً ملفتاً للنظر. حمله، لتقع منه صورة. أمسك الصورة واتسعت عيناه بقوة وهو يجدها صورته. فتح الدفتر، والذي لم يكن إلا مذكرات سما، وما وجده جعله يبهت تماماً. فجأة انتزع أحدهما منه الدفتر. نظر ليجدها سما تنظر إليه بغضب، ثم صرخت به بإنفعال: -أنت إزاي تتجرأ تفتش في حاجاتي من غير إذن؟ إيه التصرف الهمجي ده؟

مهما كنت مش من حقك تقرأ مذكراتي ولا تبص فيها حتى. عادي بالنسبالك تقرأ أسرار غيرك؟ اقترب منها وهو يقول بغضب: -إيه الهبل اللي مكتوب في الدفتر ده؟ -ميخصكش. قالت ببرود، ولكنها لم تستطع منع تلك الرجفة التي ظهرت في صوتها، والتي عبرت بوضوح عن توترها الشديد. أخذ منها دفتر مذكراتها صارخاً: -إزاي ميخصنيش والكلام كله عني أنا؟ حبك ليا وإيه اللي حصلك لما اخترت أختك؟ صح ولا غلط؟ -قلت لك ميخصكش. صرخت به وكادت أن تنهار من شدة الضغط.

-أنا قلت لك متحطيش أمل صح، لأني مش هحبك، ده مستحيل. أنا مش شايفك أصلاً ولا حاسس بيكي، بس أنتِ مصرة تعذبي نفسك. قالها أمير بإنفعال، بينما يمسك دفتر مذكراتها. لتقترب هي منه وتأخذ منه دفترها وتصرخ به قائلة: -إيه الجنان اللي بتقوله ده؟ اللي قريته في دفتر مذكراتي اللي مفروض متقرأوش. الكلام ده أنا كتبته من زمان، من قبل ما تتجوز أختي. لكن بعد ما اتجوزتها، أنت بقيت زي أخويا وشيلتك من دماغي.

-يا شيخة، وإيه اللي خلاكي تسافري إسكندرية وتقعدي عند خالتك بعد جوازنا؟ إيه اللي خلاكي تتجنبيني في كل مرة آجي عندكوا لما رجعتي من عند خالتك؟ حتى الاحتفالات العائلية لما بكون موجود، أنتِ كنتِ بتغيبي عنها. ممكن أعرف ده ليه؟ وكمان خطوبتك وفسخ خطوبتك فجأة! قالها ساخراً، لتضحك سما وتقول: -أنت أكتر شخص نرجسي قابلته في حياتي. فاكر إن الكون بيدور حواليك وبس؟ فاكر إني سافرت عشان أنساك؟

فاكر إنه كنت مبكونش في التجمعات العائلية بسببك؟ أو إني اتخطبت أو فسخت بسببك؟

فوق يا أمير. أنا صحيح كان في مشاعر جوايا، بس المشاعر دي انتهت. وأنا اتجوزتك بس عشان خاطر عمر. وإن كان على الدفتر اللي مزعلك ده، فأنا هحرقه زي ما مشاعري ليك ماتت من زمان. هحرقه عشان ترتاح وتعرف إنك دلوقتي مجرد جوز أختي وأبو عمر. عمر اللي هربيه إكراماً لمريم. هكون الأم ليه، وياريت تحترم ده وتعاملك معايا يكون بحدود. أنت ليك عندي الأكل والشرب والاهتمام بإبنك، وأنا ليا عندك الحماية والنفقة والاحترام طبعاً وبس. علاقتنا واضحة وصريحة، متعقدهاش أكتر من كده ومتفكرش. لأني مشاعري كانت مشكلة خاصة بيا وانتهت. متوقفش عندها كتير. وصدقني دلوقتي هحرق الدفتر ده.

ثم تركته وغادرت. -هاتي يا ستي البطاقة عشان أجيب لك عيش. الواحد ميعرفش ينام في البيت ده أبداً؟ قالتها جيلان وهي تمشط شعرها بسرعة. ثم اتجهت إلى طاولة الزينة الصغيرة ووضعت الماسكارا وملمع الشفاه. -يا بت، أنتِ رايحة تتخطبي عشان تحطي البتاع ده على وشك؟ ده أنتِ رايحة الفرن. ابن عمك لو شافك هيبهدلك يا جيلان. نظرت جيلان إلى والدتها ببرود وقالت: -أنا مبخافش منه يا أمي. يعمل ما بداله. هو مش أبويا.

-هتموتيني ناقصة عمر أنتِ. يا بت ابن عمك ده اللي وقف جنبنا بعد موت أبوكي. متبقيش جاحدة كده. زفرت جيلان بضيق ثم أمسكت الحجاب ولفته بطريقتها المعتادة، حيث أنها بينت خصلات من شعرها عسلي اللون. نظرت إلى والدتها بعينيها العسلية المتسعة وابتسمت وهي تقول: -هاتي يا ستي أجيب لك عيش. يالا سلام.

ثم ارتدت حذائها ذو الكعب المرتفع وخرجت. كانت حقاً متأنقة بعباءة سوداء أنيقة وحجاب ينسل من تحته خصلات شعرها. ملمع الشفاه كان يلائم جداً بشرتها البيضاء. -جيلان! جمدها صوته مكانه. ابتلعت ريقها وهي تنظر وتجد أمجد أمامها. ضمت شفتيها كي لا يرى ملمع الشفاه. كان قلبها يخفق بقوة داخل صدرها. صوته القوي عصف بها بقوة. وقفت ترتعش بقوة وازدردت ريقها بتوتر. اقترب أمجد وعينيه العسلية تنظران إليها بضيق وقال:

-إيه اللي أنتِ عاملاه في نفسك ده يا جيلان؟ إيه اللبس ده وإيه اللي حطاه على وشك ده؟ ضمت كفيها وهي تشعر بالتوتر، ولكنها تغلبت على توترها لبرهة وقالت بإندفاع: -وأنت مالك أنت؟ -روحي غيري هدومك وشيلي اللي على وشك ده يا جيلان. قالها أمجد بنبرة غاضبة، لترد بسرعة بإنفعال: -وأنت مالك؟ هو أنت ولي أمري يا شيخ أمجد؟ أنت بس ابن عمي مش أبويا ولا أخويا. -بس يا بت عيب!

أنبتها شربات والدتها بغضب، ولكن جيلان لم تتراجع. كانت النيران تندلع من عينيها البنية. هي تكره تسلطه هذا. صحيح أنه يخيفها، ولكنها لن تجعله يتحكم بها، فهو ليس والدها، خاصة وهو يعاملها بتلك الطريقة ولا يشعر بها. -عن إذنك عشان عايزة أروح أجيب عيش وأنت معطلني. وكادت بالفعل أن تتجاوزه، إلا أنه وقف بوجهه وسحب البطاقة من كفها وقال موجهاً حديثه لشربات:

-أنا اللي هجيب لك العيش يا مرات عمي. مادام مش ناوية تغيري هدومها ولا تشيلي اللي على وشها، مش هتخرج من باب البيت ده. يالا ادخلي جوه. ظلت تنظر إليه بغضب، ليزعق بها: -قلت لك ادخلي يالا! ارتعش جسدها ثم تراجعت وركضت لغرفتها وهي تبكي. نظر إلى أثرها بضيق، لتقترب منه زوجة عمه وتقول: -حقك عليا أنا يا أمجد. جيلان لسه صغيرة ومهورة، متزعلش.

-مش زعلان يا مرات عمي. جيلان زي نوران ورحيق. هي أختي برضه وواجب أوجهها، ومهما قالت هستحمل. كانت جيلان قد خرجت من غرفتها وسمعته وهو يقول هذا. احمر وجهها الأبيض من الانفعال وأرادت الخروج والصراخ به، ولكنها مسحت دموعها وركضت مجدداً لغرفتها بطفولية، ثم جلست على الفراش وهي تمسح دموعها التي تنفجر من عينيها بغضب. إذا كان يعتبرها شقيقته، فلماذا هو متسلط معها؟ كيف يقول عنها هذا؟ وكيف يتجاهل مشاعرها نحوه؟

أغمضت عينيها بتعب وهي تتسطح على الفراش، بينما تضع كفها على قلبها النابض. إنها تحبه، تحبه. منذ سنوات، منذ أن وعيت على ذلك العالم، لم يدخل قلبها غيره. ولكن بسبب تدينه، كان تعامله معها بسيطاً. كان يتجنبها بقوة، وهذا كان يزعجها. لذلك دوماً تقصد أن تستفزه وتخرجه عن طوره، تتحداه وتخبره أن لا سلطة له عليها. ترغب بيأس أن يدرك أنها تحبه، ولكن هذا لا يحدث. هو لا يراها، لا يراها أبداً.

غصت بالبكاء مرة أخرى وهي تدفن وجهها بالفراش. بعد منتصف الليل… -حتى يوم الإجازة برضه رفضت تقعد معايا فيه وطلعت مع أصحابك. هو أنا حقي فين يا جورج؟ ليه أنا مش موجودة في حساباتك كده خالص؟ قالتها بعتاب وهي تراه يلج للمنزل بعد منتصف الليل تقريباً. زفر بضيق وقال: -بشتغل طول الأسبوع، وأهو يوم أخدته إجازة. خرّبت الدنيا يعني؟ ماريانا أبوس إيديكي أنا تعبان ومش ناقص. فعلياً مش ناقص. -مش ناقص إيه؟ قول لي مش ناقص إيه؟

أعمل إيه أكتر من كده عشان أبسطك؟ عشان تشوفني؟ -متعمليش حاجة. ببساطة متعمليش أي حاجة. أنا مطلبتش منك تعملي يا ستي. خلينا كده. أنا متجوزك وعمري ما هخونك. أنتِ عارفة، ولو حابة فتشي الموبايل براحتك، راقبيني لو تحبي. -أنت ليه بتتعامل معايا كده؟ قالتها بصدمة، ليرد بملل: -بتعامل إزاي يعني؟ -كأنك بتعاقبني يا جورج. بتحاسبني. أنت بتحاسبني ليه؟ وأصلاً أنت بتحاسبني على إيه؟ بتحاسبني إني حبيتك؟ بتعاقبني يعني!

صرخت به ماريانا بعنف وقد تجمعت الدموع في عينيها السوداء. نظر إليها بجمود رغم اشتعال عينيه وقال بهسيس غاضب: -عايز أنام. مش كل يوم نفس الحوار. أنتِ مبتمليش؟ -لا مش هتنام يا جورج. قول لي دلوقتي بتعاقبني عشان حبيتك؟ عشان وافقت بيك وأنا عارفة إن في قلبك واحدة تاني؟ طيب ما أنت كمان جيت طلبتني وأنت في قلبك واحدة تانية. ليه أنا بس اللي أتعاقب؟ ليه أنت كمان متتعاقبش؟ ابتسم بحزن وقال:

-بالعكس، أنا بتعاقب أكتر منك. عشان بعيش حياة أنا مش عايزها. وكلمته تلك أصابتها بمقتل. -أنا عايزة أروح أقعد مع ماما شوية. مش عايزة أقعد معاك حالياً. ممكن؟ في مكان ما… كان يجلس على الأرض وهو يمسك صورتها وابتسامة واسعة تشمل وجهه. -بحبك يا مياس. بحبك أووي. ثم قبل الصورة ببطء وقال:

-صحيح مش هتسامحيني على اللي عملته فيكي، بس عملت كده عشان بحبك. عشان أبعد عمر عنك كان لازم أسرق جمالك. عشان أفهمك إنه مبصش على روحك الجميلة. شاف شكلك بس. عشان كده قررت آخد جمالك عشان تعرفي إن أنا اللي بحب روحك مش هو أبداً يا حبيبتي. وقريب هتكوني ليا. ليا أنا وبس يا مياس.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...