في ساحل الأمال يشتهر هذا الساحل بالطبيعة الخضراء الخلابة وأشجار الليمون والبيوت والمنازل ذات الألوان المبهجة والمشيّدة أعلى المرتفعات والمنحدرات الشاهقة. يعد هذا الساحل بمثابة عروس إيطاليا. ازداد بريق عينيها وراحت تمسح المكان بمقلتيها التي ترقص فرحًا. وكأنها لم تحزن أبدًا، أو كأنها تعيش شهر عسل لم تذقه من قبل. نعم، تعشقه وتشعر بجواره بالسعادة وتتمنى أن تقضي ما تبقى لها في أحضانه. فقد ولج إلى قلبها دون إذن أو مجهود.
أما بالنسبة لزين، فكان يفكر في الكثير وذهنه غير صافٍ بالمرة. حاول تنظيف مسدسه كي لا تنتبه لشروده. ولاحظت هي ذلك فنادته متسائلة: "انت معاك كام واحد من دا؟ وأشارت لمسدسه. رفع وجهه إليها وابتسم: "ليه عايزة واحد؟ حركت كتفيها بخفة وابتسمت: "لا، أعتقد أنك هتفكر ألف مرة قبل ما تدهولي." عقد حاجبيه بدهشة وتساءل: "ليه بقي؟ اتسعت ابتسامتها وهتفت: "أنا يوم ما مسكته كنت هموتك."
انفجر الاثنان ضحكًا على الحادث القديم. فقاطع زين الضحك ومد يده به نحوها. وزعت نظرها بينه وبين المسدس بتعجب. هدر زين بجدية: "مستعد أعلمك." ارتجفت يدها وهي تسحبه من يده. فتحرك هو بسرعة إلى خلفها واحتضنها كي يمسك يدها. وضع راحته فوق يدها وبدأ يحرك يده ببطء كي يضمن استيعابه. ارتجفت هي من اقترابه بهذا الشكل ورائحة عطره النفاذة فقدت صوابها، خاصة عندما همس في أذنيها بهدوء وثبات: "خليكي هادية، وركزي على الهدف."
أمسك يدها وحركها. الماريونيت، وضع إصبعها على الزناد ووضع إصبعه فوقه وأطلق عدة طلقات بثقة ومهارة. فأغمضت عيناها بشدة. أنزل يده عنها وأدارها إليه. جاهد كى لا يفقد توازنه أمام تلك الصغيرة التي تدفعه للجنون. وهتف مبتسمًا: "افتحي عينيكي."
فتحت عينها ببطء وأفرجت عن مقلتيها السوداء التي تسكره بلا خمر. ظل ينظر إليها وكأنما يودعها، جال بعينه في كل شبر في وجهها، وكأنما يحفر ملامحها الرائعة في مخيلته عن كثب. هي أيضًا تابعت حركة عينيه وتوقعت منه أكثر من ذلك، ولكن دائمًا هو يحبطها. وأبعدها قليلا. فتنحنحت حرجًا. بينما هتف ليزيل آثار الحرج الذي علق به: "إيه رأيك في المكان؟ أجابته بحماس: "المكان هنا حلو أوي." سعد زين بسعادتها وطفولتها وبراءتها. وهتف بإهتمام:
"عجبك؟ بسعادة: "أيوه جدًا." ابتسم قليلا، ابتسامة صافية: "عشان تعرفي بس إني متساهل مع المساعدين بتوعي." ابتسمت هي أيضًا: "أوي أوي، أنت ظابط لقطة، شهم وجدع وشجاع و... رفع حاجبيه بإستمتاع: "قطعتي ليه، كملي." احمرت وجنتاها وازدادت تواترها: "أأأ... وإنسان قوي." كان يراقب توترها بتسلية. وضع يده في جيبه وأمال جسده نحوها: "بس كده، من امتى الكسوف ده. أشحال ما أنا مربيكي على إيدي ولسانك ما بيسكتش."
كانت فرحة خفيفة كالريشة أمام ثقل زين ورصانته. لم تصمدا أبدًا أمام نظراته التي تدفعها للحديث، أو حتى تمنع عينها من التعلق بعينيه الساحرة، أو يفوتها النظر إلى ابتسامته الجذابة. فأصبحت تحت تأثيره المغناطيسي. وبدأت في فرك أصابعها بيدها. وتعالت دقات قلبها حد التوقف، وازدادت سرعة أنفاسها. وتحدثت بنبرة متوترة ومهزوزة: "بصراحة... أصل... أنا... يعني... معجبة بيك." هز كتفه بخفة، وغمز بطرف عينه لها وقال بإبتسامة واسعة:
"وأنا كمان معجب بيكي." رقص قلبها طربًا وسعادة. ورفعت نظرها إليه وابتسمت ابتسامة واسعة وعَلّقت نظرها بعينيه وقالت بسعادة: "بجد، أنت كمان معجب بي؟ تحرك من جوارها ونظر نحو الشاطئ وأخذ نفسًا عميقًا ثم زفره بقوة: "مكنتش جبتك لحد هنا." ابتسمت ابتسامة واسعة ووقفت أمامه وبسعادة بالغة هتفت: "أنا بحـــبــك." ***
لم يندهش زين ولم تطرف له عين، فهو جيد في التخمين فيما بعد الكلمات ويعرف ما الذي سينبثق به شفاها من أمامه قبل أن ينطقه. ومتوقع منها هذا. قال بنبرة واثقة: "وإيه المشكلة، أنا كمان بحبني." اتسعت عينا فرحة دهشة، من ردة فعله الغير متوقعة. لقد شجعها على الإفصاح، والآن خانها برد فعله لحد الصدمة. كورت يدها في غل ووكزته في كتفه عدة مرات. تأوه زين ورفع يده في مرح لصد لكماتها: "إيه! يا مجنونة، حد يضرب القائد بتاعه؟
ظلت توكزه دون اكتراث. فهتف عاليًا: "والله لأفصلك، بت... اهدى." اقترب منها وهي لا تتوقف وعينيها تجاهد البكاء. أمال جذعه ووضع يده أسفل قدمها ورفعها في الهواء. ظلت تركل في الهواء وتصرخ: "نزلني، نزلني." قهقه عاليا: "أنزلك، دا أنا هكدرك على مدة إيدك دي. إنتي مش عارفة مين زين؟ واتجه نحو الشاطئ ليلقيها بالمياه. ولكن تعلقها بعنقه جعله يسقط معها، فاجتاحتهم موجة عالية. جعلتها فوقه وبين أحضانه في لحظات. هامة.
علقت عينا فرحة المتألمة والحزينة بأعين زين. بينما زين حاول كبح مشاعره. في اعترافه لها. هبت فرحة واقفة وخرجت من المياه وتطاير الشر من عينيها. انهض زين في سرعة وكل شيء بداخله يريد احتضانها. لم يتردد وجذبها إليه فاصطدمت بصدره وأصبحت بين أحضانه. كادت أن تبكي أثر كسرة خاطرها الغير متوقعة. ولكنها أثرت أن تكون أمامه قوية. فدفعته بكلتا يديها بكل قوة وهدرت بضيق: "إيه، إنت فكرني إيه؟ "أختي." قالها زين دون تردد.
فغر فاها، وهربت الكلمات من رأسها. بينما استرسل هو قائلًا: "أنا ما ينفعش أتحب يا فرحة، صدقيني. أنا إنسان بلا هوية، بلا حياة، بلا مستقبل. كل يوم من بلد لبلد ومن اسم لاسم. بغير اسمي زي هدومي. معنديش بيت، معنديش استقرار. إزاي تثقي في حد أصلًا وتديله قلبك؟ بناءً على إيه اللي شايفه فيا مناسب يستاهل الحب ده؟ أولته ظهرها وسمحت لدموعها بالمرور وتحشرج صوتها وهي تهدر بألم:
"باللي عشته معاك. عشت معاك في بيتك، في سريرك وما استغلتش دا. دافعت عني وانت ما تعرفنيش وكان ممكن بسهولة تمشي وتسبني. حتى لما اتخطفط محدش كان في بالي إنه هينقذني غيرك وما خذلتنيش. حسيت وياك بالأمان والسعادة، وما كنتش عايزة غير كدا عشان أحبك."
وزين في هذه اللحظة يريد أن يحتضنها. اقترب خطوة وتراجع. هو أدرى الناس بحاله. كانت كلماتها الصادقة أثرت به بشكل غير معهود. وإن أفصحت هي عن مشاعرها، فهو يكن لها أضعاف مضاعفة مما أهدرت به. تحدث بهدوء حذر:
"فرحة، كل دا شرف مهنتي. أنا حامي مش مغتصب. إنتي زي ما قولتلك أختي." وضغط على شفتيه بقوة. "هو دا شعوري ناحيتك. ودي المعاملة اللي بين الأخ وأخته. أنا عارف إنك فهمتي غلط لأنك ما عندكيش أخوات ولاد وما عشتيش دا. وأنا ما أقبلش على أختي تلف مع واحد غريب من بلد لبلد. عشان كدا أنا هرجعك تاني." مسحت دموعها، والتفت إليه: "ترجعني؟ ضغط على شفتيه بقوة وزفر أنفاسه التي تلاحقت فجأة: "أنا اتكلمت مع ياسين واتفقت وياه إنه يرجعك لأهلك."
اهتزت مقلتاها. وتكالبت عليها الهموم وانصتت بإهتمام شديد. استرسل زين مطمئنًا: "ما تقلقيش خالص. هيقول إنك اتخطفتي، وإن ركوبك معايا في العربية كان خوف من ولاد عمك مش أكتر. وبعدين طلبتي إني أنزلك وأرجعك وأنا رفضت وخطفتك بما إني مجرم خطير ومضطرب نفسيًا. وصلولك والسلطات المصرية رجعتك تاني والحكومة هتسلمك يدًا بيد لأهلك. بكدا مافيش حد هيقدر يتعرضلك بسوء نهائيًا. وترجعي تعيشي حياتك الطبيعية."
هنا سقطت دموع فرحة ومعها قلبها. شعرت بدوار خفيف وكأنما دفعها نحو الهاوية. هاوية عميقة مظلمة مخيفة. لم تتفوه بحرف سوى أن هتفت بلا وعي: "ليه كدا؟! اغتصب زين ابتسامة صغيرة وهتف: "عشان دا اللي مفروض يحصل." نظرت إلى عينيه وقد أصبحت رؤيتها مشوشة من أثر الدموع. رمشت بعينيها كي تزيح عبراتها المختنقة وهتفت بخفوت: "لي... لي... ما حبيبتنيش؟ حاول أن يتماسك أمام دموعها وبنبرة جدية أجاب:
"كــــل واحــــد حُــــر فــى قلـــبــه يـا فــرحـه."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!