الفصل 7 | من 45 فصل

رواية اسياد الحب والحرب الفصل السابع 7 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
19
كلمة
1,701
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 16%
حجم الخط: 18

جلست في غرفتها تدعو الله بصوت حزين من فرط شدتها. ومن جلوسها بمفردها أغلب الأوقات، لا تستطيع حتى أن تفتح نافذة أو باب. ما زال الوضع في الصعيد ناريًا ومؤثرًا على كل أفراد الأسرة. وانتشر رجال العائلة بحثًا عنها في كل الأرجاء ليثأروا منها. أما عند عزام، فكان وعيده مختلفًا. وعيد مغلولًا من تلك التي تعالت عليه وفضلت عليه غيره أمام عينيه. كان يجلس بشرود في غرفته. قبل اقتحام أمه الغرفة عليه.

نادته أمه صابحة وهي تمط شفتها بأسى على حالة ابنها وعدم إدراكه. مناداته لها عددت مرات على الرغم من دنوها منه. هتفت بضيق وهي تعاود النداء مرة أخرى: _عزام، يوه، منها لله اللي كانت السبب كان زمانك عريس دلوقتي ومتهني، يا ولدي. انتبه أخيرًا لندائها وتوقف عن تحريك إصبعه على طرف ذقنه: _خير، يا مه، في حاجة ولا إيه؟ زفرت بضيق وهي تضع يدها في حجرها وهتفت بتأفف: _ما فيش يا ولدي، بس حالتك مش عاجباني! ضيق عينيه في تساؤل:

_مالها حالتي يا أمي؟ اطلعت إلى وجهه بضيق وهي تهدر بتعصب: _حالتك لا تسُر عدو ولا حبيب. وشك راح زي المونة، وعينيك ما بتغفلش، ويا أما بدور على اللي يتقصف عمرها بدري. يا أمي قاعد كده ما درينش بحد أصلًا. متعضت وجه وهو يهتف: _في يا أمي، هتكلميني كيف الابن؟ زفرت بضيق: _الابن بيتستروا، وانت اتوقف حالك باللي غار. اعتدل في جلسته وهو يزمجر: _يوووه، هتعدي عليا أومال؟ _وما أعددتش لي؟

كان زمانك متهني وزين غير الفاجرة اللي مشيت وولعت الدار حريقة. اتجوز يا ابني وفرحني بيك. شاور لي على بت مين تكون وأنا أجوزهالك. شهر إصبعه في وجهها وهو يهدر بعنف بالغ: _ما هتجوزش يا أما، ومش هيكون عروستي غير فرحة وما حدش هيشكمها غيري والله في سماه لأجبها ولو في سابع أرض... وخرج مسرعًا بغضب دفعه للبحث عنها من جديد، وتركها تلطم كفيها ببعض وهى تهتف بصوت واضح: _وقفتي حال ولدي وفضحتينا يا بت المنكوبة. *** في المساء.

دارت فرحة في المنزل لمحاولة أشغال فراغها وتخفيف وحدتها الموحشة. ولكن لا فائدة. أخيرًا قررت الاستسلام إلى النوم كي تنهي ذلك الوقت الذي لا يمر ولا تشعر بشيء. اتجهت نحو السرير العريض واندثرت تحت الغطاء تحاول إقناع نفسها بالنوم العميق. وتذكرت زين إذا وقعت تحت سيطرته الكاملة أثر بقائها معه برغبتها. لا تعرف ما القادم ولا تعلم ما هو المجهول، فهي في تلك الحالتين مجبرة لا مخيرة.

صمتت أفكارها إذ سمعت صوت انغلاق الباب. فأغمضت عينيها بقوة متصنعة النوم ومتحاشية المواجهة معه ولتحتفظ بما بقي من كرامتها أمامه. فتح زين الغرفة ووقف مباشرًا أمام السرير. تفرسها بأعين حادة وهو يخلع عنه قميصه ويلقيه جانبًا. لوى فمه، وتحرك نحوها ثم تمدد إلى طرف السرير عاري الصدر وأغمض عينيه. فتحت عينها ببطء، إذ شعرت بدفء جسده خلفها. همست في نفسها: _يا مصيبتي.. كدا كمل العار.

همت بالتحرك ببطء وحذر لتبتعد عن الغرفة بأكملها. ولكنه جذبها إليه بقوة واحتضن خصرها. جحظت عيناها. وانتفض جسدها. أثر حركته المفاجأة. وحاولت التملص بجهد ولكنه كان ممسكًا بها بقبضة حديدية. هتفت بصوت ضيق مسموع وهي توبخه: _إيه ده؟ إيه ده؟ بطل استهبال، وشيل إيدك. رفع رأسه قليلاً وفتح نصف عينه وهتف بضجر: _خير. بضيق أجابته: _وهيجي منين الخير؟ شيل إيدك عني. أغمض عينيه غير مبالٍ وأسند رأسه إلى الوسادة هاتفا بمكر:

_أنا مرتاح كده. عملت على أن تزيح يده بقوة وهي تهتف: _بس أنا مش مرتاحة. صاح عالياً: _اسكتي بقى عشان عايز أنام. هدرت بضيق وهي تصك أسنانها بغلظة: _إن شاء الله مانمت. ارفع إيدك عني بدل ما أصوت وألم عليك الدنيا. عند أذن فتح عينيه بحدة واللمعت ببريق شيطاني عجيب. وقفز بخفة فوقها. لشهقت هي برعب أثر دنوه المفاجئ منها بهذه الصورة العدوانية التي لا تبشر بالخير. _هييييه... انت اتجننت؟ ابعد عني. أمسك رأسيها وثبتهما

بمهارة وهتف بنبرة محذرة: _لحد دلوقتي أنا بعملك زي أسير حرب. ولسة ما شفتيش الوش التاني بتاعي. وأحسن لك ما تشوفهوش. ولما تحبي تطلبي مني حاجة، اطلبيها بأدب. ولعلمك قلة الأدب معايا ما بتجيب إلا قلة الأدب. اعقلي وحطي عقلك في راسك، وده لمصلحتك. ارتعشت من تحذيراته وبدأت فاقدة السيطرة على أنفاسها اللاهثة وهي تهدر بخوف بالغ: _أنا آسفة. أبوس إيدك ابعد عني بقى. ربنا يستر. حرام عليك.

ألقى نظرة أخيرة متشفية على تلك العنيدة. المتمردة. عندما تتحول إلى فأر منكمش. بخوف. وعاد إلى وضعه بهدوء. فقفزت هي من السرير وهرولت بسرعة إلى خارج الغرفة. والتقطت قميصه المسجى على طرف السرير لتستر به من عينيه الوقحة. تابعه حتى توارت عن ناظريه تمامًا. وارتسمت على شفتيه ابتسامة تسلية واضحة. *** وأشرقت الشمس.

تململت فرحة بألم أثر تكورها على نفسها على تلك الأريكة الخارجية الضيقة. قاومت رغبتها الشديدة في النوم ونهضت بتكاسل. إذ من المناسب لها أن تنتبه جيدًا إلى ذلك الذئب التي تقبع في عرينه. عدلت من قميصها لتهندم تبعثره وتحركت ببطء حذر لتتأكد من وجوده أو عدمه. كانت غرفته مفتوحة كما تركتها أمس. غائط في سبات عميق. هرولت على أطراف أصابعها وهي تمر من أمام الغرفة لتستخدم المرحاض قبل استيقاظه.

أنهت حمامها بهدوء وعادت لتخرج. ولكنها اصطدمت بوجه عابس يحك رأسه ويتحرك نحو المرحاض بنصف وعي. تحركت سريعًا من وجهه دون تعقيب. هتفت في نفسها: _حتى وهو لسه صاحي غتت. خرج بعد قليل. وبدأ في تجهيز الإفطار في المطبخ المطل على الصالة على الطريقة الأمريكية. تحركت ببطء لتشاهد ما يفعله وهو يوليها ظهره. وفجأة هتف دون أن يلتفت بصوت عالٍ وكأنه يعلم بأن نظراتها تتابعه. _تعالي تعالي حضري الأطباق.

انتفضت فرحة ووضعت يدها على صدرها لتتمالك فزعها وراحت تردد بهمس: _بسم الله الرحمن الرحيم. كان ما زال في وضعه ولم يتحرك. وكان صوت البوتاجاز عاليًا. وبكل الأحوال لا يستطيع سماع همسها. إلا أنه لوى فمه وابتسم وهتف مجددًا. _إيه اتخضيتِ؟ ارتعبت فرحة من التقاط سكناتها دون التفات. تحركت نحوه بأقدام مرتعشة وهتفت بذهول: _هو أنت مركب عين تالتة في راسك؟ أجاب بجدية تامة: _آه وخافي مني. همست في نفسها وهي تفتح الدولاب لتخرج الأطباق:

_ومين قال إني ما بخافش؟ التفت هو وأفرغ المحتوى في الأطباق بآلية. التفتت هي لتغسل الأواني التي خلفها من طهيه. _سيبيهم وتعالى كلي، قالها بصوت أجش. أجابته بإيجاز وكأنما تتحاشى الحديث إليه: _بعد ما تخلص هاكل. عاد بجدية يهتف: _قولتلك تعالي. تلعثمت وهي تكمل ما في يدها على ألا تجالسه أو حتى تقترب منه: _أصل.. تلعثمت تضخيم صوته إثارة فزعها: _قولت إيه؟ أنا مش كل شوية هعيد اللي هقوله.

ابتلعت ريقها بقلق وتحركت نحو الطاولة الصغيرة التي تتسع إلى فردين في جانب المطبخ. تناول طعامه بسرعة قياسية ونهض بخفة باتجاه المطبخ مرة أخرى. بينما تركها هي تكمل الطعام بتوجس من أي حركة تصدر منه. هتف بصوت جاف: _تشربي شاي؟ أجابته بإيجاز: _لا. عاد النداء مجددًا وهو يسأل: _طيب تشربي نسكافيه؟ حركت عينيها بقلق أثر تكرار أسئلة لا داعي لها: _لا شكرًا. لوى فمه وهو يفرغ الماء الساخن: _وماله. أعملك ما خدام حضرتك.

كان يتعمد استفزازها ونجح. هتفت بضيق: _الله ماقولت مش عايزة. هتف بهدوء وهو يضع الكاتل: _ابتدينا النرفزة. تشنجت قسماتها بضيق: _أنت مستفز أساسًا. استمر في هدوئه: _ورجعنا لقلة الأدب. اتسعت عيناها بحذر وأثارت الصمت. استدار لها وارتشف رشفة من الماء الذي بيده: _قولتلك قبل كده قلة الأدب ما بتجيبش غير قلة الأدب، صح ولا لأ؟ ابتلعت ريقها بتوتر وتذكرت. سيطرته عليها أمس. استشف هو حمرة وجهها برغم أنها مولية ظهرها. فابتسم.

وهتف بجدية تامة وبصوت أجش: _اقلعي. انتفضت من مكانها أثر كلمته المرعبة واحتضنت قميصه الذي يسترها. برعب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...