فى غرفة عزام قذفها دون رحمة نحو الفراش وبدأ فى لطمها بقسوة وهو يهدر: -بجي مش عايزاني، يبجي هربتي مش اتخطفتي. انتي كدابة، بس كيف البوليس يجيبك؟ جاوبي. جولى مين اللي هربتي معاه. دا كان صوت نحيبها المذبوح. بدأ بالانخفاض، وما عادت تريد شيئًا سوى أن تموت الآن وحسب. أمسك خصلات شعرها الهائجة وأوقفه إلى جانبه وهتف بغل:
-لم أعرف لما نما باتجاهها بهذا القدر. أني دلوقت هعرف انتي بت بنوت ولا ما بتش، وساعتها هقطع من لحمك نسايل وأرميه للكلاب. سعت عينها وضاقت عليها الأرض. إذا ظنت أنه لا مفر، فستصبح زوجته الآن على الورق وبالإثبات. وضاعت كل السبل في الخلاص من هذا الكابوس. حتى زين لم يعد يخلصها من يده، وسينتهي أمر وفائها البائس الآن. أنكاد قلبها المتمزق أن يقف، وانعدم الأكسجين حولها، وخانها صوتها الضعيف في الصراخ. تمتمت بخفوت: -زين...
علا صوت محاولة لكسر الباب الموصد الذي لم يهتم بها عزام. لتمتم هي من جديد من وسط نحيبها وهي ترتعش: -زين... لم يسمعها عزام واسترسل فيما نوى، وجذب شاله الأبيض من حول عنقه وشرع في التنفيذ. كان زين يستمع إلى نشيجها من خلف الباب وهو يحترق. وود النفاذ من الحائط كي يصل إليها ويهدئ من روعها. فصغيرته وحبيبته في محنة يفرق بينهما باب.
عاد ليكرر بعنف صدماته المتوالية بكتفه. لم يصمد الباب كثيراً أمام ذلك الثائر المجنون وانفتح الباب على مصراعيه ليجد ذلك الحيوان الهمجي يشرع في تثبيتها. لم يتحمل زين رؤيتها هكذا. وبرغم محاولة تهدئة نفسه طوال الطريق حتى يحصل على ما يريد دون أي تعند، إلا أنه أمام ألم معشوقته توحش وفقد أي تعقل. زأر زين عالياً: -انت بتعمل إيه يا حيوان انت!
التفت عزام ليرى من جرأ وتقدم من غرفته بهذا الشكل. ولكن تحجرت عيناه في مقلتيه وهو يرى ذلك المجهول الذي يبحث عنه ينتصب أمامه. وبرغم أنه لم يدرك ملامحه من كثرة الندوب التي في وجهه والتي تبدو حديثة العهد، إلا أنه لن ينسى ذلك الذي اختطف عروسه أمام عينيه. قفزت فرحة أثر سماع صوته الذي تحفظه جيداً، ووقفت لا تميز إذا كان حقيقة أم خيال. من لحظات كانت تناديه في نفسها. هل يعقل استجابته السريعة لندائها؟
هل يعقل أن إنقاذها أكثر من مرة على يد لا يكون حبات؟ تشابكت أعينهم البعض. وإن كانت أعين فرحة الباكية لا ترى بوضوح، بينما زين لمعت عيناه ببريق من الدموع أثر رؤيتها في هذه الحالة. فاق عزام من شروده وبدأ بالتحديق ليكيهما وهدر بحدة: -بجي أكدة... يبجي هو دا اللي هربتي وياه... جيت لجضاك. اندفع نحوه ليتصدى زين اندفاعه نحوه بلكمة قوية في فكه أسقطته أرضاً. كانت كل ذرة في جسد فرحة ترتعش ولم تعد تحملها قدمها أكثر من ذلك.
ألقت إلى زين الذي يبتعد عنها بضعة خطوات نظرات لائمه بدموع تحمل في طياتها العتاب. وسقطت أرضاً في غيبوبة. هرول إليها زين في سرعة محاولاً التقاط جسدها الملقى على الأرض. نظر إلى وجهها الذابل وعينيها التي كانت معه باسمة الآن يغشاها الإرهاق والشعيرات الزرقاء من فرط البكاء. كما لاحظ خفة وزنها عن ذي قبل ليتضح له حجم المعاناة التي عانتها في فراقه.
مد أصابعه المرتعشة ليزيح خصلاتها الهاربة عن وجهها وهو يقاوم فكرة دسها بين ضلوعه والهروب بها الآن من النافذة. وكز على أسنانه بضيق وهو يفكر، فماذا لو كان تأخر أكثر من ذلك؟ أين كان وجدها؟ حتماً من المؤكد أنها كانت ستفيض روحها البريئة إلى بارئها بعد تلك المواقعة العنيفة التي كان عزام ينفذها. لم يدرك أي شيء إلا عدداً من فوهات البنادق مصوبة إلى رأسه.
رفع رأسه إلى أعلى ليتطلع بوجوه حادة وغاضبة وتركها من بين يديه بصعوبة ورفق كأنها قطعة من الزجاج يخشى أن تنكسر. ورفع يده في استسلام. ونهض في خفة ووقف بصمود لا يحرك ساكناً. فقط يقلب مقلتيه ليدرس الوضع. ليرى تلك المرأة التي تندفع نحو الغرفة بجنون وتنتحب بهستريا والتي تحمل ملامح كثيرة من فرحة. مسكت زينت ابنتها المسجية على الأرض وصارت تحركها بقلق وتهتف ببكاء:
-بتي بتي، عمل فيكي إيه يا بتي. قومي يا عين أمك. الحقوني وشوفولي دكتورة. هدر أمين بضيق: -استني يا ولية لما نشوف حوصل إيه كمان لولدنا. اقتحمت صابحة وهنية الغرفة لتصرخ صابحة عالياً: -ولد! نزل زين رافعاً يده إلى أعلى. ومن ورائه وهدان وأمين وعثمان وإبراهيم. وبدأ الحوار الغاضب من كل من حوله. وهدان: -مين انت؟ وداخل تتهجم على حرمة البيوت قصاد عينا. أمين: -انت حرامي ولا مجذوب ولا مستغني عن عمرك. إبراهيم: -سحنته مش غريبة عليا.
عثمان: -ولا أنا. إبراهيم: -يكونش هو. نظر كلا من أمين وهدان بعضهم للبعض في تعجب. بينما هتف عثمان: -أيوه هوه. هدر أمين بتعصب: -الله هو إيه أصله ده؟ ما تفهمونا إيه القصة والجدع ده يبقى مين؟ -نقيب زين الدين الحسيني، ضابط في المخابرات المصرية. كان ذلك الصوت القادم من بوابة المنزل الداخلية المفتوحة دائماً على مصراعيها ترحب بالزوار. كان صوت صديقه ياسين الذي علق بصره على صديقه بابتسامة.
نزل زين يده إلى جانبه وعلا وجه الابتسام وهو يتذكر. في الطائرة بدأ زين في الإسعافات الأولية لوجهه وبدل ملابسه الملخبطة بالدماء إلى تي شيرت أسود وبنطال كافيه. كما أنه صفف شعره بعناية. ثم أمسك اللاسلكي وهو يهتف إلى صديقه ياسين: -أيوه يا ياسين. عايزك تحصلني على الصعيد. أجابه ياسين بتحير: -يا ابني انت تعرف العنوان منين؟ هتف زين غير مبالياً:
-مالكش دعوة. المهم دلوقتي عندي إني مش هطلع من الصعيد غير بفرحة. واعمل استعداداتك على كده. حتى لو اضطريت أقلبها حرب هناك. أجابه ياسين متعجباً وساخراً: -اهاااا، دانت مش عايزني لوحدي بقى؟ دا انت عايزني أجيب قوة بقى ونقتحم المكان عشان ست فرحة. لم يهتم زين لمزاحه وهتف بجدية: -ياسين، قلت مش هطلع إلا بفرحة. يعني مش هطلع إلا بيها. عودة هتف زين وهو يتقدم إلى إحدى الكراسي بثقة غير مهتم بحجم الصدمة والدهشة التي علت وجوههم:
-هاااا، نتكلم بالعقل بقى. في منزل القناوي كانت الجلسة الحارة منعقدة منذ مدة. إلى جانب أن إقناع أعمام فرحة بالأمر ليس بالأمر السهل. هدر عثمان بضيق متحير: -مش دا المجرم المختل اللي بتجولوا عليها. استكمل كلامه إبراهيم بنفس اللهجة: -أيوه، كيف يعني رجع وبقى ظابط مهم في المخابرات؟ انتوا عتستغفلونا ولا إيه؟ استرسل وهدان من نقطة وقوفه: -واحنا إيه يثبتلنا من أصله إنكم زي ما بجولوا ظباط؟ أكمل أمين بغضب:
-وسيبكوا من أكده، إيه دخل بتنا في الموضوع؟ كان زين وياسين يجلسان ويستمعان إلى كل الأسئلة بمزيد من الاهتمام حتى تكون كل إجابتهم دقيقة. نظر ياسين إلى صديقه وهتف بثقة كبيرة: -حتة ظباط ولا لا، دي نقدر نثبتها بسهولة. وأكمل زين وهو يشبك أصابعه ببعض وتحدث بنبرة هادئة:
-بخصوص فرحة، أنا كنت في مهمة سرية معدي من الطريق الصحراوي ولاقيت تلات رجالة شايلين واحدة زي الشوال وبتصرخ. فكرت إنهم هيغتصبوها، فاتحركت بدافع شغلي. ولما ركبت معايا العربية، اتشاخت ويايا، فخبأتها عندي لفترة لحد ما العين ما تتشال من عليها عشان ما تتأذيش. التفت بوجهه إلى عثمان وحدق في عينيه حتى يتأكد من أنه صدقه تماماً وهتف:
-وطبعاً كان لازم لما ترجع يقولوا عليا مختل وما يقولوش إني ضابط، لأنني زي ما قلتلكم كنت في مهمة سرية، يعني ما ينفعش هويتي تنكشف. -هااا، وبعدين إيه المطلوب دلوقتي يا سيادتك؟ قالها أمين بتهكم شديد. وأضاف وهدان متسائلاً: -وجاي دلوقتي ليه، اجتحمت (اقتحمت) بتنا وضربت والدي ليه؟ نظر ياسين إلى صديقه بتحير فحرك زين رأسه إليه مطمئناً. والتفت إليهم ليجيب:
-في عصابة كبيرة بطاردها ولازم تبقى موجودة دايماً تحت عينينا. وده لمصلحتها، لأنهم مصرين يجيبوها وشبه عرفوا مكانها. اتخذت الدهشة مكانها في وجوههم وتصنموا تماماً مما سمعوا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!