الفصل 32 | من 32 فصل

رواية أسيرة عشقه الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم شهد السيد

المشاهدات
20
كلمة
5,443
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

تركت الملعقة من يدها وأمسكت كوب القهوة ترتشف منه ببطء. خرجت تجلس بالحديقة تعبث بهاتفها، شعرت بأحد خلفها. التفتت لتري ياسر ومعه أفراد من الشرطة ومعهم رؤوف زوجها السابق. وقع قلبها أرضًا ونهضت بتماسك تتقدم منهم، ليهتف الضابط برسمية: صباح الخير، حضرتك مدام ريناد محمد إكرامي. أومأت بخفة قائلة بتساؤل: صباح النور، أيوه أنا ريناد، في حاجة؟ مد الضابط يده بظرف أبيض قائلاً:

أستاذ رؤوف زوج حضرتك السابق رفع قضية لحضانة الطفل وكسبها، وإحنا جايين ننفذ حكم المحكمة. دبّ قلبها بخوف تهتف بغضب وصوت متحشرج على وشك البكاء: انتَ بتقول إيه مش صح! أنا أم الطفل وحاضنة ومعايا حكم من سنتين بده. التفتت عندما استمعت لصوته يتساءل، تمسكت بذراعه قائلة بخوف: عاوزين ياخدوا علي، يا حسن قولهم إن معايا حكم بحضانته، استحالة أخلي رؤوف ياخده.

ربت على يدها ينظر لها علها تهدأ وتطمئن، أبعدها لتقف خلفه ووقف هو أمامها بعدما صافح الضابط وأخبره الضابط بما أخبر ريناد به. أمسك حسن الورقة يقرأ ما بها ليغلقها قائلاً بهدوء: طيب، ثواني. أبتعد عنهم وهي خلفه، أخرج هاتفه يتصل بصديق له رائد شرطة. رد عليه وبعد التحية وبعدما أخبره حسن بالأمر، ليهتف صديقه بجدية: حسن، ده حكم محكمة يعني موضوع وانتهى، بس فيه حل تاني. رد حسن بلهفة وقلق من أن يأخذ هذا الحقير علي: إيه هو؟

رد صديقه قائلاً بهدوء: أبوه يتنازل عن الحضانة لأمه نهائي. أومأ حسن بتفهم قائلاً: تمام، معلش أزعجتك. رد الآخر بضيق: مش هرد عليك، اديني الظابط اللي جاي ينفذ الحكم. أعطى حسن الهاتف لضابط تنفيذ الحكم، دقائق وأعطاه هاتفه ليجد صديقه يهتف بهدوء: هما هيمشوا دلوقتي، وانتَ ساعتين بالظبط تكون واخد الطفل ورايح القسم، الحكم هيتنفذ هناك وتحاول تسرع في إنك تخلي الراجل ده يتنازل. رد حسن بالإيجاب قائلاً:

تمام، إن شاء الله مش هيبات يوم واحد معاه. هتف الآخر بتساؤل فضولي: قولي بصراحة، انتَ بتحب الطفل بجد ولا بتعمل كده عشان مراتك؟ رد حسن بصدق شديد: بعمل كده عشان هو ابني وبحبه. ابتسم صديقه قائلاً: ربنا يخليهولك. أغلق الهاتف ونظر نحو رؤوف الذي بدا عليه الغضب وهو يتحدث مع الضابط، ليهتف الضابط بضجر: ما توطي صوتك، قرفتني من صباحية ربنا اللي عندي، قولته تاخد ابنك كمان ساعتين من القسم. وغادر وخلفه باقي الأفراد، ليهتف رؤوف بغيظ:

بتلعب بسلطتك ومعارفك يعني. أومأ حسن باستفزاز قائلاً: آه، وعلي مش هيقعد معاك أربعة وعشرين ساعة على بعض، يلا بقى بره. أومأ رؤوف وهو على وشك الانفجار وغادر. التفت حسن للبركان الواقف التي بكت قائلة برفض: محدش هياخد ابني، محدش هياخده، سامع. احتضنها ولم يعقب على حديثها، تنهد بتعب منها، حياتهم كارثية، أما شجار أو كارثة. ***

شاهدت ما يحدث من الشرفة، لتجلس على أقرب مقعد تضع يدها على رأسها، ليس لديها طاقة لأي شيء بالحياة حتى للحديث. نهضت تدخل غرفة تبديل الملابس، دقائق وخرجت مرتدية ملابس سوداء طويلة، رتبت خصلاتها في جديلة رقيقة، توجهت نحو الباب وأمسكت بمقبض الباب لتتركه مجدداً، تريد حياة جديدة وبداية جديدة، خصوصًا بعدما أخبرها حسن بأنه سافر لفرنسا لقضاء عمل هام وليس بعدًا عنها.

بحثت عن هاتفها لتجده، فتحت أحد مواقع التواصل الاجتماعي، تبعث له رسالة تخبره بأنها ستذهب لزيارة والدها. وجلست بأنتظار رده، وهو يتابعها من خلال الكاميرا بضيق شديد، أين ستذهب دون علمه. صدح هاتفه، ألقى نظرة عليه بلامبالاة وعاد ينظر نحوها، ليتوقف لثواني، كانت تراسله هو، تريد الإذن بالخروج. لمعت عيناه برضاء ليرد عليها بالموافقة باختصار وأغلق. هاتف ياسر يخبره بأن يجهز السيارة ليوصلها.

غادرت الغرفة، ليغلق الحاسوب وينهض يخرج من الغرفة بعدما التقط سترته. صعد لسيارته وخلفه حرس، يتوجه نحو مكان أحد اجتماعات العمل وعقله معها شارد بها، سعيد ببداية تغيرها. *** أوشكت الشمس على الغروب وهي جالسة تبكي وتتحدث معه، هو الوحيد الموجود من يستمع لها دائماً، من تشعر به يستقبلها برحابة صدر. استمعت لصوت حمحمة ياسر خلفها، لتمسح دموعها، تلتفت له قائلة بصوت مبحوح: نعم، في حاجة؟ اخفض بصره قائلاً بهدوء:

الليل جاء يا مدام، ومينفعش نفضل أكتر من كده. أومأت قائلة بهدوء: حاضر، جايه. توجه للخارج، لتنهض تمسح دموعها قائلة: انتَ وحشتني، بس هتغير، أوعدك يا بابا هتغير، أنا يمكن بتعامل كطفلة لأنه ممكن يستحمل ده زيك، بس انتَ مفيش حد زيك، هتغير وهوريله إني مش عيلة يزعق فيها ويمشي وكأن عمره ما غلط، سلام يا حبيبي. خرجت تصعد للسيارة بالخلف، وجدت هاتفها يصدح برقم غير مسجل، تجاهلت الهاتف، ليس لديها طاقة للحديث مع أحد.

أُعيد الاتصال كثيراً، لتجيب ولم تتحدث، استمعت لصوت فتاة تهتف باسمها، ردت بهدوء وهي مغمضة عيناها: آه، أنا شذي هشام، مين حضرتك؟ ردت الفتاة بهدوء قائلة: أنا عائشة كامل، منظمة حفلات حمزة بيه، كلمني من فترة عشان تجهيزات حفلة جوازكم وبلغني أن حضرتك اللي هتشرفي وتختاري كل شيء، ووكلني أبلغ حضرتك نبدأ ف أسرع وقت لأن الحفلة كمان أسبوعين ومش هنلحق نخلص لو اتأخرنا أكتر من كده.

ذهول حل على عقلها، زفافها متبقي عليه أسبوعين فقط وهي لا تعلم، ابتسمت بمرارة، حتى حفل زواجهم لن يحضر تجهيزاته، لن يشاركها أي شيء، لا بأس، هي لا تحتاجه، هي قوية الآن كما تعتقد. أجابت شذي بجدية: تمام، ممكن نبدأ من النهارده. ردت عائشة بالإيجاب قائلة: تمام، ساعة إن شاء الله وأقابل حضرتك في كافيه ****. انهت المكالمة ورمت الهاتف بجانبها قائلة بهدوء: لو سمحت وديني ****. أومأ ياسر بالإيجاب وعكس اتجاه السيارة.

دقائق ووصلت، دخلوا المول التجاري وصعدوا للطابق المنشود. دخلت شذي وجلست على طاولة وحدها، وياسر على طاولة أخرى وانشغل بهاتفه. وضع العامل الكوفي الساخن أمامها، وهي شارده، أمسكت الورقة والقلم الموضوعين على الطاولة لكتابة أي مشاكل حدثت بالكافيه، وأخذت تعبث بهم، خطوط متشابكة وأخرى منعكسة ودوائر وأشياء غير مفهومة. لكنها ساعدتها بإيجاد حل نهائي وطريق ستسير عليه.

عرفت ماذا ستفعل، أول شيء تتغير، تريد شيئًا جديدًا لا تعلمه، وتريد التقليل من تصديق الإشاعات وأي حديث يقال لها، لن تفتعل المشاكل دون الفهم، ستبدو مع الجميع ناضجة، إلا معه، بالمناسبة، اشتقت له. ابتسمت وهي تتنهد، تعتدل بجلستها، بلهاء كما هي، تشتاق له رغم كل شيء. وجدت الباب يفتح وتدلف فتاة، نظرت بتلقائية لتجد حورية من الجنة وليست فتاة.

فتاة متوسطة القامة ترتدي ثوبًا واسعًا أنيقًا ذا أكمام وحجاب أبيض كنور وجهها الذي أدخل البهجة على قلب شذي. أمسكت الفتاة هاتفها تفتحه، ثوانٍ وصدح هاتف شذي لتبتسم الفتاة التي لم تكن سوى عائشة، وتقدمت تلقي السلام وجلست. ابتسمت عائشة قائلة بعفوية وبعض الحرج: بسم الله ما شاء الله، حضرتك زي القمر. عقدت شذي يدها على الطاولة تنظر لها باهتمام وإعجاب شديد: لأ، على فكرة انتِ حلوة جدًا، يمكن أحلى مني كمان. ضحكت عائشة

قائلة بابتسامة بشوشة: تسلمي من ذوقك. فتحت حقيبتها تخرج بعض الدفاتر وقدمت مقعدها من مقعد شذي، وبدأوا باختيار الزينة المناسبة، وبعض الأحيان يمرحان كأنهم أصدقاء من زمن وليس من ساعتين. بينما على الطاولة الأخرى، ترك ياسر العاشق الولهان يشاهدهم عبر المكالمة المرئية واحتسى قهوته. ساعتان مرتا ولم يشعر بهم أحد، أنهوا الاختيار وجلسوا يتحدثون بمواضيع كثيرة، والتشابه الفكري بينهم كبير للغاية، مع توضيح بسيط، عائشة أنضج.

حمحمت شذي قائلة بحرج: ممكن أطلب منك حاجة بما إننا بقينا أصحاب وكده. ردت عائشة بتأكيد قائلة: أكيد، قولي من غير مقدمات، ربنا يعلم أنا حبيتك جدًا ودخلتي قلبي. *** أصبحت الساعة الثامنة مساءً ولم يأتي حسن وريناد وعلي ورؤوف على وشك الانفجار. نهض ينوي التوجه للضابط المسؤول، ليجدهم يقتربون، حسن يمسك بيد علي وريناد بجانبه تشبك يدها بذراعه. لينفجر بوجههم قائلاً بصياح: وجاي بدري ليه؟ ما تستنى كمان خمس ساعات.

لم ينظر حسن نحوه وتقدم من الشرطي قائلاً ببرود: أنا حر. وبحركة مباغتة ضرب رؤوف حسن بكتفه بقوة، ليرتد حسن للخلف، ليهتف رؤوف بتشفٍ: حر دي عند أمك مش معايا. تراقصت الشياطين أمام أعين حسن، لينقض على رؤوف بالضرب المبرح والسباب اللاذع. أمسكت ريناد علي تبعده للخلف بخوف وهي تشاهد حسن بتراقب. تجمعت أفراد الشرطة ليحملوا حسن بعيدًا عن رؤوف الذي تدمر وجهه كليًا، وحسن لم يكتفِ مجرد ذكر والدته، أشعل بداخله بركان غضب.

دقائق وأتى الضابط المسؤول عن تنفيذ الحكم، واستلم رؤوف بهدوء تام، عكس ما توقع رؤوف، توقع أن يبكي، يصرخ، ويرفض. خرج رؤوف ممسك بيد علي ويشاهد حسن وريناد الذي صعدوا لسيارتهم بكل هدوء. ليبتسم بتهكم ينظر لعلي قائلاً: شايف أمك وجوزها باعوك، ملكش غيري. حمله يضعه بالسيارة من الخلف وانطلق نحو منزله. نزل يصعد وعلي خلفه، أغلق الباب بحدة قائلاً: اترزع هنا لحد ما أشوف حاجة لوشي وأجيلك.

لم يبالي له علي، بل تفحص بعينيه المنزل الذي يشبه مكب النُفيات، ثياب هنا وهناك، زجاجات فارغة منتشرة على الأرض. جلس علي مقعد بعيد بملل، دقائق ودق الباب، نزل من على المقعد يفتح الباب ليظهر حسن وخلفه فريد ورجلين آخرين، احتضنه علي بشدة وبادله حسن قائلاً بابتسامة: وحشتني يا بطل، انزل هتلاقي ماما في العربية تحت. أومأ علي وترجل للأسفل، دلفوا للمنزل مغلقين الباب خلفهم، ليخرج رؤوف من المرحاض ممسك بلصق طبي بيده، وهناك على وجهه،

ليتحدث بعصبية فور رؤيته: إيه، معجبكش ضرب القسم جاي تكمل هنا؟ على فكرة أنا ممكن أوديك في ستين داهية.. اوعى، سبني. صاح باعتراض عندما أمسك به الرجلان يضعوه على المقعد عنوة. جذب حسن مقعد وجلس عليه بالعكس قائلاً بتهكم وسخرية: كفاية عليك ضرب القسم، مبحبش آجي على نسوان. حاول رؤوف النهوض بغضب يهتف: دي أمك... وقبل أن يكمل جملته، نهض حسن بغضب جم وعروق بارزة من كثرة غضبه، يصيح بصوت مجلجل: تجيب سيرة أمي تاني هقطعلك لسانك، سامع.

سكنت حركة رؤوف وظل ينظر لحسن بحقد وغل وغضب. ربت فريد على كتف حسن قائلاً لرؤوف: البيه جاي يعرض عليك عرض مقابل إنك ترجع ابنه تاني. صاح رؤوف برفض شديد قائلاً: مش عاوز عروض، وعلي ابني أنا، مش ابنه هو، حي الله جوز أمه، وأنا هرفع عليك قضية، انتَ جيت خطفت ابني بعد ما بقى في حضانتي. زفر حسن بضجر وهو يجلس قائلاً: ولاا انتَ حافظ كلمتين وفرحان بيهم وهتقعد تقولي حضانتي ومدرستي. قاطعه فريد قائلاً بثقة:

اتنين مليون وتمضي على تنازل بحضانة علي. استوعب رؤوف المبلغ لدقائق، وابتلع لعابه وقد تراقص الجشع والطمع بعينيه، قائلاً بتوتر ورفض بجشع ليزداد المبلغ: لأ، بقولك ابني، أبيعه عشان الفلوس؟ لا يمكن. تنهد فريد بملل قائلاً: تلاتة مليون. توتر رؤوف أكثر، يرفض مجدداً، حتى يزيد المبلغ، أو من الممكن أن يلغوا العرض من الأساس، هو لا يهمه علي، هو يهمه أن يحرق قلب ريناد. هتف بارتباك: ل.ا، لا. نهض حسن قائلاً بنفاذ صبر:

خمسة مليون ومش هزود جنيه، مش عاجبك، اثبت إني أخدت علي. نظر له رؤوف سريعاً يهتف بلهفة وطمع: لأ، لأ، موافق، هتنازل. خمس دقائق وكان حسن يمسك بالورقة ويعطيها لفريد ليغادر فريد والرجلين، ليهتف حسن بتساؤل: عاوز الفلوس كاش ولا شيك؟ هز رؤوف رأسه بالنفي قائلاً: لأ، كاش، ودلوقتي. ابتسم حسن ابتسامة ذئب مفترس على وشك الانقضاض على فريسته: عنيا. وبظرف ربع ساعة، نهض حسن من فوقه بعدما لقنه درس لن ينساه لبقية حياته.

دلف للمرحاض، دقائق وخرج بدلو به مياه ليسكبها فوق رؤوف الفاقد للوعي، ليستفيق الآخر ويسعل بشدة، ليتركه حسن ويغادر بعدما بصق عليه باشمئزاز قائلاً: وسخ وحقير. *** جلس بغرفته بضيق، ماذا تفعل كل هذا الوقت بداخل صالون التجميل؟ والعجيب، عائشة تخرج وتدخل ومعها حقائب. تابع ما يحدث بنفاذ صبر، ليجد الفيديو أغلق فجأة، أعاد الاتصال، لا استجابة، لابد من أن هاتف ياسر نفذت بطاريته.

أخرج بعض الأوراق والحاسوب يحاول إشغال نفسه بالعمل، ولكن عقله متمرد أحمق. *** دارت به وهي تحتضنه بسعادة شديدة، وحسن ولبنى يتابعونها بابتسامة. نزل علي من أحضان والدته قائلاً: هي فين شذي؟ تنهدت لبنى قائلة: نزلت من العصر ولسه مرجعتش، برن عليها مش بترد. لتهتف ريناد ببساطة: طالما مع حمزة يبقى مش هترد عليكي. رد حسن قائلاً باستغراب: حمزة في فرنسا مش هنا، سافر من امبارح عشان فيه شغل ضروري، طب جربي رني تاني.

حاول الجميع الاتصال بها، لا إجابة، دق الباب لتنهض ريناد تفتحه، دقائق وصرخت بشدة وهي تحتضن أحد وتقفز. أقترب الجميع لتتضح الرؤية، آية بالجمال ظهرت أمامهم. شهقت لبنى وهي تبتسم واحتضنتها بقوة. ابتسم حسن قائلاً بأخوية: بسم الله ما شاء الله، الحجاب حلو عليكي جدًا، مخلي وشك منور. بينما شذي تنفست بعمق كأنها ولدت من جديد، تشعر بالهواء يدخل رئتيها براحة، صدح هاتف حسن ليخرجه من جيب بنطاله ونظر نحو شذي قائلاً: حمزة.

شعرت برجفة تسري بجسدها، تريد أن ترى ردة فعله. أجاب حسن على الهاتف ليظهر الاستغراب على وجهه قائلاً: معرفش، هي لسه جايه دلوقتي، تمام، سلام. أغلق قائلاً: حمزة بيقولك ردي على تليفونك. أومأت واستأذنت صاعدة للأعلى. أغلقت الباب تقفز بسعادة وحماس، وقفت أمام المرآة تدور حول نفسها بسعادة شديدة كطفل فرح بثياب العيد أو لعبة جديدة.

طالعت نفسها بداية من الثوب الطويل من درجة الأصفر الغامق وحجابها البنفسجي الذي جعلها آية بالجمال، وجهها أصبح منير بحق. ركضت نحو حقيبتها تفتحها بلهفة شديدة، أخرجت هاتفها تفتحه بعدما كان مغلقاً لتجد ما يقارب الستين مكالمة من رقم غير مسجل، عرفت على الفور أنه حمزة. جلست على الفراش مبتسمة تنتظر أن يتصل. بينما هو لم يتحرك من صدمته، متى وأين وكيف ارتدته؟

مظهرها به جعل صدمته تفوق جميع أسئلته، من المفترض أن الحجاب يخفي جمال المرأة، لاكنه زاد جمالها. كم تمنى أن ترتديه، ولاكن ترك لها هذه الخطوة حتى ترتديه على إرادة واقتناع. ابتسم وهو يطالع حماسها بانتظار مكالمته، ظل يتابعها بابتسامة عاشقة، وعشقه يزداد يومًا بعد يوم. بالغرفة. نظرت للهاتف بخيبة أمل لتجده يصدح، ولاكن ليس حمزة، كانت عائشة. ابتسمت وهي تجيب بسعادة.

عقد حمزة حاجبيه بضيق من تحدث بكل هذه السعادة والابتسامة، أمسك هاتفه يتصل بها وهو يتابعها عبر الشاشة. وجدت مكالمة معلقة لتهتف بلهفة: عائشة، هكلمك كمان شوية، حمزة بيرن. أغلقت سريعاً تجيب عليه، تحمحم تحاول التحدث بهدوء وإظهار الحزن بصوتها، لاكن لهفتها تغلبت. هتف بجمود وضيق وهو ينظر لتعابير وجهها من الشاشة: كنتي بتكلمي مين؟ تسارعت دقات قلبها عندما استمعت لصوته، افتقدته بشدة، ردت بهدوء وهي تبتسم باتساع شديد:

دي عائشة بتاعت ديكور الحفلة. أصدر همهمة متفهمة وتابع حديثه بنفس الضيق: وتليفونك كان مقفول ليه؟ واتأخرتي كل ده في المول ليه؟ ضمت شفتيها بقوة تمنع ابتسامتها قائلة: كان فاصل شحن وكنت بشتري حاجات. همهم وصمت قليلاً وبعدها هتف بحزم: تليفونك ميتقفلش بعد كده، وآخرك بره الساعة تمانية. ردت بطاعة وهدوء: حاضر. صمتت لبرهة لتتحدث بتلقائية: انتَ هترجع امتى؟ أرجع ظهره على المقعد ناظرها بتسلية قائلاً: لما أفضي هرجع. ظهر الندم

بصوتها عندما تحدثت قائلة: حمزة، لو زعلان مني ارجع ونتفاهم وأنا آسفة، بس ارجع. حاول إظهار جموده مجدداً قائلاً: لما أفضي، فيه شغل كتير هنا، سلام، واه، الحجاب حلو عليكي. واغلق دون سماع ردها، يضحك بعبث وهو ينظر عليها باهتمام. أنزلت الهاتف ثوانٍ واستوعبت ما قال بآخر جملة له. اتسعت عيناها وهي تدور حولها كأنه متخفي ويبحث عنها. لتحدث نفسها قائلة: هيكون مستخبي في البلكونة مثلا؟ أكيد حسن قاله.

اتسعت ابتسامتها وقفزت بفرح شديد وهي تصرخ بسعادة. *** مضت الأيام على شذي بترتيب الزفاف كما تريد، وأيضاً تتابع التعديلات التي تجرى بالقصر لأنهم سيعيشون به بعد زواجهم. ولم يتحدثوا سوى بالرسائل النصية، والتي جعلت شذي على وشك الجنون، من أين يعلم أنها بالغرفة؟ من أين يعلم أنها لم تأكل؟ أصبحت تجلس بالغرفة تلتفت حولها. تبقى يومين فقط على عودته، تجلس بالقصر الذي تغير كليًا من الأثاث الرسمي لآخر عصري ومودرن.

دارت بغرفتهم المستقبلية بسعادة، وقفت أمام الجدار التي صنعته بيدها، جدار جمع صور كثيرة لهم، ما يقارب المئتين صورة. دلت لغرفة الملابس المرتبة بأناقة، دارت بجميع الغرف بسعادة عارمة. أغلقت باب الغرفة وتوجهت للنزول، لتسمع صوت كسر شيء زجاجي. سري الرعب بقلبها، لا أحد هنا سواها، ياسر بالخارج. ابتلعت لعابها بخوف تهتف بصوت مهتز: عائشة، انتِ لسه هنا.

لا رد، أمسكت أحد القطع الثقيلة الموضوعة بخط مفتوح من الحائط ونزلت برفق وهي تنظر حولها وفوقها. انتهى الدرج، وزعت نظرها ببهو المنزل، لم تر شيئًا، أسرعت خطاها نحو باب القصر، لتصرخ بفزع شديد ورعب عندما حملها أحد من الخلف لتصبح معلقة بالهواء. أدارها لتري وجهه، لتصرخ بسعادة عندما علمت أنه حمزة، احتضنته بقوة كبيرة، بادله هو بشوق شديد. أغمضت عيناها بارتياح وسعادة تغمرها قائلة بهمس: وحشتني جدًا.

ابتسم وهو يأخذ زفير قوي قائلاً: انتِ أكثر. أبعدت رأسها ليصبح وجهها مقابل لوجهه قائلة وهي تلكمه بكتفه بقوة مصطنعة: خضتني بحسب حرامي. تأمل وجهها بابتسامة قائلاً: الحجاب حلو جدًا عليكي. احتضنته تضحك بسعادة: حاسة براحة أصلًا من بعد ما لبسته، وبقيت بصلي كمان. طبع قبلة طويلة على جبهتها قائلاً: شطورة، ربنا يبارك فيكي ويهديكي. رفعت سبابتها بوجهه قائلة بتحذير: تصلي وتلتزم في الصلاة انتَ كمان. تنهد قائلاً بمشاكسة

وهو يقرص أنفها بيده: أنا بصلي من بدري الدور، والباقي عليكي. نظرت له بشك قائلة: أمال مش بشوفك ليه بتصلي في البيت؟ حك عنقه قائلاً: بصراحة قطعت فترة بس التزمت تاني. أومأت بتفهم لتهتف بتذكر: آه، أنا عقلت. نظر لها بعدم تصديق مزيف، لتؤمي بتأكيد، ليهتف بتهكم: بالنسبة للكتكوت الأصفر اللي حطاه في الأوضة، إيه نظامه؟ رمشت ببراءة مزيفة قائلة: بتاع علي. ضحك قائلاً بعدم تصديق: الوش بريء بس الشخصية مش بريئة نهائي. ***

رمشت بعينيها مرات متتالية، لتفتحهم تنظر لنفسها بتدقيق وابتسامة تتسع تدريجياً. نهضت تقترب من المرأة تنظر لزينتها بتدقيق وابتسامة فرحة سعيدة. لتهتف منه وهي تحتضنها: زي القمر ياروحي، يلا الحقي البسي الفستان عشان مفيش وقت. أومأت تدلف لغرفة الملابس تغلق الباب خلفها، ليدق باب الغرفة، فتحت ريناد لتجد علي وقد ارتدى بدلته وقد بدا مظهره لطيف للغاية، ابتسمت تحمله تقبله بقوة قائلة: ظابط ياخواتي، زي القمر ياروحي.

خرج حسن من خلف الجدار وهو يرتدي بدلته توأم علي، يغمز بعينه قائلاً: طب وأبو القمر إيه، ملوش بوسة. خرجت تغلق باب الغرفة وهي تضحك، اقتربت منه تقبله بحب قائلة بمرح: أبو القمر قمرين، طب وأنا إيه رأيكم. دارت حول نفسها ليقبل حسن رأسها قائلاً بمشاغبة: أحلى من العروسة. كتمت ضحكها قائلة بهمس: حمزة لو سمعك هيطين عيشتك، اسكت جاي علينا. التفت حسن سريعاً يحمحم قائلاً وهو يفتح ذراعيه بدرامية قائلاً بصياح: عريس يا ناس بالحضن.

تخطاه حمزة يهتف باستفسار: شذي خلصت. لترد ريناد برفض قائلة: بتلبس الفستان وفاضل الطرحة وخلاص. أومأ ليهتف حسن بجدية مصطنعة: ينفع كده؟ متحضنيش وتخلي منظري فنلة قدام المدام. أشاح حمزه بيده بلامبالاه، صمت يحاول وصف ما يريد قائلاً بتلعثم لريناد: البتاعة اللي بتتحط فوق الطرحة الطويلة دي. أومأت ريناد بتفهم واهتمام قائلة: طرحة الفستان مالها؟ زفر براحة عندما علم مقصده قائلاً بهدوء: مش المفروض أم العروسة اللي بتلبسها الطرحة دي.

أومأت ريناد قائلة باستغراب: آه، بس عشان مامت شذي متوفية وكده، ف ماما هتلبسهالها، أو عادي بتاعت الميكب اللي هتلف الطرحة تبسهالها. رد برفض قائلاً بهدوء: لأ، أنا عاوز ألبسهالها. رفعت ريناد كتفيها باستغراب قائلة: تمام، براحتك، ثواني هشوفها خلصت ولا لسه. دلف الغرفة وبقي حسن وحمزة في الخارج. دقائق وخرج الجميع لتهتف ريناد بهدوء: خلاص، فاضل طرحة الفستان وأنا قولتلها ماما جايلك، إحنا هننزل.

أومأ ودلف للداخل مغلق الباب ونزل الجميع للأسفل. وجدها تحدث نفسها أمام المرآة، اقترب منها ليظهر انعكاسه بالمرآة. صرخت بتفاجئ وهي تبتعد سريعاً قائلة بتذمر وهي على وشك البكاء: يا حمزة، دخلت ليه كده؟ حرقت المفاجأة. لا رد، أقترب منها يديرها لتقف قبالته، تفتح عيناها رويدًا رويدًا. ابتسمت بمشاغبة قائلة: الجمال عدى الكلام، تضحكلي وتاخد كام. ضحك يديرها لتقف أمام المرآة وهو خلفها يمسك بالحجاب الطويل الشفاف قائلاً:

طب اهدي عشان معرفش البتاع دي هلبسهالك في قد إيه. استدارت تهتف بعدم تصديق: هو انتَ اللي هتلبسهالي. أدارها للمرآة قائلاً بتركيز: آه، واسكتي بقى. ظلت تنظر له بالمرآة، أشياء كثيرة بداخلها كالأمتنان والحب الشديدان. دمعت عيناها تتمنى والدها أن يكون معها ليسلمها لزوجها، ووالدتها تملي عليها النصائح بدل ريناد ولبنى. وقف أمامها يمد يده بمنديل ورقي قائلاً بمرح ليجعلها تقف عن البكاء:

أظن مش وقت عياط خالص، لو بتعيطي عشان الصور بتاعت امبارح، ف أنا عندي استعداد أتصور كمان خمسين عشان خاطرك بس متعيطيش، فين بطبوطي بتاعك ده. ضحكت وهي تترك المنديل على المرآة: عائشة ودته البيت، هسيبه هنا لمين؟ واسمه تويتي تووويتي وعصفورة. أشاح بيده بلامبالاه قائلاً: والله مش باينله كتكوت ولا عصفورة. غمز بعينه قائلاً بمشاكسة وعبث: بس إيه الحلاوة دي؟ ماتجيبي بوسة. تصنعت الحدة لتخفي توترها قائلة: قولنا قلة أدب لأ.

تصنع البرائة قائلاً: بوسة بريئة، حتى بصي. قبل رأسها ثم جبهتها واحتضنها، ليجدوا علي مفسد لحظات السعادة مثل والده، يهتف بتذمر: ما تفايا تحضنوا بعض بقا وتنذلوا عشان أنا عاوز تاتوه. أغمض حمزه عيناه بغضب والتفت يمسك زجاجة المياه الفارغة يقذفها نحوه قائلاً: فصيل زي أبوك بالظبط. *** مرت سبع سنوات على زواجهم، بين شد وجذب، حزن وفرح، خلافهم لا يستمر ليوم كامل أبداً.

وها هو الآن يجلس على الأريكة الموضوعة بالحديقة ليسمع صوت صراخ مزعج يعلمه علم اليقين. ومن ستكون؟ سوي النسخة المصغرة من شذي تركض نحوه. ترك الهاتف من يده يتستقبلها بين يديه، يضعها على قدمه قائلاً باستغراب: مالك ياحبيبتي. ردت بصوت متقطع من وسط بكائها وهي تشير نحو الداخل: ياسين بيتريق عليا. عقد حاجبيه قائلاً باستفهام: ليه بيتريق عليكي. مسحت دموعها بظهر يدها قائلة: بيقولي يا أم لسان. قبل وجنتها بقوة قائلاً بمرح:

على أساس هو اللي بلسان كامل، ماهو تؤامك يعني بنص لسان زيك. مدت شفتيها للأمام قائلة ببراءة: عاوزة توتالاته. نهض يحملها قائلاً بابتسامة: أحلى توتالاته لأحلى ياسمين في الدنيا. دلفوا لبهو المنزل ليجدوا علي وياسين منشغلين بـ البلاستيشن. لتهتف ياسمين بصياح: مس هتلمت تاني خالص يا علي عشان بتلعب مع ياسين وأنا مش بتلمه أصلا. ضحك علي على طريقة نطقها للكلام ونهض يخرج قالب شوكولاتة من جيب بنطاله قائلاً: وكده مش هتكلميني برضوا.

التقطته بسعادة قائلة بعفوية: هتلمك سويه صغيرين. ضحك حمزة وعلي لتنضم لهم ياسمين بالعب. توجه حمزة نحو غرفة الطعام ليجدها منشغلة بوضع الطعام، وقف خلفها قائلاً بابتسامة مرحة: هناكل فراخ فحم النهارده. ضحكت تلتفت له تلف يدها حول عنقه والأخرى تعبث به فخذتله الذي غزاها الشعر الأبيض بابتسامة حب لم ولن تزول يومًا: عيب عليك تعليمك، ياسمين كانت بتعيط ليه. تنهد قائلاً بابتسامة هادئة: اتخانقت مع ياسين. ضحكت قائلة:

حسيت برضوا، نفسي يبطلوا خناق ده وانتَ في الشغل بيجننوا أمي، بيتفقوا عليا والله. ضحك حمزة قائلاً وهو يدخل خصلات من شعرها داخل الحجاب: شايفينك عيلة، بيلعبوا معاكي. عقدت حاجبيها بتذمر قائلة وهي تبتعد عنه: طب مش هكلمك تاني، ولا أقولك روح اتجوز واحدة مش عيلة. ضحك حمزة وهو يتجه للخروج قائلاً: ما خلاص اتدبست فيكي. *** احتضنها من ظهرها قائلاً بمرح: بهويا، انتِ هتعيشي معايا. التفتت تمد يدها بطبق به خضروات قائلة بابتسامة:

ساعدني يساعدك ربنا وحول معايا. أمسك الصحون منها قائلاً بعبث: كل طبق عليه بوسة، يا إما مش هحول. ضحكت ريناد قائلة: خلاص موافقة. خرج حسن ليفوجئ بكورة تصطدم بوجهه، صاح بألم وترك الصحون لتسقط متهشمة على الأرض ووضع يده على أنفه. خرج حمزة وخلفه شذي وريناد سريعاً. أنزل حسن يده من على وجهه ينظر نحو ياسين بشر، لينطلق راكض خلفه وهو يتوعد له، وريناد وشذي يضحكان وهم ينظفوا الفوضى، وحمزة وعلي وياسمين كذلك. ***

جلس الجميع بالحديقة، علي وياسمين وياسين يلعبون، وريناد وشذي وحسن وحمزة يتحدثون. نظر نحوها بتلقائية وهي تضحك، تزداد جمالاً يوماً بعد يوم، يزداد حبها بقلبه بطريقة لا يقدر أحد على وصفها، أصبح قلبه ملك لها، لا يقدر على أن يجعلها تنام حزينة، ببساطة، لا تهون على قلبه. مجرد حزنها يجعل العالم يضيق به، هي تغيرت لأجله، وهو تغير لأجلها ومعها. يتذكر عندما أخبرته أنه ليس بالعجوز حتى لا يعش حياته.

غيرت كل شيء به، قلبت كيانه، من أول يوم رآها، وللعجب، تزوجها، تزوج طفلة، طفلته. شعرت به ينظر لها، لتنظر نحوه، فتأكد ظنها. ابتسمت بإشراق، تحبه حب لا تجد له وصف، حبه يغمرها، تشعر به يسري بدمائها، امتنان كبير بداخلها تجاهه، يقوم بكل الأدوار بحياتها، أب وزوج وصديق وأخ وحبيب، كل شيء، تشعر بالاكتمال بوجوده. فارق السن ليس عقبة، الحب ينسيك من أنتَ، تعتقد أنه لن ينسيك، رقم أحمق!

انتهت رحلتنا معهم إلى هذه الحد، أتمنى أن تكونوا استمتعتم معهم وشاركتموهم كل تفاصيل حياتهم. تمت بحمد الله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...